قبل شروق الشمس، تجمع فريقي وفريق الطليعة فوق سور حصن دالفيل. تدلى سُلّم من الحافة ليضيع في الضباب الذي غطى التضاريس الصخرية بالأسفل.
سأل باري: "لماذا نخرج من هذا الطريق؟"
أجبتُ بينما شرع فريق الطليعة في النزول على السُلّم: "مهمتنا سريّة. لا نريد إعلام الكثيرين".
رفعتُ يدي حين كاد باري يسترسل في التذمر: "توقف عن الكلام. لا نريد أن يعلم الآخرون"، قلتها بهدوء لأخرسه.
هبطنا إلى حقل تعمه الصخور المُسنّعة والكتل الحجرية. كانت التضاريس وعرة وغير مستوية ويصعب اجتيازها بسرعة. وحدها رقعة ضيقة وممهدة قرب السور سمحت بالحركة السليمة، لتفتح أخيراً على ممر يراوح عرضه بين ثلاثين وأربعين قدمًا. صُعّد الممر خصيصاً لتوجيه جنود العدو. تضاريس كهذه لن توقف زعيماً بربرياً كالذي حاربناه بالأمس، لكنها ستكون مفيدة ضد الجنود منخفضي الرتب والجيوش الكبيرة.
اقتربتُ من الرقيب كول وسألته: "الرقيب كول، أتظن أننا سنكون بخير من دون رولان؟"
لم يكن رولان يسافر معنا، فبعد بتر يده، لم يعد في حالة تناسب القتال.
"سنكون بخير على الأرجح. بما أن هدفهم هو فرقة الدوريات، فلا ينبغي أن يكون هناك أكثر من مقاتلين من الرتبة الثالثة في فرقة الهجوم"، أومأت برأسي موافقاً.
ثم استدار الرقيب كول وخاطب الجميع مشيراً إلى الصخور على جانبي الممر الأوسع.
"سنخفي حضورنا خلف هذه الصخور. بمجرد أن تعبر فرقة الدوريات هذا الممر، سنتبعها".
قلت: "أفترض أن هذا هو الممر الوحيد المؤدي إلى الشمال من حصن دالفيل"، فأومأ الرقيب كول.
سألت: "كيف من المفترض أن نتبع وحدة الدوريات من دون إعلامهم؟ سيتمكن فريقي من الحفاظ على وتيرة مسير أساسية، لكننا لسنا مدرَبين بالقدر الكافي لنتخفى عن حواس وحدة الدوريات".
"نعم، أغلب أفراد الفريق هكذا. سنفعل ذلك على مرحلتين. سيتبع بليك فرقة الدوريات، بينما سنتبعه نحن. وتوماس هنا سيكون مسؤولاً عن تعقب بليك"، قال الرقيب كول مشيراً إلى بليك وتوماس.
كان كلاهما متقفي أثر من فريق الطليعة اللذين كانا يجوبان داخل الغابة، بعيداً عن الجانبين في طريقنا إلى حصن دالفيل. إثر ذلك، تحركنا خلف الصخور، ننتظر ونختبئ ونحدّ من استهلاكنا للمانا، بينما حرص بليك وتوماس على ألا يتسرب أي مقدار من المانا الخاصة بنا خارج المساحة الضيقة التي شغلناها. شعرت بالرغبة في استخدام [الغريزة المُبصرة] لمراقبة كيف يفعلان ذلك، لكني كبحت نفسي.
ربما حين نعود إلى حصن دالفيل. بعد أكثر من ساعة، عبرتنا وحدة الدوريات. وقفنا جميعاً. تتبعهم بليك، وبعد ذلك تتبعناه نحن، بينما تولى توماس قيادة الطريق لنا. واصلنا الرقص، محافظين على وتيرة تشبه الهرولة. حتى من دون امتلاك قدر عالٍ من الرشاقة، في الرتبة الثانية، لا تشكل المهام البسيطة كالركض إزعاجاً لأحد. حتى غاران، وهو الأقل رشاقة في فريقي، كان يستطيع الركض لساعات على مسارات منبسطة.
لكن المناورة وسط تضاريس معقدة كانت أمراً مختلفاً تماماً. لحسن الحظ، حتى الطليعة ضموا بعض الجنود ممن لم يكونوا من أصحاب الرشاقة بالمعنى الحرفي، لذا لم يكن المسلك الذي سلكناه معقداً للغاية. وإلا، خشيتُ أن أضطر لاستبعاد غاران من المهمة. بعد تتبع فرقة الدوريات لفترة من الوقت، نحو منتصف النهار، أخذت فرقة الدوريات استراحة، فتوقفنا بدورنا على بعد نحو خمسين متراً منهم.
