"هل حان الوقت بالفعل؟"
تسللت أشعة شمس وحيدة عبر سقف الكوخ لتستقر على الرقّ. لا عجب إذن أن جفت عيناه. أصابع هاكون. مهما بلغت رغبته في المتابعة، هل يتحمل العواقب؟ لو فضّل الكتابات القديمة على الطقس، لقتل ه والده. حرفياً. تخيل المشهد مسبقاً—أصابع أبيه تطبق على عنقة بقبضة حديدية، وترفعه عالياً ليراه أفراد القبيلة. ينكسر عنقه استرضاءً لأرواح الأسلاف. أخذ نفساً عميقاً، وبحركات بطيئة ودقيقة، طوى رقّ الجلد.
لمرّة اليوم، لم يرغب في إعطاء أبيه سبباً ليمقته. أو الأسلاف، إن جئنا للحق. نهض عن الكرسي الصارخ وأنزلق بالرقّ إلى الرفّ المتناثر بجانب دستة غيره. لا أحد في القبيلة يمتلك هذا الكم. أغلب البشر بلا حاجة لخطوط محبرة لا يفهمونها ولا يرغبون بها. استثناء الكاهن طبعاً. فمخزونه أكبر بكثير. هكذا زعم.
تمتم هاكون: "لاحقاً".
كان قريباً، قريباً جداً، من فهم إحدى الكلمات الكبيرة. من تلك التي تبدو مهمة. وكأنها قادرة على فكّ عقدة البقية بلا مساعدة الكاهن. حين خطا إلى الغرفة المكشوفة، سدّ ظلّ مألوف المدخل. هيكل شاهق يملأ الفتحة؛ عريض بقدر طوله، مصنوع من العضلات وعقود من القتال المتواصل. دوّى صوت الزعيم الأجش، والد هاكون، في أرجاء الكوخ. حادّاً. محكوماً بالإدانة.
"أنت متوتر."
تحركت عينان داكنتان متجاوزتان هاكون نحو الرفّ.
"الخربشات مجدداً؟"
ثقل الهواء وانشطق.
قال أبوه، وخيبة أمله تقطع أعمق من الغضب: "كان عليك التدرب قبل الطقس. وبدلاً من ذلك، تقرأ؟"
فتح هاكون فمه، ثم أطبقه. بلا عذر يملكه.
تابع الزعيم: "لقد وصل الكاهن. لا تتأخر."
أمر كان ذلك، لا طلباً. تصلب فكّ أبيه حين لم يتحرك هاكون فوراً، وغادر بلا كلمة إضافية.
تمتم هاكون خلفه: "تحتاج إلى معركة جيدة. أغر على قبيلة بيروت أو اغوص في صدع."
لم تصل الكلمات. وربما كان ذلك أفضل؛ وإلا لانهال عليه الزعيم ضرباً، طقساً كان أم لا. بدا الأب مشدود الأعصاب. منذ أن أعلن الكاهن عن الطقس القادم. لقد انقضت دورات منذ الطقس الأخير في تاسكور، ومع كل موسم عابر، تسلل الشك أعمق في صدور القبيلة. أغضب الأسلاف؟ أداروا ظهورهم؟ ستغير هذه الدورة كل شيء. سيخضع الصغار للطقس ويستيقظون محاربين. ستحاكمهم أرواح الأسلاف وإن استحقوا، رفعت عن القبائل الختم الأول من اللعنة التي ألقاها الساقطون.
هكذا قيل. وتوقع الزعيم أن يكون طقس ابنه مميزاً. توقع أن يحذو هاكون حذوه ويصير محارباً حقيقياً. وأراد هاكون ذلك أيضاً. بعد عدة دورات مخيبة، حان أوانه ليستيقظ ويغدو ندا لأبيه. ليخطو الخطوة الأولى نحو تجاوز الزعيم. رسمت الفكرة ابتسامة على وجهه. غدا أبوه أكثر عجلة خلال السنوات القليلة الماضية، مع اكتمال بنية هاكون الجسدية. ولعل أباه أدرك أنه متى فرغ هاكون من الطقس، ستتغير الأمور.
