أفا. كانت إجابته. أو هكذا أمل هاكون. كانت البشريّة الضئيلة يافعة وواهنة وضعيفة بشكل يدعو للشفقة، لكنها امتلكت شيئاً نادراً ما يملكه البرابرة؛ المعرفة. أظهرت الحوارات القليلة التي خاضها هاكون مع أفا مدى اتساع معرفتها. كانت الأولى في تعلم لغة البرابرة، إن خذلته الذاكرة، وساعدت الخدم الآخرين على تعلمها بسرعة أيضاً. على الرغم من سهولة إرعاب البشرية الصغيرة، كان فهمها للمانا والمهارات التي لم يسمع بها أغلب البرابرة كافياً ليتقرب منها هاكون.
كانت أيضاً متدربة سحرة، مع أن هاكون لم يدرك كنه ذلك. مخلوقة بمثل هذه السن هي—... قطع هاكون الفكرة الشاردة فور تشكلها. بدت أفا في عمره تقريباً، لكن ذلك لم يبدو صحيحاً. كانت أكبر منه ودائماً ما كانت كذلك. بينما جمع ذكرياته بتشويش، ضاق عيناه. لطالما كانت أفا في مثل عمرها الحالي. على الأقل، لم يتذكر أنها تغيرت كثيراً منذ أن وطأت قدماها الكوخ. تذكر ارتعاشها ودموعها التي خطت وجوهها، وثيابها الملطخة بدماء بني جنسها من البشر، وانكماشها كلما مر البرابرة عبر الكوخ.
لم تكن أفا الخادمة الوحيدة التي تفاعلت هكذا، وتفاقم الأمر في الدورات التي تلت ذلك. وبلغ ذروته عندما حاول عدد من الخدم الحمقى — أو الشجعان، حسب من تسأل — الفرار. شكل ذلك، إن لم يكن شيئاً آخر، إهانة لشرف البرابرة. أولئك الذين تغلبوا على جيش البشر الصغير اعتبروا الناجين غنائم حرب، وبنظرهم، كان من الشرف البقاء وراءً لخدمة المنتصر. ألقت الوحوش القبض على الهاربين. ليس كلهم، لكن من تفادوا أشرس الوحوش انتهى بهم المطاف في قبضة الزعيم راغنا.
ألقى والد هاكون القبض عليهم، أحياء أو أمواتاً لا سيما، وجرهم إلى معقل القبيلة لإعدامهم وجعلهم عبرة للآخرين. توقف الخدم عن حلم الفرار منذ ذلك اليوم فصاعداً. على الأقل، لم يعودوا يحاولون، وهو ما امتنه هاكون. لم يطق الإعدامات قط. كانت مبذرة وقاسية بلا داعٍ. أحب رجال القبيلة الإعدامات، لكنه اقتنع أن بإمكانهم إبقاء الهاربين أحياء. بالتأكيد، لم يحب الأسلاف الإعدامات العمياء.
لن يمنح ذلك أي معنى. لا أننا نحتاج للخدم. أضاف هاكون بصمت لنفسه، متسائلاً عما كان يمكن لقبيلة تاسكور فعله بالهاربين. في النهاية، لم يصل إلى نتيجة. بل شق طريقه خارج الكوخ بحثاً عن أفا. لم يستغرق العثور على البشرية الصغيرة وقتاً طويلاً. بدت صغيرة كعهدها، وبنيتها لا تزال واهنة، ومع ذلك لم تعد تبدو مصابة بسوء التغذية. لم تعد أفا تمتلك صدغين غائرين قليلاً. اكتسبت وجنتاها امتلاءً، ولم تعد ذراعاها عظميتين بل ظهرت عليهما لمحات من العضلات.
لقد تغيرت البشرية. وقفت باستقامة أكبر ورفعت رأسها لتتطلع حولها، ومع ذلك كلما التفتت نحوها عيون كثيرة، كانت تشيح بوجهها على عجالة. كانت على وشك الانسحاب إلى بقعة مظللة أبعد عن النصب التذكاري عندما التقت عيناها بهاكون.
"أ-أرَدتَ رؤيتي."
تسلل التررد إلى صوت أفا، متماشياً مع طرف عينيهما المرتعشتين.
"فعلت."
أومأ هاكون، وابتسامة رقيقة شقت طريقها إلى شفتيه، وبدت كافية لتهدئة أفا. توقفت عيناها عن الارتعاش واستقامت بوقفتها قليلاً. ليس بما يكفي، تمتم لنفسه لكنه ترك الأمر عند هذا الحد. ستكتسب أفا ثقة أكبر في الوقت المناسب. وحين التفت حوله، لمس عدداً من البرابرة الأكبر سناً يرمقون جهتهم.