لكن عوضاً عن الاستراحة، كنا في حالة تأهب قصوى، نراقب كل حركة لفرقة الدوريات، حريصين على الاستعداد لأي إشارات قد يصدرونها. كانت [الغريزة المُبصرة] مفعلة عندي أيضاً، متأكداً من أنني أثناء مراقبة وحدة الدوريات، لن يفوتني أي شيء يقترب منا. فجأة، قطّبتُ جبيني. شعرت ببصمة مانا صغيرة تكاد تلامس حدود نطاقي. وقبل أن أستطيع تحذير الآخرين، رأيت أطول أفراد فرقة الدوريات ينحني مفادياً السهام.
على بُعد أقل من خمسين متراً من حيث توقفت فرقة الدوريات، خرج البرابرة من خلف الصخور. وما إن كاد فريقنا ينطلق عارماً نحو فرقة البرابرة— أوقفتُ الجميع.
صرخت: "انتظروا! أعداء!"
وقف بربريان من الرتبة الثالثة من خلف الصخور في مكان ما قرب حدود نطاق [الغريزة المُبصرة]. انتزع ظهورهما اللون من وجوهنا جميعاً، ففرقة الهجوم ضمت مسبقاً مقاتلاً من الرتبة الثالثة، وهذان جعلاهما ثلاثة. حتى الرقيب كول توقف لثانية، محاولاً ابتكار إستراتيجية، لكن قبل أن يتسنى له النطق بشيء، تكلمتُ.
"يا رقيب، خذ فريقك ومعك بيتر. سيمسكهم فريقي طالما بوسعنا الصمود".
ومن دون انتظار رده، واصلت.
"فاريك، أنت وأنا سنتعامل مع الزعيم. امضِ بأقصى ما لديك".
"كايل، غاران، باري، أنتم الثلاثة تعاملوا مع الثاني. هدفنا النجاة، لا القتل".
قائلين ذلك، انقسمنا إلى ثلاث مجموعات. بينما ركضنا أنا وفاريك، أسقط درعه.
وحين نظرت إليه، ابتسم فقط وقال: "سأمضي بأقصى ما لدي".
تلألأت عيناه البربريتين إثر رؤية فاريك يسقط درعه ويحمل مطرقة فحسب، يرجع ذلك غالباً لكونه يشبه فاريك، مغطى بدرع عظمي وحاملاً لمطرقة وحدها مع حقيبة صغيرة مربوطة على خصره. قطع فريق كايل طريق أحد البربريين، مانحاً الطليعة ممراً خالياً. بينما اشتبكت أنا وفاريك مع بربري آخر في الأمام، أرجح المطرقة في قوس جانبي، مستهدفاً إياي عند مستوى الخصر. انحنيت على ركبة واحدة، وتلقيت الضربة على درعي.
فرأيت عيني البربري تتوسعان دهشة، كأنه لم يتوقع أن أصد ضربته. وعقب ذلك مباشرة، مرت مطرقة فاريك فوق مطرقتي تماماً، مستهدفة صدر البربري، مما أجبره على التراجع خطوة للوراء.
نهضت، فعاد البربري ليهاجمنا وقال: "الجرذ يستطيع القتال"، ثم أطلق ضحكة وأشعل مطريقته، ليهوي بها عليّ بكامل قوته.
أرسلت المانا إلى درعي، ممدداً حجمه، ليغطيني أنا وفاريك معاً. حين التقت المطرقة بالدرع، خلقت انفجاراً نارياً كبيراً بما يكفي لحجب رؤيتي، بينما تقدم فاريك وهاجم البربري. هذه المرة، كان فاريك يضحك. ومرة أخرى، تراجع البربري خطوة ليضرب، فتبعه فاريك، ضارباً إياه بشراسة. بعد خطوتين جانبيتين، أرجح البربري مطرقته، ملاقياً ضربة فاريك في المنتصف تماماً، ليتخلق مجدداً انفجار ناري عند الارتطام.
وإثر ذلك، طعنت برمحي، مستهدفاً عنق البربري. ومرة أخرى، تراجع خطوة، لكنه بفعلته تلك، شبك مطرقة فاريك بمطرقتي، ساحباً إياها من يد فاريك بقوة استثنائية. لحسن الحظ، لم تسقط بعيداً عنا. لكي أمنح فاريك وقتاً لالتقاط مطرقته، تقدمت إلى الأمام، مغطياً درعي بالمانا. لكمت صدر البربري وأتبعت ذلك بضربات متتالية برمحي، مستهدفاً عنقه وصدره لدفع للوراء. وما تلى ذلك كان ضربة من البربري.
بمجرد كمية المانا المتجمعة، عرفت أنني لن أستطيع صدها، فتدحرجت إلى الجانب. وحين التقت المطرقة بالأرض، خلقت حفرة صغيرة، مع شظايا صخرية صغيرة متطايرة في كل مكان. ثم خطا البربري خطوة نحو فاريك، مستهدفاً إياه بالهجمة ذاتها.
