كانت بلدة فيلكار بلدة عادية لكنها جميلة. كانت أسوارها الخارجية أرفع من أسوار أغلب البلدان، ومع أبراج ضخمة مبنية في أرجائها، مما أضفى على البلدة مظهراً مهيباً. وما كان أشد إثارة للإعجاب، وبحق كان مذهلاً، هو الهياكل الشبيهة بالقنوات الممتدة بعرض عشرة أقدام على جانبي السور. كانت هذه القنوات أعجوبة هندسية، إذ تأخذ المياه من النهر المار عبر البلدة وتحولها إلى مورد مدني ودفاعي على حد سواء.
الوظيفة الأساسية لهذه القنوات كانت دعم أنشطة الزراعة داخل الأسوار وخارجها، لكن لم يكن ذلك هو السبب الوحيد لبنائها. وفرت القناة الخارجية دفاعاً عظيماً ضد الجيوش. فتح البوابات المبنية في هذه القنوات كفيل بغمر جزء هائل من المنطقة المحيطة بالبلدة. وبصراحة، كانت أصلاً استراتيجياً عظيماً. إن ضبط التوقيت المناسب، كمية هائلة من المياه يمكن أن تقتل عديداً من جنود الرتبة الأولى والرتبة الثانية، وربما حتى عدداً قليلاً من جنود الرتبة الثالثة.
بينما لم تكن القناة الداخلية فعالة في القتل، لو سقطت الأسوار الخارجية يوماً، لاستطاع الجيش غمر الحقول داخل الأسوار وتدمير الكثير من الطعام والبنية التحتية التي قد تساعد العدو. وقفنا أمام بوابة البلدة الضخمة، متعجبين من الأسوار والقنوات. للمرة الأولى، لم تكن الفرقة بأكملها ترتدي زي الجيش الملكي. حين غادرنا الحصن، غادرنا بملابس مدنية، وكان لذلك تأثير هائل في فرقتي، كأن ضغطاً ما قد أزيح عن كاهلهم.
طوال الرحلة بأكملها، زاد مقدار المزاح والطرف إلى درجة عبثية. لحسن الحظ، استُثنيت أنا وبيتر من أغلب تلك المزاحات. ارتداء الملابس المدنية جعلني أدرك أمراً أيضاً: أنا وفرقتي بأكملها لم نكن نملك تقريباً أي ملابس. بالنسبة لفرقتي، كان الأمر منطقياً. كانوا مجرمين، وليست سلطات المدينة هي من ستأخذك للتسوق بمجرد إلقاء القبض عليك وتجنيدك. مُنحوا طقمين من الملابس، وانتهى الأمر.
للأسف، كنت في حالة أسوأ بكثير منهم. لم تكن لدي أي ملابس متاحة لنفسي. كانت لدي ملابس تدريب مُنحتُها أثناء التدريبات في ستونغيت، لكنها لم تعد تناسبني. بينما ظل طولي كما هو حين كنت في الخامسة عشرة، فقد اكتسبت عضلات، ولذا لم تعد الملابس تناسبني. لحسن الحظ، زودني بيتر بقميص وسراويل للرحلة. لولا ذلك، لاضطررت للسفر بزي الجيش الملكي. لم يكن الأمر أننا ممنوعون من السفر بالزي العسكري، لكن إن ارتديتُه، كُلفْتُ بأن أتصرف كرقيب.
حمل زي الجيش الملكي احتراماً، وغُرِس فينا أنه بغض النظر عن مكان وجودنا أو الحالة التي نكون عليها، وجب علينا التصرف وفقاً لرتبتنا والحفاظ على كرامة الجيش. لم يكن الأمر أن شخصاً ما في البرية يمكنه إثارة المتاعب لي إن وجدني أضحك وأمزح مع فرقتي. كان ضغطاً نفسياً أكثر من أي شيء آخر. وبشكل ما، جعلني زوج ملابس مُعار أشعر بحرية أكبر من زي الجيش الملكي. قررت أن أول ما سأفعله بعد الوصول إلى بلدة فيلكار هو جلب بعض الملابس لنفسي.