حيوه، وتمتموا بعبارة "الخلف"
سريعة، وغادروا للاهتمام بشؤونهم بلا عوائق. متجاهلاً ضيق أفقهم، انجذب هاكون نحو النصب التذكاري الشاهق بامتياز في وسط معقل القبيلة. موسوماً بتماثيل عملاقة من حقبة الأسلاف، نصب في قلب قبيلة تاسكور. كان النصب التذكاري بنية سوداء مصنوعة من مادة غير قابلة للتدمير عجز أقوى المحاتين عن خدشها. لقد كان أعظم هديّة خلفها الأسلاف، إذ ساعد الشامان على توجيه طاقة الأسلاف لأداء الطقوس.
بدونه، لما استيقظ أصغر البرابرة على قوتهم العتيقة أبداً، ولما تشكل ارتباطهم بالأسلاف. لم تكن التماثيل المحيطة بالنصب التذكاري سوى الزيلدرون. وقفوا بنفس القامة التي تذكرها، حارسين النصب التذكاري وحامين هديّة الأسلاف، تماماً كما حموا الأسلاف في الماضي. اتسعت ابتسامته أكثر. لولا الأسلاف، لما استيقظ أبداً على الفهم المعزز. ودون ذلك، لتحطمت غاياتها هاكون. ما الذي كان سيحدث لو استيقظت كحامل دماء؟
تساءل، ضاحكاً على حماقته الخاصة. ففي الماضي، كان سيقتل طالما عنى ذلك إيقاظ نسخة قوية من دماء العمالقة كقوة عتيقة. أما الآن، فيستطيع دحر حتى القوى الأسطورية بقوة العقل.
"ه-هاكون؟"
أعادته أفا إلى رشده.
"قلتَ إنك تريد رؤيتي."
"حقاً."
هز رأسه، مطرداً كل الأفكار الشاردة.
"أردت التحدث معك بشأن أمر ذكرته قبل قليل."
التقت عيناه بنظراته للحظة لكنها أشاحت بوجهها على عجالة دون النطق بحرف.
"ذكرتِ سابقاً أنك متدربة سحرة."
تابع هاكون.
"وقلتِ شيئاً عن السحر ونسجات التعاويذ عندما مارست [سهم المانا] ومهاراتي الأخرى. أحتاج لمعرفة المزيد... ما هو السحر، وما هذه نسجات التعاويذ التي ذكرتِها؟ وكيف لي استخدامها لأغدو أقوى؟"
تراجعت أفا خطوة إلى الوراء ورمقته بنظرة متسائلة.
"ماذا تقصد؟"
ألم تفهمه؟ عاقداً حاجبيه، كرر كلامه، لكنها هزت رأسها فحسب.
"لا، أنا أفهم ما تقول يا هاكون."
عمق ارتباك أفا.
"لكن ما لا أفهمه هو سبب طرحك لهذه الأسئلة. أنت تمارس السحر بالفعل. ماذا تقصد بأنك لا تعرف ما هو السحر ونسجات التعاويذ؟"
"ماذا؟"
ازداد قطيب هاكون عمقاً، ومعها ارتباكه. أكان يعرف ما هو السحر؟ ربما ظنت مهاماً مثل [ذرة نور] و[سهم المانا] سحراً. أو... أكان ذلك سحراً؟ أوقفت أفا السؤال على شفتيها فور لمسها الارتباك في عيني هاكون.
"أنت حقاً لا تعرف."
اتسعت عيناها.
"أأنت جاد؟"
مع أنه لم يرتكب خطأً، إلا أنه شعر وكأنه فعل ذلك بالتأكيد. أطلقت زفرة كأن كل هذا أثقل كاهلها لكنها شرعت في الشرح على أي حال.
"من أين أبدأ؟ السحر... جزء من الوجود ذاته. إنه منسوج في أساس الواقع بطبيعية الجاذبية أو النار أو الحياة بكل أشكالها. يسري السحر في كل شيء، سواء أكان رياحاً أم أنهاراً أم التراب تحت قدميك. يحوي كل شيء جزيئات خامدة من ذات الطاقة التي تصنع السحر كما نعرفه، ولا تنتظر سوى من يحركها لتستيقظ."
التفت أفا برأسها بالكاد لترى انعدام الفهم التام المرسوم على وجه هاكون وأطلقت تنهيدة.
"لا يعلم حتى أعظم العلماء منشأ السحر، ومع ذلك يتفق الجميع على أمر واحد؛ يتبع السحر قوانين محددة بصرامة ولا سامح فيها كأي ظاهرة طبيعية. إنه لا يخلق شيئاً من العدم، ولا يتصرف بلا غاية أو هيكل أو كلفة. كل نسجة تعويذة، وكل معجزة، وكل إنجاز يبدو مستحيلاً هو ثمرة فهم تلك القوانين وتوظيفها والتلاعب بها."
