اولف. تحطمت الغابة المظلمة تحت قوة اولف. تكسرت أغصانها حين داس عليها، وبدت الشجيرات أضغر ممّا اعتادته. كانت ساقاه مبتلتين، غير أنهما كانتا تلتهمان بوهج حارق من الرماد والدخان الذي أبى أن يخبو. انقضى قمر كامل منذ أعظم هزائمه وأكبر انتصاراته. وانقضى قمر أيضاً منذ أن كافأه الأجداد على إنجازه المستحيل. انتشر التجاوز، وهو جلد الرون الرئيسي، على كتفيه العريضتين كجناحين ينتظران الانبساط وحدهما.
لم يشهد بعد روعة جلد الرون المنحوت على ظهره، لكنه عرف وجوده. وعرف أيضاً أنه يسري على طول عموده الفقري، ويتغلغل في عظامه ذاتها، وأنه أعظم شأناً ممّا بدا عليه. كانت تلك أًسخى هدايا الأجداد، باستثناء القوة القديمة الأسطورية، وقد استحق كل جزء ضئيل منها. إنهم يكافئونني من خلالك. لمنحك القوة التي استحقها. تردد صوت رعدي في رأس اولف. التوت أحشاء جمجمته واضطربت، مما جعله يكبح ألمه بينما تردد صدى هدايا أخرى مُنحت له منذ قمر.
دم البهيم، قوته القديمة. كان ذلك أمراً يختبره كل حاملي الدماء وهم يرتقون، ومع ذلك لم يستطع اولف تذكر أي من البرابرة يذكرون سلالة متكلمة قط. كانت تحدثه، وتغذيه بالقوة، وتساعده على تجاوز أعظم العقبات. وفي المقابل، تطلبت العظمة. وقد منحها ذلك بالضبط. لو لم تكن معوقاً فحسب. زمجر دم البهيم، مما جعله يكبح ألمه مجدداً. تفور الغضاضة في صدره، ولكن كيف له أن يطلقها بينما كان هدف إحباطه يكمن داخله؟
كاد اولف أن يمزق جسده بنفسه عشرات المرات طوال القمر المنصرم، لكنه لم يفعل.
"اصمت. كنت ضعيفاً. أضعف من أن تقاتل الزعيم!"
انفجر، ولم ينطق بغير الحقيقة. لو كان دم البهيم أقوى، لما فقد ذراعه قط. لكانت قبيلة تاسكور ملكه، ولكانا قد اخضعا القبائل الأخرى بالفعل. حين غادرت الكلمات شفتي اولف، تحرك شيء في داخله، لكن مشاعره الحقيقية لم تتمازج مع الكلمات إلا عندما اضطربت أحشاؤه بعنف، مما أجبره على الركوع بجانب جثث الوحوش العظيمة التي ساعده دم البهيم في قهرها. لم تكن القوة القديمة ضعيفة. عرف اولف ذلك.
لكنه لم يكن ضعيفاً بدوره. لم يكن ضعيفاً قط!
"الآخرون ضعفاء. أضعف من أن يحموا أحداً."
زمجر، لكن البرابرة القدامى أخفقوا في فهمه. لقد أبوا ببساطة الإقرار بمدى ضعف صغارهم. ولهذا السبب كرهوه. لأنه أجبر البرابرة القدامى على الاعتراف بضعف ذراريهم. كرهه الجيل الأقدم. لم يكن الأمر منطقياً بالنسبة إليه، بيد أن كراهيتهم كانت حقيقية.
"لكنني الأقوى. الأعظم بينهم جميعاً!"
هربت زمجرة غليظة من شفتي اولف. كان صعوده إلى الارتقاء الثاني خاطفاً. لم يسبق له مثيل، محولاً ملحمته إلى شيء أعظم من أي ملحمة أخرى. ومع ذلك، لمجرد موت بعض المحاربين الحمقى الضعفاء، عوقب.
"تماماً مثل أبي. ذلك الأحمق."
أبوك حي. تمتم دم البهيم بحكمة، غير أن صوتاً من التعطش الوحشي للدماء شاب صوته. توقف اولف عند ذلك. عجوزه لا يزال على قيد الحياة؟
"ليكن."
بصق. كان ذلك الرجل مثل أي شخص آخر — حمقى عميان — غير أن أباه كان نوعاً خاصاً من الحمقى. قد لا يكون أعمى مثل بقية قبيلة تاسكور، لكن عجوزه كان جباناً. رجلاً خائفاً ومثيراً للشفقة يلوث وجوده البحت الأجداد والبرابرة على حد سواء. جعله مجرد التفكير في ذلك الرجل المثير للشفقة يزمجر. استدار حين استشعر خطراً يلوح من الشجيرات خلفه وواجه خيميرا فوكيريوس نصف الميتة وهي تزحف نحوه.
