قال داريك: "ارفعوا الدروع!"
وقال كول: "ارفعوا الدروع!"
ترددت اصداء صراخ الرقيبين داريك وكول في الفسحة بعد تحذيري مباشرة. أعقب الصراخ في ثوان معدودة صرخات قادمة من الخلف، من جهة العربات الاولى. احسست بان اثنين من جنود الامداد اصيبا بسهام، لكن لم يكن عندي وقت لانظر من يكونان او مدى خطورة جروحهما. تحولت الفسحة برمتها الى فوضى. من خلفي، رفع جنود الامداد الجالسون بجانب العربات دروعهم بينما كانوا يقطعون الحبال لفك الخيول عن العربات.
لحسن الحظ استجابوا بسرعة. كانت السهام المشتعلة قد اثارت ذعر الحيوانات بالفعل. لو بقيت مربوطة بالعربات، لانقلب خط الامداد باجمعه. استمر تساقط السهام. اصاب سهم حصاناً. أطلق الحيوان صفيراً وانطلق جافلاً. تبعه الحصانان الاخران على الفور، وقد ملكهما الرعب بسبب الحركة المفاجئة والنار. تدفق الجنود من الجانب الاخر للعربات رافعين دروعهم. تشكل جنود الامداد حول العربات بينما تقدم اعضاء فرقة الموت والطليعة لملاقاة المهاجمين.
تراجع خطوات الى الوراء بينما التقطت حواسي سهاماً موجهة نحوي. لم تدم وابل السهام طويلاً. كان رماة طليعتنا قد ردوا بالفعل. بالنظر الى الامام، رأيت اربعة رماة ينضمون الى مؤخرة طابور المهاجمين المندفعين نحونا. كان المهاجمون مكونين من ستة طوابير، في كل طابور خمسة افراد، وجميعهم عمالقة يغطيهم درع من العظم ويحملون اسلحة عظمية. كانوا مرهبين. وقف الجميع بطول كايل وواريك على الاقل، لكن الشخص الذي في المؤخرة كان الاكثر إرهاباً، والاطول بينهم جميعاً، ولربما أطول من غاران برأس.
ثم رفع العملاق في المؤخرة يده. التفت الارض حولها كقفاز حي. زأر، معلناً عن إشارة او صيحة حرب من نوع ما. ظللت مسماراً انظر إليهم وهم قادمون بينما كانت مهارتي تعمل باقصى طاقتها، محاولاً معرفة ما ستكون خطوتي التالية. كانت هذه هي المرة الاولى التي واجهت فيها بشراً في القتال، وكنت مجمداً جزئياً بالتردد. لو كانوا وحوشاً، لكنت عرفت غريزياً ما يجب علي فعله.
قال كول: "طليعة من الطابور الاوسط!"
قطع صوت الرقيب كول صخب ساحة المعركة لحسن الحظ.
قال: "داريك، اصحاب المستوى الثاني من فرقتك ادعموا الطليعة."
استل كول سيفه. اندلعت النيران على طول النصل.
واصى العضو الثاني في الطليعة من المستوى الثالث بالقول: "رولاند، ابق في الخلف."
سحب رولاند سلاحه. غطى توهج اخضر من المانا حافته.
قال: "إدوارد، تعامل مع الجناح والبقية."
فهمت المغزى على الفور. كان مقاتلان من المستوى الثالث يبقيان في الخلف. على الأرجح لاجل العملاق. نحيت تلك الفكرة جانباً. الان بعد ان عرفت التشكيل، عرفت الاوامر التي يجب ان اصدرها وبدأت في إطلاقها.
"واريك، غاران، باري، وفريق غاران خذوا الجناح الايسر."
"كايل معي. سيلاس وفريق واريك، الجناح الايمن."
"بيتر، خذ المؤخرة. حلل."
"بقية فرقة الامداد احرسوا العربات من السهام."
من دروعهم، وأسلحتهم، والمانا في أجسادهم، عرفت ان جنود المستوى الاول غير المقاتلين سيكونون عديمي الفائدة وسيزيدون الفوضى فقط. بينما اخذ تشكيلنا في التبلور، كان الهمج على بعد اقل من عشرة اقدام.
قال مقاتل الطليعة بجانبي: "يا رقيب، كن مستعداً. ضرباتهم ثقيلة."
وكان محقاً. عندما التقى خط الهمج الامامي بنا، لوح الهمجي في المقدمة بأسطوانة عظمية بكل قوته. مزوداً درعي بالمانا وموسعاً إياه، واجهت الفأس وصددتها بذراعي المعززة. هزت القوة ذراعي، مذكرة إياي بضربة واريك في حالته الغاضبة. لكن تصدي لضربته أثار دهشته هو الاخر. بدا وكأنه لم يكن يتوقع مقاومة من شخص بقصير مثلي. رأيت التبلد يزول من عينيه، ليحل محله جدية شديدة. بالنظر في عيني، ابتسم، ثم تحولت الابتسامة الى ضحكة تلتها ضربة اقوى بكثير.
طعنت برمحي الى الامام بينما كان في منتصف ضربته، محاولاً الاستفادة من غياب الدرع. كنت أعتقد أنه برؤية رمحي سيرت عن طريق الهرب أو يوقف ضربته، لكنه بدلاً من ذلك تجاهل رمحي. رؤية ذلك جعلتني أزيد تدفق المانا في رمحي، آملاً في القضاء عليه. ضرب رمحي درعه. اصطدم فأسه بدرعي. كان درعه أقوى مما توقعت ولم يتأثر بطعنتي الاولى. بينما هبط فأسه، دفعت برمحي بقوة أكبر في درع العظم، محاولاً اختراقه، محطماً عظماً أخيراً، ومزقت النقطة المصنوعة من المانا الجزء الجلد من الدرع وأحدثت جرحاً صغيراً فيه.
