البربري العبقري: صعود القائد الفصل 61

اقرأ البربري العبقري: صعود القائد الفصل 61 باللغة العربية على مانجا تايم.

بدت الشابة مترددة في البداية. بدا ذلك غريباً. إن لم تكن راغبة في مساعدته، لما كان الخادم ليطرح العرض من الأساس. ربما لم تتوقع أن يوافق هاكون بهذه السهولة على طلبها نيل الحرية، ولكن أكانت هذه مشكلة حقاً؟ استلزم الأمر أن يصطدم بها خادمَان آخران — لم يحفظ هاكون اسميهما قط — وينادياها لتعود إلى رشدها، وبهذه الطريقة عرف أن اسمها أفا. ثم مجدداً، بدا وكأنها لا تثق بهاكون.

كان ذلك مفهوماً وغير مفهوم في آن واحد. لم ينزل قط إلى درك ضرب الخدم. وعلى أية حال، بالكاد كان يلتفت إليهم معظم الوقت. وبما أنهم غنائم حرب أبيه، وجب التعامل معهم باحترام، وهذا تماماً ما فعله هاكون. لم يسلك الجميع هذا المسلك، لكن الزعيم حرص على معاقبة كل من يفتقر إلى الاحترام تجاه الأسلاف. على أي حال، التقت أفا بهاكون في الساحة الخلفية. تجنبت النظر في عينيه، وبدا صوتها هامساً لا يكاد يُسمع في أذنه، لكنه أنصت إليها رغم ما توسوس به نفسه من ضرورة تجاهل صوت من هم أضعف وأوهى من أن يدافعوا عن أنفسهم.

بدت الشابة هشة أكثر من اللازم، وخائفة أكثر من أن ترجى من ورائها فائدة. ومع ذلك، طرد هاكون الشكوك التي تجمعت في عقله كلما تناهت لتشتيت انتباهه. كانت معتقدات البشر تدعو للسخرية، إن لم تكن خاطئة تماماً، بيد أن ذلك لم يكن مهمّاً في هذه اللحظة. فقد بدا جليّاً أنهم أعمق دراية بطرق المانا، أو السحر، أو أياً ما كان، وبوسعهم إعانته بطرق تعجز عنها أيّ بربرية. باستثناء الكاهن ربما، غير أن أحداً لم يكن ليعرف حقّاً السبل التي يسلكها الكاهن.

لقد كان حيثما أراده الأسلاف أن يكون. أما حديثه مع الزعيم بخصوص الصفقة التي عقدها مع الشابة الخادمة، فتلك مسألة تُرجأ لوقت لاحق. وفي أسوأ الأحوال، سيتعين عليه دفع الثمن. جعله ذلك الخاطر يرتجف في قرارة نفسه، لكنه عزم على المحاورة على أي حال، طالما كانت مساعدة أفا مجدية.

همست أفا بصوت خفيض: "التـ... التملّي..."

ورفعت رأسها برهة، لتلقي بنظرتها مجدداً نحو الأرض.

"[تملّي المانا]. أـأتعرف ما هذا؟"

تحدث هاكون بصدق، محاولاً جاهداً ألا يبدو ساخراً: "التملّي؟ لم أسمع به قط."

وبذل جهداً كبيراً للسيطرة على مشاعره، محاولاً تقبّل فكرة أن هذه المرأة البشرية، رغم خوفها وضعفها وهوانها أحياناً، قادرة على مساعدته في بلوغ القوة. وأنها معلمة جديرة. وقد... بدا ذلك عسيراً بعض الشيء حين ابتلع حفيف شجرة مجاورة الكلمات الخارجة من فمها.

أزم شفتيه مزمجراً: "أعِد ما قلتِ. حفيف الشجرة كان أعلى من صوتك"، وأخذ أنفاساً عميقة حين انتفضت أفا.

أقصى الأصوات المحيطة به وفعّل [توسيع الحواس] مركزاً كل اهتمامه على البشرية الهشة.

"تملّي المانا هو مهارة... للبعض، لكن الكثيرين يتخذونه ممارسة. إنه تقنية لتدريب الانتباه والوعي لبلوغ حالة هادئة ومركزة وصافية من الذهن. من شأنه... أن يساعدك على التخلي عن أفكارك المتقفزة ومراقبة عقلك، وتهدئة أفكارك، والتركيز على نفسك وما يحيط بك لتستشعر جوهرك، ومساراتك، وتيارات المانا حولك."

