قال: "باري، سيلاس، ثمة تعديلات على دوريكما في مهمتنا الجديدة".
وقفا أمامي بينما يقف بيتر إلى يمني. كنت للتو عائداً من مكتب الملازم سيسيرو، بعد أن نلت موافقة الملازم والنقيب على خطتي. أجريت اجتماعاً للفصيلة فور تلقي المهمة، وأطلعتهما الآن على خطتي الجديدة.
قال: "جئت للتو من اجتماع مع بقية العرفاء، وبعده أجريت تعديلات على خططي للمهمة".
أثار كلامي اهتمام الثلاثة، وبدا بيتر أكثرهم اهتماماً.
"لن يكون لكما أي دور قتالي طوال معظم المهمة. أريَد أن تنضما إلى فريق البناء كعامّة، وتراقبا بقية العرفاء. حين نبلغ قرية الحدود، يا سيلاس، أُريد منك مواصلة التظاهر بأنك عامل بناء، لمراقبة ما يدور هناك، أما أنت يا باري، فحاول التسلل من فريق البناء والاندماج مع القرويين. أود معرفة السبب الحقيقي للتوتر في القرية، ومعرفة ما إن كان بإمكانك الاقتراب من شبه الهمج هناك".
تخحنث بيتر لجذب انتباهي: "ممم، أيها العريف. أيها العريف، فصيلتنا مشهورة بأنها لم تفقد أي فرد لفترة طويلة. فجأة، إن ظهرنا وخصمنا فرضان، سيخلق ذلك شكوكاً في عقول العرفاء الآخرين. كما أننا سنحتاج إلى إذن من شخص ذي رتبة أعلى لتنفيذ هذا".
قلت بينما أنا أُناول وثيقة تحمل ختم موافقة النقيب تعينهما عاملين مدنيين لفريق البناء: "لدي إذن من النقيب بالفعل، أما العرفاء، فباري وسيلاس مصابان ويقضيان وقتهما في المستوصف".
سأل سيلاس مندهشاً: "النقيب موافق على أن تتجسس على العرفاء الآخرين؟".
"لا، لكن سبب عدم إخبارنا للعرفاء الآخرين هو أننا نريد لفريق البناء أن يؤمن بأنكما عاملان عاديان وصلا متأخرين إلى الحصن. بإخفاء هويتكما عن العرفاء والجنود، نتفادى أي زلات ونضمن أن يعاملوكما تماماً مثل عمال البناء العاديين".
سأل بيتر حاجبًا مرفوعاً، مظهرًا عدم تصديقه أن سبباً واهياً كهذا سيقنع النقيب: "وهذا كافٍ لإقناع النقيب؟".
فأجبت: "ليس النقيب، بل الملازم سيسيرو هو من أقنعه. لا أعرف كيف. لقد أضفت أن إدراج باري وسيلاس في فريق البناء يضمن أمن الفريق طوال الوقت ويسمح بالرد السريع إن ظهرت أي مشاكل من القرويين".
"لكن يا باري، ويا سيلاس، كانت تلك هي الأسباب التي قدمناها للنقيب والملازم فقط. فيما بيننا في هذه الفصيلة، أنا لا أثق ببعض العرفاء الذين نعمل معهم. بما أن هذه المهمة طويلة الأمد، سأتخذ بعض التدابير المتطرفة لكي لا يعبثوا معنا ويؤثروا على سجل مهمتنا. قد أكون بالغت في هذه المهمة، لكن لسبب ما يراودني شعور بأن عليّ فعل هذا. لذا، الوقت الوحيد الذي أُريد منكُما أن تكشفا فيه عن كوْنكما عضوين في فصيلتي هو أنأمركما بذلك مباشرة"، قلت ذلك بكل جدية.
"هاهاه".
فجأة، شرع باري الذي ظل صامتاً طوال الوقت يضحك. نظرت إليه عابساً، مربوكاً من نوبة باري.
قال باري، سعيداً وفخوراً، كأن شكّي في زملائي الجنود أمر جيد: "كنت أعلم أنني أحسنت الاختيار باتباعك".
