أولفار كان شعورًا عظيمًا. لقد كافأه الأسلاف بالقوة، وكأن تلك هي واجباتهم. منحوه عدة مستويات إضافية، وتحسنت مهاراته بشكل ملحوظ، وأتم أخيرًا دمج مهارة [إتقان السلاح]. تمت ترقية مهارة أخرى كذلك، وغالباً ما كانت مكافأة جديدة من الأسلاف. هدية تقديراً لقوته الجبارة. كان تقدم أولفار سريعاً، ولم يتوقف عن النمو. إن استمر على هذا المنوال، فسوف يبلغ الصعود الثالث خلال بضعة أقمار.
قيل إن اختراق الجدار الثالث أصعب حتى من بلوغ الصعود الثاني، لكن أولفار لم يكن قلقاً. لقد ملك القوة اللازمة لسحق خصوم أقوياء بما يكفي لدفع نحو آفاق أبعد، فضلاً عن الصعود الثالث. وقد أكد له كتابه العتيق ذلك. أولفار تيرات - المستوى 28 العرق - بربري القوة العتيقة - دماء البهيموث سلالة الدماء - دماء زيلدرون أدى تأمله للنسخة المختصرة من كتابه العتيق إلى جعله يبتسم كالأبله.
مع ذلك، تبدد حماسه بمجرد عودته إلى معقل القبيلة. عاد إلى قبيلة تاسكور لأول مرة منذ وقت طويل، محملاً بالإرث الناجم عن كل تلك القوة التي استخدمها واكتسبها في اللّيالي الأخيرة. حافظ على قدر كافٍ من السيطرة على دماء البهيموث ليظل هو الآمر الناهي، ومع ذلك كادت تلك السيطرة نفسها أن تفلت منه وهو يرى أبناء قبيلة تاسكور يحتفلون بشيء ما. لم يستطع أولفار إدراك سبب تعكير ذلك لاحتفاله.
إنهم لا يحتفلون بصعودك. همس دماء البهيموث في أذنه، كأنه أجهل من أن يرى ما يدور حوله بنفسه. كانت قوته العتيقة أضعف منه. وطبعاً، ظل أولفار المسيطر. لم تكن أعظم القوى الأسطورية لتكفي يوماً لابتلاعه. ورغم ذلك، تردد صوت البهيموث في أذنيه مراراً مع تنامي بأسه. فرقع أولفار مفاصله، وانضم إلى الاحتفال.
"ما توقعت الصّبِيّة بهذا البأس. الجيل الصاعد أعتى من سابقه."
هتف أحد المحاربين الطاعنين في السن قبل أن يتجرع قطرات من الشراب في قرنه. تساقط بعضه على صدر المحارب العاري، لكنه اكتفى بالضحك واحتساء رشفة كبرى أخرى.
"أكثر قدرة منا؟"
ضيقت امرأة بربرية عينيها نحو المحارب المسن، فلم يزد على أن هز كتفيه.
"لقد صعدوا. الناجون منهم. أجمعون."
تمايل المحارب العمس إلى الجانب، ولا تزال ابتسامته تشق وجهه حتى أذنيه.
"وصعد الفرخ مجدداً. كان السبّاق. وسيتبعونه، لكنه الأعتى بينهم."
لعلهم جاؤوا للاحتفال باختراقي. هكذا فكر أولفار، بينما رسمت ابتسامة غرور نفسها على شفتيه. ابتسامة ماتت فور سماع كلمات المرأة البربرية.
"قدرة جليلة."
أومأت ببطء.
"أدهشني الخلف. إنه قوي بقوة عتيقة هزيلة. قهر أولفار وأستريد."
تفوهت المرأة البربرية بأشياء أخرى حول تحويل «الخلف»
لقوة واهية إلى شيء فائق البأس.
وأثنت على «الخلف»
في خصال أخرى أيضاً، بعضها متعلق بالمحاربين الشبان، وأخرى لكونه أشد بأساً بكثير مما يوحي به جسده. لكن ما إن بلغ ذلك سمع أولفار، حتى كانت سيطرته على دماء البهيموث تفلت منه. تمدد جسده وانتفخت عضلاته. الأول؟ أهناك... الأول؟! لقد كنت الأول في الصعود. أنا... تسارعت أنفاس أولفار. أخذ شهيقاً عميقاً ومتسارعاً مراراً لكبح مشاعره والحفاظ على زمام السيطرة على دماء البهيموث. رغم جهوده، تسربت نزعة القتل منه.
فرقع مفاصله مرة أخرى، تماماً مثل الحجارة تحت قدميه. إنهم لا يعترفون ببأسك. زمجر دماء البهيموث داخل رأس أولفار، فغذا النار المشتعلة في صدره. وترك له العنان.
