كان برابرة قبيلة بيروت يشقون طريقهم نحو معقل القبيلة. لم يستطع هاكون تبين كيف أغفلا بعضهما، لكن رجال قبيلة بيروت كانوا يقتربون من التخوم المؤدية إلى قبيلة تاسكور، في حين كان هو وبقية المحاربين الشباب على الأرجح في عمق الغاب أكثر بكثير. ضيّق هاكون عينيه وأخذ يتفحص أسلحتهم وأجسادهم بحثاً عن الدماء وعلامات القتال. تحسن بصره كثيراً حين ضخ المانا في عينيه، مما وفّر له كل المعلومات التي يحتاجها.
لم تكن هناك سوى مجموعة صغيرة واحدة من البرابرة، ولم يبدُ أن أياً منهم قد خاض قتالاً منذ فترة. على العكس من ذلك، بدا أنهم يتجنبون الأخطار بشتى أنواعها بيقظة لا تبدو على البرابرة عادة. كانوا يتحركون في الغابة بحذر شديد، متجنبين إحداث أي صوت، ومندمجين مع محيطهم الخشبي. أرائحة الغابة؟ قطب هاكون حاجبيه بحدة عند هذه الفكرة. لماذا اندمجوا مع الغابة هكذا فجأة؟ لقد كان هاكون واثقاً من أن روائحهم هي التي قادته إليهم، لكن الأمر لم يكن كذلك تماماً على ما يبدو.
مع ذلك، لم يبدُ خاطئاً بالمطلق أيضاً، حتى وإن كانت الروائح التي لاحظها سابقاً قد تلاشت. فضولاً منه، بقي هاكون في مكانه تماماً، مركزاً على الإحساس مع الحفاظ على مهارة [التسلل] في الوقت ذاته. راح يراقب البرابرة بينما كانت غرائزه تصرخ فيه وتأمره بالهجوم وقتلهم، لكنه ظل جامداً مكانهم. ظل كذلك حتى اقترب رجال قبيلة بيروت أكثر من المعقل. حوّل هاكون تركيزه نحو مهارة [خطوات صامتة]
مؤقتاً، وتسلل عبر الغابة مقتفياً أثرهم من مسافة آمنة. كانت يداه تحترقان شوقاً لسفك الدماء، لكنه كان أعقل من أن يهاجم. خصوصاً أن المجموعة بأسرها كانت تنبعث منها هيبة قوية تستوجب انتباهه. حتى وإن كان أبعد من أن يستخدم مهارة [الفحص]، فقد كان يعلم أن التعامل معهم جميعاً بمفرده سيكون مغامرة حمقاء. الحفاظ على رباطة الجأش كان أمراً بالغ الأهمية، ومثله معرفة نوايا قبيلة بيروت برمتها.
لذا فقد ظل يتبعهم وهم يقتربون من المعقل ولم يتحرك حتى عندما بلغوا الحدود أخيراً. لم يكن قلقاً بشأن قبيلته، بل انتظر بصبر لم يكن يعلم أنه يملكه حتى رحلوا مرة أخرى. لم يلحظ أحد برابرة بيروت. لقد وصلوا إلى حدود قبيلة تاسكور، وتفحصوا بنيانهم، وربما حتى تحركاتهم وأعدادهم وغير ذلك، ثم غادروا قبل أن يفطن إليهم أحد. حبس هاكون أنفاسه وأغلق عقله عن الأفكار المتعطشة للدماء بينما كان برابرة بيروت يعودون أدراجهم، مارين بالقرب منه.
فشلوا في ملاحظته، وهو ما أثبتته مكافآت الأسلاف، لكن ذلك لم يجعل الأمور أفضل. بل إن نظرة واحدة على سفر التحسين جعلته يقطب حاجبيه.
[خطوات صامتة المستوى 11 ← المستوى 12]
[التسلل المستوى 6 ← المستوى 7]
بدل عبارة 'سفر التحسين'، لم يرَ هاكون سوى رق قُدّ عليها المهاراتان اللتان تحسنتا لم يكن ذلك سيئاً للغاية، لكنه لم يكن بالأمر المهم الآن أيضاً. لقد كانت هيمنة قبيلة بيروت هي الأهم. كان البرابرة يتحركون في الغابة من دون تبادل أي كلمات. خيم صمت مطبق على المكان، ولم يكسره سوى احتكاك عرضي بشجيرة وسحق الأغصان والنباتات الصغيرة، ولم يكن أي من ذلك بصوت عالٍ يكفي لتلاحظه مجموعات المحاربين الشباب الذين مروا بجانبهم.