تحطمت قصبته الهوائية، ومزقت أجنحته من ظهر الوحش. ومع ذلك، حتى وهو يتأوه ويتلوى، هاجم اولف. انطلق ذيله العقربي نحو صدر اولف، مما حثه على إطلاق طاقة التجاوز. امتص الدفء من جسده، غير أنه لم يشعر بأي ضعف. بل على العكس تماماً، كان اولف يفيض قوة وهو يوجه التجاوز نحو القوة القديمة. ارتجفت الغابة حين هرب زئير عظيم من أعماق جسد اولف. تحولت قوة الحياة إلى طاقة خام بينما ضربته الحمة.
وكان ذلك كل ما فعلته. ضربت صدر اولف لكنها عجزت عن اختراق جلده. وهو يصد الهجوم بأقل جهد ممكن، ابتسم اولف بتهكم للوحش. تمزق جلده وتدفق الدم منه بعد نبضة قلب واحدة من صد الحمة، لكن التفاصيل لم تعنِ له شيئاً قط. ولم يكن الألم يعنيه أيضاً. على العكس، كانت القوة التي تتغلغل فيه هي ما يعنيه. كانت كل ما يستطيع التفكير فيه. انطلقت ذراعه إلى الأمام بسرعة خاطفة، والتفت أصابعه حول عنق الخيميرا.
ثم أحكم قبضته بحدة، محطماً عنق الوحش وقاتلاً المخلوق الذي غرس الخوف في قلوب أغلب أبناء جيله. لكن بالنسبة إليه، لم يكن هذا شيئاً. كانت الخيميرا ضعيفة، مؤكدة مرة أخرى أنه الأعظم.
* * *
أستريد "ادخلي التصدع مجدداً. أو نتنازل."
تحدثت ميرا، وشاب صوت نفاد صبر متزايد باستمرار.
"يمكننا الذهاب إلى الغابة أيضاً. لدي الكثير لأريه."
لم تكلف أستريد نفسها حتى عناء رفع رأسها. كانت تعرف ما تريده أمها، ولن تستسلم.
ليس بعد اتباع «اقتراحات»
أمها حسن النية مراراً وتكراراً في الشهر الأخير. أرادت ميرا الأفضل لحمها ودمها فقط، لكن لم تكن أستريد في عجلة من أمرها. إنها لا تفهم. بالطبع، لم تر ميرا الأمر على هذا النحو. كانت أم أستريد أول من اكتشف ارتقاء اولف الثاني. لقد رأته يصد صيادي بيروت وتوقعت من ابنتها أن تتبع اولف وترتقي أيضاً. ففي نهاية المطاف، امتلكت أستريد قوة قديمة أسطورية وكان عليها مواكبة دم البهيم الخاص باولف.
التخلف عن الركب سيخرض القبيلة بأسرها للخطر. لم تستطع أستريد إلا أن تظن أن أمها بالغت. كانت حدسياتها عظيمة وساعدتها في بلوغ الارتقاء الرابع، لكن المرء لم يستطيع استعجال الأجداد، ناهيك عن الارتقاء ذاته. علاوة على ذلك، كانت تحاول التحسن، مبذولة أقصى جهودها لتصبح قوية بما يكفي لاختراق الجدار والارتقاء. لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. التحدي المناسب لم يأتِ يطرق بابها بعد.
هاكون ليس في عجلة. أرادت الرد على أمها، لكن أستريد عرفت أن ذلك سيزيد الموقف اشتعالاً فحسب. كل ما أملته كان لحظات هادئة ومسالمة، فترات زمنية صامتة تستطيع الاستمتاع بها قبل العودة إلى التدريب. لسوء الحظ، عادة ما كانت تلك اللحظات تنحدر إلى فوضى. ولم يكن ذلك خطأها عادة. كل ما أرادته هو التركيز على تلك المهارة الواحدة — أو ما كان ينبغي أن يتحول إلى مهارة قريباً بما يكفي، نأمل ذلك — غير أن أمها ظلت تحاول فرض آرائها على أستريد.
"أنت تضيعين قوتك القديمة الأسطورية!"
زفرت ميرا بعمق حين لم تقم ابنتها بأي حركة.
"انسي أمر هاكون وتلك الأشياء الخرقاء التي قالها!"