أمعن هاكون النظر في تعلم مهارة التملّي فوراً. ليس لاستشعار جسده أو محيطه، بل لإحكام السيطرة على مشاعره. كان أفضل حالاً في ذلك من معظم البرابرة، لكن أفا جعلته يشعر وكأنه فرخ غاضب وصغير.

استطرد هاكون حين صمتت الشابة: "أنا أعرف أمر المسارات من قبل. إنها تلك الأنفاق التي تنتشر في الجسد بأسره كشبكة العنكبوت، أليس كذلك؟ أخبرني الأسلاف عنها حين طهرتها. إذن، أيعرف البشر ما هي المسارات؟ أتقومون بتطهيرها أنتم أيضاً؟ وإن كان الأمر كذلك، أتعرفون مهارتي [ضبط التدفق] أو [الدوران]؟"

أطلق الخادم الأجدر بالكوخ خلفهما شهقة وهتف بكلام غير مفهوم، لكن هاكون كان أكثر تركيزاً على ردة فعل أفا. رفعت رأسها متسعة العينين، لكنها سرعان ما أشاحت بنظرتها حين تلاقت أعينهما. متجاهلاً تصرفاتها الغريبة، انتظر هاكون حتى أومأت ببطء.

سأل بفضول، وقد تبدد إحباطه حين هزت رأسها نفياً للسؤال الأول: "أيعرف كل البشر تلك المهارات؟ أهذا ما تسمونه سحراً؟"

تساءل هاكون، ملقياً بنظرة نحو الخادم العجوز والآخرين، ومستشعرًا أنهم جميعاً قد سمعوا بمهارتي [الدوران] و[ضبط التدفق]: أيعني هذا أنهم مميزون؟

لعلهم انبهروا بتحسنه في "السحر"

أو بمستوى مهارة [إدراك المانا] لديه، لكن مرجع ذلك في الغالب كونه بربرياً، أليس كذلك؟ فهو همجي ما كان له أن يتعلم كل تلك المهارات... أليس كذلك؟ قلب في ذهنه وذكرياته هنيهة، فتذكر أن أفا والآخرين ينتمون إلى جيش. لم تبدُ أفا عجوزاً، لكنها كانت دائماً هكذا، حتى حين كان طري العود. ربما كانت تلك سمة بشرية، أو ربما عجز تماماً عن تخمين أعمار البشر. وكل ما عرفه يقيناً أن العجوز طاعن في السن، وأن أفا لا بد أكبر منه بقليل.

وأنهم جميعاً كانوا جزءاً من البشر الذين هاجموا قبيلة تاسكور والقبائل المجاورة. لقد كانوا الناجين الوحيدين، لكن أيعني ذلك حقاً أنهم ضعفاء؟ بلى، عنى ذلك. لقد كانوا ضعفاء. ومع ذلك، لم يكن الضعف يعني انعدام الفائدة. تماماً مثلما أن إيقاظ قوة العقل القديمة أو استدعاء الضوء لم يكن يعني بالضرورة استخلاص مقاتل حقيقي. بل كان الأمر... مختلفاً فحسب. أكانوا مقاتلين؟ لا، على الأرجح لا.

مستدعي ضوء، ربما؟ أو مستدعي أرض؟ شك هاكون في كونهم مستخدمين أقوياء للعناصر، لكن إن كانوا قد تلقوا تدريباً في طرق المانا، التي بدت مميزة حتى بين البشر، فهذا يعني أن بمقدور جميع خدم القبيلة تقديم العون. على الأرجح. وجب عليه سؤالها مجدداً عما إذا كان كل البشر يتعلمون [إدراك المانا] ومهارات مشابهة لإشباع فضوله. ترددت في البداية لكنها هزت رأسها نفياً، وهو ما أتى بنتيجة عكسية لما تمناه.

ازداد هاكون فضولاً فطرح بضع أسئلة إضافية. أظهر [سهم المانا] و[درع المانا] في آن واحد وسأل عما إذا كان بمقدور الكثير من البشر فعل ذلك، وعما إذا كان [إدراك المانا] لديهم في نفس مستواه أو أعلى. وهنا هزت رأسها بشدة، بينما اتسعت عيناها أكثر.

سمع أحد الخدم الآخرين يتمتم في الكوخ: "بلا مجهود."

لعل القائل كان العجوز، لكن هاكون لم يعبأ بالتحقق.