شعر هاكون بشيء ما في الأفق. لم يكن بقوة ذلك الإحساس حين راح يبحث عن برابرة بيروت، وخصوصاً الآن وقد اضطر لضبط نفسه عن استخدام مهارة [توسيع الحواس] و[إدراك المانا], لكن روائح مألوفة بشكل غريب كانت معلقة في الهواء. تراق بينهم، تمتم في نفسه بينما التفت رأسه إلى اليسار. وفي البعيد، سمع أصواتاً وأشجاراً تحتك ببعضها، مما زاد توتره فقط. كان هاكون متأكداً بنصفه أن برابرة قبيلة بيروت سيهاجمون تراق ومجموعته، لكنهم بالكاد نظروا في جهتهم قبل أن يشير أقواهم للبقية بمواصلة المسير.
على الرغم من أن الجميع لم يبدُ موافقاً على القرار، فقد تبعوا زعيمهم عودة إلى مخيم صغير. كاد هاكون يقتحم المخيم المؤقت بالخطأ. لقد كان منغمساً جداً لدرجة أنه فاتته اللحظة التي توقف فيها البرابرة عن السير. منشغلاً، احتكت الأدصان حوله، مما أجبره على القفز نحو الأرض وتوجيه عقله بالكامل نحو استخدام مهارة [التسلل]. عدل وضعيته واستخدم البيئة المحيطة ليتحول إلى خفيّ بفعالية، لكنه لم يكن متأكداً إن كان أحد قد لاحظه.
ولهذا ظل هاكون ساكناً طالما تطلب الأمر ذلك. أتاح له ذلك وقتاً كافياً لاستخدام حواسه لمعرفة ما يجري بخصوص الإحساس الجديد وتلك الروائح التي لاحظها... أو شعر بها؟
* * *
لم يكن هاكون يخطط للبقاء طويلاً بالقرب من المخيم المؤقت، لكن العثور على الوقت المناسب للمغادرة صار أمراً بالغ الصعوبة. كانت أستريد والبقية ينتظرونه على الأرجح في تلك البقعة الخالية، ومع معرفته بهم، فلا شك أنهم يكيلون له الشتائم لتأخره كل هذا الوقت. حسناً، ربما كان بيورن يفعل ذلك تحديداً. وعلى كل حال، فقد كانوا نافدي الصبر لدرجة أن بدءهم البحث عن هاكون كان مسألة وقت لا غير.
وحالما يجدونه، سيجدون مخيم قبيلة بيروت المؤقت أيضاً. سيؤدي ذلك إلى الكثير من الدماء، دمائهم هم. ففي النهاية، وجد المزيد من برابرة بيروت طريقهم إلى المخيم مع مرور الوقت. في هذه اللحظة، لمש تكن لديه أي فكرة عن المدة التي أُجبر فيها على البقاء هناك، فقد كان هاكون قادراً على استشعار ما يقرب من دزينة من الروائح المختلفة. لقد سمع أصواتاً كافية ليدرك أن هناك أكثر من نصف دزينة من البرابرة هناك أيضاً، لذا كان من المنطقي افتراض أن المخيم يأوي عشرة أعداء، أو ربما أكثر قليلاً.
أعداء، حين أتيحت لهاكون فرصة فحصهم، تبين أنهم مزعجون للغاية.
[بربري — تهديد عالٍ (الارتقاء الأول)]
[بربري — تهديد عالٍ (الارتقاء الأول)]
...
[بربري — تهديد خطير جداً (الارتقاء الثاني)]
اضطر هاكون إلى تعديل مهارة [الفحص] قليلاً ليحلل البربري الأخير، لكنها نجحت. لقد ربط بين الخطر القادم من البربري وبين المهارة وذكرياته وخبراته، مما حسّن المهارة بشكل ملحوظ.
[الفحص المستوى 9 ← المستوى 11]
[رائحة نور الحياة (جديد) المستوى 1 ← المستوى 2]
كانت [رائحة نور الحياة] مهارة كريهة. كان من الصعب وضعها في كلمات، لكن المهارة تشكلت فور أن أدرك أن الإحساس والروائح تنبعث من البرابرة، وأن كل إحساس مرتبط برائحة معينة وببربري معين. لم يكن قد علم المزيد عن المهارة بعد، لكن [رائحة نور الحياة] كانت تتدفق بسهولة أكبر مع الخصوم الأقوياء. وكلما زادت قوة حضورهم، كان استشعارهم أسهل. وهكذا تمكن هاكون من استشعار المجموعة الأولى من البرابرة أيضاً، لأن الإحساس الأول صدر من البربري ذي الارتقاء الثاني.
