تغيرت دفة المعركة على عكس ما تمناه هاكون تماماً. وحلت محل الأنماط التي رصدها قبل لحظات هجمات همجية عشوائية لوحش هائج. تغير شيء ما في أولفار، وبات لا يحاول القتال بالعقل أصلاً. ولا داعي لذلك حين تكون لكمته أشد وقعاً من لكمة تنين يافع. صرخ الهواء، وارتفعت حرارة المكان بشدة مع انطلاق قبضة محارب دم البهيم صاروخية إلى الأمام. غير هاكون وقفته، وتحكم بطاقته الداخلية بدقة، وعزز أطرافه بطبقات كثيفة منها عند وقوع الهجوم، ومع ذلك تكبد خسائر فادحة.
تهشم درع الطاقة المحيط بذراعه، وتصدعت طبقة الطاقة الثقيلة المعززة لها بمجرد اصطدام القبضة الهائلة. ثم حدث الكسر. تشققت ذراعه كأغنية طيور. ابتلع هاكون ألمه، وأرسل وابلاً من المقذوفات نحو خاصرة أولفار وظهره، لكنها عجزت حتى عن اختراق جلده الآن. أربكت الحرارة المنبعثة من جلده بنى الطاقة بما يكفي لإضعافها. ولا يعني هذا سوى شيء واحد: ثمة قوة أعظم من تجلي السحر تعمل هنا.
إرادة؟ يفسر هذا التغيرات المفاجئة. غير أنها لا تنفع في مواجهة أولفار. ليس بفارق شاسع، لكن هاكون يدرك حدود إرادته. يتيح تجاوز عتبة الإرادة الأولى لأي محارب تسديد ضربات تفوق مستواه بكثير، لكن القوة لا تأتي بلا ثمن. ولا سيما طفرات القوة المفاجئة. لم يشك هاكون لثانية واحدة في أن جسد أولفار لا يتحمل ضراوة الإرادة. لكن مع تتابع ضربات محارب دم البهيم السريعة، اتضح أن ثمن القوة باهظ أكثر مما توقعه.
النجاة. التأقلم. قهر الأسوأ. سيكون تخفيف وطأة أقسى الضربات، وتحويل الهجمات القاتلة إلى إصابات طفيفة، هو الخيار الأفضل، وعلى الرغم من تفادي هاكون عدة ضربات بحركات مباغتة عززتها مهارتا التسارع والخطوة السريعة فور إدراكه لنوايا أولفار، بدا جسده متهالكاً. كلما طال أمد القتال، ساءت حالة هاكون مظهراً ومخبراً. ورغم ذلك، حين كاد أولفار يطيح برأسه بركلة دائرية مباغتة، أشرق وجه هاكون.
تفادى الركلة، وبدل وقفته، وأخرج أحد خناجره. التفت رأس أولفار يميناً ليظل متابعاً له، وراقب هاكون خصمه وهو يشحن النصل بالطاقة. ومع تفعيل إرادة الزخم، أطلق الرمي المعزز بموازاة التسارع وقذف الخجار صوب وجه محارب دم البهيم. انتهت ركلة أولفار في الوقت المناسب، وكان سيملك متسعاً من الوقت للنجاة، لولا انطلاق الخنجر الملقي في الهواء بسرعة تفوق سهم محارب من الصعود الثالث.
صفير في الهواء كالموت، واجتاز المسافة القصيرة إلى الهدف، و... أخطأ. تمكن أولفار بطريقة ما من تعديل وقفته في الوقت المناسب. ثنى عنقه جانباً وراقب الخنجر ينطلق خاطفاً مجاوراً له. خدش وجنته، واقتصر الأمر على ذلك. ومع ذلك، بدا أكثر إرهاقاً بعد تفادي الهجوم بسرعته الخارقة مما لو أصابه الخنجر. أرسلت مهارتا الوعي القتالي وكشف نقاط الضعف إنذارات لقاكون حتى قبل أن يشق الخنجر عباب الهواء بصوت الصفير، وكان مستعداً بالفعل.
