لم أكمعه لأنني فقدت أعصابي. كنت غاضباً، وهذا لا شك فيه. لكن بمهارتي الجديدة، [الإدراك العملي (أ)]، أدركت أنني بحاجة إلى فرض سلطتي، وأخبرتني أيضاً أن تصرفاته لم تكن صادرة عنه وحده. مجرم مجند حديثاً، مهما بلغ غضبه أو تمرده، لا بد أن يهاب رقيباً جديداً. وأكثر من ذلك، ينبغي أن يخافوا من قسم المانا. بيد أن أياً من أعضاء الفصيل الجدد لم يبد شيئاً من تلك العلامات. وهو ما يعني أن شخصاً آخر كان يحركهم.
ومع تفحص أقرب، لمست ابتسامة صغيرة على وجه باري. مما يعني أنني اضطررت إلى فعل ما يجعل الأعضاء الجدد يفكرون مرتين قبل التشكيك في أوامري أو تقويض سلطتي، مع توعيتهم في الوقت ذاته بشخصية باري. القرار الوحيد الذي توصلت إليه في تلك اللحظة كان فرض الهيمنة الجسدية. لكن شاغلي الآن تمثل في احتمالية أنني ضربته بقوة زائدة. لم يكن الأعضاء الجدد عمالقة كغاران أو فاريك أو كايل، إلا أن معظمهم بدا قوياً من الناحية الجسدية وضخماً مقارنة بحجمي.
ويسهل إساءة تقدير مقدار ما يمكنهم تحمله من أضرار. ولم تكن قوتي منخفضة بالنسبة لمستواي أيضاً. في الواقع، كانت أعلى من المتوسط. وقاربت قوة باري، رغم أنه كان راسخاً في المرحلة الثانية، متقدماً علي بأكثر من اثني عشر مستوى ونصف مرحلة في زراعة المانا. غير أن هذا لم يكن وقت التعاطف. والآن، احتجت إلى مخاطبة فصيلي وإرساء القواعد الأساسية.
قلت وأنا أتفرس في غاران وباري وفاريك وكايل: "دعوني أُجلِ هذا بوضوح مرة أخرى للجميع. أنا لا أعامل المجرمين في فصيلي معاملة تختلف عن معاملة الجنود العاديين. سأتغاضى عن التجاوزات البسيطة، لكن لا تتخذوا ذلك ضعفاً".
"أنا لا أفعل هذا من أجلكم، ولا أعاملكم بلطف نابع من طيبة قلبي. بل أسمح لكم بالتدرب ورفع مستوياتكم لأنني لا أوافق على النهج الحالي. لكن إن أردتم أن تصبحوا أقوياء وتحولوا هذه المهمة إلى أمر نافع بدلاً من طريق يفضي إلى موتكم، فعليكم الالتزام بالانضباط. وعلى أقل تقدير، خلال فترات التدريب والتمرينات، حتى في غيابي".
"لكن يبدو أنكم نسيتم بالفعل كيف كانت حياتكم قبل أسبوع واحد فقط. فدعوني أذكركم. وليكن هذا تذكرة أيضاً للأعضاء الجدد بكيفية سير حياتكم لو لم تُعينوا في هذا الفصيل".
"اليوم، لن نتدرب".
"اليوم، ستؤدون واجب المرحاض. ستحفرون الحفر حتى غروب الشمس. ولن يكون اليوم نهاية المطاف. وإن وجدت أحداً يتكاسل أثناء التمرينات أو وقت التدريب، فسإما يحفر مجدداً أو يعمل بغلاً لحمل مؤن فرقة الإمداد".
ثم التفت إلى بيتر.
"الجندي بيتر، ستنضم إليهم".
رفع رأسه بحدة.
أردفت: "أنا أعلم أنك لا توافق على أساليبى. لكن هذا لا يعني أنك لا تطيع أامري إلا وأنا حاضر. أتوقع تنفيذ تعليماتي حتى وأ كان بصري لا يراقبك".
"كان بوسعك التدرب مع كايل والآخرين. وحتى لو كنت تكرههم ولا ترغب في مخالطتهم، لاستطعت بدء التمارين الأساسية مع الأعضاء الجدد. أي شيء كان سيكون أفضل من الجلوس بلا عمل".
بدا بيتر كمن يريد الجدال، لكنه كبح نفسه.