فقد قمع كل الإحساسات الأخرى وانتشر أبعد من البقية. عدوهم قادم إليهم. لكن هذا لم يكن وقتاً لمدح مكاسبه. تحرك هاكون فور أن خطت مجموعة البرابرة الأخيرة إلى المخيم. أخفى حركاته بحركاتهم وتراجع ببطء إلى داخل الغابة. حين تأكد من عدم تعقب أحد له، تنفس الصعداء وانطلق جاوياً. ظلت مهارة [رائحة نور الحياة] نشطة حتى من دون تدخله، لكنه عززها أكثر من اللازم ليحدد مكان كل حياة حوله.
اكتشف مجموعة من الوحوش، بدا بعضها صغاراً، ومع ذلك لم تهاجمه. لم يهاجم هو الآخر، وامتدت حواسه أكثر فأكثر مع إطلاقه مهارة [توسيع الحواس]. تدفقت المزيد من الروائح نحوه، ولم يمضِ وقت طويل حتى عثر على المجموعة الأولى من المحاربين الشباب. بدا عليهم الإرهاق، وتمزقت أجسادهم وتلطخت بالدماء. لكنهم ما زالوا على قيد الحياة وبدوا راضين.
ناداه أحد المحاربين الشباب بابتسامة حيوية بدت أكثر شراسة من أي شيء آخر نظراً لهيئته: "هاكون!"
ثم أضاف: "جئت للاحتفال؟ أين البقية؟"
هتف هاكون بصوت فولاذي لا يقبل العصيان: "تعالوا معي".
انفرجت شفتا البربري، لكنهما انطبقتا حين تقاطعت نظراتهما.
هتف قائلاً: "حاضر"، وتبعه البقبة أيضاً.
مخترقاً الغابة وهدفه نصب عينيه ومستعيناً بعدة مهارات ترشده، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى جمع ثلاث مجموعات. أربع إذا احتُسبت مجموعته. قاد البرابرة الشباب نحو البقعة الخالية حيث كان بيورن وأستريد وإيرن ينتظرون بالفعل.
هتفت أستريد: "أين كنتـ..."
ثم توقفت لتتفحص الرجال والنساء الذين كانوا يخطون إلى البقعة خلفه، وتابعت: "لماذا يتواجد الجميع هنا؟"
صحح لها هاكون دون تفكير: "هذا ليس الجميع".
على أي حال، لم تكن التفاصيل مهمة للغاية.
"وجدتهم في طريق العودة".
"العودة؟"
نهض بيورن واقفاً وبدا وجهه جاداً. لقد شعر بتوتر رمديّه على الفور ومد يده نحو فأسي حربه.
أوضح هاكون: "العودة من مخيم وجدته. مخيم صغير للبرابرة. قوم قبيلة بيروت. وجدت مجموعة منهم بالقرب من أطراف الغابة، يعاينون المعقل ويدرسونه".
تقبل المحاربون الشباب الخبر بصدر رحب. غلي الغضب تحت السطح، وقبض البعض على أسلحتهم بإحكام لدرجة أن أصوات الشقوق ترددت في البقعة الخالية، لكنهم لم يسرعوا للعودة إلى الغابة بحثاً عن قوم بيروت. اشتعلت نيران متأججة في عيني أستريد وهي تسل مجموعة من السيوف القصيرة المقوسة.
"يجرؤون على رمق أراضيْن بنظراتهم؟ حان وقت سحقهم".
بدا صوتها متحمسة تقريباً وهي تتحدث، بينما أطلق البقية همهمات عميقة تؤكد ذلك. رفع هاكون يده ليسكت الآخرين، لكن الكلمات ماتت على لسانه. لقد جمع المحاربين الشباب في البداية لضمان بقائهم. إن وجدوا برابرة قبيلة بيروت قبله، فلن يشك للحظة واحدة في أنهم كانوا ليهاجموا بلا تردد. بغض النظر عن ثقتهم في قوتهم، لم تكن للشباب أي فرصة. لقد خطط لجمعهم، والتأكد من بقائهم، وإعادتهم إلى معقل القبيلة، مؤدياً ما يفترض بخليفة فعله.
