عرف هاكون ما سيحدث. رأى السهم وهو يرسم قوساً في الهواء كنجوم متلألئة تقطع السماء الفسيحة، لكنه عجز عن فعل أي شيء. لم تكن بُنى المانا الخاصة به متينة كفاية، وكانت ماناه أبطأ من اللازم. لو كان أقرب، لتغير شيء ربما. لكن الحال كانت كما هي، ولم يملك هاكون سوى المراقبة حين استقر رأس السهم في جانب رأس محارب شاب. اخترقه من جانب إلى آخر، وانهار البربري على الأرض. كان ميتاً قبل أن يرتطم رأسه بالتراب المبتل.
انتهت المعركة بالفعل، وحُسم أمر المنتصر، غير أن محارباً شاباً آخر سقط ضحية لسهام بيروت. اندفع هاكون إلى الجانب، ولمح أستريد. كان جسدها متلطخاً بالدماء، وتعتلو وجهها ابتسامة متوحشة وهي تتحول إلى طيف مبهم. كانت في قمة تألقها، وتستخدم قوة ما كان لمحرر في الصعود الأول أن يمتلكها، لكنها فعلت، وعرفت كيف توظفها. صدت أستريد سيف صياد بإحدى خنجريها، بينما انسل الخخر ليجد مكاناً له في رئتي الصياد.
لم تكن لخصمها أي فرصة، ولم يدم الأمر طويلاً حتى سال المزيد من الدماء، لتزداد قوة أستريد الأسطورية اشتعالاً. ما احتجت إلى عون هاكون، لكن الآخرين لم يكونوا كذلك. كانوا يكابدون، ومثلهم فعل هو. بيد أنه ظل حياً، ولو شاء الأسلاف، فلن يموت هاكون قريباً.
* * *
لا! زأر هاكون في أعماقه، إذ كان أضعف من أن يفعل شيئاً. كاد يعجز عن الوقوف، وقد خدرت ساقه كأنها ما كانت ملكه حقاً. بدا مذهلاً أنه لم يفقدها إثر الفأس الغاشمة التي شقته بكل سهولة. تدفقت المانا منه بغزارة ما توقع وجودها أصلاً، ولعلّه احتاج إلى هذا القدر العظيم لرد الموت عنه. كلا، لقد تيقن أن المانا في جوهره وقنواته وكل شبر من جسده كانت السبيل الوحيد لبقائه حياً. ولعل غشاء [التعزيز]
الذي تماسك جسده بفضله كان له دور أيضاً. استخدم هاكون [الضغط] على بضع طبقات من [التعزيز] التي استدعاها وبثها في أنحاء جسده، غير أنها لم تكن مجدية استهلاكياً، ولا كافية لإبقائه جاهزاً للقتال.
غمغم بضعف: "اشفني أسرع أيها الجسد العاجز"، دافعاً بالمزيد من المانا نحو [التجدد الطبيعي]
أكثر مما ظن أنه ممكن. تجاوب جسده مع طاقة الشفاء التي تسري فيه. ومع تضخّم تجدده الطبيعي، رأى هاكون جراحه تلتئم بسرعة فائقة، ولحمها يلتئم بعضه ببعض. التفت حوله، فكان المكان فوضى عارمة. صورة مجسدة للموت والدماء. رقد تورستور هنا، مخترقاً بالسهام، ولم يكن وحيداً بين محاربي تاسكور الذين غادروا عالم الأحياء. امتدت الأجسام الساكنة على الأرض وفوق بعضها، وبعضها ما عاد معروف الوجوه.
كانت تملأ المكان، شاهقة على فشله. أربعة. هذا عدد المحاربي الذين فقدوهم أمام صيادي بيروت. قتلوا العدد ذاته من الصيادي، وكلهم بلغوا الصعود الثاني، لكن هذا لم يملأ هاكون فخراً. بل زاد غضبه عمقاً. بقي المزيد من الصيادي أحياء. لقد انسحبوا نحو الغابة، لكن هاكون تيقن من عودتهم. ما عاد يستشعر حضورهم، ولا استطاع تحديد مكانهم بالقرب منه باستخدام [رائحة ضوء الحياة]، مهما رفع من حدة حواسه، لكن هذا لم يعنِ شيئاً.