"أيمكنك فعل ذلك؟"

ترددت أفا مجدداً لكنها أومأت بعد هنيهة، وما زالت نظرتها مثبتة على حزمة عشب أمامها. بدا الالتفات إلى الآخرين ومحاولة قياس ما إن كانوا هم أيضا مستخدمين للعناصر أمراً بالغ الصعوبة. كان بعض الخدم يراقبون بفضول لا خوف، لكن تعابيرهم لم تتغير كثيراً حين التفت ناحيتهم. بل لعل فضولهم نحوه قد ازداد، متسائلين بلا شك عن سبب تكبده عناء الحديث معهم بينما يتجاهلهم سائر البرابرة أو يرمقون هيئاتهم الأصغر حجماً بازدراء.

استفسر هاكون، مفترضاً أن أفا لم تكن الخادمة الوحيدة القادرة: "إن كنتِ أنتِ والآخرون قادرين على أمور مشابهة، فلماذا لم تحاولوا الهرب قط؟"

وجد نفسه يكنّ لها قدراً طفيفاً من الاحترام، وهو ما تبدد فوراً حين بدأت ترتجف بعنف. فقد كانت هي الأخرى حاضرة حين عاد الزعيم بالخدم الذين حاولوا الهرب في الماضي. بل في الواقع، كان الجميع حاضرين حين ضرب أبو هاكون المثل بما سيلحق بمن تجرؤ عليه محاولة فرار أخرى. أولئك الذين نجوا مدة كافية ليُجروا مجدداً إلى معقل القبيلة، قُتلوا أمام القبيلة جمعاء، وقُرِّبت أرواحهم وأجسادهم قرابين للأسلاف.

وحتى لو كانت هي وبعضهم يمتلكون بعض القدرة، ظلوا أضعف من أن ينجوا من ملاحقة الزعيم. كان ذلك، إن لم يكن شيء سواه، مفهوماً. فلا أحد ينجو من غضب الزعيم.

ومع وضع ذلك في الحسبان، عاد هاكون إلى لبّ الموضوع: "على أية حال، ما قصة الجوهر هذه؟ أهكذا تُدعى كتلة المانا؟"

وأشار إلى نفسه، تقريباً فوق الموضع الذي تستقر فيه كتلة المانا. لم يكن الأمر سوى تخمين، لكن بالنظر إلى معرفته بتيارات المانا والمسارات، لم يبدُ بعيداً عن الصواب.

"نـ... نعم، أنت محق. الجوهر هو وعاء الجسد لطاقة العالم الأسطورية."

تكلفت أفا ابتسامة باهتة، لكنها تشققت ما إن رفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه. اضطربت مقلتاها، لكنها لم تشح بنظرها فوراً.

تأمل هاكون في سرّه: "من الجيد معرفة ذلك. ولكن لمَ أحتاج إليه؟ بإمكاني استشعار جوهري والمسارات. وحتى من دون استخدام المانا لتعزيز [إدراك المانا]، أستطيع استشعار المانا من حولنا. تفعيل المهارة يجعل الأمر أيسر. أأنا بحاجة حقاً إلى "تملّي المانا" هذا؟"

عانت أفا لإيجاد إجابة. واصلت التلويح بالنظر، لكن ما إن استطاعت رفع رأسها لملاقات عيني هاكون حتى استعصت الكلمات في حلقها.

لوّح بيده بعدم اكتراث وجلس: "مهما يكن. أرني ما يدور حوله هذا التملّي، وسأتبين إن كان نافعاً لي"، متبعاً توجيهات أفا حين استعادت هدوءها بعض الشيء.

أول الأمور أولاً، كان على هاكون أن يتعلم كيف يتنفس. تلك كانت العقبة الأولى، وهي التي تجاوزها بفضل قوته القديمة.

ترددت في أذنيه كلمات أفا المتقطعة وهي تطالبه بإرخاء كتفيه، وإبقاء ظهره مستقيماً لا متصلباً، وأن "يلاحظ"

تنفسه. سرعان ما تراجع التردد في صوتها حين أغلق هاكون عينيه محاولاً اتباع التعليمات المعطاة. مركزاً على تنفسه، شعر بالهواء يتحرك داخلاً من فمه، وينحدر في حلقه، ليملأ رئتيه. كان ذلك منعشاً، مما حثه على التركيز أكثر على مهارات إدراكه. لا بد أن أفا قد لاحظت ذلك إذ أخبرته بألا يستخدم أي مهارات أخرى وأن يركز على المانا التي يتنفسها. أهذا ما أفعله إذن؟ أنا أتنشق المانا؟ ارتفع صدره وهبط ببطء، وبدا الأمر غير مألوف في البداية، لكنه تحول سريعاً إلى حركة متمرسة.