أه، كم ستتغير. بالكاد استطاع هاكون الانتظار. نزع الفراء عن كتفيه، كاشفاً عن صدره العاري—المنحوت بالدماء والعرق ودورات من التدريب بلا هوائد. تخطت الندوب جلده، اكتسب كلّ منها في حمام دموي. توترت أصابعه فوقها قبل أن تطبق على قلادة ترتكز على ترقوته. أنياب ذئب الريح. مخالب نمر البادزهر. نفس المخالب التي نهشت لحمه. نفس الأنياب التي كادت تمزق حلقه. تلك كانت غنائمه. ممتلكاته الأعظم.
علامة قوة. وعد لأرواح الأسلاف. لم يتعجل هاكون. عدل وضع قلادة الغنائم، ثم ثبت فؤوسه وخناجر العظام بحركات صياد متمرس.
ختم أحد الحكايات القديمة بضحكة، ويدُه تضغط على قلبه النابض: "حيوية الجوف بداخلي تثور".
التوى الحماس بإحكام في صدره. بعد دورات من الانتظار، أتى اليوم أخيراً. خرج من الكوخ بخطوات طويلة واثقة، ولاحظه رجال القبيلة. ابتسم السكان، وكل منهم طويل، شاهق، ومكسو بالعضلات. رقبوه، واتسعت تعابيرهم حين تنبهوا للقلادة. كانت قلادة الغنائم استثنائية لتلك الدرجة. دليل قاطع على أن حاملها غامر في البراري لصيد وحوش لا يفترض أن يصرعها سوى من اجتازوا الطقس بالفعل. نجا هاكون من الموت بفارق شعرة مرات أكثر مما استطاع إحصاءها، لكن الأمر استحق العناء برمته.
من أجل اليوم. ليُري الجميع ما يملكه من قدرة. ولأنه لا يحتاج أباه ليكون محارباً حقيقياً. قد يكون ابن الزعيم، لكن قلادة الغنائم نالت له احتراماً لم يُورث هذه المرة. احترموه لقوته وإنجازاته، لا لدمه. سرعان ما بلغ الجموع المحتشدة حول مركز حصن القبيلة. مكللاً بتماثيل حجرية عملاقة من عهد الأسلاف، قام قلب القبيلة، النصب. بنيان أسود من مادة غير قابلة للتدمير. عجز حتى أقوى المحاربين عن خدش سطحه.
لقد كان أعظم هبة خلفها الأسلاف، مع وعد بمنح القوة اللازمة للبقاء وسفك الدماء من أجلهم.
تأمل هاكون التماثيل، ملقياً نظرة جانبية: "الزيلدرون".
لم يفلح لا الزمن ولا غضب الطبيعة في النيل منها. وقفت بشموخها المعهود، حارسة للنصب، حامية لهبة الأسلاف. اتسعت ابتسامته، لتتصدع فور لمحه لأولفور ورفاقه. إن كان للمرء أن يسميهم كذلك. رافقوه في كل مكان. لا حباً فيه بل لأنه غادر القبيلة للصيد هو الآخر. قوي، وإمكاناته واعدة كإمكانات هاكون، وتنافس والديهما أجج نار التنافسية. شأنه شأن رجال القبيلة. أرادوا هم أيضاً رؤية من سيغدو الزعيم القادم.
أستصعد عائلة جديدة لترث القبيلة أم تبقى القيادة في يد عائلة تاسكور؟ أبدى هاكون استعداداً لبذل الغالي والنفيس لضمان ألا يهزمه أولفار. ليس الآن، ولا قط. تجمع الناس حول هاكون، لكنه لوح لهم بالانصراف حتى لم يبق سوى بيورن الدب وأستريد قلب الحديد.
سأل بيورن بابتسامة مشرقة: "زاحف الجلد؟"
كان بطول الدب ومكسواً بالشعر تماماً مثله. غطى الشعر البني الكثيف معظم جسده، وإن أخفى بالكاد عضلاته الضخمة. كان قوياً، وقد تزينت قلادة غنائحه بمخلب وحيد—مخلب دب.
