الحياة الثانية كجندي — إدراك

اقرأ الحياة الثانية كجندي — إدراك باللغة العربية على مانجا تايم.

بينما جلس العريف كول ورولاند وأنا نُحدّق في الأفق، راحت بقية الفصائل تُمشّط ساحة المعركة. تقدّموا بحذر عبر المساحة المكشوفة، يتحسّسون أي أثر يدلّ على أن الهمج قد اصطدموا من قبل بدورية من حصن دنفيل. لم ألمس أي دليل على معركة سابقة. لو لمحنا أدنى ألامارة، سهاماً مكسورة أو دماءً أو تراباً منكوشاً، لَكُنّا أكثر حذرًا. ولَرُبّما تجنّبنا الكمين تماماً. وبالطبع، بقي احتمال وقوع الاشتباك في أعماق الغابة قائماً.

تفحّصت الغابة بحثاً عن أي علامة، لتستقرّ عيناي فجأة على الجنديين اللذين فقدناهما.

قلت بهدوء: "عريف... آسف لخسارتك".

أومأ العريف كول برأسه وربت بحزم على كتفي. تنهّد رولاند بجانبي.

فقال: "كان الفتى سعيداً حقاً بعد انضمامه إلى الطليعة. مجرد مهمة أولى له و..."

وبقي الباقي معلّقاً بلا كلام. الجندي الذي خسرناه هو هولدن، العضو الجديد في الطليعة. وهو نفسه الذي تقاتل مع فاريك. وحتى بعد خسارته أمام مجرم، لم تفارق الابتسامة وجهه قط. كان فتىً حيويّاً، مستعدّاً دائماً للتحدّي، وهي سمة شائعة بين جنود الطليعة،وها هو ذذا قد صار هنا.

سألت العريف كول، وأنا أجلس إلى جواره: "سيّدي، كيف تتعامل مع الخسارة؟"

كان من الصعب عليّ تخيّل مواجهة الموت بهذه الطريقة المستمرة. من السهل تجاهل الموت حين يقع في مكان بعيد، أو حين تحلّ المأساة بأناس لم تعرفهم قط. لكن حين يقترب من حياتك، وحين يتكلّم معك الشخص قبل ساعات قليلة فحسب، يتحوّل الأمر إلى شيء مختلف كليّاً. أزعجني موت هولدن أكثر مما توقّعت. حين مات كورفين، لم أتأثر، فظننتُ أنني بدأت أعتاد فقدان البشر، لكن بدا الآن أن ذلك لم يكن إلا لكونه خائناً وغضبي منه.

ولم يكن الأمر متعلقاً بهولدن وحده. فحتى الآن، تطاردني أحياناً كوابيس موت والتر وغيره أثناء مدّ الوحوش العظيم، ولا أعرف كيف سأتصدّى لفقدان شخص تحتي، شخص أُمِرتُ بحمايته. قبل هذه الحملة، حين كنت أجلس بأمان داخل الحصن، كان من السهل إبقاء مسافة معيّنة بيني وبين فصيلتي. لكن هنا، ونحن ننجو معاً في البرية، تهاوت تلك المسافة. وتكوّنت الروابط ببطء، سواء أردنا ذلك أم لا. وكنت خائفاً.

خائفاً من أن تؤدّي غلطة واحدة مني إلى إزهاق أرواحهم. والسبب الوحيد في عدم تأثير الخوف على قراراتي أثناء المعركة هو أن فصيلتي كانت... غريبة. كانوا يحبّون القتال. كانوا يحبّون القتل. وكان أغلبهم يخشى تفويت المعركة أكثر من المعركة نفسها.

قال العريف كول بغتةً: "أنت لا تفعل".

نظرتُ إليه.

وتابع قائلاً: "يتعامل كل عريف أو قائد مع الأمر بطريقته الخاصة. الأمر أصعب بالنسبة لنا نحن العوام. لم ننشأ نُراقب الآخرين وهم يقودون. لم نرث القيادة كما يفعل النبلاء".

توقف لبرهة.

"مع مرور الوقت تبتكر طريقة تساعدك على الاستمرار في التحرّك".

