بعد قليل من المشي، افترقت فصائلنا الثلاث. توجّه الطليعة لتقديم التقرير لقائد الحصن، وشقّت فصيلة الإمداد طريقها نحو مستودع الأسلحة لتفريغ الدروع التي تحملها، ولم يكن لدى فصيلتي وحدها ما تفعله. توجّهنا إلى القاعة الكبرى لنستريح وننام. ما إن غادرت الفصائل الأخرى، حتى استرخى أفراد فصيلتي بدلاً من أن يشعروا بالانزعاج ممّا رأوه. عاد ابتسام باري المعتاد، وبدأ هو وفاريك يمزحان، منتقدين مسيرة الوصول إلى حصن دنفيل.
لكنني كنت قد أدركت بحلول ذلك الوقت أن هذه هي طريقتهم في العمل، وكنت أعلم أن أخلاقياتهم وأخلاقياتي ليست متطابقة.
— أيها الرقيب، هل أنت بخير؟
سأل بيتر، مستشفاً مزاجي على الأرجح، وهو يلحق بي إلى مؤخرة الفصيل.
— أظن ذلك...
رددت، ثم استدرت لأنظر إليه، فلم أرى على وجهه سوى انعكاس لوجهي تقريباً، وقد بدا عليه القدر ذاته من الانزعاج ممّا رأيناه.
— وماذا عنك؟
سألت. تنهّد.
— أظنني بخير أنا الآخر.
— أسبق لك أن رأيت شيئاً كهذا؟
سألت.
— قطع الرأس مرة أو مرتين.
حتى في المدن، تُعدّ تلك عقوبة شائعة للخونة، لكنني لم أكن أتوقع أن يكون التعذيب أول ما أراه بمجرد دخول الحصن. رد. أومأت برأسي. مع أن بيتر أمضى في الجيش وقتاً أطول مني، إلا أن التعذيب لم يكن شيئاً تواجهه بانتظام في المدن. أما بالنسبة لي، فقد كان الأمر مزعجاً بدرجة أكبر بكثير. في حياتيَّ كلتيهما، لم أقط قط بمثل هذه المعاملة تُمارس ضد إنسان آخر. لقد عشت حياة منعمة. وحتى بعد قتال الوحوش وقتلها، وهو أمر نزع مني بالتدريج حساسية تجاه الدماء والأشلاء، بدا هذا مختلفاً تماماً.
لم نكن ندع الوحوش تعاني. ونادراً ما رأيت أحداً يستمتع بقتلها. لكن ما رأيته للتو... كان مختلفاً. لقد كانوا يستمتعون بذلك. فجأة، أدركت أين رأيت تلك التعبيرات من قبل. ابتساماتهم... كانت تشبه تماماً تلك التي ارتسمت على وجهي فاريك وغاران أثناء مد القتامة. ربما كنت محقاً. فصيلتي... وُضعت لتقتل. حين وصلنا إلى الموقع المخصص، نظرت إلى بيتر ثم إلى بقية الفصيل.
— أنصح بالابتعاد عنهم قليلاً في الوقت الحالي.
قلت لبيتر. كنت أعلم أن الحالة التي نحن عليها ستزيد الأمور سوءاً لا غير إن بقينا بالقرب من باري وفاريك. عملت بنصيحتي الخاصة. بعد إعطاء التعليمات لبقية الفصيل، ابتعدت ساصراً في اتجاه عشوائي، آملًا في العثور على ساحة تدريب تصفي ذهني وتخلصني من الأفكار التي تثقل كاهلي. بعد وقت طويل، عدت من جديد لأشكك في قراري بالانضمام إلى الجيش. وفي حين أنني تصالحت مع فكرة فقدان الأشخاص وتقبلت الأمر كجزء من الحياة، إلا أن كلمات والتر ظلّت مبدأً توجيهاً جيداً، تذكرني بأنني أمتلك الموهبة والتعاطف اللازمين لقيادة فصيل في الجيش.
لكنني كنت أتساءل هذه المرة عمّا سيحل بي حين أغادر الجيش. هل سأتذكر حتى من أكون؟ أيبقى أي تعاطف؟ أم أتحول إلى شخص لا يهمّه سوى إتمام المهام؟ بعد المشي لنحو نصف ساعة، وقبل أن أتمكن من العثور على ساحة تدريب. ناداني صوت من خلفي.