وبفضل استشعار الطاقة والتحكم بها، تلألأ ضوء باهر داخل سلسلة من صواعق الطاقة المتكونة حوله. اندمج تجلي السحر مؤقتاً مع نقطة ضوء، بفضل تدفق الطاقة. أو شيئاً من هذا القبيل. الحق يقال، لم يكن هاكون متأكداً تماماً مما يفعله الآن. سوى اتباع حدسه وما تحاول إدراكه المعزز إخباره به. و... شعور طيب. رائع بحق. صحيح أن إحدى ذراعيه مهشمة ولا يلتئم ما فيها إلا ببطء شديد عبر سيل الحيوية، لكن الأمور كانت لتكون أسوأ بكثير.
انطلقت الصواعق المبهرة لتؤدي دورها بدقة متناهية. صرخ أولفار بأعلى صوته مرتدّاً برأسه لمواجهة هاكون، فلم يقع بصره إلا على كرة ضوئية انفجرت في وجهه. تراجع خطوة إلى الوراء، وأغمض عينيه بقوة، فاصطدم مباشرة بدرع طاقة مغروس في الأرض. تعثر محارب دم البهيم العظيم بالدرع وصارع لاستعادة توازنه لحظة. أعقب ذلك رمي بأسلحة يد مشحونة بالطاقة نحوه. ثم تلتها خناجر عديدة وبنى طاقة، عززت كل منها بإرادة الزخم، ودعمت بالطاقة، وغلفت بطبقة سميكة من النزيف.
استقرت الفأس في صدر أولفار. لم تغر عميقاً، لكنها اخترقت جلده المدخن. وحصل الأمر ذاته مع الخناجر الأخرى النابتة من خاصرة أولفار وذراعه الباقية. تفجرت الطاقة حول حواف النصال مع تفعل النزيف، مما أبطأ التجدد الطبيعي لمحارب دم البهيم وفي نفس الوقت سرع تدفق دمه. ولم يتدفق دم كثير إذ ارتفعت الحرارة أكثر فتبخر كل الدم الذي كان سينزف من أولفار، ولم يترك سوى قشرة متيبسة. وما تلي ذلك كان معركة مرعبة وفي الوقت نفسه مخيبة للآمال.
معركة مخزية جعلت هاكون يلعن نفسه وضعفه، لكنه ليس حاملاً للدم. فقوته البدنية لا تقترب البتة من قوة حامل دم أسطوري. ولا سيما حامل دم أسطوري يوظف إرادة تجعله أشد قوة... مقابل تلك القوة. ناهيك عن جلود الرون الخاصة به. لم يكن جلد الأشواك بالغ القوة بشكله الحالي، لكن كل جلد رون بدني يزداد قوة حين يملكه حامل دم. ويصدق هذا بوجه خاص على دم البهيم. وهناك جلد الرون الآخر الخاص به.
لم يكن هاكون متأكداً تماماً مما هو عليه بعد، لكن ثمة أوقات تحرك فيها أولفار بسرعة تفوق المفترض. كدفقات القوة التي عززت سماته المتفوقة أصلاً. إنه جلد رون قوي، هذا ما تيقن منه، ويعني هذا أنه يستنزف أولفار بطريقة ما. غير أن الكيفية كانت عسيرة التحديد. إلا أنها باتت جلية تدريجياً مع تراكم الإرهاق في عيني أولفار.
"أيها الحقير المثير للشفقة!"
زأر أولفار بصوت لم يكن يشبه تماماً صوت الرجل الذي يذكره هاكون.
"كف عن المراوغة أيها الجبان. لست شيئاً بالنسبة لي، وستموت على يدي. الآن!"
كانت الجروح التي تكبدها هاكون منذ بدء المعركة قاسية بالفعل. الألم هو الضعف الذي يغادر الجسد، صحيح، لكن العظام المكسورة تؤثر على أسلوب قتاله. لا بأس بذلك مع ذلك لأنه يزداد قوة مع كل كدمة وعظم مكسور. امتصاص الكنز امتصاصاً جزئياً للصدمة القادمة، وتراكم كل شيء. وبات امتصاص الكنز قادراً على تراكم أضعاف ما مضى. نما جلد الرون مع صعوده، وصار يمتص أكثر من أي وقت مضى.
"لست جباناً."
زمجر هاكون بينما انطلق محارب دم البهيم نحوه، مخلفاً وراءه بتموجات في الأرض مع كل خطوة.
"لكنني لست غبياً لأقاتل بهيماً وجهاً لوجه."