بصراحة، أحياناً لا أشعر بالرضا حيال شكّي في الجميع. الأشخاص الوحيدون الذين كان من السهل الثقة بهم في الجيش هم أولئك الذين كانوا محاربين أكثر وكونهم قادة، أشخاص مثل العريف كول، أو والتر، أو فيكتور.
سأل باري مبتسماً ابتسامة بلهاء: "كنتُ أترقب شيئاً كهذا منذ وقت طويل. كانت حياتي تفتقر للتخفي منذ أن جُنّدت في الجيش. قل لي، إن سرقت بعض سيوفهم أو أموالهم، هل سيكون الأمر مقبولاً لديك؟".
قبول باري السهل كان سبباً في جعله مثالياً لمهمة كهذه. كنت أعلم أنه سيحب هذه المهمة. كانت لديه موهبة في التخفي وخداع الناس، لكنني لم أستطيع السماح له بالسرقة. كانت هناك حدود للحرية التي سأمنحها إياه.
قلت لباري: "لا! لا تفكر في الأمر حتى. إخفاؤكُما عناء كافٍ. إن سببتَ لي مزيداً من المتاعب، فسأضطر لمعاقبتك. أتعلم ماذا؟ تأكد من ألا يسرق أحد شيئاً. إن اختفى أي شيء، فستكون مؤخرتك هي الثمن".
لكن تحذيري لم يغير تعابير وجه باري، وكنت أعرف السبب. بغض النظر عن سعينا للنمو قوة، كان هناك شيء واحد يوحد الفصيلة وهو عدم ثقتنا بالنبلاء.
سألت سيلاس: "سيلاس، وماذا عنك؟ هل أنت راضٍ عن المهمة؟".
أجاب سيلاس مبدياً قلقاً وجيهاً: "نعم، أيها العريف، يبدو الأمر ممتعاً، لكن كيف يُفترض بنا تقديم المعلومات التي نجمعها؟ إن ظللنا نتنقل بين جانب العمال وجانب الجنود، سيلاحظ الناس ذلك".
"أثناء المسير، سأجعل فصيلتنا قريبة من العربة التي ستكونان فيها. حين ترغبان في تمرير المعلومات، أرسلا بعض طاقتكما السحرية إلى حذائكما. وما إن تراني أنا أو بيتر قرب عربتكم، ابدآ جملتكم بعبارة «أه يا باري/سيلاس، لن تصدق ما سمعته...». بمهاراتي ومهارات بيتر، يجب أن نقدر على التقاط محادثاتكما بسهولة".
كانت أحذيتهما تحمل رخصة الخطوت الصامتة، وبعد عام من استخدام تلك الرخص، كان بوسعي رصد تداخل أي طاقة سحرية غريبة معها بسهولة.
قلت: "بعد أن نبلغ القرية، ستكون مهمتكما أنت وباري إيجاد بقعة منعزلة بعيدة عن أعين القرية للاجتماع. وحين تفعلا، جدا أي شخص من فصيلتنا وأعلماه بالمكان. اجتماع بين أشخاص سافروا معاً يجب ألا يسبب أي مشاكل".
خضنا في تفاصيل أخرى قليلة، ناقشنا بمعظمها القرارات التي يجب اتخاذها في حالات الطوارئ ومتى يمكنهما استخدام قدراتهما القتالية الفعلية.
* * *
في اليوم التالي، غادر باري وسيلاس فصيلتنا. مر بقية الأسبوع بالاستعدادات العادية للمهمة. عقدت اجتماعاً إضافياً مع العرفاء، حيث وُجّه لي النقد لعدم إبلاغهم مسبقاً بأن أفراد فصيلتي مصابون، لكني صرفت الأمر، زاعماً أن الظروف القاسية في ذلك اليوم جعلتني حذراً بشأن مشاركة المعلومات. أخيراً، حان وقت مغادرة حصن دارو، ولكن قبيل المغادرة، عقدنا اجتماعاً أحيراً عرضت فيه المسار الذي سنلكه بحضور جميع العرفاء، ومشرفي العمال، وملازمين اثنين.
