استيقظ هاكون في صباح اليوم التالي نشيطاً. تسللت أشعة الشمس عبر شقوق سقف الكوخ، لتغمر وجهه بالدفء. نهض من فراشه ومطّ جسده بهدوء لم يعهد وجوده في نفسه.
ليس بعد قضاء نصف شهر في البرية وداخل "صدع".
"النطاق الزاحف"، هكذا حدّث هاكون نفسه.
كانت ليالٍ مؤلمة، لكن الصدع كان أحد الأسباب القليلة التي أوصلته إلى الارتقاء الأول. والسبب الآخر هو قوته القديمة. ربما لعب تحمّله دوراً أيضاً، فليكن ذلك.
"فعلتها".
خرج من غرفته، وجالت عيناه في أرجاء الكوخ. لم يتغير شيء في غيابه. الرف ولفائفه لا تزال في مكانها، وكل شيء كما كان. الإضافة الوحيدة، إن جاز تسميتها كذلك، هي فأس السحق التي استندت إلى الجدار عند مدخل غرفته.
"استيقظت".
وصل حضور أبيه المهيب إلى هاكون قبل صوته.
التفت إلى زعيم القبيلة: "أبي".
أشار الزعيم إلى ابنه: "اتبعني".
سأل هاكون: "مبارزة؟"، لكن أباه هز رأسه: "عرض عملي".
وصلا إلى خلف الكوخ بعد لحظات. كان الخدم يعتنون بالخضرة، ويقتلعون الأعشاب من ساحة التدريب ويصقلون منصات الأسلحة.
بدأ الزعيم حديثه: "تمتلك مهارات غير مألوفة. بعضها لا أعرفه. حتى الشامان بدا متفاجئاً من جلد الرون الخاص بك، ومن قرار الأسلاف بمساعدتك في التعافي، ومن بعض مهاراتك أيضاً. أرني إياها".
ضيّق هاكون عينيه تجاه أبيه لكنه امتثل. استل السلاح الأول وفعّل [إتقان السلاح]. في الدقائق التالية، استعرض براعته في استخدام مجموعة متنوعة من الأسلحة. ظل الزعيم ساكناً يراقب. حتى حين كشف هاكون عن براعة في أسلحة لم يدربه أبوه عليها كثيراً، ظل صامتاً. أضاف هاكون سلاحاً ثانياً للعرض، مفعّلاً [قتال السلاحين]. مرّت دقيقة أخرى قبل أن يومض شيء في زاوية عينه. تفعّل [الوعي القتالي]
غريزياً، فالتوى بجسده جانباً. مرّ حجر بجانبه، أخطأه بشعرة، لكن [الوعي القتالي] ظل نشطاً يحذره. ضخ المانا في ساقيه وانطلق جانباً، متفادياً وابلاً من الحصى أُلقي عليه بقوة كفيلة بسحق جمجمة بربري. لم يكن التفادي سوى البداية. مستخدماً [المراوغة] كدليل، تفادى هاكون المزيد من المقذوفات. انزلق جانباً، ولوى جسده حتى كاد يتمزق، لكن دون جدوى. كلما راوغ، زادت سرعة الهجمات القادمة، ولم يمضِ وقت طويل حتى عجز عن الإفلات منها.
وحين لم تعد المراوغة كافية، دمج بين [قتال السلاحين] و[إتقان السلاح]، فكانت أسلحته تومض حوله بحركات سريعة ودقيقة لصدّ الضربات. أخيراً، زاد سرعته بـ [الدوران]، حيث تطلّب الأمر مجدداً القوة والسرعة والمرونة. صرخ [الوعي القتالي] فجأة حين اخترق الهواء حجرٌ مغطى بلون قرمزي بسرعة تحول دون تفاديه. ومع نشاط [حس المانا]، شعر بتصاعد مفاجئ في الخطر. كانت مانا الحجر ذات طبيعة تدميرية وستسبب ضرراً جسيماً، لذا صبّ هاكون المانا في نصليه.