«الخلف»...
أهذا كل ما في الأمر؟! سخر، رغم تسرب الغضب من خلف القناع الذي حاول تشييده للحظة. عرف أولفار هوية ما يُدعى بالخلف. كيف لا يعرفه؟ لكن هذا لم يغير الموقف. بل زاد من غضبه إن جاز التعبير.
"لا بد من تغيير شيء ما."
لم يكن موقف كهذا مققبولاً. لم يستطع أولفار تقبله ولن يفعله أبداً. إطلاقاً! لقد كان أعظمهم أجمعين، وإن أبوا الاعتراف به وبقوته، فسيجبرهم. سيجبرهم على تقبله قسراً، على طريقة البربر. فكر للحظة في مفارقة القبيلة والانضمام إلى قبيلة بيروت، لكن ذلك يعد إقراراً بالهزيمة. ولم يُهزم بعد. لا هو ولا الأسلاف تقبلوا نتيجة معركة الأجيال. كانت تلك حقيقة واحدة يوقن بها أولفار، إن لم يكن هناك سواها.
يجب أن يموت هاكون. همس دماء البهيموث في أذنيه، وكان محقاً. لا مفر من ذلك. وجب موت هاكون، ولكن بطريقة تثبت تفوقه على كل المشككين في بأسه.
* * *
الزعيم راغنا شاهد أبو هاكون المفقود يعود من قنصه. كان أشد بأساً من ذي قبل، وكاد يفقد السيطرة على نفسه. أذلك حين أدرك المحارب البربري اليافع إقامة الاحتفال لأجل هاكون ولا أحد سواه، أم أن شيئاً آخر أثار غضب أولفار، حامل دماء البهيموث؟ لم يتيقن الزعيم راغنا، لكن أياً ما كان سبب غضب أولفار، فقد كفى لدفعه إلى حافة الهاوية. توقع عزم المحارب الشاب الأحمق على مهاجمة أقرب هدف أو تقصي هاكون لقتله.
لكن وعلى عكس توقعاته، ابتعد أولفار عن النصب التذكاري والاحتفال. أنت تسيطر على نفسك. قليلاً، على الأقل. هكذا فكر راغنا، متسائلاً عما إذا كان قد فعل الصواب. انتهى أمر أولفار أخيراً. بغض النظر عن مدى هدوئه الظاهري بعد استعادة السيطرة على دماء البهيموث، لم تتلاشَ نزعة القتل فيه أبدا. بل ازدادت ضراوة، مؤكدة للزعيم ضياع أولفار نهائياً. أأمعن في دفعه للهاوية؟ أبالغت في الضغط عليه؟
تساءل في نفسه، دون مجيب. لقد نما ابنه قوة في الأقمار الأخيرة، وكذلك فعل أولفار. وحتى الآن، ربما بات أولفار أشد بأساً من هاكون. لعله كان خطأ، لكن الزعيم راغنا سيتولى الأمر. كان لزاماً عليه. كان لزاماً عليهم. الوقت ينفد، ولم يمتلك راغنا رفاهية إطلاق العنان لكامل بأسه. ليس إن أراد كبح جماح التنين الفضي. عديم الفائدة. زمجر راغنا في باطنه، لاعناً الأسلاف للمرة الألف. ما جدوى التسامي إن عجزت عن فعل شيء؟
كان ينبغي لتجاوز الحدود البشرية وبلوغ الصعود السادس أن يمنحه القدرة على فعل ما يشاء، لكنه قيده أكثر من أي شيء آخر. لقد خذل نفسه ومن حوله على حد سواء. وها هي قبيلة بيروت تثير المشاكل، والأسلاف يزدادون نفاد صبر مع كل ليلة تمر، وعهد الدماء مع الكائنات خارج الغابة المظلمة على وشك الانتهاء. لقد كُتب ذلك في دمائه، فهو السليل الذي غير كل شيء. والآن لا يملك سوى كبح كل تلك القوى، متصرفاً كأحمق طماع...
بينما ينتظر نمو ابنه ليشتد عوده ويقف إلى جواره. عليك النمو بسرعة يا بني. بسرعة أكبر بكثير. علم راغنا بهزيمة هاكون لتنين يافع، وهو إنجاز أعظم مما حققه أولفار في ذروة الصعود الأول. لكن أيكفي ذلك لقهر أولفار الآن بعد أن زاد الأحمق مقطوع الأذن بأساً؟ لا بد أن يكفي. التفت صوب الغابة، متفرساً في أعماقها. لا يزال حضور متخفي التيار هناك. كان مخفياً بإحكام ومموهاً تقريباً، لكنه ظل يشعر به – بها.
