ما إن غادرت مبنى القيادة حتى كان لقاء بيتر أول ما فعلت. كانت بلدة فيلكار موطنه، وإن كنت أقضي الشهرين القادمين هناك، فأحرى بي أن أعرف طبيعة المكان وما إذا كانت الإجازة هناك ستكون مريحة أم لا. فقد كنت أرغب حقاً في قسط من الراحة. لم تكن لي قط فرصة حقيقية للاسترخاء واختبار هذا العالم منذ أن استعدت ذكرياتي. عشت في أكسبيلم تحت ظل أبي، وبالكاد غادرت البلدة أو استكشفت طعامها وشرابها.
ولم تكن ستونغيت بأفضل حال. لم أملك مالاً خلال التدريب، وكنت منهمكاً تماماً في البقاء والإحصائيات والمهارات بما يمنعني من الاستمتاع بأي شيء. وما إن ظفرت ببعض المكانة والقوة حتى جرى إرسالي إلى حصن دارو. لذا نعم، أردت إجازة. إجازة حقيقية. وثمة سبب آخر لرغبتي في العطلة تمثل في قرب اكتمال جهازي لفصل المانا. لقد استغلت الوقت الذي قضيناه في حصن دونفيل لأجري تجاربي على الجهاز.
وما بقي لي سوى إجراء تجربتي الأخيرة مع بلورة مانا جديدة والتأكد من صحة نظريتي حول بلورات المانا من عدمها. وسأحتاج بغض النظر عن نجاح التجربة أو فشلها إلى بعض الوقت لأقرر خطواتي التالية. إن تمكنت من إثبات وجود شوائب حتى في المانا غير العنصرية داخل البلورات، وتشكيل نواة غير عنصرية بعد إزالة تلك الشوائب، فسيتعين علي فهم جسد الإنسان. لا ضمان لعمل المانا داخل الجسد بالطريقة نفسها خارجه، ولست ممن يخاطرون بحياتهم دون ضمان نجاح طريقتي بنسبة سبعين بالمئة على الأقل.
أحب حياتي مهماً كانت قاسية، ولست بصدد المجازفة بها. أما إن فشلت تجربتي فسأضطر للتحقق من سبب ذلك أو إيجاد سبيل آخر لتشكيل نواة. لذا لن أذهب إلى بلورة فيلكار إلا إذا استطعت الاستكشاف والتجربة بحرية ودون أن أجر إلى أي صراع سياسي يخص عائلة بيتر أو أي عائلة نبيلة أخرى. وإلا فأفضل البقاء في حصن دارو وقتل بعض الوحوش. وجدت بيتر جالساً على مقعد خارج قاعة فرقتي الكبرى. وبما أن فرقتي قد صارت وحدة دائمة تحت إמרتي، فقد انضم بيتر كذلك إلى بقية أفراد الفرقة في القاعة عوضاً عن البقاء مع فرقة أخرى.
وكانت الفروق بينه وبين بقية الأفراد قد تلاشت غالباً، لذا لم يعد هناك أي معنى لوضعه في مكان آخر.
سألني بيتر بفظاظة مشيراً إلى السيف المعلق على خصري: "أيها الرقيب، هل تعرف حقاً كيف تستخدم السيف؟"
لقد أثر فيه قضاؤه أكثر من عام في هذه الفرقة أيضاً. ومع أنه ظل متشبثاً بالقواعد، إلا أنه لسبب ما فقد رسميته معي، لا سيما حين نكون وحدنا.
أجبته دون تردد: "كلا. أهداه لي القائد، ويبدو جيداً، لذا سيرافقني حيثما ذهبت منذ الآن."
تساءل بيتر: "لمَ لا تتعلم بعض الأساسيات؟ قد تفيدك في القتال القريب."
"ليس لدي مدرب. علاوة على ذلك، أحاول بناء أسلوبي بالرمح. بالكاد أملك وقتاً لأتعلم سلاحاً آخر."
كنت منشزاً تماماً في الوقت الحالي بابتكار مهارة رمح قائمة على المانا. ولم أكن أريد تأثرها بإضافة سلاح جديد. أما القتال قريب المدى فأفضل السكاكين الرماح فيه. كنت أكثر خفة، وحين أطلي سكيناً بالمانا أستطيع إطالة مداه قليلاً، مما يساعدني على كسر إيقاع قتال خصمي.
قال بيتر: "حسناً، يمكنني تعليمك إن رغبت. قد يمنحك ذلك بعض الإلهام لأسلوبك."
"أه، لقد نسيت تماماً، فباعتبارك من سلالة نبيلة، لا بد أنك تحسن استخدام السيف."
أجاب بيتر: "نعم، نتدرب على السيف والرمح كليكما. أنا أفضل بالرمح، لكني أتقن السيف بما يكفي للصمود أمام جندي عاد."
قلت قاطعاً الموضوع: "حسناً، سأفكر في الأمر. السبب الذي جعلني أبحث عنك هو أن القائد عرض علي إجازة لشهرين، بشرط أن تتوجه فرقتنا إلى بلدة فيلكار لقضاء العطلة. أريد أن أعرف إن كانت مكاناً جيداً للإجازة."