"الجندي بيتر، اذهب مع غاران وفاريك وكايل وباري. اجمع عتادك وتوجه ركضاً نحو أمين المخزن. احضر لنا المجارف لواجب اليوم".
كان واجب المرحاض متاحاً على الدوام وأفضل سيلة لمعاقبة الجنود الجدد. وحتى إن انتفت الحاجة إلى الحفر، لتمكنا دائماً من حفر المزيد. وكانت تلك صلاحية الرقيب. وإن كثرت الحفر أكثر من اللازم، لأمكننا بكل بساطة أمرهم بردمها مجدداً.
قلت وأنا أشير إلى الأعضاء الجدد: "اثنان منكم. انقلاه إلى تلك الطاولة. والبقية، التتفوا حولي. أريد معرفة المزيد عنكم جميعاً".
أشرت نحو الجندي الذي ضربته. كان لا يزال جالساً على الأرض، ممسكاً بأنفه. وتلطخت كمُّه بالدماء. وظننت أن أنفه قد كُسر مع احتمال إصابته بارتجاج في المخ. وقبل أي شيء آخر، توجب علي معالجة ذلك. وقف خمسة أعضاء جدد أمامي. وبدا معظمهم خائفين الآن، غير أن أحدهم بدا غاضباً أكثر منه خائفاً. وجلس المصاب على المقعد، ضاغطاً على أسنانه، وما زال ممسكاً بأنفه. جذبت مقعداً نحوي، وألقيت حقيبتي، وأخرجت الملفات التي سلمني إياها الملازم سيسيرو.
ثم مددت يدي إلى داخلها وأخرجت حزمة من الأعشاب. أملت رأسه قليلاً وفحصته بينما ظللت محافظاً على تواصل البصر مع الخمسة الواقفين أمامي. كان أنفه مكسوراً. وعانى أيضاً من ارتجاج طفيف. سحقت الأعشاب حتى صارت عجينة، ومددتها على قماش نظيف، ولففتها حول وجهه. ثم فعلت [الاستعادة الحيوية]. أردت منهم أن يفهموا أمراً ما. بمقدوري إلحاق الأذى بهم. وبمقدوري شفائهم. ومطالما كانوا في فصيلي، فإن حياتهم اعتمدت علي.
حتى من دون قسم المانا.
قلت: "أنت الذي على اليمين. أخبرني من كنت قبل هذا الفصيل وما هي رتبتك. في فصيلي، أتعرف على خلفيتك قبل قراءة ملفك. وإن وجد ما تظن أنه ينبغي لي معرفته، فقله الآن".
أخذ الرجل نفساً عميقاً. كان نحيلاً ومفتول العضلات، في قامة طولي.
قال: "أنا سيلاس. رتبتي [ساعي]. عملت في ستونوغيت ساعياً، أنقل الرسائل".
قلت: "جرائمك؟ ولماذا أُرسلت إلى هنا؟"
طبق سيلاس فكيه.
"نقلت معلومات دار تجارية إلى منافس وضُبت أسرق. وكانت للدار التجارية معارف. فأرسلوني إلى هنا بدلاً من إلقائي في زنزانة".
سرى الغضب في صوته. أومأت برأسي.
"التالي".
أشرت إلى الرجل بجانبه. قارب طوله ستة أقدام، ببنية هائلة، وعظام غليظة، وجسد بُني للأعمال الشاقة.
قال: "براك. رتبتي [عامل]. عملت مع كورفين وأورين في تسيير قوافل الطرق من بريارمونت".
أشار إلى الرجلين الواقفين بجانبه. كان كورفين نحيلاً وطويلاً، شبيهاً بسيلاس لكنه أطول ببضع بوصات. وبُنِي أورين مثل براك، عريضاً وصلباً.
قال براك: "نحن هنا بسبب قتل راكب".
وما إن غادرت الكلمات فمه، حتى شعرت بالغضب ينبعث من كورفين.
قلت: "كورفين. أورين. رتبتاكما".
قال كورفين: "[كاشف أثر]".
وأضاف أورين: "[عامل]".
"التالي".