سألت: "أي طريقة؟"

أطلق العريف كول زفيراً بطيئاً.

فقال: "أركّز على المهمة الماثلة أمامي. والمهمة التي تليها. تخطيط ما يجب فعله تالياً يمنعني عن التفكير مطوّلاً فيما حدث بالفعل".

رمق الجنود الساقطين.

"ومهما بدا الأمر محزناً... ستعتاد فقدان الناس في النهاية".

احتبس نفسي وأنا أسمع كلام العريف كول الأخير. نظرت نحو فصيل الإمداد وفصيل الطليعة، اللذين كانا يشعلان محرقة لجثتَي رفيقيهما، بينما استراحت فصيلتي في الزاوية عقب المعركة المنصرمة. لم أكن متأكّداً مما إذا كان الاعتياد على موت رفاق الفصيل أمراً جيّداً أم سيّئاً.

هتف رولاند وهو ينهض: "تعال. لنؤدِّ واجب العزاء".

نهض العريف كول بدوره وربت على كتفي مرة أخرى مطمئناً قبل أن يتقدّم. تبعتهما. وما إن اقتربت من المحرقة، حتى التفت فصيل الإمداد نحوي.

قال أحد جنود المرتبة الأولى مشيراً إليّ وبدأ بالاقتراب، قبل أن يمسك به جندي إمداد آخر كان يرمقني بنظرات اتهام أيضاً: "أنت! كان مفترضاً بفصيلتك أن تكون مكانه".

توقفت عن المشي. وقبل أن أردّ، اخترقني صوت حادّ.

فقال أحد جنود الطليعة، بغضب موازٍ، لا مني بل من الجندي المتهم: "أيها الأحمق! لا تحترم الموتى بنفث هكذا هراء. أظهر بعض الاحترام للعريف. لقد أنقذ حياة الجميع".

باغتني الأمر. فقبل دقائق معدودة كان العريف كول يمدح عملي، وها أنا أتعرّض للّوم هنا. لكن لحسن الحظ لم يكن جندي الطليعة وحده من هبّ للدفاع عني. حتّى العريف داريك تقدّم خطوة.

فأمر فصيله: "حسبُكم".

ثم التفت نحوي.

وقال: "أنا آسف، أيها العريف. إنه جديد، وكان الجندي صوير بمثابة معلّم له. سأتفهم رغبتك في معاقبته. أرجو فقط أن تضع وضعه الحالي في الحسبان".

أخذت نفساً عميقاً، وتجاهلت فصيل الإمداد، متجهاً نحو جانب الطليعة. لم يكن الإحساس جيّداً وأنا أتلقى الاتهامات بعد استنزاف آخر قطرات مانا تقريباً لشفاء الجميع. كنت غاضباً. ولم يكن الشفاء وحده ما فعلته — فخلال الاشتباك، جاءت أوامري متوافقة مع متطلبات المعركة، لا استناداً إلى من ينتمي لأي فصيل. أُصيب ثلاثة من جنودي في المرتبة الثانية، وكان أفراد فصيلتي جنود المرتبة الأولى الوحيدين الذين شاركوا في المعركة.

ثم، ومع اشتعال المحرقة، رمقت جنود الإمداد. كان الذي اتهمني صبيّاً، ربما في سني ذاتها. وكان مضطرباً لدرجة أنه لم يستطع النظر حتى إلى معلمه صوير. وبدا خائفاً حتّى من التطلع إلى جثة الهمجي الهالك. ومع رؤيته وهو يكابد ليجد مكاناً ينظر إليه، تخلّصتُ من جزء يسير من غضبي. كان الاحتمال كبيراً بأن تكون هذه أول وفاة يشهدها. وعند رؤية كل هذا، آثرت التركيز على الراحلين. أغمضت عينيّ وأسررتُ بدعاء صامت في قلبي لأجلهم، متمنياً أن يجدوا السلام في الدار الآخرة.