— من الجيد أنني وجدتك.
استدرت. الرقيب كول.
— كنت أنوي البحث عنك.
قال، وهو يرمش بناظره نحو الأمام. حينها فقط أدركت المكان الذي هيمت إليه. التل. كان مبنى القيادة في حصن دنفيل يلوح في الأمام مباشرة.
— أيزعجك التعذيب؟
تابع الرقيب كول.
— ليس التعذيب وحده، بل جو الحصن بأكمله.
والأهم من ذلك كله، لماذا لا يوقف أحد هذا؟ سألت.
— تعال معي.
قال الرقيب كول، شاقاً طريقه نحو التل. صعدنا الممر الضيق باتجاه التل. لفترة، لم يتكلم منا أحد. قبيل الوصول إلى مبنى القيادة، توقف الرقيب كول. أشار شمالاً.
— أتراهناك؟
قال. وبتتبع اتجاه إشارته، رأيت أسوار حصن آيرنماو، ومثل حصن دنفيل، كانت هناك رؤوس مثبتة على الرماح فوقه، رؤوس بشرية واضحة.
— أتي بك إلى هنا لأريك الطريقة التي يعاملون بها جنودنا.
أما عن ذلك التعذيب، فقد ضرب حصن آيرنماو قبل أيام قليلة تقريباً جميع فصائل الدوريات في حصننا، فقضى على معظمها تقريباً وأسر الباقين. قال.
— أكان البربري الذي رأيناه جزءاً من قوة الهجوم تلك؟
سألت. لم أكن متأكداً مما يرمي إليه الرقيب كول. إن كانت كل فصائل الدوريات قد أُبيدت أو أُسرت، فكيف أسروا بربرياً إذن؟
— لا، لقد أُسر قبل ذلك.
رد، جاعلاً إياي أقطب حاجبي.
— لكن القائد سمح للجنود باستجوابه لنرى إن كان بإمكاننا الحصول على معلومات تساعدنا في استعادة جنودنا، واعلم هذا —سيُعامل جنودنا بأسوأ من ذلك.
قال. تنهّدت فقط. قد تبدو هذه الكلمات منطقية لجندي مستجد أو ربما كانت لتكفيه. لكنني كنت أعلم أنه متى أُسر الجندي، فإنه يُعدّ ميتاً هنا. كان الرقيب يلمح ضمناً إلى أن القائد، وتحت ستار جمع المعلومات، يسمح بالتعذيب لأنهم سي يفعلون الشيء نفسه. غير أن الأمر لم يولد لدي سوى تساؤلات جديدة. مهمل قاله الرقيب عن البرابرة لم يفاجئني. فهذا، بعد كل شيء، ما قرأته وسمعته عنه. لكن رؤية جنودنا يتصرفون هكذا كان شيئاً لم أكن أتوقعه.
— إذن ما الذي يفرق بيننا وبين البرابرة؟
سألت، مع تسلل اتهام إلى صوتي. لكن الرقيب كول لم يتأثر بنبرتي.
— أقل مما نحب أن نتوهم.
رد ببساطة.
— كنت أنوي إجراء هذه المحادثة معك قبل مغادرة الحصن، ولكن بما أننا هنا بالفعل...
ألقى نظرة علي.
— لنتحدث بملء الحرية.
— أظن أن هناك سبباً وراء تكليفك بهذه المهمة.
والسبب هو جعلك تعي وحشية الحرب والمدى الأقصى الذي يمكن أن يبلغة البشر.
— تعامل فصيلك بتعاطف، وأنت تعلم تماماً أنهم مجرمون، وقد رأيت أنهم يعملون بصورة أفضل بكثير من أي فصيل موت آخر، لذا لا يمكنني القول إن طريقتك في القيادة خاطئة.
لكنني أظن هذا يخيف القائد والملازم شيشيرو، خشية أن تظهر التعاطف ذاته مع أعدائك. حين استمعت إلى ذلك، اتخذت موقفاً دفاعياً، ظاناً أن ولائي موضع تشكيك.
— لا أظن أن في ذلك خطأً.