أخيراً، ومع تحرك الطفيل عند البوابة، استقبلنا أحد جنود الجيش الملكي وأحد حراس البلدة. بدا كلاهما متأهباً لمجرد رؤية الأشخاص الذين أسافر معهم، وما كان لي أن ألومهما. كانت فرقتي مكتظة بأفراد طوال القامة وعضليين، وبملابسهم المدنية، بدوا كقطاع طرق أو همج متنكرين. ومع حقيقة أن أغلب البلدان في الشمال كانت في حالة التأهب القصوى، كان رد فعلهم مفهوماً. بمجرد أن أريت أوراقي للجندي، أدى التحية العسكرية بينما اكتفى حرس البلدة بالإيماء.
وبعد مراجعة الوثائق، قطب الجندي حاجبيه.
سأل: "أيها الرقيب، أوصل الجندي بيتر روسكو مع فرقتك؟".
قلت: "نعم"، مشيراً إلى بيتر الذي كان واقفاً على بعد خطوات قليلة خلفي.
قال بتوتر: "أيها الرقيب، عليك الانتظار بضع دقائق. توجد هنا تعليمات تأمرني بمراجعة رقيفي قبل السماح لفرقتك بالمرور".
أومأت، مشيراً إليه بالمضي قدماً في أي إجراء يُطلب منه اتباعه. ثم التفتُّ إلى بيتر ورمقته بنظرة تساؤل.
علق باري: "أيعمل الأب السيد على إثارة المتاعب لطفله الصغير؟"، مما جلب له نظرة غاضبة من بيتر بينما ضحك بقية أفراد الفرقة.
كان بيتر يحترم والده أكثر من اللازم بقليل، لذا في إحدى الأيام حين كنا نناقش عائلاتنا، وصف باري عرضاً والد بيتر بالمتوحش العجوز، مما أحدث نقاشاً حاداً بينهما. كادا يشتبكان بالأيدي، ولحظ توتر بيتر، ومنذ ذلك الحين، اعتاد باري منادة والد بيتر بالأب السيد. تنحنحت لأكسر معركة الحدق بين بيتر وباري. التفت بيتر إليّ، ووجهه محمرّ حرجاً. وبالنظر إليه، انفجرت ضاحكاً. ذكّرني وجهه بحياتي الماضية.
بدا أشبه بطفل أحرجته عائلته أمام أصدقائه. بعد خمس إلى عشر دقائق من المزاح مع بيتر، عاد الجندي أخيراً، لكنه لم يكن وحده. كان معه شخص آخر.
قال الوافد الجديد: "الرقيب إدوارد، أهلاً بك في بلدة فيلكار. أنا الرقيب المتمركز عند البوابة الجنوبية".
"سعيد بلقائك أيها الرقيب. أيمكنني السؤال عن سبب هذا التأخير؟ المفترض أنني في إجازة، وبعد السفر لعشرين ركباً، أود حقاً الاستراحة".
"لدي أخبار سيئة لك أيها الرقيب. لا أظن أنك ستنال قسطاً من الراحة قريباً. أمر النقيب روسكو شخصياً بإحضارك أنت وفرقتك إلى مبنى القيادة فور دخولكم البلدة".
تنهدت وهززت رأسَي مستسلماً. كنت أعرف أنني سأقابل نقيباً آخر شخصياً في هذه الرحلة. لم أوقع فحسب أن يحدث ذلك بهذه السرعة. تبعتُ أنا وفرقتي الرقيب بفتور نحو مبنى القيادة في البلدة. لكن حين اقتربنا من المنطقة المركزية للبلدة، توجه انتباه الفرقة بأسرها نحوها. كنت أعرف أن نهراً يمر عبر وسط فيلكار، لكنني لم أكن أعرف كم استخدموه بشكل إبداعي لتشكيل حصن منيع تقريباً في مركز البلدة.
حتى تسمية حصن بدت خاطئة. بدا الأمر أشبه بلدة صغيرة مبنية فوق نهر. داخل سور فيلكار الدائري الداخلي، الذي بلغ نصف قطره كيلومترين، كانت المنطقة بأكملها مغطاة بالمياه. دخل النهر البلدة الداخلية من الشرق، مغذياً هذه المنطقة الشبيهة بالبركة الضخمة، وغادر من الغرب. في هذه البركة التي تبلغ مساحتها اثني عشر كيلومتراً مربعاً تقريباً، كانت هناك نحو مئة جزيرة بأحجام مختلفة مرتبة في أربع حلقات متحدة المركز، مع استضافة الجزيرة المركزية الكبيرة للحصن.