وما إن انتهى كل شيء، حتى أومأت لفصيل الطليعة وطفقت أشقّ طريقي نحو فصيلتي بينما بقيت أفكار معقّدة تضطرم في رأسي. أثبت اتهام اليوم أمراً واحداً: احتمال توجيه التهم إليّ وارد بشدة كلما تفوقت فصيلتي على التوقعات. وكنت أعرف عُرفاء، مثل العريف فنورد، لن يتوقعوا قط من عريف شاب أن يؤدي أفضل منهم، ناهيك عن عريف فرقة موت. ولكن بفضل مهارة قول الحق، أمكن التعامل مع الاتهامات.

وكانت المشكلة الوحيدة تكمن في اضطراري لإشراك جهاز الاستخبارات. لكن ذلك لم يكن الهاجس الوحيد في رأسي. ظلت صورة جثة هولدن ووجه جندي الإمداد الشاب تترددان في مخيلتي. كنا صغاراً جميعاً، حتى إن هولدن لم يبلغ العشرين. انضمّ الكثير منا للجيش أملاً في تحسين أحوالنا. كسب بعض المال. والعيش بسلام، ربما يوماً ما. والغدوّ أقوياء بالقدر الذي يمنع كوننا مجرد أدوات يستخدمها الآخرون دائماً.

وبالنسبة لجنود إمداد مثل هنري وإريك، لم يكن القتال هدفاً قط. ثم انتزعتني أصوات صاخبة فجأة من أفكاري.

فأعلن روكان باعتزاز: "أعتقد أن مساهمتي أنا وديران هي الأكبر. نحن في المرتبة الأولى وقتلنا همجياً واحداً لكل منا. أنتم جميعاً في المرتبة الثانية".

فردّ باري، بادّعاء جعلني أرغب بلكمه، وفعل فاريك ذلك بالفعل، أو حاول على الأقل، إذ انحنى باري لتفادي الضربة: "تبّاً لك، أيها المستجد. قتلتم جميعاً بعد الإلهاء. لقد قتلت واحداً قبل ذلك. كما أن أياً منكم لم يكتسب حق الحديث أمامي".

وقال فاريك وهو يرمق كايل، الذي أومأ بجدية: "لدي أربع حالات قتل. قتلت واحداً قبل الإلهاء وثلاثاً بعده. إن كان هناك فائز، فهو أنا".

فاعترض باري حينها.

"وماذا عن نقاط الابتكار؟ لقد قتلتُ عدوّي بالقفز على كتفيه".

هزّ كايل رأسه بهدوء.

"هذا لا يُحتسب. أسمّيه حماقة".

أدركت ما يدور حين رأيتهم. كانوا يتنافسون ويتباهون كالعادة بمن قتل أكثر. وذكّرني هذا بالنقاش ذاته الذي سمعتهم يخوضونه عقب مدّ الوحوش العظيم، متسائلين عن سبب عدم نيلهم ميدالية حديدية مثلي. لكن هذه المرة، أحدث الاستماع لحديثهم أثراً معاكساً. فبدلاً من الغد، غمرني شعور بالارتياح. كان على بعد خطوات معدودة مني جنود يرتجفون خوفاً لمجرد التطلع إلى الجثث، أو فصيل الطليعة الذي، ورغم تفوقه القتالي علينا، حقّق قتلى أقل من فصيلتي.

وهنا، استمتع حتى أعضاء فصيلتي الصغار من المرتبة الأولى بالقتل وخبرة القتال. ولم يكن سيلاس مستمتعاً بذلك، ومع ذلك لم يبدُ متأثراً، بل كان محايداً فحسب. ثم لمعت فكرة في ذهني. حتى تلك اللحظة كنت أعلم أنني أريد جعل فصيلتي قوية وجني الجوائز، لكني أظنّني اكتشفت غاية هذه الفصيلّة فجأة. ونظراً إلى وجوههم الضاحكة وهم يتفاخرون بمن قتل وكيف، تيقّنت أن هذه الفصيلة صُنعت للقتل.

أعتقد أن الناس أساؤوا فهم معنى فرقة الموت. كان المقصود بها دوماً أن تكون فصيلة تجلب الموت لأعدائها، لا لأنفسها.