أنا مخلص للجيش الملكي. وأنت تعلم أنني سأدافع عن فصيلتي والأشخاص الذين تحت إمرتي. وبالأمس فقط، وبسبب قراري، مات أكثر من خمسة عشر بربرياً. لكن التعذيب والعنف غير اللأزمين بالكاد يحلان المشاكل. قلت.
— لا أحد يشكك في ولائمان يا إدوارد.
قال الرقيب كول، واضعاً يده على كتفي.
— ما كنت أعنيه هو أننا أحياناً، بصفتنا قادة، مضطرون لاتخاذ قرارات لا ندعمها تماماً.
دعني أسالك هذا—لنفترض أنك أسرت برابرة من غارة الأمس، لكن فصيلك فقد بضعة جنود. أستسمح بقية فصيلك لإعدام البرابرة الأسرى؟ سأل الرقيب كول.
— لا.
قلت بهدوء، مفهماً ما يرمي إليه الرقيب، لكنني أكملت إجابتي مع ذلك.
— وفقاً لقواعد الجيش، علينا إحضار الأعداء الأسرى إلى الحصن أو الثكنات الملكية للاستجواب.
— والآن، ما تأثير هذا على فصيلك؟
سأل. وكنت أعرف ما سيكون الأثر. لقد كان الجميع سيغضبون تقريباً بسبب قرار كهذا. وإن مات شخص مثل كايل، لكان ذلك ضربة كبرى لمعنويات فصيلتي. وبعد ذلك، إن كنت قد سمحت لأولئك الأفراد أنفسهم بالعيش، لكان هناك احتمال كبير أن يحاول باري وفاريك قتلي.
— أظن أنك فهمت الآن.
في فصيل الموت، قد تكون ردود الفعل بالغة التطرف، لكن الجنود العاديين يتأثرون هم أيضاً حين يموت رفيقهم، وإن استمر قائدهم في اتخاذ قرارات منطقية ولكن لا يوافقون عليها عاطفياً، فإن ذلك يضر بمعنويات الفصيل أكثر مما تتخيل.
— قيادة فصيل أو سرية مهمة دقيقة يا إدوارد.
ستحتاج أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتيح لفصيلك تنفيس إحباطهم، لكنك ستحتار أحياناً في اتخاذ قرارات لن يوافقوا عليها. المفتاح هو الاستمرار في إيجاد التوازن بين الاثنين. قال. أومأت برأسي، متفهمًا جزءاً مما كان يرمي إليه الرقيب كول. كنت قد سمحت بالفعل لأعضاء المستوى الثاني في فصيلتي بذبح الوحوش للسيطرة على توقهم للدماء، لكنني ما زلت غير متأكد مما إذا كنت قادراً على اتخاذ القرار الصحيح حين يكون الطرف المتضرر بشرياً.
— ولماذا تقاتل أنت، أيها الرقيب؟
سألت. كانت مملكة أفالون تمتلك أسباباً عديدة للقتال. وأبرها أن فروستهالو مؤلفة من قبائل تفضل الحرب، ولحماية الموارد المتاحة في الشمال، من جلود الوحوش إلى المعادن في هذه الجبال. لكنني كنت أريد أن أعرف لماذا يقاتل جندي مثل الرقيب كول.
— أنا أقاتل لأنني أستمتع بذلك.
قال مبتسماً، مما باغتني تماماً.
— لست بحاجة دائماً إلى أسباب كبرى للقتال.
هذا العالم لا يدور حولك. إن لم تقاتل أنت، فسيفعل شخص آخر. أنتم أهل الفطنة تقلقون أكثر من اللازم. استمتع بما تحب فعله وحسب. ثم مضى مضاعفاً مفاجأتي.
— إن كنت حقاً تريد التركيز على شيء ما، فركز على مهمتك القادمة.
فغداً، سيخرج فصيلتي وفريق المستوى الثاني من فصيلك للصيد. قال، واستدار، شاقاً طريقه هبوطاً على التل. وقفت هناك لثانية، متفاجئاً بالنبأ الذي ألقاه الرقيب كول علي، ثم تبعته لأحصل على تفاصيل المهمة وأعرف سبب تكليفي فجأة بمهمة لم أُبلغ بها.