"في جوهره، السحر هو تحويل الطاقة — المانا، التي يجب أن تكون على دراية بها بالفعل — عبر القصد. المانا هي الوقود المطلوب للتأثير على العالم حول الملقي. اللهب، على سبيل المثال، لا يظهر من العدم. عبر المانا، قد يشتعل الهواء والمانا باستخدام حرارة الملقي أو مصدر حرارة مجاور آخر، مخلقاً شرارة من خلال تفاعل مستقرار يمكن تغذيته وتشكيله عبر الطاقة. عدا عن ذلك، يمكنك أيضاً..."
كان ذلك أكثر مما يطيقه هاكون. حاول جاهداً الإصغاء وتذكر كل ما قالته، لكن كلماتها تحولت إلى هراء متمتم. أكان يتحدثان اللغة ذاتها حقاً؟ لم يعد هاكون واثقاً. بعد ما بدا دهراً، أبطأت أفا وتتنفس بعمق بضع مرات. ومع ذلك، لم تكن قد انتهت بعد بحال.
"لا يصبح السحر ملموساً إلا إذا مُنح هيكلاً. يُعرف ذلك الهيكل أيضاً بنسجة التعاويذ. عبر استخدام إطار يشكل إمكانات المانا لتغدو ظاهرة محددة، تخلق نسجات التعاويذ. يشبه ذلك كثيراً كيفية توجيه الأوردة للدم عبر الجسد أو تحريك الجذور للماء عبر التربة. بدون نسجة التعاويذ، تصبح المانا أصعب في التحكم، ولن تتمكن من خلق ظواهر محددة، ناهيك عن المهارات المعتمدة على المانا."
أمالت أفا رأسها قليلاً قبل أن تضيف، "انسَ أمر ذلك. إن تمتعت بتقارب عالٍ بما يكفي تجاه عناصر معينة، فقد تكون محظوظاً بما يكفي لتشكيل مهارات معتمدة على المانا حتى لو لم تكن تفقه شيئاً عن نسجات التعاويذ."
باغته الأسلوب الذي نطقت به الجزء الأخير لأن أفا رمقته بنظرة اتهام.
"إذن..."
قبل أن يتسنى لهاكون النطق بحرف، رفعت أفا يدها. في مرحلة ما خلال شرحها المطول، اكتسبت الثقة الكافية لمقاطعته. كان ذلك جيداً، حتى لو بدا مزعجاً للغاية.
"غالباً ما يتجلى السحر في هيئة مهارات. مهارات سحرية، للدقة. تنبثق إلى الوجود كنسجات تعاويذ، والتي يمكن تشريبها بالمانا لخلق ظواهر محددة بدقة أكبر. يعد تعديل نسجة التعاويذ ممكناً، ومع ذلك سيغير ذلك حتماً المهارة وقوتها."
تحدثت بحكمة، مع أن ما أضافته بعد ذلك بدا في غاية الخطأ.
"عادة ما تفضي التغيرات الإيجابية إلى ارتقاء المهارة بمستواها. يرى البعض في ذلك مكافأة، لكنه تصرف أحمق نظراً لأن مستوى المهارة لا يعكس سوى مستواك الخاص من الخبرة."
تصاعد الغضب من أعمق أعماق كيان هاكون عند تلك الكلمات.
"الأسلاف يكافئوننا."
قالت بصرامة، كابحاً الهرير الخافت العالق في حلقه.
"الأسلاف... لا أعلم ما هم، لكن إن كنت تعتقد حقاً أنهم موجودون—"
انتهى به المطاف بإطلاق هرير، مسكتاً أفا للحظة. اتسع بؤبؤا عينيها وانكمشت مرئياً تحت نظرته القاتلة.
"أ-أسلافك ربما... قضاة. هم... هم يتفقدون التغييرات التي أجريتها... و-إن رأوا تحسيناتك مرضية بدرجة كافية، تكسب مستوى مهارة، أليس كذلك؟"
لم يبدو ذلك خاطئاً تماماً. بدا القضاة كلمة ضخمة ولا تحمل معنى كبيراً، ومع ذلك تردد صدى الباقي في أذنيه. باستثناء جزء نسجة التعاويذ، أو تقريباً كل ما قالته أفا عن السحر، والظواهر — كلمة أخرى مبالغ في تعقيدها بالكاد فهمها — وأمور أخرى عديدة. مع ذلك، ظل عقل هاكون عالقاً في نسجات التعاويذ. إن كانت المهارات السحرية، المهارات التي تستخدم المانا، مفترضاً بها خلق نسجات التعاويذ، أفلا يجب أن يمتلكها هو الآخر إذن؟
فأين هي إذن؟