بادلت ليف ابتسامته الماكرة.
قلت وأنا أنقر على شارة الرقيب فوق صدري: "امسح هذه الابتسامة عن وجهك. الأحرى بك أن تقف وتؤدي لي التحية لا أن ترقد هكذا".
اتسعت عيناه حين لاحظ الشارة، لكنه عدل تعبير وجهه بعد لحظة ورمقني بجدية مبالغ فيها.
قال: "أنصحك بأن تحذر كلامك أيها الرقيب. أنت تقف أمام نبيل مستقبلي".
تبادلنا نظرات جدية لبضع ثوانٍ. ثم انفرجت شفتا ليف عن ضحكة مدوية. وانضممت إليه بعد لحظة.
قلت: "إذن قد ارتفع معدل توافقك".
سأل: "نعم. كيف علمت؟"
قلت: "ملازمي الجديد هو الملازم سيسيرو. لقد أبلغني الأسبوع الماضي".
أومأ برأسه.
سألت: "متى استيقظت؟"
آخر مرة زرت فيها هذا المكان، أخبرني المعالجون أنهم لا يستطيعون الجزم بموعد إفاقة ليف.
أجاب: "بالأمس بعد الظهيرة فحسب".
ورغم أنه تحدث بشكل طبيعي، إلا أنني استرقت سماع نبرة إجهاد خفيفة في صوته.
سألت: "رائع! كيف حالك الآن؟ كم من الوقت تحتاج لتتعافى؟"
أجاب: "أُخبرت أن الأمر سيتطلب بعض الوقت قبل أن أتمكن من المشي مجدداً. قال المعالج إنه أسبوع أو أسبوعان. وما إن أستطيع المشي، سيتم نقلي إلى العاصمة".
قطبت جبيني. لم تكن لدي انطباعات جيدة عن النبلاء. وقد ازدادت تلك الانطباعات سوءاً منذ أن شرعت في العمل تحت إمرة سيسيرو. فحسب ما بلغني، تعج العاصمة بهم. ويقال إن الفرسان هناك شائعة كباعة الطرق في البلدات الصغيرة.
سألت: "أنت ذاهب إلى العاصمة؟ لماذا؟ أمن أجل العلاج فقط؟"
قال: "نعم. لقد ضرب جسدي مانَا عنصر الأرض بدرجة عالية جداً. معظم إصاباتني داخلية. لقد منعني المعالجون بحزم عن استخدام المانَا أو أي مهارات حتى يتم نقلي إلى المستشفى في العاصمة. قالوا إنه لو كان مستوى ارتقائي للمانَا من الفئة الثانية أو الثالثة بدل الأولى لكنتُ قد متُّ. لقد امتص جسدي مانَا الأرض فقط لأن مسارات المانَا وعقدتي لم تكونا مصفاتين. حتى الآن، قد يؤدي تحريك المانَا إلى تمزيق عضلات حيوية في جسدي، مما يصيبني بالعجز أو يقتلني. ولكي أتعافى تماماً، سأحتاج إلى معالج بمرتبة خبير على الأقل".
شعرت بغثيان وأنا أستمع إلى حديثه. تذكرت الألم الذي اعتصر ذراعي بعد تمزق عضلاتي. وحسب وصفه، كان يشعر بذلك النوع من الألم، أو ما هو أسوأ، في جسده بأسره. حين رأيته مستيقظاً، ظننت أن كل شيء على ما يرام، لكن بات واضحاً الآن أن الأمر بعيد عن ذلك كل البعد. إن الامتناع عن استخدام المانَا أو المهارات أسهل قولاً منه فعلاً حين تُدرب على الاعتماد عليها حتى في أبسط المهام. ومما زاد الطين بلة، أن علاجه وحده تطلب معالجاً من الفئة الخامسة.
لم أدرِ كيف كان ما زال يبتسم ويمزح معي.
قال بعد أن لاحظ تعبيرات وجهي: "لا تقلق. لقد أتى المعالج هذا الصباح ومنحني أعشاباً لتخفيف الألم. أنا بحال جيدة للساعة القادمة".