ما قصدته أمها هو أن هاكون أخبر أستريد عن مهاراته وكيف اكتسبها. لقد أرها والآخرين كل شيء عن تحريك الطاقة عبر المسارات بدلاً من إمرارها حولها، لكن ذلك كان أحمق. كان ثقيلاً، بطيئاً، ومحشواً بالعقبات التي كانت مزعجة لإزالتها. ومع ذلك، أرادت أستريد تعلمه. مارست ذلك الهراء طوال اليوم بدلاً من التركيز على قوتها القديمة، عندما كان ذلك تحديداً ما فعله هاكون. لقد اعتمد على العقل وتعلّم أموراً عجز الآخرون عنها.
على الأقل، كان هذا ما ظنته أم أستريد. كان رأيها في هاكون... حسناً، واضحاً، في المقام الأول.
"أتريدين رؤية النية؟"
عرضت أخيرة. كان واضحاً أنها لم تقصد الأمر بجد وأنه كان مقصوداً أكثر لتشتيت أستريد... وقد نجح. ألقت أستريد نظرة خاطفة على أمها، وعقدت حاجبيها أمام الابتسامة المكتفية بالنفس الماثلة أمامها، ثم أعادت تركيزها إلى المهمة اليدوية. مدت يدها نحو الجواهر، كما سمها هاكون، وسحبت خيوطاً من دم الحياة منها. كاتمة أصوات العالم حولها، ركزت أستريد تماماً على نفسها. وبدقة أكبر، على الأنفاق الملتوية المنتشرة في جسدها.
مسارات، هكذا سماها هاكون. بعد قمر من الممارسة متى لم تعطلها أمها، استطاعت أستريد استشعار أغلب مساراتها خلال عشرات نبضات القلب. ظهرت المسارات الأثخن أمام عينيها المغلقتين على الفور، بينما استغرقت الأخرى وقتاً أطول بكثير لتكشف عن نفسها. كان تحريك دم الحياة عبر جسدها وعبر المسارات سريعاً. والآن بعد أن تعلمت كيف تستشعر المسارات بالغريزة، أصبح أسرع بكثير. كان ذلك، إن لم يكن شيئاً آخر، نعمة عظيمة وشئياً تعلمته بفضل هاكون.
لم ترد أمها منحه الفضل في ذلك، لكن أستريد فعلت. لقد ساعدها على النمو أقوى وتحريك دم الحياة بشكل أسرع وأكثر كفاءة. مع ذلك، كان من الصعب تحريك دم الحياة عبر المسارات بدلاً من إمرارها حولها. بإمكانه مساعدتي. حدثت أستريد نفسها ونهضت لتغادر الكوخ وتترك أمها الغاضبة ورائها. هرعت نحو كوخ الزعيم، وألف سؤال يتشكل في رأسها، لتتجمد فور رؤيتها إياهم. تشتت الأسئلة، تاركة إياها عالقة وتحدق في هاكون، المحاط بالبنية الأسطورية التي تعلم تجسيدها، بينما تقف آفا إلى جانبه.
تلك البشرية. لم تكن حتى صغيرة إلى هذا الحد، حتى لو بالكاد بدت أكبر سناً من هاكون ونفسها، وكانت ضعيفة. ضعيفة بشكل مثير للشفقة وبالتأكيد ليست منافسة لشخص يلوح بقوة أسطورية. ومع ذلك، أزعج الإصرار المشتعل في عيني المرأة البشرية أستريد. وكذلك فعل التقارب بين هاكون وتلك آفا. إنه لي. أطبقت شفتيها، مستحضرة ما قاله هاكون قبل ليالٍ عديدة. لقد كان لها وكانت له. ولن تشاركه، بخلاف الكثير من البرابرة.
كلا، انتمى هاكون إليها، وإليها وحدها! مؤججة بمشاعر أخفقت في التحكم بها، تدفق دم الحياة من جواهرها. أغرق كيان أستريد بأكمله، مولداً تعطشاً للدماء جعل المرأة البشرية الضعيفة تنكمش. ولكن بينما نظرت آفا حولها، لم تكن أستريد هناك بعد الآن. كانت الشابة البربرية غائبة عن الأنظار، تتقيأ بينما غمر دم الحياة مساراتها، دافعة نفسها عبرها، مشكلة شقوقاً شعرية ومستخرجة مادة سوداء شبيهة بالوحل كادت تجعلها تتقيأ.
[تم تعلم مهارة [التحكم بالتدفق].]
لم تكن تلك الطريقة التي ارادت بها تعلم مهارة هاكون، لكنه كان مرسوم الأجداد. وقد اتفقوا معها، سواء أتعلق الأمر بطريقة تدريبها أم بالبشرية الصغيرة.