هز هاكون رأسه: "أنا جاهز. وكنت كذلك لعدة دورات".
وقفت أستريد بصمت بجانبهم. استقبلت هاكون بإيماءة بطيئة، مع أثر واهٍ لابتسامة تداعب شفتيها. إن كان بيورن عضواً عادياً في قبيلة تاسكور، فأستريد... حسنًا، أستريد. اختلفت عن كل من عرفهم هاكون. كانت أستريد قصيرة بالنسبة لامرأة قبلية. جمعت شعرها الذهبي الطويل في ضفيرة معقدة لتلك المناسبة. شوه بضع ندوب بشرتها الشاحبة. وعددها أقل من أن يكفي لتلك المخالب والأنياب المزينة لقلادتها.
عجز أغلب فرائسها عن مضاهاة نمر البادزهر، غير أن أستريد كانت مميتة. بدت على السطح وكأنها تنكسر بسهولة. ومن نشأ معها عرفوا غير ذلك. أوضح إصبع رجل بيروتي معلق بقلادتها ما حل بمن استخف بها. لم يملك هاكون سوى الابتسام متذكراً لقاءها بذلك الرجل الشهواني من قبيلة بيروت. أرتت أستريد الجميع ما قادرة على فعله في ذلك اليوم. نكزت جنب هاكون وأشارت نحو النصب. لقد وصل الكاهن، وقد غطى جسده العاري وشوم تتحرك مع كل حركة له.
وكأن النقوش المعقدة على جلده حية. بدت بعض الوشوم مألوفة بغرابة. أشبه بشيء رآه هاكون من قبل. في مكان ما. النصب! قفزت عيناه متجاوزتان الكاهن، لتستقرا على نقوش هبة الأسلاف.
تذمر بيورن، مصبعاً مباشرة نحو وجه هاكون: "تلك النظرة".
سألت أستريد بهدوء وهي تهز رأسها: "مجدداً؟"
لسبب ما، أزعجه ذلك أكثر من إصبع بيورن الموجه إليه.
أردفت قبل أن ينطق: "الطقس".
مطبق الشفتين، راقب هاكون الكاهن وكأنه مسحور، تائه النظرات بين نقوش النصب وتلك الوشوم النابضة بالحياة. بالكاد لاحظ أول رجال أولفار متجهاً نحو النصب، حتى حجب الرجل رؤيته.
هتف الكاهن بينما شق الرجل راحته بخنجر عظمي: "الدم وحده يجلب الذكرى".
ضغط يده النازفة على النصب، مسايلًا الدم على معصمه. تقاطرت قطرة وحيدة نحو الأرض، ويكاد صوت ارتطامها يضيع تحت الطنين المنخفض المتردد بمركزي حصن القبيلة.
دعا الكاهن ضاغطاً براحته على النصب ليبدأ بإصدار توهج باهت شبه شفاف: "ليُهْدِكَ القديم".
انقلبت عيناه بياضاً، تعابير استحال قراءتها.
أعلن، بصوت أعمق—وأكثر—مما كان عليه قبل لحظات، متردداً في أرجاء الحصن: "حامل الدم!"
أغرق المحارب المستيقظ حديثاً في زئير، مفتول العضلات بينما تمدد جسده. خبت الحذوة ثوانٍ بعد ذلك. التوت تعابيره لألم محتمل: ترددت أصوات تهشم مقززة، وتمزق جلده، وتدفق الدم من منافذه دفعة واحدة.
هز هاكون رأسه: "يا له من أبله".
رغم أنها لم تكن استثنائية، بدت دماء العمالقة قوية. فكل مستيقظ لها سينمو بشكل ملحوظ، وترتفع طاقته الجسدية اعتماداً على التناغم مع بنيته البربرية. تماشفت السمات الجسدية كدماء العمالقة جيداً مع بنيات القبائل، وخصوصاً دماء الزيلدرون، التي عُرف بربر تاسكور بايقاظها. وما زاد الطين بلة، وجود تاريخ لدماء العمالقة بين حاملي الدم من المحاربين الأقدمين. سيرشدون المحاربين الشباب.