منحته ابتسامة باهتة. كنت أدرك أنه يود مني الجلوس والحديث. ما زال لدي بعض الوقت قبل لقاء فريقي الجديد، وحتى لو تأخرت بضع دقائق، فإن الجندي بيتر قادر على التعامل معهم. لذا بقيت. أخبرته عن فريقي والملازم وفئتي الجديدة. وبعد حين، تحول مسار حديثنا. فأطلعته على ما علمته بشأن العاصمة. كانت العاصمة تُدعى أفايلون، تيمناً بالمملكة نفسها. ويقال إنها إحدى أكبر مدن القارة. حتى أسوارها الخارجية بُنيت من الرخام الأبيض.
إنها إحدى أجمَع الأماكن في المملكة بأسرها. وفي نهاية المطاف، نفدت الكلمات من فمي. فطرحت السؤال الذي راودني منذ أن أتى على ذكر العاصمة.
سألت: "ليف، أيتولى الجيش أمر علاجك في العاصمة؟"
عُرف عن الجيش رعايته للمواهب، لكنه ظل أمراً يصعب تصديقه أنه سيذهب إلى هذا الحد من أجل جندي واحد.
"إذا احتجت مالاً، فلدي بضعة بلورات مانَا مدخرة. لن تكفي بالكثير لدفع أجر معالج، ناهيك عن معالج خبير، لكنها قد تغطي تكاليف السفر".
تمنيت لو بوسعي تقديم المزيد. ابتسم.
"لا. الجيش لا يدفع شيئاً. عائلة الكونت بيترا تتكفل بكل شيء".
سألت: "أوقعت عقداً للـمانَا؟"
لم أستسغ الفكرة، لكني تفهمتها. لكنتُ وقعت أيضاً لو أن في ذلك مستقبلاً.
قال: "لا".
أبديت دهشتي برموش عيني.
"انتظر. لا؟ إذن كيف؟"
"قالوا إن ذلك بسبب أدائي خلال موجة الوحوش. إنهم لا يدفعون تكاليف علاجي فحسب، بل وأيضاً أكاديمية الفرسان متى تعافيت".
حدقت فيه مطولاً.
سألت: "وأكاديمية الفرسان أيضاً؟ أيهما؟"
"أي أكاديمية. حتى أكاديمية السحرة الملكية، طالما أستطيع الالتحاق بها".
عجزت عن استيعاب الأمر. لم أجد مبرراً يدفعهم للقيام بكل هذا من أجل جندي مفرد.
همست: "إلى أي حد ارتفع معدل توافقك؟"
أدركت أنه لا يحق لي السؤال، لكننا كنا نتشارك نسب توافقنا منذ يوم الإيقاظ. وأملت أن يظل ليف يثق بي بالقدر الكافي ليطلعني عليها.
همس في المقابل دون تردد: "اثنان وثثمانون بالمئة".
لم يؤدِ رده إلا إلى تعميق شكوكي. لو وصل الأمر إلى التوافق التام، لكنت تفهمت ذلك. وحتى ما فوق خمسة وتسعين بالمئة لكان أمراً منطقياً. لكن استثمار عائلة بيترا هذا القدر من أجل اثنين وثثمانين بالمئة، ودون حتى المطالبة بقسم، أمر يصعب تصديقه. لم يسعني سوى الأمل في أنهم يسعون إلى كسب ولاء فارس مستقبلي مقيد بالامتنان لا بالعقد. وإن كان الأمر كذلك، فلن مانعاً لدي حتى أنا من خدمة عائلة كهذه.
ومع ذلك، حذرته.
"أخي، لقد شرعت في التعرف على النبلاء. ثمة سبب وراء كل ما يفعلونه دائماً. لذا حين تبلغ العاصمة، توخ الحذر".
التقيت بعينيه.