بتفعيل [غرس المانا] لتوجيه العملية، دفع المانا إلى النصلين. اهتز النصلان، وبدا أنهما يقاومان، لكن وهجاً خافتاً من المانا تسرب منهما حين شقا الهواء والحجر. دوّى صوت تصدع في أذني هاكون حين تفتت النصل الأول وهوى إلى الأرض، وتبعه تصدع آخر سريعاً. اندفع حجر ثانٍ مشحون بالمانا نحوه، فشقه هو الآخر، لكن النصل الثاني دفع الثمن. وتفتت هو أيضاً. استدار هاكون مواجهاً الزعيم، وقد خفض جسده، مفعلاً [توسيع الحواس]
و[مراقبة التدفق] لتحليل حركاته. لكن الزعيم كان قد انتهى. وقف أمامه بتعبير هادئ، كأنه لم يبرح مكانه قط.
لاحظ قائلاً: "لقد دمجت مهارات سلاحك بالفعل".
أجاب هاكون، ولم يكن لديه سبب للكذب على أبيه: "فعلت. واكتسبت أيضاً [قتال السلاحين] والكثير من المهارات المفيدة".
أمال الزعيم رأسه: "أرى ذلك. كم مهارة لديك؟ مما أراه، لديك أكثر من عشر مهارات بالفعل. تمتلك [تحمّل الألم] ومهارات تشبه [تعافي العملاق]، و[روح المعركة]، و[تعزيز شريان الحياة]، وإحدى مهارات جلد الرون الخاصة بي".
كان لدى هاكون بالتأكيد أكثر من عشر مهارات. تفقد المخطوطة القديمة، فعدّ ستاً وعشرين مهارة، بما فيها المهارة المدمجة. ولولا دمج المهارات لبلغت ثلاثين بالضبط، وكان ذلك يبدو سخيفاً.
كشف قائلاً: "لدي أكثر من عشرين مهارة".
فارتفع حاجب أبيه رداً على ذلك.
"هذا كثير. [إتقان السلاح] و[قتال السلاحين] تتطلبان وقتاً للاكتساب. نصف شهر ليس كافياً في الظروف العادية".
فرك الزعيم ذقنه مفكراً: "حتى لو دخلت صدعاً، ما كان ينبغي أن تكون بهذه السرعة".
تمتم لنفسه، إما لأنه لم يدرك أن هاكون يسمعه أو لأنه لم يكترث: "هل يكون بسبب سلالته؟".
نظر الزعيم إليه مرة أخرى: "وقوتك القديمة؟".
أومأ هاكون ببطء، مما رسم لمحة ابتسامة خافتة على شفتي أبيه.
"قصّ عليّ ملحمتك يا بني. لا تترك شيئاً، ابدأ من الطقوس. حتى لو ظننت أنني أعرف ما حدث، أخبرني بكل شيء!".
لم يكن ذلك طلباً. كان أمراً، فامتثل هاكون وقلبه يخفق. كانت المرة الأولى التي يسأله فيها أحد عن ملحمته، وسيكون أحمق إن لم يشاركها.
"ليكن الأسلاف في عون سمعي"، قال في قلبه قبل أن يسرد كل ما حدث منذ الطقوس.
لم يمر حتى قمر واحد منذ ذلك الحين، لكن كان لديه الكثير ليقوله. وفعل ذلك بفخر.
