ألقى الرقيب كول بالجندي الدوريّ أرضاً ثم استدار نحوي بالكامل، وقد ركّز طاقته الفوضويّة وغضبه عليّ أنا بالذات. وما زاد الطّين بلّةً هو تركز كلّ ذلك نحوي. بلعتُ ريقي بتوتر. شعرتُ برعب يضاهي ما شعرتُ به أمام الهمجيّ أو يزيد.
قال الرقيب كول وهو يتقدم نحوي ولم يتوقف إلا حين أصبح على بُعد بوصات معدودة: "إدوارد، فسّر ما يجري".
كان يطوقني بطوله وكأن كلمةً واحدة خاطئة مني ستلقي بي إلى المصير ذاته الذي آلت إليه حال الجندي الدوريّ.
تراجعتُ خطوات للوراء وقلتُ: "لا، ليس هنا".
استدرتُ وابتعدتُ عن الجميع خطىً عديدة وأنا أتنفّس بعمق. كاد ضغط الرقيب ينسيني الأمر جُملةً وتفصيلاً. حين ابتعدنا عن العيون، بادرته بالحديث قبل أن ينطق بحرف.
قلتُ: "أولاً، ما قُلته لم يكن سوى لفتِ انتباهك. لا أظن أن أحداً من فرقتك متورّط".
أجاب ويبدو عليه الإحباط والغضب في آن واحد: "أعلم ذلك. لقد وصلنا للتو. ومن المستحيل تقريباً أن يتواطأ هؤلاء مع الهمج".
"أرجوك يا رقيب، دعني أشرح كيف اكتشفتُ الأمر وما عثرتُ عليه، وبعدها نقرر".
تنفستُ بعمق مجدداً وبدأتُ الشرح قائلاً: "حين كنا في الطريق، لاحظتُ طاقةً غريبة على درعك ودرع بليك. لم ألقِ بالاً للأمر في البداية. فهذا أمر وارد إن كنتم قد أصلحتم دروعكم مؤخراً. وأفترض أنكم زرتم مخزن الأسلحة".
نظرتُ إلى الرقيب فأومأ برأسه موافقاً.
"لكن حين واجهتُ الهمجيّ من الفئة الثالثة، استشعرتُ الطاقة ذاتها على جرابه. لذا كان ج جلّ تركيزي خلال المعركة منصبّاً على انتزاع ذلك الجراب".
"تمكنتُ من قطعه عن خصر الهمجيّ. وحين فتحته، ووجدْتُ بداخله صندوقاً فيه شيء شبيه بالشعر لا يفتأ يشير نحو فرقة الدوريات. ولاحقاً، تأكدتُ من أنكما تمتلكان قدراً يسيراً فحسب من تلك الطاقة الغريبة، في حين تبدو فرقة الدوريات كمنارة تبث الطاقة ذاتها. وكما نعلم، لم تكن فرقة الدوريات تعلم أننا نقتفي أثرهم، لذا..."
أكمل الرقيب جملتي قائلاً: "وحدَهُم كبار القادة في حصن دنفيل كانوا على علم بمهمتنا".
"نجل".
خرجت الكاف وكأنها تنهيدة ارتياح. لقد كنتُ خائفاً رغم تيقني من صحة ما أقوله. فأنا لستُ سوى رقيب وضيع في فرقة موتٍ بلا معارف ولا سند. وتوجيه الاتهام إلى ضباط برتبة ملازم ونقيب قد يكلفني حياتي.
"علاوة على ذلك، كانت الطاقة محجوبة. والسبب الوحيد الذي مكنني من استشعارها هو أنني مبتدئ روناتٍ من الفئة الأولى، مما يجعلني حسّاساً تجاه أي طاقة دخيلة على العتاد نفسه. وأيضاً يا رقيب..."
التقينا بالعيون "...لا أظن أن أي فرد في فرقة الدوريات يحيط علماً بجميع مهام الدوريات".
أشرتُ بذلك إلى تحيزه الذي يمنع تفكيره من الاستقامة. كان همجيان من الفئة الثالثة يتربصان لكمين، ومع ذلك كان ظنه الأول أن أحد أفراد الدورية سرّب المعلومات.