ربما اختبئوا في مكان ما، بينما كانت مهاراته أضعف من التقاطهم. وإن ظلوا بالقرب، وما شك هاكون في ذلك لحظة، فسيعودون للضرب، وتقتلع سهامهم أرواح كل من نجوا من الموجة الأولى. استبد الغضب بهاكون. لم يرغب في شيء قدر رواي أعناق الصيادين وتمزيقهم أمام الأسلاف مباشرة، لكن إجبارهم على المطاردة سيعني موتاً محققاً. موتهم. رأت أستريد أياماً أفضل، فقطع غائر فوق عينها اليسرى أضعف بصرها بينما تدلت إحدى ذراعيها بخمول إلى جانبها.
بدت محطمة، لكن الحال انطبقت على الجميع. كان بيورن كقطعة مهشمة، ونجا إيرين من القتال بفضل الحظ وحده. كاد يتعرض للبقر، لولا أن أوقف بيورن الهجوم بجسده قبل أن يقطع رأس خصمه. كانت تضحية محفوفة بالمخاطر، كادتودي بحياة بيورن، لكن جلد رونه ساعده على التحمل والتعافي. لكن حتى عندما وقف الجميع على حافة الموت، ظلت حقيقة واحدة قائمة. ما زالوا أحياء. لابد أن المانا الغامرة في كل جزء من أجسادهم كانت السبب الوحيد لتنفس المحاربين الشباب حتى الآن، ومع ذلك ظلوا بين الأحياء.
مؤقتاً. هدد الغضب بابتلاعه، لكن هاكون أرغم عقله وجسده على الهدوء. صب الغضب في ماناته وأطلقه في العالم، مدركاً أن المشاعر والمانا الفائضة في داخله تفوق طاقة الاحتمال. مشاعر كانت أم مانا، لم يتحمل منها إلا القدر المسموح. ما يكفي للتعافي والمضي، وما لا يترك أثراً سلبياً. أخذ أنفاساً عميقة ومتعمدة، وركز على الموقف. لم يعد بالإوع إعانة الموتى. الآن عليه ضمان بقاء الأحياء.
ومع ذلك، تفقد هاكون صحفه أولاً.
[تم استيفاء حد الخبرة. ارتقاء مستوى!]
[تم استيفاء حد الخبرة. ارتقاء مستوى!]
دفعته المعركة الأخيرة أبعد من أي شيء سابق. لم يتذكر الكثير منها، لكن الصحف اعترفت بالتحدي الذي خاضه المحاربون الشباب وهو. المستوى العشرون. تيقن هاكون شبه اليقين بأنه فعل ما يبرر صعوده الثاني، لكن الأسلاف لم يبدوا موافقين. ما زال الجدار قائماً، يحجب طريقه في الوقت الراهن. غير أن هاكون عرف أفضل. المسألة مجرد وقت قبل أن يصعد. وحين يبلغ الصعود الثاني، سيغدو قوياً بما يكفي لسحق الصيادين.
لقتلهم قبل أن يدور بخلدهم إيذاء شعبه. ربما مع بنيته المعززة وكل تحسينات المهارات التي حازها، سيصير هاكون قوياً بما يكفي لدحر الصيادين الآن... متى ما تعافى. بهذا الهاجس، درس صحيفة التحسين.