تراجع خطوة الى الوراء.
جاء صراخ بيتر من الخلف: "الجناح الايمن!"
واقفاً على الجناح الايمن، عرفت ان الهمج من الخلف كانوا يستهدفون الجناح الايمن بقوة اكبر. لمواجهة ذلك، شعرت بطليعة مؤخرة الطابور الاوسط تتحرك الى اليمين.
قلت لهما بينما كانا يقفان خلفي لدعم جنود الطليعة الذين تحركوا للأمام: "روكان ودارين، ادعما الطليعة."
تبادل الهمجي الذي أمامي وأنا بضع ضربات اخرى. على جانبيّ، كان جندي طليعة وكايل يقاتلان خصميهما ايضا. بينما كان جندي الطليعة يتمتع ببعض التفوق على خصمه، لا سيما بسبب تقاربه مع الارض، كان يستمر في كسر إيقاع خصمه بالتلاعب بالارض من تحت قدميه، مما جعل خصمه غاضباً للغاية. استطاع كايل مجاراة ضربات خصمه غالباً لانهما كانا بنفس الحجم. برؤية ذلك من طرف عيني، وحتى في خضم حرارة المعركة هذه، ابتسامة ارتسمت على وجهي لانني تخيلت فرقتي كلها، وخاصة غاران وكايل وواريك.
لولا اختلاف دروعهم وبشرتهم البرونزية، لبدوا متطابقين تماماً. لكن لم يحن لي الوقت الكافي لالانتباه للآخرين لان الهمجي امامي استمر في الهجوم علي، وكل ضربة اثقل من سابقتها. لكن اثناء ضرباته العشوائية، استطعت اخيراً ابتكار خطة. هذه المرة قابلت فأسه برمحي، محرفاً إياه. تقدمت وسددت حافة درعي لاعلى نحو عنقه، لكي اصطدم بعظمة الترقوة بحافة درعي.
قلت بصوت منخفض مستخدماً [قيادة المعركة]: "سيلاس، كن مستعداً."
لم يكن لكمتي تأثير يذكر سوى جعله غاضباً، لكن هذا ما أردت. حول فأسه الى يد واحدة، محرراً اليد الاخرى، ربما على أمل الإمساك بي في المرة القادمة التي أهاجم فيها بدرعي. هذه المرة عندما ضربني، عاودت التصدي برمحي، لويته جانبياً، وتلقيت الضربة على المقبض، موقفاً قوسها، ثم انزلت الرمح الى أسفل وطعنت نحو ساقه المكشوفة، مما أجبره على التحرك الى اليسار لتفادي رمحي. عندما تحرك، لمع سكين نحو عينه.
عرفت انه سكين سيلاس. أهوى برأسه الى أسفل لتفاديه، مما منحني الفتحة المثالية. محرراً رمحي، دفعته لاعلى في عنقه، ممزقاً حلقه. امسك حلقه ووقع على ركبتيه. مفاجأة مقتله اذهلت الجميع. بينما سقط جسده، تصاعدت صيحة معركة حادة من خلف خط الهمج. شعرت بالمانا تنتشر عبر ساحة المعركة. ضغطت علينا كمد ثقيل. خبا توهج رمحي ودريعي، بينما بدا الهمج وقد ازدادت شراستهم. أجابوا على الصرخة بزئيرهم الخاص، ضاربين اقدامهم على الارض بقوة كافية لهزها.
المحارب الذي خلف الرجل الذي قتلته تخطى رفيقه الساقط وتقدم نحوي مباشرة، ضارباً بمطرقته في سلسلة من الضربات الوحشية ضد درعي. بينما استطعت صد الضربات، ومع انخفاض تأثير المانا التي تغطي درعي، بدأت قوة اكبر تنتقل الى ذراعي، والتي بدأت تؤلمني. بينما انخفضت قوتي، ارتفعت قوة ضرباتهم، ولم أكن الوحيد الذي يكافح. كان الجميع في الخط الأمامي يفعلون ذلك. ثم شعرت بان جندي الطليعة على بعد موضعي الى يساري وغاران على الجناح الايسر يفقدان توازنهما ويتلقيان ضربة على الجسد.
لحسن الحظ، قوبلت مانا الهمج بمانا من الرقيب كول ورولاند.
"لا تترددوا! تذكروا أننا الجيش الملكي!"
"نحن الذين لم نُقهر!"
"نحن لا ننكسر!"
صيحة ممتلئة بالمانا صدرت عن الرقيب، رافعة معنويات الفرقة. بينما تراجعت مانا زعيم الهمج، عاد درعي للعمل بشكل صحيح واستطاعت صد الضربات بفعالية. سحبت فرقة الامداد الجنود المصابين وحلت الطليعة محلهم. مع التزام غالبية الفرقتين ضد بعضهما البعض، تحرك الرقيب كول ورولاند من الجانب، مستهدفين العملاق في مؤخرة الطابور. كنت أتوقع ان يدعم الهمج زعيمهم، لكنهم لم يفعلوا وظل تركيزهم منصباً علينا وحدنا.