قلت وأنا أطلق طاقتي السحرية كأنما أستعد للقتال: "أوكلتم متفقون على هذا القرار؟"
كنت مستعداً أصلاً لفقدان منصبي، لكن هذا لا يعني أنني سأجعل أمر سلبه منّي يسراً. أشاح فيكتور وكاليب بوجهيهما وعجزا عن مبادرتي النظرات. وأنزل آرون رأسه أيضاً كأنه يخشى أن أشير إليه بشيء. أما كولين وروان فثبتا في مكانيهما. ومما زاد الدهشة أن كولين هو من تكلم لا روان.
فقال: "نعم نتفق، وما أنت بفاعلٍ شيئاً حيال ذلك".
أردت تحطيم فك كولين وأنا أسمع كلامه. ولم أصدق أنني عددته صديقاً يوماً وأنا أنظر إليه هكذا. لكنه كان مصيباً. لم أستطع فعل شيء. إنها قاعدة عسكرية. وبدباغة مبسطة، في غياب الضباط الأعلى رتبة، إن فقد العسكريون المتساوون في الرتبة ثقتهم في القائد الميداني، جاز تعيين قائد ميداني جديد بموافقة الأغلبية.
كانت هذه القاعدة تُستخدم عادة في حالات القتال الفعلية، لكن تطبيقها هنا ظل متاحاً.
فسألت: "ومن سيكون قائد القتال الجديد؟"
فأجاب روان: "أنا القائد، كما كان ينبغي أن أكون منذ البداية".
أدهشتني الثقة في صوت روان. ها أنا ذا شخص أثبت نفسه أمام جميع الجنود في رحلة القدوم هذه، وحتى أنا لم أظهر قط هذا النوع من الثقة. وما زلت أتردد في القول إنني أصلح للقيادة. وفي تناقض تام مع ذلك، وقف روان هنا مطالباً بمنصبي، وهو من أثبت خطأ خططه مراراً.
قلت من غير أن أناديه حتى برتبة رقيب: "لا مانع عندي من اتباع روان، لكن أريد معرفة ما قادكم جميعاً إلى هذا القرار. ما الذي يجعل روان أكثر أهلية لقيادة وحدة القتال؟"
فقال: "أنا—"
فقاطعت روان في منتصف كلامه قائلاً: "لا أسالك أنت. أنا أسال الآخرين".
لن يجلب لي إظهار عدم الاحترام له سوى مزيد من الصعوبات، لكنني كان طيَّ عليَّ أن أحمي ظهري منه على أي حال. فلأجعله يعرف ما أظنه بشأنه إذن. احمر وجه روان. وانتظر كولين أن يتكلم الرقيبان الآخران، وتكلم آرون لحسن حظه.
"أرجوك يا رقيب إدوارد، لا تعد هذا الأمر موجهاً ضدك. أنت شاب وما زال أمامك الكثير لتتعلمه. وما زلنا وحدة واحدة. نحن فقط نرى أنك أصغر قليلاً من أن تقود، لا سيما بالنظر إلى الوضع السياسي في القرية. ونحن نعلم مسبقاً أن معظم القرويين والهمج يقف بعضهم ضد بعض. وهنا تتطلب القرارات شخصاً يحسن اتخاذ الخيارات الصعبة. ولدى الرقيب روان خبرة في هذه الأنواع من القرارات. وبإمكانه مساعدتنا جميعاً. لقد أقام الرقيب روان علاقة طيبة بالفعل مع القرية، بل وحصل لنا بالأمس على دعم إضافي قليل من زعيم القرية. وهذا سيمكننا من إنجاز عملنا بسرعة".
لم أصدق كلام آرون. فبعد روان، كان آرون أكثر المستفيدين من مشكلة القيادة هذه. ومن البدهي أن يبتدع طريقة ما ليقنع نفسه بأنني لا أصلح للقيادة. لكن عبارته الأخيرة أدهشتني. فلم أكن أعلم أن روان قد بدأ بالفعل التعامل مع زعيم القرية. تنهدت ونظرت إلى آرون، ثم إلى كاليب وفيكتور.
فسخرت قائلًا: "لقد رأيت القرارات السياسية التي يتخذها، قرارات تركز على الحلول قصيرة الأجل أكثر من إيجاد السبب الجذري. أرجو ألا تندموا على ذلك".
دفعت طريقي بين الرقيبان من غير انتظار لردّهم. وهممت بالمغادرة فتوقفلت والتفتُّ للوراء.
قلت: "سأتلقى الأوامر العسكرية من روان، لكن لا تنسوا أن هالفا صار جزءاً من فصيلي الآن. وأي هجوم عليه يُعد خيانة".
ثم شققت طريقي إلى البيت المخصص.
وما إن دخلت الصالة حتى نظرت إلى بيتر وسألته: "أجدّ جديد بخصوص باري؟"
فأجاب بيتر: "نعم. البارحة تقاطعت طريقي به وأعلمني بأنه أمضى الأيام الأولى في حانة. وهو يحاول إيجاد طريقة لمصادقة الدراكنير".
فأمرته قائلاً: "انظر إن كان بإمكانك زيارة الحانة التي يقيم فيها اليوم. لم أعد أريده مركّزاً على الدراكنير. قل له أن يركز على زعيم القرية. وانظر إن كان بإمكانه إظهار شيء من قوته القتالية والانضمام إلى حراس زعيم القرية. أحتاج لمعرفة طبيعة التواصل الجاري بين زعيم القرية وروان".
فسأل بيتر: "أتشك في تورط الرقيب روان في حريق البارحة؟"
فأجبت: "ما كنت أفعل حتى اليوم، لكني علمت للتو أنه قد أقام علاقة جيدة مع زعيم القرية وتلقى مكاسب من ذلك بالفعل".