[صحيفة التحسين. الرمي المستوى 8 ← المستوى 9 الإرهاب المستوى 6 ← المستوى 10 تنسيق القطيع المستوى 7 ← المستوى 10 الاندفاع المستوى 13 ← المستوى 14 المصارعة المستوى 11 ← المستوى 12 كشف الضعف المستوى 22 ← المستوى 23 إتقان الأسلحة المستوى 17 ← المستوى 20 الضرب المستوى 7 ← المستوى 9 النزف المستوى 7 ← المستوى 10 الدورة الدموية المستوى 14 ← المستوى 16 إدراك المانا المستوى 22 ← المستوى 23 التركيز المشتت المستوى 16 ← المستوى 19 ضخ المانا المستوى 8 ← المستوى 9 توسيع الحواس المستوى 13 ← المستوى 14 مراقبة التدفق المستوى 13 ← المستوى 14 تلاعب المانا المستوى 17 ← المستوى 19 تشكيل المانا المستوى 15 ← المستوى 18 أثر النور المستوى 8 ← المستوى 9 التعزيز المستوى 8 ← المستوى 11 الضغط المستوى 5 ← المستوى 7 صاعقة المانا المستوى 11 ← المستوى 13 درع المانا المستوى 7 ← المستوى 10 دوامة الأثير المستوى 2 ← المستوى 3 الحركة الطليقة المستوى 2 ← المستوى 5 نظرة المفترس (جديد) المستوى 1 حافة الوعي (جديد) المستوى 1 ← المستوى 2]
كانت القائمة طويلة، طويلة بشكل مزعج، غير أنها ملأت هاكون فخراً. جمعت الصحيفة كل تحسيناته من المعركتين ضد الصيادين، لتريه كم تطور. والحق أنه تطور كثيراً. بلوغ المستوى العشرين في فترة وجيزة كان إنجازاً كافياً بالفعل. استحق غالباً ميزة، ولم يحسب ذلك بكامل قوته حتى. كل نبضة قلب يقظة كانت لحظة استغلها لاكتساب المزيد من القوة. لأجل هذا عاش، ولن يتخلّى عنه مهما كانت الأثمان.
رغم غموض قائمته، درسها هاكون بعمق. بعض المهارات بلغت المستوى العشرين وتطلبت شرطاً إضافياً لعرض ترقية، وهناك مهارات جزم أنها ستندمج ببعضها. سعى نحو دمج المهارات، مع غياب الدليل على وجود دمج مماثل أو امتلاكه المهارات المناسبة أصلاً. غدا حدسه ووخز قوته القديمة وحدهما ما يقودانه في دروب لم يطأها أحد قبله. فرقع مفاصله، فانفتح جرح على ظهر كفه. تذمر، واستدعى بنية مانا لوقف النزف.
لم تكن جيدة، ولن تدوم طويلاً أيضاً؛ غير أن البنية حضرت إليه بسهولة. ما تطلب الأمر سوى جهد معدوم لتلك القطعة المستطيلة الصغيرة التي غطت الجرح الآن. أثار النظر إلى البنية الصغيرة تساؤلاً حول كيفية استخدامها لو كان معالجاً. لقد ضخ قوته في البنية ليمنح نفسه وقومه شفاء موضعياً. ركل هاكون جثة صياد بضيق قبل أن يأخذ نفساً عميقاً آخر. لقد فاجأوهم من كثيب الغابة. لم يظن أن الصيادين الأوائل دروا باحتيال تاسكور، لكن البقية عرفوا.
كان الهجوم المباغت مخططاً له، إلى حد ما، و— هز رأسه. لا يهم. وجب عليه تذكير نفسه، دافعاً أفكاره نحو الجوانب المهمة. تواجد الكثير من الصيادين الجرحى، وكلهم بلغوا الصعود الثاني. هل علموا بالزخم؟ ضاقتا عيناها هاكون. أصيب بعض الصيادين بجراح بالغة. لقد بلغوا من الإرهاق مبلغاً منعهم من استخدام كامل قوتهم. هل حاربوا أولفار والآخرين قبل أن يجدونا؟ مع عدم تأكده من ذلك، فإن معرفة احتمال حدوثه جعلت مسار فعله أيسر.
هتف هاكون: "علينا التحرك. الآن!"
تأوه البقية وتذمروا خفية، لكنهم امتثلوا ونهضوا مترنحين. استل بلورة بحجم أنملة من كيسه — هداية من أبيه — وحطمها دون تردد. أخذت خطتهم منعطفاً خاطئاً. أمر محبط، لكنه متوقع. قدمت الغابة مفاجآت في كل زاوية، وحسبوا حساب ذلك. وجه هاكون كامل قوة [توسيع الحواس] و[إدراك المانا] ومهاراته الحسية الأخرى لتعزيز [رائحة ضوء الحياة].
لم يكن التركيز على "روائح الحياة"
المألوفة أمراً يسيراً، لكنه أتاه حين ضخ ثلاثة أضعاف المانا في كل مهارة. آلمه رأسه كأنه على وشك الانفجار. ولم تكفِ [المرونة التكيفية] لإعانته على احتمال الهجوم على عقله، لكن لا بأس. عرج في الاتجاه الذي أتوا منه حتى عثر على شي. بدي عقله كالعجين حينها، فخفض تدفق المانا قدر الإمكان، ومع ذلك ظلت فوضى رأسه قائمة. كان مرهقاً. لم يملك إلا الأمل بألا تسقط ساقه، ومع ذلك أبقى على عدة مهارات قائمة على المانا للمضي قدماً والعثور على الحمقى الذين ما وجب أن يتركوا جانبه أبداً.