نظر إليّ متسائلاً: "هاه".
فكر لدقيقة ثم سأل: "إذن أخبرني بهذا: لمَ لم يبلغ فرقته بالكمين؟ رأيتَه ينحني أولاً. وأول ما يلقّن لكل جندي هو الصراخ عند التعرض لكمين... قد يكون هو المتورط مع الهمج، لكن من منظوري، بدا سعيداً بهلاك فرقته".
عجزتُ عن الكلام. لم يكن في جعبتي أي ردّ على تساؤل الرقيب، ورغم قضائي نصف يوم في مراقبة فرقتهم، راودني شعور بأن المسألة أبسط مما تظهر عليه.
"لستُ متأكداً يا سيّدي، لكن يبدو الأمر أشبه بمشكلة تلاحُم وتماسك بين أفراد الفريق. دعني أسألك هذا..."
توقفتُ برهةً ثم استأنفتُ كلامي: "...ماذا كنتَ ستفعل لو اتهم ملازمٌ أو رقيبٌ آخرُ أحدَ أفراد فرقتك؟"
أجاب: "كنتُ لأدافع عنه. أثق بفرقتي، ولن أسمح بأن يصيبه مكروه دون دليل".
"ومع ذلك، حين أمسكتَ به، لم يتحرك أحد منهم، ولا حتى بوصة واحدة. في فرقتي السابقة، كان نصفهم ليتفادى السهام ويضحك بعد نجاح الكمين".
لقد تغير قدامى المحاربين في فرقتي؛ وصاروا يبلغوننا الآن، ربما فقط للاستمتاع بمعركة طيبة.
تابعتُ قائلاً: "ربما يجدر بنا أن نسأله فحسب".
أومأ برأسه: "ربما يجدر بنا ذلك".
ثم استقام في قِفْزته ليبدو أطول بقليل ممّا هو عليه.
"لا داعي للقلق. لقد ظفرنا بالدليل المنشود. وبمستشعر الطاقة هذا، يمكننا مطابقة طاقتهم مع طاقة كل جندي حاضر في الحصن. سأُسلم مستشعر الطاقة هذا إلى النقيب؛ فليتولَ إجراء التحقيق بنفسه داخل الحصن".
"يا رقيب، أمتأكد أنت أنه ليس النقيب؟"
كان هذا الهاجس أشد ما أرعبني. ففي النهاية، أخبرني الرقيب كول أن النقيب وحده من يعلم بالأمر سواه. ولهذا السبب ذكرتُ فرقة الطليعة أولاً، فلو ألقيتُ بالتهمة على النقيب من غير دليللكنتُ في عداد الأموات. هذا ولم أدرِ سبباً يدفع النقيب لتخريب جهود رجاله.
أصغى الرقيب إلى سؤالي ثم أطلق ضحكة قصيرة.
قال مؤوماً بثقة: "نعم".
سألت: "لماذا؟"
لماذا كان الرقيب يستبعد القائد من قائمة المشتبه بهم؟ حتى لو وُجد احتمال بنسبة واحد بالمائة لكون القائد خائناً، فلن أعرف حتى كيف أمضي قدماً من هنا.
أجاب مبتسماً وهو ينظر إليّ: "من المستحيل تقريبا رشوة القائد، ولو أراد لفعل هذا وتملص منه دون توريط الطليعة".
ثم أردف: "عندما تُبباد فرقة من الطليعة تتدخل العاصمة. سيخسر منصبه على الأقل، وفي أسوأ الأحوال قد يفقد رتبته النبيلة".
سأل آخذاً نفساً عميقاً: "هل فحصت طاقة المانا لدى كل الحاضرين هنا؟"
أخبرته: "نعم، الجميع. ليس لدى أي من الجنود الحاضرين هنا طاقة مانا شبيهة بتلك التي في البوصلة".
قال الرقيب كول مديراً ظهره نحو فرقة الدورية: "لنمضِ إذن".
