بدأ المسير بهدوء. تحركنا نحن المجندين والجنود والأسرى كتلة واحدة تحت سماء الصباح الباردة. أدهشتني السرعة. كانت مسيرة عسكرية ثابته ومنضبطة. بلغ عددنا نحو سبعة وعشرين إلى ثلاثين شخصا في المجمل: سبعة عشر جنديا، وخمسة مجندين جدد من بينهم أنا، وعدة أسرى محبوسين في العربة الأخيرة. كان من السهل تمييز رفاق بن، وغالبيتهم من وحدة الإمداد. ارتدى نحو أحد عشر منهم، ومعهم رقيبهم، دروعا خفيفة وحملوا رماحا قصيرة.
تحركوا بخفة متمرسة، وأجساد ممشوقة، وخطوات فعالة، وتنسيق لا يأتي إلا من مسيرات متكررة. أما فرقة الرقيب كول فكانت شيئا آخر. ستة جنود، اثنتان منهن نساء. ارتدى الجميع عتادا عالي الجودة. حمل اثنان منهم أقوسا متقاطعة ودروعا أخف وزنا، وكانا مرجحين ككشافين. ارتداء الأربعة الآخرون دروعا ثقيلة. حمل أحدهم سيفا وتحرك كأن لا وزن له، لكن الرقيب كول نفسه كان صاحب الرتبة الأعلى بيننا جميعا.
استعمل الثلاثة الباقون، ومنهم امرأة، الرماح. كانت أسلحتهم أفضل صنعا، بحواف أنقى وعصي مدعمة. كان مراقبة تحركهم تشبه مراقبة عاصفة محبوسة في فولاذ. تغير المزاج بيننا نحن المجندين بسرعة. حين انطلقنا، كان الفتيان الثلاثة، جيري ومايك وتوم، كتلة من الطاقة والضحك. لقد نشؤوا معا في الملجأ ذاته وحلموا بأن يصبحوا فرسان. كان مريحا بشكل غريب سماع ضحكاتهم، حتى لو كانت غالبية نكاتهم هراء.
الوحيدة التي لم تقل الكثير كانت ليلا. كان قوها معلقا على ظهرها كجزء طبيعي من جسدها. تحركت بدقة وهدوء وثبات ويقظة. حاول جيري التقرب منها مرة. لمرة واحدة فقط.
التفتت إليه دون أن تقطع خطوتها وقالت بصوت مسطح: "إذا حاول أحدكم فعل ذلك مجددا، فسأغرس سهما في ظهرك".
من مقدمة الرتل، ضحك أحد جنود الإمداد ونادى: "خذوا الأمر بجدية يا فتيان. اعتبارا من الآن، هي أثمن من أربعة منكم مجتمعين. لذا حتى لو اخترقت بعضكم بسهم، فستنال في أسوأ الأحوال توبيخا خفيفا".
بدا توم مذهولا.
"لماذا؟!"
هز الجند كتفيه.
"الرمي بالقوس صعب. يتطلب سنوات من الممارسة. معظم الرماة الحقيقيين يأتون من عائلات صيادين أو مغامرين أو نبلاء. ربما كانت تتدرب منذ أن استطاعت المشي. أما أنتم؟ فك بالكاد تقفون".
أومأنا، ولم يقل أحد شيئا بعد ذلك. تكللت الغابة المحيطة بنا بزمام الحديث. كان إيقاع المسير غريبا ولكنه أشبه بالتأمل. امتزج صوت عجلات العربات وهي تصطك، والأحذية وهي تسحق التربة المضغوطة، ونداءات الطيور في الغطاء الشجري بالأعلى بنوع من الموسيقى. تسللت أشعة من الضوء الذهبي عبر الأوراق، راقصة على الأرض كأشباح متراقصة. ملأ عبق الصنوبر والتربة الرطبة الهواء. بدا كل خطوة في الغابة كخطوة في حلم، جامحة وأبدية.
بالنسبة لي، كان كل شيء جديدا. مرتي الأولى خارج أسوار المدينة. مرتي الأولى في المشي عبر غابة بهذه العمق، حيث تختفي السماء تحت سقف من الأخضر. لم تكن هناك أسطح منازل هنا، ولا أجراس أو مداخن دخان، بل أشجار شاهقة فقط، وجذور مغطاة بالطحالب، وأغصان تقوس كأضلاع وحش قديم. كان الأمر جميلا وسرياليا. تحدث بن إلينا نحن المجندين قبل أن نغادر الثكنات.
قال وهو ينظر في عيون كل منا: "مسموح لكم وضع حقائب التخييم على العربات. لكني أوصي بحملها، لجزء من الرحلة على الأقل. ابنوا قوتكم الآن. لا تنتظروا فوات الأوان".
أخذت تلك النصيحة بجدية. حملت عتادي لساعة في المرة الواحدة، ثم سمحت لنفسي بالاستراحة عبر رميه على العربة لمدة خمس عشرة إلى ثلاثين دقيقة. ثم التقطته مجددا. مع تنفس إيقاعي وخطوات ثابتة، دفعت نفسي أبعد مما اعتقدت أنني استطيع. نحو منتصف النهار، اخترق صوت الرقيب كول الهدوء.
"نحن نقترب من نقطة الاستراحة الأولى! هذه المنطقة لا تزال داخل الغابة، لذا كونوا يقظين".
توقفنا قرب جدول ضحل. رفع كول يده.
"املؤوا قِرَب الماء. أمامكم خمسة وأربعون دقيقة. كُلوا لحمكم المجفف. استخدموا المراحيض. لكن ابقوا يقظين. الاستراحة التالية بعد ستة ساعات قرب قرية صغيرة. هناك حيث سنعسكر".
أومأ الجميع. أعدنا ملء مياهنا، واسترحنا حيث أمكننا، وتحركنا مجددا. كان النصف الثاني من اليوم أصعب. ألمتني كتفاي. جررت ساقي. بحلول الغروب، بلغنا أطراف قرية متواضعة، ربما عشرون منزلا، وبضع مداخن تنفث دخانا، وقرويون فضوليون يراقبون مرورنا. نصبنا معسكرنا خارج المحيط مباشرة. ديرت العربات في حلقات. أشعلت نيران صغيرة. رفعت الخيام. لم يكن هناك تدريب تلك الليلة، طعام ونار وراحة بطانية على الأرض فقط.
غدا، سيستمر الطريق إلى ستونغيت.