كيف لا يشعر بها وهو العارف حق المعرفة بذلك الكائن العنصري؟ لن تفلت أبداً من انتباهه، طالما تجولت في غابته.
"أكوي."
همس بها بصوت خافت، بينما ارتسمت تعبيرات الألم على محياه.
* * *
ثوريان بلينزلي - الحلف لم يكن كون المرء الابن السابع لعائلة نبيلة عادية بمثل تلك الفخامة التي يتوقعها العامة على الأرجح. كل ما قدمه ذلك لثوريان هو اسم عائلي معترف به، وبعض النقود - حتى وإن لم تكن بالقدر الذي يعتقده العامة - وجينات جيدة. وبالطبع، تدريباً صارماً. سنوات من التدريب بالسيف والعقل حتى بلغته النداءات هي الأخرى. يوقظ كل أفراد آل بلينزلي النظام. مُنحوا جميعاً حق الوصول إلى ذلك الهيكل الأسطوري الفاصل بين العامة والمختارين.
نادراً ما يوقظ أفراد العامة النظام؛ فأقل من خمسة من كل مئة يشكلون رابطاً مع النظام إن صدقت السجلات التاريخية. وأقل منهم من يمتلك القدرة لتشكيل نواة مانا أو بذرة إرادة، مما يغلق دونهم عتبة عالم المختارين. كان ثوريان، لكونه أصغر أبناء بلينزلي، متأخر النضوج. نال حق الوصول للنظام وهو في السادسة، وهو عمر مبكر جداً، يكاد يضاهي عباقرة العائلة المالكة، ومع أنه تقدم سريعاً، إلا أنه لم يفلح أبداً في تشكيل بذرة إرادة أو نواة مانا.
حتى بلغ عامه الحادي والعشرين. بحلول ذلك الوقت، كانت مهاراته قد نمت بشكل ملحوظ ولم يبقَ لها سوى انتظار قوة الإرادة الملائمة لتحويلها إلى شيء أعظم بكثير. لكن حتى بعد تشكيل أولى بذور الإرادة المفترض كثرتها، لم يأتي التفتح قط. حتى الآن، وهو في الخامسة والعشرين، لم يكن سوى درّاك ذي بذرة إرادة واحدة. بلغ المستوى العشرين في العام الذي أصبح فيه درّاكاً، ومع ذلك، وبعد أربع سنوات، لا يزال عالقاً.
عار العائلة. خاسر، لا ترغب عائلته حتى في التعامل معه بعد الآن. ولهذا أرسلوه إلى قوات البارون. للانضمام إلى الحملة نحو عرين الشياطين. خياران لا ثالث لهما. إما أن يقاتل أعظم الوحوش وينال الاستنارة ليغدو فارساً حقيقياً أخيراً، أو لن يغادر عرين الشياطين أبداً. ليموت بين المخلوقات المرعبة المتجولة في تلك الغابة المحفوفة بالمخاطر. ولم تعبأ عائلته بأي الاحتمالين سيتحقق. إما أن يموت لتنسى أمره تماماً، أو يخترق الحاجز أخيراً ويصبح فارساً مكتمل العضوية.
حتى إن نجوت، فما القادم؟ لن يتوقفوا حتى اصبح فارساً جليلاً. كلا، لن يكفيهم ذلك أيضاً. سخر ثوريان بنخرة. لن تكف عائلته عن مضايقته حتى يرتقي إلى رتبة فارس نبيل. حينها فقط سيكتسب اعترافهم... بأن يصبح أول فارس نبيل في عائلة بلينزلي. لقد مقط عائلته حقاً، لكنها العائلة ذاتها التي غمرته بالحب صغيراً. لم يرغبوا سوى بالأفضل له ومنحوه الحب والرعاية وكل الموارد التي قد يشتهيها مريد.
"نحن راحلون!"
هتف صوت عميق عبر المخيم، لانتشال ثوريان من أفكاره. حان وقت التوجه إلى عرين الشياطين. ليزداد بأساً، لعل نصله يرتوي من دماء الكائنات الماكرة التي تروع الحلف. وبالطبع، لانتزاع الأبراج المحصنة بغية حصد المزيد من نقاط الموارد للحلف. والملوك وحدها تعلم حاجتهم للمزيد من الموارد. بشدة. لكن قبل أن يتسنى له قهر أي أبراج محصنة، وجب على ثوريان النجاة من ليلته الأولى في تلك الغابة المظلمة.
كفى بذلك تحدياً لدرّاك.