* * *
استغرق سرد الملحمة وقتاً أطول مما توقع. كان الصباح قد أفسح المجال للظهيرة حين انتهى من إخبار أبيه عن معركة الأجيال من وجهة نظره. لم يكن هاكون فخوراً بقدرته على الحكي، لكنها تحسنت كثيراً حين استسلم للدفعة التي في عقله. ساعده [الفهم المعزز] في تقليل الحشو في ملحمته. قادته خلال الحكاية، ضامنة بقاءها مشوقة ومليئة بالأحداث، مع التركيز على أهمية قوته القديمة. فـ [الفهم المعزز]
لا يتطلب القتال وإراقة الدماء لنيل نعمة الأسلاف. استمع الزعيم باهتمام. لم يقاطع هاكون إلا حين كان ابنه يتعثر، ليسأل عن مكتسباته، وكيف تحققت، وليطلب منه عرض كل الأشياء الأخرى التي حازها. أعاد هاكون تمثال الخنفساء الحمضية إلى أبيه واستفسر عن جلد الرون، مما أدى إلى عرض سريع آخر. اضطر الزعيم للكم هاكون بضع مرات لشحن [تأثير التكديس]. فعل ذلك دون تردد، مما أدى لرفع مستوى [تحمّل الألم].
لم يشحنا [تأثير التكديس] لأقصى حد، بل بما يكفي لتفعيل جلد الرون. فعلا ذلك، فأطلقا شعاعاً بعرض خنصره نحو الزعيم. لم يكن الضرر الذي أحدثه جديراً بالذكر ضد بربري في الارتقاء الخامس، لكن الزعيم بدا معجباً على أية حال.
تمتم لنفسه: "نجا أولفار من ضربة مشحونة بالكامل من هذا؟ دم البهيموث لديه قوي".
لم يرقَ لهاكون قول ذلك بعد مشاهدة معركة الأجيال وقطع ذراع أولفار، لكنه استمع لأبيه على أية حال.
"لا أظن أن أولفار سيفعل شيئاً أحمق. ليس إذا كان للشرف وهدي الأسلاف معنى في قلبه. لكن إن لم يعد يعنيان له شيئاً...".
حدق الزعيم في عيني هاكون بعمق: "اقتله. إذا تجرأ على مهاجمتك، يجب أن تكون قوياً بما يكفي للقضاء عليه. في ضربة واحدة، قبل أن يؤذي القبيلة أو يستنفد قوته القديمة. لأنه إن فعل، سيصبح هذا -كل هذا- إشكالية كعدوانية بيروت".
رفع هاكون حاجبه لأبيه. لم يظن أن أولفار سيهاجمه علناً. قد يكون أولفار مشكلة، لكن الأسلاف شاهدوا معركة الأجيال. ومخالفة إرادتهم ستؤدي لعقاب أسوأ من الموت. لن يُسمح له بالوليمة مع الأسلاف بعد الآن. ستُصادر ملحمته، وسيُسلب كل ما وُعد به أعظم محاربيهم. مهما كان أولفار طموحاً وغاضباً، لم يظن هاكون أنه في خطر. ليس ما دام في القبيلة. أما في البرية... فقد يختلف الأمر.
هز هاكون كتفيه: "أظنه أقرب لمغادرة القبيلة. والانضمام لقبيلة بيروت".
ثم قاد الحوار إلى موضوع أكثر إثارة: "قبيلة بيروت... ما مدى خطورتهم؟".
كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها الزعيم مع هاكون بهذا القدر. قبل الطقوس، كانت محادثاتهما قصيرة ومن طرف واحد. لم يكن جيداً بما يكفي في عيني أبيه. لكن ذلك تغير. نموه السريع أثار فضول أبيه. وانتصاره في معركة الأجيال أكسبه الثناء والاهتمام. لم يعد الرجل الذي كانه. صار محارباً، جديراً باحترام الجيل الأكبر. أدرك أبوه ذلك، وعامله بالمثل. لذا أخبر هاكون بكل ما يحتاج لمعرفته.
عن الماضي، والحاضر، والمستقبل الذي ينتظره. وحين انتهى، كان كل شيء قد تغير. لم تعد الحياة تبدو كما كانت، ومع ذلك تصرف أبوه كعادته. تقريباً.
قال بهدوء تام: "الآن، اذهب واقرأ، أو افعل ما يلزم لتغدو أقوى".
لم يكن الأمر مثالياً، لكن سماع أبيه يقول ذلك كان يعني لهاكون كل شيء.