"أعلم أنك لست مثلي، لا تكف عن الشك في الناس، لكني أرجوك أن تفكر قبل الإقدام على أي خطوة. ستصبح نبيلًا مستقبلياً. ستغدو كلماتك أكثر قيمة بكثير مما اعتادت عليه".
قال مبتسماً مما جعلني أقهقه: "لا تقلق. إن صرت شخصاً مهمّاً حقاً، فلن أتركك خلفي. ولا حتى أولئك المستضعفين في ستونغيت. ستكون هناك لتشير علي".
قلت وأنا أهم بالنهوض: "أخي، يتوجب علي الرحيل الآن. أنا ألتقي بأعضاء فريقي الجدد اليوم. سأعود لزيارتك متى استطعت".
تمنيت لو بوسعي قضاء المزيد من الوقت معه، لكني تخطيت وقت اجتماعي بالفعل. ولم يعد بإمكاني إرجاء واجباتي. أومأ. وحين خرجت، حاولت إبعاد كافة الأفكار المتعلقة بإصابات ليف وسياسة النبلاء عن ذهني. ورغم ذلك، دونت ملاحظة ذهنية لأتحدث مع الملازم بشأن وضعه وأعرف المزيد عن عائلة بيترا في المرة القادمة التي ألقاه فيها. كل ما عرفته هو أن كونتهم خبير بمرتبة خبير أساطير، ويُعد أحد أقوى الشخصيات في هذه المنطقة، وأنهم يملكون وحشاً يشبه الديناصور ريكس استخدموه لإنقاذ الحصن.
حين اقتربت من ساحة التدريب، ازداد قطيب جبيني عمقاً. توقعت أصوات التدريب. ربما غاران والآخرون يتدربون على بعض التمارين التي مارسناها الأسبوع الماضي بينما يقف الأعضاء الجدد جانباً. ربما صراخ. ربما نزالات. بدل ذلك، رأيت الجندي بيتر جالساً إلى طاولة في الزاوية، ينهمك في تصفح كومة من الأوراق. وكان المجندون القدامى والجدد يجتمعون معاً في وسط الساحة، يضحكون ويتجاذبون أطراف الحديث باسترخاء.
لم تكن معدات أي منهم بحوزته.
قلت مفجراً غضبي في بصوتي مع تفعيل [قيادة ساحة المعركة (م ت)]: "ما اللعنة الحاصلة هنا؟!"
انتفض الجندي بيتر واقفاً، وبدت المفاجأة واضحة على وجهه وهو يهرع نحوي. أما البقية فتفاعلوا ببطء أكبر. نهض غاران وفاريك وباري وكايل بكسل، وحذا الأعضاء الجدد حذوهم. وكان اثنان منهم بطيئين عمداً، وما زالا يرمضانني بابتسامات ماكرة على وجهيهما. تجاهلتهما مؤقتاً وركزت على فريقي القديم.
"غاران، فاريك، باري، كايل، وحتى أنت أيها الجندي بيتر. بدل أداء تدريبات الصباح، تجلسون هنا لتفعلوا—"
قاطعني أحد المجندين الجدد قائلاً: "إنه حقاً شاب وقصير".
كان أحدهما اللذين كانا يبتسمان بمكر.
"لقد وصل—"
قبل أن يتم كلامه، تقدمت إلى الأمام وسددت لكمة استقرت في وجهه. أطاح الارتطام به أرضاً. وتدفق الدم من أنفه. أطلقت مانائي، غامراً الساحة بنواياي ومحيداً الجميع ليشعروا بالضغط. عمَّ السكوت الساحة. شعرت بكل زوج من العيون يرمقني. وبدا الهواء نفسه ثقيلاً، مشبعاً بالغبار والتوتر. تلك كانت المرة الأولى التي أرفع فيها يدي أو أعاقب أحداً منذ أن صرت رقيباً في فرقة الموت. حتى بيتر وفاريك بدوا مندهشين.
سألت وأنا أثبت نظري على باري: "أأي شخص آخر يرغب في مقاطعتي؟"