أي العناية بقومه. لكن أكان هذا حقاً كل شيء؟ أكان هذا حقاً أفضل ما يمكن فعله لأجلهم؟ لا... لم يكن كذلك. لقد كان جبناً، وربما حماقة، والأكيد أنه كان تصرفاً أرعن. لقد كانوا برابرة، ولدوا للقتال، والازدراع قوة، وكسب رضا الأسلاف، والموت في المعركة بسيرة ذاتية ملحمية مليئة بكل أنواع الإنجازات العجيبة. الهروب من المعركة لم يكن طريق البرابرة.
"عليهم التعافي".
أشار هاكون نحو المجموعة الأولى التي جمعها. بدا عليهم الإرهاق وأصيبوا بإصابات بالغة رغم ضخ كمية هائلة من المانا عبر أجسادهم. بكل المقاييس، بدا أنهم ارتقوا أو رفعوا مستوياتهم عدة مرات قبل وقت قصير ليس ببعيد. كان ذلك رائعاً، لكنه لم يعنِ أنهم أقوياء بما يكفي للتعامل مع برابرة بيروت. ليس من دون جلود الرون ودون بلوغ مستوى أقل بكثير من الآخرين. مهاراتهم... تجهم هاكون في داخله.
لن تفاجئه إن كان يعرف عن مدى مهارات المحاربين الشباب أكثر مما يعرفون هم أنفسهم. لقد كان يعلم أنهم سيموتون حتماً ضد البرابرة الأكبر سناً الذين يتسللون عبر أراضي قبيلة تاسكور.
"نحتاج إلى خطة".
زمجر بيورن رافعاً أسلحته: "خطة؟ قُدنا إليهم وسنقتلهم!"
صدر إحساس مكثف من صديق هاكون وهو يتحدث عن قتل برابرة بيروت، وانضم إليه بقية المحاربين الشباب، مما أدى إلى توسيع نطاق تأثيره بشكل كبير. لقد كانوا هم أيضاً متعطشين للقتال، وبدوا مرحين تقريباً بينما ارتفعت أسلحتهم عالياً، مما أجبر هاكون على التدخل بمهارة [الترهيب]. انفجرت هيبته لتسحق الإحساس المكثف الصادر من بيورن والبقية.
استدار هاكون نحو صديقه غير قادر على كبح زمجرته: "إن أردتم الموت بلا سيرة، فيمكنني قيادتكم إلى المخيم. هاجموا أقواهم رأساً إن كنتم تريدون نيل موافقة الأسلاف، لكن تذكروا أنه في الارتقاء الثاني حين يمزقكم إرباً. ولكن لا تجرّوا الآخرين إلى موت بلا ثمن. لا تدعوهم يموتون ميتة لا تليق بنوعنا".
لم يبدُ بيورن مسروراً، لكنه امتلك على الأقل قسطاً من الحياء جعله يشيح بنظره خجلاً. كان ذلك كافياً في الوقت الراهن.
أعلن هاكون قاطعاً الموضوع قبل أن يلتفت إلى البقية: "سنضع خطة، وستنضمون إلينا".
"المخيم ليس كبيراً جداً. لا ينبغي أن يضم أكثر من دزينة من المحاربين، لكن ذلك لا يغير شيئاً. كل واحد منهم بقوتي، وربما أقوى".
ولم يتضمن ذلك حتى محارب الارتقاء الثاني، الذي كان بالتأكيد أقوى منه هو نفسه. خففت كلماته من حماسة المحاربين الشباب بشكل كبير. فمهما ولد البرابرة للقتال، فإن الاندفاع نحو خصوم بقوة ما ذكرها لم يكن أمراً سينجون منه. كان ذلك أشبه بالموت المحتم، وهو أمر عبثي. سيضيعون حياتهم، وأيضاً هبات الأسلاف، وهو ما لا يمكن قبوله. فهم الحاضرون ذلك جيداً. حتى بيورن فهمه، حيث أدار رأسه ليعير الأمر استماعاً أعمق.
ناداهم هاكون والأفكار تدور في رأسه لتُرفض وتُعدل تبعا لأمر الفهم المعزز: "إن أردنا إنجاح هذا، وهزمهم وجعلهم جزءاً من سيرنا، فيجب أن نفعل ذلك بالطريقة الصحيحة".
تخحنح بعد قليل ومضى يشاركهم ما يدور في ذهنه: "لدي خطة..."