وقبل أن يتحرك، أضاف وهو يربت على كتفي: "عمل رائع يا رقيب، مرة أخرى".
وتابع ناظراً في اتجاه الجندي المستجد الصغير الذي كاد يخنقه: "يبدو أنني كدت أدع تحيزي يدفعني إلى ارتكاب خطأ فادح".
بينما شققنا طريقنا نحو الفرق، كان أول ما فعله الرقيب كول هو مخاطبة الجندي المستجد: "أيها الجندي، أتستطيع إخباري لماذا لم تحذر فرقتك من الكمين؟"
بدأ الجندي المسكين يتململ في وقفته. وحتى بعد أن ابتعدنا، لم تكن فرقة الطليعة قد خففت من حذرها. فقد أحاطوا بفرقة الدورية ووجهوا أنظارهم نحو الجندي المستجد نصف البربري، مما جعله متوتراً بالفعل. تلفت حوله ثم استقرت عيناه أخيراً على رقيب فرقته.
"لا داعي للقلق بشأن أي شيء. هذا مجرد سؤال. وكما أشار الرقيب إدوارد، لست مشتبهاً فيه. في الواقع، لقد برأ كل الحاضرين هنا".
أومأت برأسي للجندي مؤكداً كلام الرقيب. أخذ الجندي نفساً عميقاً.
"لقد أمرني الرقيب والملازم ألا أحدث أي ضوضاء عالية أثناء الدورية. أمثالي من الجنود غير مسموح لهم بالمشاركة في الدوريات. لا أعرف لماذا كُلّفت بالدورية، ولكن تلك كانت أوامري قبل تعييني".
بعد الاستماع إلى كلامه، تباادلنا النظرات أنا والرقيب كول وهززنا رأسينا فحسب. كنا نعلم أن النصف بربريين يُعاملون بشكل مختلف؛ ولم نكن نعلم أن الأمر يبلغ حد الإضرار بسلامة فرقهم.
قال الرقيب: "سأرفع تقريراً إلى القائد بشأن المهمة".
ثم تابع ناظراً إلى الجميع: "علينا الرحيل في أسرع وقت ممكن. يمتلك الرقيب إدوارد بعض الأدلة التي قد تكون مفيدة. وقد أعلن براءة كل من هنا. وأنت يا رقيب إدوارد، راقب طريق العودة. انظر إن كان بإمكانك العثور على أي أدلة أخرى حول كيفية تسريب معلومات المسار".
أومأت برأسي.
"حاضر يا سيدي. سأستأذن للذهاب. فرقتي بحاجة إلى العلاج".
بينما بدأت فرقة الدورية وفرقة الطليعة تسلكان طريقهما نحوي برفقتي، وكانت إصاباتهم طفيفة أيضاً، إلا أنني لن أُعالج أحداً قبل تفقد فرقتي. كانت طاقتي على وشك النفاد بالفعل. ولن أهدر أياً منها إن لم يكن ذلك ضرورياً. اقتربت من فرقتي وكدت أضحك بصوت عالٍ وأنا أنظر إليهم. لقد أخذوا كلامي حول عدم توفير عجينة الأعشاب حرفياً. كان كل من كايل وباري مغطيين بها. وُجدت جروح كبيرة على صدر كايل وفخذيه وذراعيه، بينما غطت الجروح ذراع باري وكتفه.
ولكن مع كمية الأعشاب المستخدمة، ينبغي أن يقلل ذلك من استهلاك المانا لدي. فعّلت [جناح الفرز] و[تلاعب المانا] و[استعادة الحيوية]، مرسلاً التأثيرات العلاجية للأعشاب إلى أجسادهم، وأخرجت الضمادة من يد فاريك وبدأت بربطهم بالشكل الصحيح. وما إن انتهيت من العلاج، جلست جانباً وبدأت بإزالة شظايا الحجر من ساقي وظهري. واطمأننت أيضاً على الجنود الآخرين ريثما ننتظر. وبعد ساعة، واستعادة بعض طاقتنا، وقفنا مستعدين لشق طريقنا عودة إلى حصن دونفيل.