سيحسن الأبله صنيعاً في الصيحة القادمة، بافتراض أنه لم يقتل نفسه باستخدام دماء العمالقة قبل تكيف جسده.
تمتم بيورن، ومصبع عيناه على نساء القبيلة: "كم من الشبق".
حدقن في الأبله، الذي لم يكبح بعد قوة بأسه، بشوق عاري. بنهم. لم يكن ذلك مفاجأة. وبقدر ما بلغ الرجل من حماقة، كان الأول منذ دورات عديدة الذي يوقظ قوة. انقضت قرابة عشر دورات، واستطاعت النساء استشعار القوة الكامنة بداخله. تنتظر التفجر فحسب.
سأل هاكون بنبرة شبه ساخرة: "أزاحف جلد أنت الآن، أم تود أن تصبح مثله؟"
وحين حدق فيه بيورن بغضب، أضاف: "لا تقلق. سيهدأن ما إن يستيقظ بضعة حاملي دم آخرين".
حمل الاستيقاظ الأول لحامل دم بعد جفاف دام عشراً دورات نفس بهجة العودة الناجحة من صيد بعد موسم نحس. كان مسكراً، وإن زال سريعاً.
سيخفت الحماس حين تتكرر ذات «المعجزة»
تباعاً.
زمجر بيورن دافعاً جموع الناس نحو النصب: "ذلك الأحمق لا شيء. أنا أفضل!"
ليثبت نقطة. وليوقظ قوة عظيمة ويري هاكون.
سألت أستريد وهي تهز رأسها رغم اتساع الابتسامة على شفتيها: "أكان لزاماً عليك فعل ذلك؟"
أجاب هاكون مهزفاً كتفيه: "نجل. سيكون بخير. أشك أن الأسلاف سيباركونه بقوة فاشلة".
"حارس الجذور!"
تردد صوت الكاهن كالرعد في أرجاء الحصن مرة أخرى. تجمد هاكون قبل أن يلتفت برأسه نحو النصب. لم يكن بيورن قريباً من النصب بعد. بل كان أحد أصدقاء أولفار من أيقظ قوة حارس الجذور. لم يكن حارسا الجذور محاربين. ولن يضاهي حاملوا قوة حارس الجذور أقرانهم في المعركة قط. ومع ذلك، بَدَت القوة جوهرية—للعناية بحقول القبيلة، وإبقائها حية طوال أطول الشتاءات. طالما يقف أحدهم بجانبهم للدفاع، فسير سكل الأمور على ما يرام.
وأرادت إحدى النساء المنضمات للطقس بشدة فعل ذلك. تقدمت نحو النصب بخطوات واسعة، ناظرة بحنين لحارس الجذور الملعون. شقت راحتها وصفعت بها الحجر، لاعقة شفتيها بنهم.
"حامل الدم!"
برزت عضلاتها حين زأرت القوة الخامدة للحياة، رغم أنها لم تطلقها. وبدلاً من ذلك، التفتت نحو حارس الجذور بابتسامة مفترسة. بوسعها حماية حقوله، إن شاءت. وبحسب ملامح وجهها، فقد أرادت ذلك وبشدة. لم يبد حارس الجذور مسروراً. لا بسبب امرأة حامل الدم، بل لأنه لن يغدو محارباً حقيقياً أبداً. جلبت المعركة الشرف. والقوة. والسلطة. والبقاء. والاعتماد على الآخرين... مثير للشفقة. سيعيش، وبوسع القتال إن بغى خوض المعركة، لكن طريقه ارتحل لمكان آخر.
كان للأسلاف خطط أخرى بشأنه.
عقبت أستريد بخفة، ملاحظة رمي عدة نساء نظرات مهتمة صوب الشاب الوسيم: "يبدو لائقاً بما يكفي".