تحول إلى استنشاق عميق عبر أنفه، مستدخلاً أكبر قدر ممكن من الهواء قبل الزفير برفق. تبين أن ذلك اتسم بالفظاظة، وهو ما أكده تعليق أفا إضافة إلى [الاستيعاب المعزز]. عدّل هاكون تنفسه محافظاً على سلاسته واسترخائه، وتفرغ عقله من المشتتات، وبقي تركيزه حائماً حول المانا الداخلة إلى رئتيه. وعندئذ لاحظ شيئاً حول كتلة المانا الخاصة به، أو الجوهر كما سمتها أفا. كانت خيوط المانا القليلة التي استعادها منذ انطلاق ممارسة تملّي المانا تتلظى عبر مساراته وتلج جوهره.

وهناك، تدفقت إحداهما حول الأخرى، مشكلة دوامة صغيرة كتلك التي شاهدها مع الصدع. لم تكن تطابقها، بالنظر إلى أن عاصفة المانا في جوهره كانت غير مستقرة وانهارت بمجرد تعثر تركيز هاكون، بيد أنها عادت للظهور ما إن رجع إلى حالته الشبيهة بالغيبوبة. كبرت الدوامة قوة مع انضمام المزيد من المانا إلى جوهره، مسرعة عملية ضمّ المانا. لكنها فعلت ما هو أكثر من ذلك بكثير. استشعار هاكون للمسارات المحيطة بجوهره وهي تتبدل.

لقد تحركت مع توسع الدوامة وازدياد استقرارها، ولم يمضِ وقت طويل حتى تأثرت المسارات في جسده بأسره. ليس كلها، ولكن كلما زاد تركيزه على التملّي، اشتدت الاهتزازات التي يرسلها كل نفس يلفظه عبر جسده. أما المانا الداخلة إلى رئتيه، فتدفقت مباشرة إلى المسارات المجاورة، التي قادتها بلا توقف نحو الجوهر.

فتحت عينا هاكون على مصراعيهما فجأة: "إنه يعمل"، مفزعتين أفا.

لم تتراجع هذه المرة بل رمقته بحيرة.

"كيف لك أن..."

قاطع أفا، غير كاد يسمعها، ومتابعا حين مالت برأسها نحوه: "لكني لا أستحب هذا. الجلوس لاستعادة المانا لا ينم عن منطق. إنه إهدار."

ما كان له سبيل للجلوس في منتصف الغابة لاستعادة المانا. لم يبدو ذلك صائباً لأنه سيجعله عرضة للخطر وأسهل قتلاً.

تمتم لنفسه أكثر مما خاطب أحداً: "أحتاج لاستعادة المانا أثناء القتال. أو أثناء التحرك على أقل تقدير."

حدقت به أفا بغرابة، تكاد تشبه نظرتها للأبله. بدت وكأن في جعبتها ما تقوله، غير أن الكلمات ما فارقت لسانها. وعليه، وبدلاً من انتظار حديثها، طرح هاكون أسئلة تتخلل جلسات تملّي عدة. مرة بعينين مفتوحتين، وأخرى واقفاً. حاولت الخادمة الشابة حثه على تعلم المهارة أولاً ثم ترقيتها لاحقاً، وهو أمر مثير للاهتمام إذ دلّ على ارتباط البشر بطريقة ما بالأسلاف ونصوصهم القديمة أيضا.

كانت هناك تلميحات سابقة، لكن كل ما ناقشناه جعل الأمر جليّاً. حمل البشر ارتباطاً بالنصوص القديمة أيضاً. لكن بوجود فروق، أعظمها عدم إيمانهم بالأسلاف. فكيف سنحت لهم إذن الوصول إلى النصوص القديمة، وتعلّم مهاراتهم وتحسينها، والمكافأة بالترقيات؟ لم يكن لذلك أي معيار منطقي، بيد أن تفكير هاكون لم يكن منصباً عليه. سيسأل الكاهن في المرة القادمة التي يراه فيها. وحتى ذلك الحين، سيتعلم السحر من البشر، وكيفية التجوال أثناء التملّي، أو أداء ما يماثل التملّي في منافعه.