ووجدهم بالفعل، أو ما تبقى منهم. كان أولفار حياً، وهو ما لم يكن مفاجئاً حقاً، لكن هاكون لم يره بهذا السوء من قبل. تحطمت حراشف جلد رونه في مواضع عديدة، وغاب جزء من صدره، وعانى من جروح عميقة في رقبته، معظمها كان يفترض أن يكون مميتاً. كيف ظل أولفار حياً، ما درى هاكون، لكن دم البهيم لعب دوراً رئيسياً بلا شك. فغيره بمثل جراحه لكان في عداد الأموات الآن.
لاحظ هاكون: "إنه منزوع المانا"، وهذا ما كفاه لإدراك الوضع.
ومثلهم كانت الجثث. فاقت مجموعة أولفار مجموعة هاكون عداً. استغل أحمق المحارب الأسطوري حماس الجميع لضمهم لصفه، واعداً إياهم بملحمة عظيمة وما شابه. ونهايتهم؟ الفشل. قتل هاكون ورفاقه عدداً من الأعداء يعادل ما فقدوه — أعداء كان يفترض بهم القوة الكافية لغلبهم. أما أولفار والناجون، فما قتلوا أحداً، وإلا لآتاهم الأسلاف مكافأة ارتقاء مستوى. ليس الجميع ربما، بل نفر قليل بحد أقصى.
أما الآن، فقد نفدت مانتهم لضخها في مهارات التعافي، ولم يبدوا مالكين لطاقة كافية لتعزيز قواهم القديمة أيضاً. صك هاكون على أسنانه، لكنه حافظ على هدوء المعالج حين تقدم، لتتجه نحوه كل الأعين.
"لنخرج من هنا."
ما كان طلباً، بل أمراً من الخلف. لاحظه أولفار فاحمر وجهه غضباً، وقبض كفيه.
"تريد منا الفرار؟ أن نهرب كالكلاب؟"
أأنت جاد الآن؟ نظر هاكون إلى السماء. أيها الأسلاف... لماذا منحتموه قوة قديمة أسطورية؟ استدار نحو الأحمق الأسطوري، مجاهداً لكبح مشاعره. انفجر [الإرهاب] منه، لكنه لم يقترب حتى من التأثير في أولفار. نفخ محارب دم البهيم بسخرية. كانت تلك ردة الفعل الخاطئة. وما هي إلا نبضة قلب حتى صفير صاعقة مانا عبر الهواء، مخترقة جرحاً سيئاً في ساق أولفار ومسقطة إياه أرضاً.
"أتريد القتال هكذا يا أولفار؟ أهذا ما تبتغيه حقاً؟ أن تموت كلباً تافهاً عاجزاً حين تتاح لك فرصة الانسحاب والتعافي بما يكفي لطلب الثأر؟ أتريد الموت إلى هذا الحد يا حامل القوة الأسطورية؟"
أطلق هاكون زمجرة عميقة.
"توقعت منك أكثر."
نهض أولفار مترنحاً، منطلقاً بزئير، لكن هاكون ما عبا به. تجاهل التحدي الصامت الموجه إليه وساعد من عجزوا عن المشي باستقامة.
"علينا الرحيل. بسرعة، قبل أن يعودوا بتعزيزات."
هتف بذلك، بينما اشتعلت [حافة الوعي]. بدت غريزية أكثر من كونها مقصودة، لكن هاكون استخدم الفهم المعزز لاستجلاء المزيد عن المهارة ونواياها والتحذير الذي تحمله.
[حافة الوعي المستوى 2 ← المستوى 3]
[حافة الوعي المستوى 3 ← المستوى 4]
صرخت المهارة فيه، وكلما استزاد فهماً منها، ازداد شعور سوءاً.
صاح بالمحاربين الشباب بينما استعدوا لرحيل عجل: "توقفوا".
التفتت رؤوسهم إليه، وما استطاعوا رؤيته أو سماعه سوى هاكون وهو يدرك نحسهم.
"إنهم هنا بالفعل."