قال: "أيّ نوع من المزايا؟"
قلت: "لاشيء غير معتاد، مجرد أيدٍ عاملة إضافية. في قرية عادية، سيكون هذا من مسؤولية رئيس البناء، لكن الأحداث الأخيرة جعلتني قلقاً. قد يكون رئيس القرية وروان قد خططا لأحداث البِارحة لمجرد إبعادي، أو أن روان كان يخطط لشيء ما مسبقاً، وقد منحه الحريق الفرصة المثالية".
لم أكن أعتقد أن روان سيتواطأ مع رئيس القرية. كان ذلك يلامس الخيانة، ومع كل غروره، لم أظن أنه سيذهب إلى هذا الحد. لكن الحذر لا يضر. أيضاً، كان لديّ من يعرف عن الدراكنير بالفعل. سيكون السماح باري بجمع معلومات عنهم أمراً زائداً عن الحاجة الآن، لذا فإن أفضل مكان لضمه سيكون بالقرب من رئيس القرية.
رد بيتر: "سأنفذ ذلك".
"بيتر، أيمكنك إحضار هالففر إليّ أيضاً؟"
أومأ بيتر برأسه وغادر المنزل ليحضره. وفي غضون ذلك، جهزت له العتاد. كانت هذه ترساً ورمحاً ودرعاً قياسية للجيش، ولا شيء يقارن بجودة عتاد فصيلي. ولم أكن على وشك تسليم عتاد رونيّ لشخص سيصبح عضواً مؤقتاً فقط في الفصيل. وما إن أحضر بيتر هالففر، حتى طلبتُ من بيتر أن يتركنا بمفردنا.
قال هالففر بنبرة توسل تشبه المحاولة الأخيرة اليائسة لشخص يحاول إنقاذ شعبه: "أيها الجندي، لا أعرف ما تريده مني، لكن اقتلني هنا فحسب. أولئك الفتيان ما زالوا صغاراً وسريعي الغضب، لكن بدونهم، سيموت أطفال الدراكنير جوعاً".
أخفتْ كلماته بعض الإحباط الذي شعرتُ به تجاه قراري.
"لا، لن أقتلك".
بدت على وجهه ملامح الرعب، ربما لأنه ظن أنني سأجعل من ذلك عرضاً عاماً.
قلت: "ولن نقتلك علناً أيضاً".
استغرق هالففر ثانية ليعي كلماتي. وحين فعل، زال القليل من التوتر عن كتفيه، لكن بدا وكأنه ينتظر مني أن أذكر مطالبي.
قلت مشيراً إلى الشارة والعتاد الملقيين على الأرض: "ستنضم إلى فصيلي. هاتان شارتك وترسك ودرعك ورمحك. فصيلي هو فصيل الموت التابع للجيش الملكي، حيث يُوضع المجرمون. ستنضم إليه الآن".
سأل وقد عاد الرعب إلى وجهه، كأن الانضمام إلى الجيش الملكي سيّان كالموت: "لماذا؟ ماذا فعلتُ لك؟"
ثم تبدلت نظرة عينيه فجأة إلى شيء رأيته مراراً وتكراراً في الوحوش. تشابهت عيناه مع عيون حيوان جريح يستعد للهجوم الأخير. ظننتُ في البداية أنه سيهاجم، لكن عندما انتقلت نظراته إلى الرمح على الأرض، عرفتُ ما يرمي إليه. أطلقتُ مانا الخاص بي، فأجبرته على التراجع، ثم مددتُ يدي وأمسكتُ بكتفه قبل أن يتحرك.
"قبل أن تفعل أي حماقة، استمع إليّ. إن متَّ، فسيكون هدفهم التالي أولئك الشبان الذين كانوا يقاتلون بالأمس. ومن أجل إنقاذك، فقدتُ منصبي كقائد أيضاً. والآن سيتعين عليّ اتباع أوامر شخص آخر، حتى لو كانت تلك الأوامر هي قتل شباب الدراكنير".
توقف هالففر عن المقاومة ونظر إليّ مندهشاً. وتجاهلتُ تعبيره وتابعتُ حديثي.
"أعلم أنك لا تريد أن تكون في الجيش الملكي، وأنا لا أريدك في فصيلي أيضاً. لكن الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها كلينا الحصول على ما نريد هي معرفة من أشعل الحريق. لديّ خططي الخاصة للعثور على المسؤولين، لكنك تعرف هذه القرية وأهلها أفضل بكثير من أي منا".
سأل هالففر بذهول: "لماذا تفعل هذا؟ ماذا تريد؟ ظننتُ أنك تريد قتلني".
"لاشيء. لا أريد منك شيئاً. السبب الوحيد الذي جعلني أقول تلك الكلمات بالأمس هو معرفة ما إذا كنت المسؤول عن الحريق أم لا".
"هذا لا يفسر حتى الآن سبب فقدانك لمنصبك من أجلي".
"الأمر لا علاقة له بك. لديّ أسبابي الخاصة. وكل ما أريده منك هو المساعدة في التنقل في هذه القرية والمساعدة في معرفة المسؤول عن الحريق. هذا كل شيء".
أومأ هالففر برأسه.
"هاك، ارتدِ هذه الشارة طوال الوقت. أريد منك أن تذهب لتتحدث إلى قومك. اشرح لهم وضعك، واطلب منهم تجنب إحداث أي مشاكل لبعض الوقت، وانظر إن كان بإمكانك معرفة ما إذا كان أحد قد رأى ما حدث. أعتقد أنهم سيستجيبون لك بشكل أفضل مما يفعلون مع أي منا".