وقف الرجل الأخير أضخم حتى من براك وأورين. وبدت عضلاته كثيفة ومحددة. وفت برأفته عن عنف مكبوت بالكاد. وعند الفحص الدقيق، أشبه ذاك الذي لكمته. وغالباً ما كان قريباً له. أطلقت منى المانا، مكسوة بالقصد. علمني الملازم سيسيرو هذه الحيلة. فعبر إطلاق المانا بطريقة تحكمية وتركيزها على هدف بنية القتل، يتولد تأثير ترهيب قوي. بل وأتى بنتيجة حتى مع الوحوش. حدقت في روكان. وببطء، أفسحت لمانتي أن تتدفق على جسده، ضاغطاً عليه.
وأخيراً، تكلم.
قال: "أنا روكان. رتبتي [نحات حجارة]. هشمت رأس عامل كان معنا".
سألت: "معنا؟"
قال مشيراً إلى الرجل المصاب: "دارين عمل معي".
قلت: "دارين. رتبتك".
رفع نظره إلي. ويا للغرابة، كان أقل غضباً من روكان.
قال وهو يضغط الضمادة على وجهه: "[نحات حجارة]".
وما إن فرغ من الكلام، حتى عاد بيتر والآخرون، مستندين بالمجارف على أكتافهم. شققنا طريقنا نحو حفر الحفر، ولم أتساهل معهم. جعلتهم يحفرون حتى تفطرت أيديهم. بل انضم دارين بعد أن سمحت له بالشفاء في الساعة الأولى. وبينما كانوا يعملون، طالعت ملفاتهم وخططت لتوزيعات فصيلي. كنت قد حسمت أمري بأن غاران وباري وفاريك سيخدمون كقادة نقاط، بحيث يركز كل منهم على تخصص مختلف. والآن احتجت إلى تقسيم الأعضاء الجدد إلى مجموعاتهم.
وبعد قراءة ملفاتهم، بدا القرار يسيرًا. فجميعهم كانوا في المرحلة الأولى، يقتربون من الثانية، بمستويات تراوحت بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة. وراوحت أعمارهم بين العشرين والخامسة والعشرين، وأُرسلوا إلى الحصن البارحة فحسب. عمل كورفين وأورين وبراك معاً. ومن جرائمهم، اتضح جلياً أن كورفين كان العقل المدبر لعملياتهم، بينما مثل أورين وبراك العضلات البسيطة. ولم يقتصر أمرهم على قتل راكب فحسب، بل ابتزاز كورفين للأموال من الكثير من المسافرين مستعيناً بأورين وبراك كمنفذين.
ولما بدأت الأمور تتأزم، استعان بكورفين وأورين لقتل أحد المسافرين، ليتبجح الاثنان بذلك في حانة. وتعين فصل أورين وبراك عن كورفين. وكانا الأنسب لمجموعة غاران. إذ استطاعا حمل تروس ثقيلة، مما جعلهما مثاليين لتشكيل جدار دفاعي. أما كورفين، فكان ملاائماً تماماً لمجموعة باري. والمرشح المثالي التالي لمجموعة باري كان سيلاس. ومن الناحية النظرية، صدق في ما قاله لي. فقد نقل معلومات من دار تجارية إلى أخرى.
وما أغفله هو أن الدار التجارية التي خانها كانت مخدومته، وأن معلوماته أفضت إلى مقتل أكثر من خمسة أعضاء من تلك الدار حال سفرهم خارج المدينة. ولم ينجُ إلا لأن الدار المنافسة رتبت إرساله إلى هنا. كان باري وكورفين وسيلاس مخادعين جميعاً. سيظلون حذرين بعضهم من بعض. وسيتآمرون ضد بعضهم، لا معاً. وآمن كل واحد منهم بأنه أذكى من الجميع. وتضاءلت احتمالات تعاونهم إلى أدنى حد. أما روكان ودارين فهما شقيقان.
وبعد قراءة ملفاتهم، مثلا أولئك الذين استطعت التعاطف معهم أكثر من غيرهم، وندمت على قسوتي معهما. بيد أنهما احتاجتا إلى تعلم السيطرة على غضبهما. طالما حما أحدهما الآخر. ولهذا السبب بدا روكان أشد غضباً مني مقارنة بداارين. فقد نشآ معاً، جنباً إلى جنب. ولم يقتلا إلا بعد تعرضهما للتعنيف طيلة سنوات من عمال المحاجر الآخرين. وكانا ملائمين تماماً لمجموعة فاريك. وبدا أن الملازم قد أسند إلي أشخاصاً يتماشون تماماً مع الطريقة التي نويت بها تسيير فصيلي.