صرخت: "فاريك، تفادَها!"
مخافة أن يحاول تلقيها بشكل مباشر. امتثل فاريك وتفادى إلى الجانب. ومغتنمةً الفرصة، طعنت برمحي من الجانب، مصيباً إياه في خصره، لكن الدرع العظمي والجسد القوي غنيا عن أن ذلك لم يوقع ضرراً كبيراً، لا يتجاوز جرحاً عميقاً ببضع بوصات على جانب خصره. أرجح البربري مطرقته نحوي بعنف هذه المرة، بلا هدف تقريباً. ومع امتداد القتال، كان البربري يغضب. مرت الدقائق العشر التالية بالطريقة ذاتها.
بينما كنت أرقص من حوله، واصل فاريك الضغط بهجمات جبهوية، ومع كل دقيقة، نما إحباط البربري، مرجحاً أنه لم يتوقع للقتال أن يدوم هكذا طويلاً. لأن هذا كان جل ما استطعنا تحقيقه، وبالكاد استطعنا إحداث أي ضرر جسدي باستثناء بضع جروح طفيفة وربما ضلع مكسور من ضربة فاريك. حتى إنه احتفظ بأكثر من خمسة وعشرين بالمئة من المانا خاصته. لكن لم يتسنَ قول الشيء ذاته عنا. عرفت أن فاريك قد نفد رصيده من المانا تقريباً وكان يتباطأ بخطى واضحة، وبينما احتفظ بحوالي ثلاثين بالمئة من المانا، امتلأت ساقاي وظهري بشظايا ساخنة من الصخور المكسورة التي صنعها مع كل ارتطام بالأرض، تاركة إياي في حالة بالكاد تسمح لي بالقتال طويلاً.
لحسن الحظ، وخلافاً له، لم يكن شريكه في الحالة ذاتها. استطعت استشعار ضعف المانا والحيوية لديه. وبينما كان يهاجم، توقف فجأة في منتصف فعله، ونظر نحو صاحب الرتبة الثالثة الآخر، ثم انطلق جاشعاً نحو الحصن البربري مطلقاً نداء البوق، معلناً نهاية القتال. وما إن ابتعد، انهار فاريك على الأرض حيث وقف، بينما تفقدت ساحة المعركة. كانت المنطقة القريبة مني ومن فاريك مغطاة بالحفر.
حيث تواجد كايل وغاران وباري، غطتها علامات شبيهة بالشفرات، غالباً من تقارب عنصر الريح. الفارق الوحيد كان أنهم قتلوا هدفهم، الذي سقط على الأرض برمح نافذ عبر الصدر وسكين باري في إين عينيه. موت البربري ذي الرتبة الثالثة كان سبب الانسحاب، لكن الموت لم يأتِ بلا ثمن. أُصيب كايل وباري. لحسن الحظ، كان اثناهما واعيين، ولم يبدُ أي شيء مميتاً. ونظراً لحالتهما، أخذت حزمة مرهم وقذفت بحقيبتي إلى غاران.
"استخدموا ما تحتاجون إليه، لا داعي للاحتفاظ بشيء. فاريك، انظر إن كان بإمكانك المساعدة"، قائلًا ذلك، التقطت حقيبة البربري التي سقطت بعد هجمتي على خصره وتوجهت نحو الرقيب كول.
أردتُ مداواة فريقي، لكن المعركة كشفت عن أمر قد تترتب عليه عواقب وخيمة، أمر لم أستطع التفكير فيه أبداً. بينما شققت طريقي نحو فرقة الدوريات والطليعة بخطى بطيئة بسبب إصاباتي، وطأ الرقيب كول بقدمه نحو أطول أفراد وحدة الدوريات وأمسك عنقه.
قال الرقيب كول بغقط لم أعهده من قبل، وغطت المانا خاصته المنطقة برمتها محددة إياها بحرارة طفيفة: "أنت كنت الأول في التفادي ولم يصدر منك قط أي صوت لتحذير زملائك في الفريق. أيها البربري النصف أعطيتني تفاصيل عن خطة البربر، وسأجعل موتك سهلاً".
قلت: "الرقيب كول، أقترح أن تدعه يذهب، وإلا فسأضطر لرفع شكوى ضدك لإيذائك جندياً زميلاً".
نظر إليّ الجميع بدهشة. لم يدمِ الرقيب كول يده عنه؛ بل انتقل كل ضغط المانا الخاص به إليّ، لكني استمررت.
قلت: "أنا متأكد من أنه ليس خائناً، لكن لا يمكن قول الشيء ذاته عن فرقتك".