تلك محنة الحمقى، وهو ليس أحمق. حاول أن يكون أرقى من ذلك، لذا وجب عليه أن يبرهن للجميع أن القوة البدنية الخام ليست كل شيء. وحدها السبيل لإقناع الجيل القديم، أولئك الذين ما زالوا يرفضون درب العقل، بقبوله والاعتراف بالقوة التي يمنحها. *** أولفار خرج الوضع عن السيطرة. منحته إرادة الهيجان قوة مهولة، لكنها تكاد تكون قاسية بقر العبء الزائد. بل وأسوأ، عجز عن تعطيل إرادة الهيجان.
حاول أولفار، لكن الإرادة حجبته مهما اشتدت محاولاته. اقتل. قال دم البهيم كلمة واحدة، ومع ذلك لخصت كل شيء. كان عليه قتل هاكون لتعطيل إرادة الهيجان أو الموت محاولاً. بدا جسده كأنه يشتعل، وتبخر معظم دمه فور تدفقه خارجه، والآلم الذي تخلفه كل إصابة جديدة أشد إيلاماً بمراحل عما اعتاده. ورغم ذلك، صار أولفار أقوى من أي وقت مضى، وتمادى أكثر بالحفاظ على جلود الرون لسحق هاكون بشكل أسرع بقليل.
كانت ذراع الحقير مهشمة بالفعل، ورغم ذلك خمشه أولفار، ممزقاً صدره على مصراعيه أيضاً. ولم يبد مهمّاً أن أصابعه لم تعد كما كانت. لم يلاحظ حتى تحول أصابعه إلى ما يشبه المخالب. تقدم مستخدماً المجزرة ووحشية الوحش، ولم يزد ذلك إلا تقوية تأثير إرادته الجديدة. وكان ذلك ممتازاً للغاية. ومع إطلاق الهياج الوحشي، ظهر أولفار أمام هاكون وداس على قدمه، مثبتاً هذا الأنگل الزلق في مكانه بقسوة.
كان تقرمش كاحل هاكون وتهشم عظام قدمه أمراً مثالياً. وجلب من البهجة ما يضاهي ما شعر به حين لكم هاكون في صدره فهوى صدر الحقير للداخل. لكن البهجة في قلبه لم تدم طويلاً. وبالنظر إلى هاكون، تشقق ابتسامه الهمجي.
"لماذا ما زلت تبتسم؟"
أفوته شيء؟ بدا هاكون على حافة الموت. لا يمكن لوضعه أن يكون أسوأ. ورغم ذلك، اتسعت ابتسامة هاكون أكثر. اقتله! زأر البهيم الكامن داخله. ومع ذلك لم ينه تحدي الدم سريعاً. كيف ينهيه ولم يعانق الزعيم راجنا العذاب بعد؟ ولم يعجز هاكون ويذله أمام الملأ، ووالده من ضمنهم. هناك الكثير مما ينبغي لأولفار فعله قبل أن يضع وزراً للقتال. فمد يده نحو حنجرة هاكون. أراد دم البهيم أن ينتزع حنجرته مع عموده الفقري، لكنه ما زال صاحب القرار.
انفجرت عدة بنى ضوئية في وجه أولفار، لكن هذه الحيلة لا تنجح إلا مرة واحدة. كان مستعداً وتحرك للإمساك بهاكون. التفت أصابعه الضخمة حول عنق هاكون، ورفعه في الهواء. وماذا الآن؟ كسر عظمة تلو الأخرى؟ إنهاء—... وما إن انفجرت صاعقة الضوء قبل الأخيرة بجواره، حتى استرعى انتباهه شيء آخر. انتفض حسه بالخطر، وتحرك جانباً بينما هوى نجم صباح من طاقة متألقة زرقاء بجواره. كان الهجوم قوياً.
لبلغ من القوة حداً يؤذي أولفار بشدة لو لم يتفاعل في الوقت المناسب. وأكد هذا مرة أخرى أن هاكون ليس بضعف ما يبدو عليه. وأغضب أولفار بالقدر الذي أوقعه في خطأ آخر. لم يكن نجم الصباح المصنوع من الطاقة هو الشيء الوحيد المتجه نحوه. بل كان التجلي الأقوى حصراً، والأكثر حماسة لنية القتل. شخر أولفار بينما انفجرت آخر صواعق الضوء في وجهه. أغمض عينيه بقوة، وعدل وقفته، مستعداً لطرح هاكون أرضاً وكسر عظامه.