أحدهما كان الملازم سيسيرو، والآخر ظننت أنه الملازم تشارلز رئيس رومان. ما إن حضر الجميع، حتى أشار لي الملازمات ببدء الاجتماع. عرضت خريطة تقريبية مرسومة باليد تظهر دائرتين كبيرتين تمثلان قرية الحدود وحصن دارو، مع تحديد الاتجاهات والمعالم البارزة، ومواضع الاستراحة التي علّمتها بنجوم صغيرة.
"كما ترون جميعاً، تمثل هذه الخريطة المسار التقريبي الذي سنلكه نحو الحدود الشمالية. تحدد هذه النجوم محطات الاستراحة التي سنتوقف عندها للمبيت. سيكون هناك 4 إلى 5 استراحات تتراوح مدتها بين 30 و40 دقيقة كل يوم للطعام والماء. سنمسير لمدة تتراوح بين 12 و15 ساعة يومياً. وللاستعداد للظروف غير المتوقعة، سنقلص مسيرنا كل ثلاثة أيام إلى 8 ساعات، مما يتيح وقتاً إضافياً لصيد الوحوش. سيساعد هذا في تقليل اعتمادنا على المؤن المجففة من الحصن ويترك لنا مؤناً إضافية تحسباً لأي نقص في الطعام بالقرية"، هكذا عرضت خطتي للمسير.
كما هو متوقع، تقدم رومان بنظرة متسائل وقال: "أيها العريف، ألا ترى أن خطتك تضيف مخاطراً غير ضرورية لسفرنا بجعل جنودنا يصطادون كل ثلاثة أيام؟ قد يتسبب ذلك بإصابات، سيما إن كانوا مطالبين بالقتال بعد مسير طوال اليوم. نظراً لحقيقة أن لدينا مؤناً كافية بالفعل، فإن اتخاذ مسار يدفعنا أعمق داخل الغابة لا يبدو منطقياً بالنسبة لي".
أجبت: "نعم، أيها العريف رومان، هذا قلق وجيه، لكن لإيجاد مناطق صيد، حللت تقارير الاستخبارات الخاصة بالأشهر الثلاثة الماضية. أؤكد لك أنه بغض النظر عن المسار الذي نسلكه، سنعبر قطيع تلك الوحوش. الفرق الوحيد هو أن هذا المسار يجعل تلك اللقاءات متوقعة. وبدلاً من أن نكون في حالة تأهب للوحوش أثناء العبور، سنبحث عنها بنشاط. كما أن اتخاذ هذا المسار يقلل زمن السفر قليلاً".
عبس رومان للحظة، ثم أومأ برأسه وتراجع.
ثم نظر الملازم تشارلز إلى خريطتي بتعابير متفحصة، كأنه يجري بعض الحسابات، ثم قال: "عمل جيد، أيها العريف إدوارد. لقد حسبت حساب المؤن والمسافة جيداً. هل أخذت في الحسبان علف الخيول والماء أيضاً؟ سيكون لديك 16 حصاناً، وهي تتطلب موارد كبيرة".
أومأت برأسي.
"نعم، أيها الملازم، صُمّم المسار بحيث نصادف مصدراً للمياه كل يوم، لكننا نحمل أيضاً ما يكفي من الماء ليوم إضافي".
قال الملازم متراجعاً خطوة: "مم، جيد".
ثم نظر إليّ وإلى رومان وتابع: "أيها العريف إدوارد والعريف رومان، يجب أن تحظيا بدعم كامل من رئيس القرية، لكن منصبه غير معين رسمياً من قبل المملكة، لذا فقد يكون غير ملم بقواعد الجيش مثل مسؤولي البلدة. لذا إن أثار أي مشاكل، فاع علما بما يلي: لهذه المهمة، تمتلكان سلطة نقض أي من قراراته، وفي أسوأ الأحوال، تولي أمن القرية بالكامل. لكن هذا يجب ألا يحدث إلا إذا رأيتما أن قرار رئيس القرية سيضر بالجيش أو يعرض المهمة للخطر".
أومأ كل منا أنا ورومان. وبعد الإجابة على بضعة أسئلة أخرى تتعلق بالمؤن، أنهينا الاجتماع. بعد ساعتين، تحرك موكب يضم أكثر من ستين جندياً، مع ثلاث عربات وثلاثين من عمال البناء، خارجاً من حصن دارو، ليبدأ مسيرنا شمالاً.