احتوت الجزر المتبقية على مبانٍ تخدم وظائف رسمية مختلفة، لكن يمكنني أيضاً رؤية خمس أو ست جزر سكنية. إن كان علي التخمين، فتلك حيث تقيم عائلات النبلاء في البلدة. كانت كل الجزر متصلة بالجسور، ولكن بطريقة تجعل القيادة قادرة، إن أرادت، على قطع الاتصال بين كل حلقة لمجرد كسر بضع جسور خشبية.
سألت مشيراً إلى أكبر جزيرة: "بيتر، أذاك الحصن هو مبنى القيادة؟".
أجاب بيتر: "نعم، لكنه أيضاً قاعة البلدة. حين احتُلت قرية فيلكار ثُم حُررت لاحقاً من فروستهولو، تعاونت رتبتا فرسان من أڤالون، إحداهما تتكون من سحرة الأرض والأخرى من سحرة الماء، لبناء ذلك الحصن والسور المحيط بالبلدة الداخلية كخط دفاع أخير ضد فروستهولو. لكن مع مرور الوقت، ومع استمرار أڤالون في التوسع نحو الشمال، قلّ العبء على الحصن، ومع نمو البلدة في الحجم، زادت احتياجاتها الإدارية. لذا قبل نحو خمسين عاماً، حول والدي والعمدة في ذلك الوقت الحصن إلى مساحة مشتركة تستضيف الجيش الملكي وإدارة البلدة معاً. كما أسسوا البلدة الداخلية ببناء كل هذه الجزر في ذلك الوقت تقريباً".
سألت: "أالعمدة ساحر ماء؟".
أجاب بيتر: "لا، لكن قائد حراس البلدة هو كذلك. إنه أكبر سناً من والدي وكان جزءاً من رتبة الفرسان التي بنت هذا الحصن. لذا حين تقاعد، بدلاً من تأسيس بيته تحت سيد الرتبة، طلب الإذن لتأسيس بيته هنا".
أومأت. كانت هناك ثلاثة أنواع من النبلاء في أڤالون. الأول هم النبلاء بلا أراضٍ، أشخاص لم يكسبوا ألقابهم بل اشتروها بدفع مقدار ضخم من الموارد لأڤالون. ثم جاء أمثال والد بيتر وقائد الحراس الذي ذكره بيتر، أولئك الذين كسبوا ألقابهم ببلوغ الرتبة الرابعة وتقديم خدمات استثنائية في جيش أڤالون الملكي. كان هناك الكثير من أمثال هؤلاء، وأشهر مثال على ذلك هو دوق سيلفربيك، الذي أصبح دوقاً بسبب إنجازاته في الجيش الملكي.
والأخيرة كانت بيوت النبلاء القديمة التي قاتلت إلى جانب العائلة المالكة لتأسيس أڤالون، ومثل ذلك بيوت مثل بيت شيشيرو وبيت بيتراي. بينما كنا نمر جزيرة تلو الأخرى، ظللت أسأل بيتر أسئلة، تارة عن وظيفة المباني، وتارة عن الأشخاص الذين يعيشون فيها. توقفت محادثتنا حين رأى كل منا رجلاً عملاقاً واقفاً خارج الحصن، مع سرية من الجنود الهندام مرتبة خلفه. كان بطول فاريك تقريباً، وبلغ طوله نحو ستة أقدام وأربع بوصات، ومن ضغط المانا الذي كان ينضحه، عرفت أن هذا الشخص فرد من الرتبة الرابعة.
وكان أيضاً والد بيتر. وبالنظر إلى كيفية وقوف فرقتي بعفوية، ومع عدم حمل أغلبنا حتى للأسلحة أو الدروع أو التروس، قطب حاجبيه. كنا نسافر مع عربة للطعام والماء، وهناك حُفظت كل معداتنا.
قال والد بيتر ناظراً إليّ: "لا يبدو هذا كفرقة تابعة للجيش الملكي بالنسبة لي".
أجبته دون حتى تفكير: "ولا تبدو هذه منطقة عدو بالنسبة لي".