مازحها هاكون: "أمهتمة أنت؟"
لكن نظرة الغضب التي رمتها نحوه وعدت بموت محتم. حتى حينئذ، وببدوتها كموت مجسم، ظلت أستريد بجمالها المعتاد.
أبطأ هاكون حديثه مراجعاً: "يبدو بعض الناس وسيمين أكثر من اللازم. ومن الإنصاف ألا يضيع الأسلاف قوة الأساطير على حمقى كهؤلاء".
نالت تلك العبارة حاجبين مرفوعين.
قالت بهدوء، محملة كلماتها بمعنًى عجز عن إدراكه: "احذر ما تتمنى".
سأل هاكون، وقد أعاد تركيزه على النصب: "أقلت شيئاً؟"
"كلا".
# تجمّع الضوء في يدي محارب غاضب بمجرد تراجعه عن النصب.
"مستدعي الضوء!"
دوت ضحكات مجلجلة في أرجاء الحصن، لتزيد غضب المحارب اشتعالاً. وقليل ما استطاع فعله حيال ذلك. لقد أيقظ قوة غير ملائمة. تدفقت كلمات السخرية من أفواه من حالفهم الحظ بالاستيقاظ كحاملي دماء. استمتعوا بمصيبة رفيقهم.
قهقه أولفار بصوت عالٍ كفى ليسمعه الجميع: "كيف بالضبط استجلبتم غضب الأسلاف؟ أأنت لأنك ضاجعت عاهرة الجزار؟"
نزعت أستريد بصرها عن مستدعي الضوء وثبتته على الجزار، البادي في أقصى حالات الغضب. عُرف بحِدّة مزاجه دائماً، وأولفار أدرك ذلك.
زمجر هاكون، محدقاً في أولفار الذي زاد سروراً بالفتنة التي زرعها: "سيقتل زاسك زوجته ما إن يفرغ من جزارة إيرين".
ألم يكفه استيقاظ دماء البهيم؟ لم يكن إيرين صديقاً لهاكون، لكن الجميع علموا بمروره بطفولة قاسية. وما زاد سوءاً تربيته على يد الجزار وزوجته الراحلة.
هز بيورن رأسه: "صبي همجي. لمضاجعة زوجة زاسك بعد كل ما فعله لمساعدته".
سخر: "اتخذ الأسلاف القرار الصائب. يستحق إيرين العقاب".
حين صخب الضجيج حول النصب أكثر من اللازم، تنحنح الكاهن. فعلة بسيطة، غير أنها أسكتت الجميع. حتى غضب زاسك خبا. لا يزال يحدق في إيرين بحقد، غير أن الجزار عرف أفضل من مقاطعة الطقس.
هتف الكاهن بهدوء: "تابعوا".
رد بيورن بالاندفاع نحو النصب بينما انشغل الآخرون. شق يده وضغط براحته بإحكام على الحجر بحركة سلسة واحدة.
أعلن الكاهن: "مباركة!"
دوّت ضحكة بيورن كعاصفة رعدية، قاطعة إعلان الكاهن منتصفه: "مباركة الدب!"
تجاهل نظرة الكاهن الغاضبة وهو يعود، واضعة عدة أيدٍ حازمة على كتفيه بينما هنأه عشرات المحاربين. تلاشت مشكلة زاسك وإيرين من اهتمام الحشد—باستثناء المعنيين. حتى تلك اللحظة، لم يشهد سوى استيقاظين تعساء بحق. اكتسب البقية سمات جسدية، وغالبتهم كحاملي دماء؛ دماء عمالقة بتركيز متفاوت، للدقة. لو تركت القبيلة لرغبتها، لاستمروا بذلك الدرب. محاربون أقوى تعني فرصاً أفضل في الغارات القادمة.
أستريد أول من تحرك. مرت بجانب بيورن صامتة وأتمت الطقس في ثانية صامتة.
توقف الكاهن منتصف كلامه، متوسعة عيناه قليلاً: "دمـ..."
ثم هتف: "غضب الدم!"