"نعم، فيلكار إحدى كبرى بلدات أفالون، وتكاد ترتقي لتصبح مدينة. عمدة البلدة في المرتبة الثالثة، وقائد الحراس في المرتبة الرابعة. أضف إلى ذلك أبي بوصفه كابتن الجيش الملكي المتمركز هناك، وهناك حضور لاثنين من المرتبة الرابعة، مما يجعلها إحدى أضمن بلدات الحدود. كما يقسمها نهر يجري عبرها، مما يمنع..."
قاطعت بيتر هازاً رأسي وقلت: "حسناً، السلامة والجغرافيا ليست بهذا القدر من الأهمية. ما يزعجني هو أنني أقود ابن القائد، وكما تعلم، لست بارعاً في سياسات النبلاء. أفضل ألا أخذ إجازة إن كان هناك اختبار سياسي يتربص ليقيّم قدرتي كقائد، أو إن كان شخص يستهدفك بألعابه السياسية بينما نكون هناك."
"آه، لا داعي للقلق بشأن ذلك. داري دار عسكرية. إن كانت لدى أي فرد من داري مشكلة معك فسيفاتحك بها وجهاً لوجه. وإن أرادوا اختبارك فسيتحدونك في مبارزة أو لعبة استراتيجية. أما عن النبلاء الآخرين في المدينة فلست الوريث أو ممن يملكون تقارب عناصر جيداً، لذا لا داعي لانشغال بالك بهم."
تنهدت قائلاً: "هذا جيد. أما المبارزات فلن تكون سيئة تماماً."
"همم... لكن ثمة أمر ينبغي أن أتحذرك منه. بينما كان أبي ينظر إليك باستحسان في البداية، وصلتني في الرسائل الأخيرة مؤشرات على وجود مشكلة لديه معك، أو بالأحرى مع الفرقة التي اخترتها لتكون فرقتك الدائمة."
قطبت جبلي لحديث بيتر ثم هزرت كتفي ببساطة: "حسناً، إنه أبوك."
سأل بيتر وكأن كلماتي أغضبته: "ماذا تعني بذلك؟"
أجبته: "ماذا؟ لست كمن أعجبه طريقتي في قيادة فرقتي في البداية. سيكون الأمر مثيراً للدهشة حقاً لو وافق على فرقتي."
وقبل أن ينطق بيتر بحرف، مضيت في طريقي قائلاً وأنا ألوح له: "أراك غداً في ساحة التدريب."
لقد أكد حديثي مع بيتر خطتي بالتوجه إلى بلدة فيلكار، ويرجع ذلك أساساً إلى علمي بأن أبا بيتر لا يحبذ فرقتي، مما يعني أنه سيراقب تحركاتهم. ورغم أنني أستطيع الوثوق بهم في البرية، إلا أنها المرة الأولى التي يقتربون فيها من المدنيين. ولم أكن واثقاً من تصرفاتهم في البلدة، لذا لم يكن وجود قائد جيش مرتاب منهم مسبقاً ويعرف هويتهم أمراً سيئاً. سيتولى مراقبتهم ويضمن التزامهم بالحدود.
بعد إبلاغي القائد بقراري، توجهت إلى غرفتي وأمعنت النظر في جهاز فصل المانا. لم يعد الصندوق الذي صنعته في البداية. بل أصبح صندوقاً تخترقه شبكة من الأنابيب الملفوفة. يبدأ الأنبوب من اليسار، ويلتف عبر أعلى الصندوق، ثم يهبط من منتصف الملف وينتهي في جوف الصندوق. صُنع الأنبوب من أنواع مختلفة من الصلصال التي جمعناها، وبأصغر فتحات ممكنة. سيُعرض ذلك المانا لمساحة سطحية واسعة من الصلصال ويمنح الصلصال وقتاً كافياً لامتصاص المانا العنصرية.
فعّلت قاعدة الصندوق المقسمة إلى ستة أجزاء، خمسة أقسام مصنوعة من صلصال الأرض والريح والنار والظلام والماء، وقسم واحد من سائل خالٍ من المانا بات يبدو أشبه بعجينة. وغُطيت قاعدة الصلصال بأعشاب من نوعه. لقد اكتشفت أن إمداد جزء من الصلصال بالمانا يفعل القسم بأسلحه. لذا بينما عرضت الطبقة السفلى للمانا من الأعشاب، فإن الجزء العلوي من الصلصال داخل الصندوق سيمتص المانا العنصرية بداخله.
والأمر ذاته يحدث مع عجينة المانا. وما إن تنشط الطبقة السفلى، وبعد خمس عشرة دقيقة حين يُمتص معظم المانا، أُعطل القاعدة. وحينها أضع بلورة المانا على الجانب الأيسر، فوق حامل صنعته بالقرب من مدخل الأنبوب. ومع امتصاص معظم المانا داخل الصندوق، يتدفق المانا تلقائياً عبر الأنبوب نحو المنطقة التي تعاني من نقص المانا. وحين بدأ المانا بالتدفق عبر الأنبوب، حبست أنفاسي. قد يكون هذا أهم لحظة في حياتي.