كانت القبيلة كعادتها دائماً في حراك دائم. يتحرك البرابرة هنا وهناك بنشاط، فبعضهم يستعد لمغادرة معسكر القبيلة للصيد، والبعض الآخر يتدرب أو يقضي بعض الوقت مع أحبائهم. كانوا عمالقة فارهين يملكون من القوة البدنية ما يفوق أحلام معظم الفرسان، ولهذا السبب كانوا يثيرون كل هذا الرعب. كانت كرة نار تنفجار في وجوههم تؤلمهم بلا شك، لكن أولئك الرجال والنساء ذوي العضلات المفتولة لم يكونوا بالخصوم الذين يسهل القضاء عليهم.
واختبرت آفا هذه الشراسة بنفسها عن قرب. راحت تتجول في أنحاء القبيلة بخطى بطيئة ومدروسة، محاولةً تجاهل حقيقة أنها البشرية الوحيدة الظاهرة للعيان. لم تكن آفا البشرية الوحيدة في القبيلة بالطبع، لكن الباقين كانوا يختبئون داخل كوخ الزعيم أو بقربه، محاولين البقاء بعيداً عن أعين الجميع. لقد كانوا أشباح قبيلة تاكور. مع ذلك، لم تفضل آفا الاختباء حتى عندما كانت غريزتها تدعوها إلى تجنب أولئك المتوحשים عديمي العقل بأي ثمن.
ولكن ماذا بعد؟ هل سيتبدل أي شيء لو ظلت هكذا خائفةً من كشف نفسها؟ أو من التغيير؟ هزت رأسها ببطء بينما تجولت عيناها اللامعتان في أرجاء معسكر القبيلة. استقرت نظرتها على ساحة التدريب حيث يتقاتل محاربو قبيلة تاكور الشباب. كان المشهد يتكرر ككل يوم، ومع ذلك شككت آفا في أنها ستعتاد يوماً على هذا المنظر. كانت رؤية الرؤوس وهي تصطدم ببعضها البعض تقشعر لهبدنها، وإن كان صوت العظام وهي تتكسر يجعل الأمر أسوأ بكثير.
لقد بعث ذلك القشعريرة في جسدها وملأها بالغثيان. كان البرابرة يبتسمون وسط تلك الأصوات التي كادت تدفعها لتفريغ معدتها كلما مرت بجانبهم. كانت ابتساماتهم أسطع من أن تناسب ذلك المشهد البشع الذي يتكشف أمامها. مرعبة. ومميتة. هكذا بدا أصغر محاربي قبيلة تاكور في عينيها، وهو ما أكد لها تماماً سبب إحجام الباقين من بني البشر عن الظهور والتواري عن الأنظار. خطوة واحدة خاطئة وستجد أعناقهم محطمةً بين أيدي البرابرة.
وعلى الرغم من فظاعة المشهد، فقد اعتادت آفا رؤيته أكثر فأكثر منذ الطقس الأخير، وهو الأول منذ عدة سنوات. طقس وعد بتغيير يبدأ بالحرية. حريتها. كانت آفا بشرية حرة، الأولى من نوعها، ومع ذلك لم تكد تصدق ذلك تماماً. لم يكن ينبغي لهذا أن يكون ممكناً، ها هي ذا تقف في قلب معسكر القبيلة ولم تعد تخشى غضب البرابرة. بوسعها الرحيل والعودة إلى التحالف لتخبرهم بأمر البرابرة وأعدادهم وقوتهم وطريقتي تفكيرهم.
لن يمنعها أحد الآن بعد أن صارت حرة. ولككي يتحقق ذلك، كان عليها أولاً أن تنجو من عرين الشيطان، وذلك... ذلك كان أمراً مستحيلاً. فوحدها، لم تكن سوى مبتدئة في فن السحر. لقد احترقت قنواتها قبل كل تلك السنين ولم تتعافَ إلا مؤخراً، لكنها ظلت أضعف من أن تقاوم. تدفقت في ذهنها ذكريات الحروق وكيف حدثت. وتناهت إلى سطح ذاكرتها شظايا من تلك الأيام المظلمة التي تعود إلى سنوات خلت.
لقد مضى وقت طويل، لكن الظلام ظل راسخاً في قلبها. قُتل معلمها أمام عينيها مباشرة، في عرض بسيط لقوة التحالف تحول إلى كارثة دموية. حتى الآن، بدا من الصعب فهم ما دار في خلد البارون ومستشار أكاديمية النيران الزرقاء عندما أرسلوهم إلى عرين الشيطان. أظنوا حقاً أنهم قادرون على دخول الغابة المظلمة ونهبها دون أي عواقب؟ أفلتت تنهيدة عميقة من شفتيها بينما تلاشت شظايا الذكريات.
لقد هزمهم رجل واحد بمفرده، ممزقاً بضربة ساحقة من نصله اللحم والسحر على حد سواء. حدقت آفا في ذلك الرجل بالذات، وانقطع نفسها لبرهة. حولت نظرها نحو الشاب الواقف بجانب ذلك الوحش، محاولةً بالكاد قمع نوبة هلع كاملة. لم يكن الشاب البرابي الواقف بجانبه سوى ابن الوحش، ومع ذلك لم يكن يشبه أبداً والده. لقد كان... غريباً. كان أطول منها برأسين، لكنه ظل أقصر من الزعيم. لم تكن عضلاته ضخمة كمعظم البرابرة، بل كانت متماسكة ومدمجة.
ومع القليل من الجهد، لكان على الأرجح يبدو كفارس بشري طويل القامة. مدرب جيداً ومجهز بحواس حادة. كان أضعف من الزعيم بطبيعة الحال، بلى كان كذلك، لكن الطريقة التي تنحني بها المانا لتطيع إرادته كانت أكثر إثارة للرعب. رمشت آفا بعنف وتلاشى هلعها مع هبة النسيج العابر بجانبها. ربما كان الشاب البربري هو بالتحديد ما تحتاج إليه للخروج من القبيلة والغابة سالمة. فهو من منحها حريتها في نهاية المطاف.