انفجرت جوقة من الهتافات في حصن القبيلة.
تذمر بيورن: "كان لزاماً عليها تفوقي".
بدا غضب الدم قوة مثيرة للاهتمام. إحدى الاستيقاظات غير الجسدية القليلة التي فخر بها البرابرة. تمنى الكثيرون غضب الدم على دماء العمالقة. بل فضلها بعضهم على دماء بهيم أولفار. إنها قوة الأساطير.
ابتسم هاكون، متلاقياً عيناه بعينيها: "الأسلاف يفضلونها".
كُتبت قوة أستريد بالدماء. غذت كل جرح، وكل قتلة قوتها؛ سواء أكان الدم عائداً لأعدائها أم لنفسها. تحدثت الرقاقات التي حازها هاكون عن شخصيات أسطورية مغرقة في الذبح، محاربين دُفعوا متجاوزين الحدود البشرية عبر سفك الدماء وحده. وإن استغلتها بطريقة صحيحة، ستغدو أستريد أحدهم. لم تحتاج لمحارب ليرشدها، فدماء أعدائها ستعلمها كل ما احتاجت لمعرفته. تجمعت الجموع حولها عند عودتها، وتعبيرها فارغ، يستحيل قراءته.
ثبتت عينيها مباشرة في عيني هاكون: "دورك".
سأل بيورن مجدداً، بابتسامة مشرقة: "زاحف الجلد؟"
"كلا. أنا جاهز".
خطا هاكون صوب النصب، واثقاً في كل خطوة، مهتزة قلادة الغنائم على صدره. بعد دورات من الانتظار، جلّ ما أراده هو الاستيقاظ. لفق مجاراة القوى الأسطورية لأولفار وأستريد سيكون مثالياً، لكن دماء العمالقة ستفي بالغرض. إنها قوة صلبة، وتلائمه جيداً. لم يكن بعرض جل البرابرة، لكن ذلك لم يقلقه قط.
من سخروا من بنيته «الناقصة»
واجهوا التحدي—أذرع مكسورة، ووجوه مهشمة. التفتت نظراته إلى أبيه. وقف الزعيم بلا تحرك، متجهمًا، بارد العينين وخالياً من أي عاطفة وهو يثبت بصره على هاكون. راقب وترقب. دوى زئير في عقله حين وقف أمام النصب. لقد حان أوانه للتألق. الخطوة الأولى نحو تجاوز أبيه. صدح صوت الكاهن، غير أنه عجز عن استيعاب كلمة واحدة. انتزع خنجره الدموي، شق راحته أعمق من اللازم، وصفع بيده النازفة على النصب.
شيء ما تحرك داخل هاكون. اضطربت معدته وانفتلت إثر تحرر شيء لم يعهده من قبل. تملكها ألم، وإن لم يكن لا يطاق. وحتى حينئذ، لم يدم طويلاً، إذ سرى دفء مهدئ في جسده. حيوية الجوف.
أو «المانا»، كما أسماها الكاهن وبعض الرقاقات الجلدية.
سرت في هاكون طوال ما بدا ليلة كاملة لكنه لم يتجاوز رمشة عين. انحسرت المانا وعادت للكتلة المتخذة شكلاً في صدره. كلا، لم تظهر فحسب. استطاع استشعارها الآن فحسب. الآن وقد غدا محارباً حقيقياً. مقاتلاً حقيقياً. مستيقظاً. ضربت النشوة أقوى من هراوة أبيه. ملأته حتى حافته، حتى أدرك هاكون الخلل. لا وجود لقوة. لا تدفق، ولا تلقين أسلافي للمعلومات. أين القوة التي طالما وعدوه بها؟ وهناك سمع الكاهن.
الكلمة التي حفرت أعمق مما ينبغي.
"العقل."
ترددت ضحكات زاعقة فوراً، متصدعتها ضحكة أولفار العميقة المدوية. لقد استمتع حقاً. تجاهل هاكون الضحكات والأصوات الساخرة المتقاطعة مع الجوقة وفعل شيئاً أحمق. نظر باتجاه أبيه. لم يمنحه الزعيم نظرة واحدة. بل نظر للمجموعة على اليسار. إلى أولفار ومحاربي دماء العمالقة. خذلته مجدداً... أطبق هاكون قبضتيه، محتضناً ألم غرز الأصابع في راحته المشققة. سال المزيد من الدم، لتتطاير قطرات قرمزي وتلتحق بسابقتها.
كان النزف، واحتضان الألم، السبيل الوحيد لتفريغ الإحباط والغضب الفائرين تحت جلده. ومع ذلك لم يغير الوضع شيئاً. قرر الأسلاف. اختاروا له قوة غير جسدية. بقوة لا يكبد بربري نفسه عناء سلكها. لكن ما الذي اختاره الأسلاف لهاكون تحديداً؟ تشكل أمامه قطعة من جلد قديم ممزق نصفين تزينته خطوط متصلة تشكل كلمات. الأسفار القديمة. هبة الأسلاف. لقد كشفت الحقيقة القاسية. هاكون تاسكور – المستوى 1 العرق – بربري القوة القديمة – استيعاب معزز سلالة الدم – حيوية البراري الجوهرية للوهلة الأولى، بدا كل شيء في نصابه.
احتاج هاكون لإلقاء نظرة ثانية ليلحظ المشكلة القائمة. بغض النظر عن القوة القديمة، سلالة دمه كانت خاطئة. كان ينبغي أن تقرأ دماء الزيلدرون، لا حيوية البراري الجوهرية. الحيوية، أدركها. شعر بها داخله، في عمق جوفه. مع ذلك، بدا الأمر غريباً. خاطئاً. تواصل الطقس من حوله. تردد صداه في أذنيه مع نهايته البطيئة، ولأول مرة منذ زمن طويل، خلا ذهن هاكون. غير الطقس كل شيء. وما العمل الآن؟
قبل أن يتمكن من تصفية ذهنه والتركيز على الخطأ الواضح الذي لا بد أن الأسار القديمة ارتكبته، أو على الاستيعاب المعزز—مهما كان المقصود بذلك—قوطع هاكون. حلّ ضغط ثقيل عليه. بدا قديماً، عتيقاً حتى، وقفز رأسه نحو المصدر: الكاهن. توهجت وشومه وانفصلت عن جلده بينما نما طولاً وعرضاً. اشتد الضغط ليبدو بلا مهرب، كأن وزن عصر غابر ضغط على عظام هاكون. ولم تكن القوة وحدها ما أثقل كاهله.
بل أكثر بكثير من ذلك.
"انتهى الطقس، ومع انتهائه يبدأ صعود جيل جديد. الطقس ليس نهاية، بل هو البداية. تذكروا هذا، أيها المحاربون الشباب: نصل جاف لا يكسب أغنية، ولا مقعداً في ولائمنا. استقبلوا الموت كما تستقبلون ذويكم، وحينئذ ستمشون معنا، وتُتغنى أساطيركم إلى ما بعد دوران الدهور. بالدم. بالقدر. قفوا بلا انكسار، وقاتلوا حتى تظفروا بعناق الموت أخيراً."
دحرج الكاهن صوته في أرجاء الحصن، مرتعشاً الهواء مع كل كلمة، ومحملة كل مقطعة بعمق عجزت رئتان بشريتان عن إنتاجه.
"أظهروا قوتكم. واغتنموا في دماء أعدائكم، ومن خلالها، تفوقوا على ذويكم."
الصوت، الذي لم يشبه صوت الكاهن قط، تواصل حتى مع تدفق الدم من فمه وعينيه، اللتين شبها نجوم الليل المقبل.
"حين تتهاوى النجوم في مساراتها المقدرة، ينهض أمير حرب من دماء أعدائه. وسيُدعى لتحدٍّ—دم شاب مقابل دم شاب—وستنقش أسماؤهم في فوالق القدر. القوي يرتفع، والضعيف يذوي، منسياً."