ومع ذلك، وبسبب استغراقه في قوة وتأثير إرادة الهيجان، لم يتحرك فوراً. بات التفكير المستقيم أشد صعوبة تدريجياً، لكنه احتاج لمعرفة السبيل الأمثل لإيذاء وإذلال الزعيم راجنا وهاكون قبل أن يضع نهاية حاسمة للأمر. وغارقاً في اللحظة، لم يشعر حتى بالإبر حين تكونت بجانب هاكون. ولم يدرك التهديد الحقيقي إلا بعد انطلاقها واجتيازها المسافة بين جانب هاكون وجه أولفار في نبضة قلب واحدة.
لكن الوقت كان قد فات بالفعل. فتح أولفار عينيه على مصراعيهما، واكتشف التهديد، واستدعى أشواك الجلد والعبء الزائد لحمايته، لكن لم يكن هناك جلد فوق عينيه ليتحول إلى قشور شائكة. عمل العبء الزائد على عينيه، وإن بلا جدوى. اخترقت الإبر عيني أولفار قبل أن تنفجر، تاركة إياه في ألم يفوق بكثير فقدان ذراع. أيها الحقير العقيم. زمجر دم البهيم قبيل تفجر تأثيره. وتدفق في جسد أولفار بحسم انهيار جليدي لم ينتظر سوى لحظة ضعف.
لم أعد بحاجة إليك. أيها الضعيف المثير للشفقة.
"لاا!"
زأر أولفار بأعلى صوته، لكن حلقه احترق. أحرقت إرادة الهيجان جسده، وفعل العبء الزائد المثل حين غمره بحيويته معززاً قوة إرادته. إنه المسيطر على قوته القديمة. البهيم شريكه، لكن فقط لأنه يمدّه بالقوة. هذا كل ما ينفع لأجله. هذا جسدي! انتقامي! ملكي! زأر في قلبه، ومع ذلك حتى حين غمر العبء الزائد عقله بقوة تكفي لإضعاف قبضة البهيم على جسده، تعذر ختمه مجدداً.
"لن أمنحك جسدي!"
زأر بصوت عال بينما تدفق المزيد والمزيد من حيويته خارجه وإلى العبء الزائد. ومع نفاد حياته، أينع الندم في قلبه. كان بإمكانه قتل هاكون، لكن الرجل الذي مقته أشد المقت لم يعد في قبضته الآن. لم يعد متدليا من راحة يد أولفار. بل استشعر هاكون واقفاً هناك، وقد عاد كاحله وقدمه ليوضعا في مكانهما. وحين وقفه هناك... لم يفعل شيئاً. لا توجد رغبة جامحة في الدماء، لا توجد نية قتل. هناك...
أكانت تلك شفقة؟ أطلق أولفار زئيراً متهدماً، أو هكذا يفترض أن يبدو. لكن القوة في جسده تلاشت سريعاً. أبهذا ينتهي الأمر؟ أتقتل نفسك؟ مثير للشفقة. زمجر البهيم قبل محاولة التغلغل مجدداً في عقل حامله وجسده. أنا أدافع عن نفسي، أيها الطفيلي! زمجر أولفار، مصلّياً للأجداد طوال الوقت. لئلا يظنوا أنه أفلت من تحدي الحياة مفرطاً في الجبن. أراد العيش أكثر من أي شيء، وأراد قتل هاكون، وأن يصبح الزعيم التالي، ويذل الزعيم راجنا، وربما حتى يتحد مع أستريد.
غير أن ما أراده أكثر من أي شيء آخر هو القوة. أن يهابه الآخرون، ويرتقي ليصير أمير الحرب التالي، وربما حتى يسحق الوحش السماوي. لكن تعذر ذلك، لا سيما وقوته القديمة تعمل ضده. أرادت الاستحواذ عليه والتحكم به، وهذا أمر مرفوض. الموت أهون عليه من أن يصير عبداً لجسده. لذا دافع عن نفسه ضد الطفيلي النامي داخله. دعني أولم معك. صلع أولفار مجدداً للأجداد بينما هوت ساقاه تحت وزنه.
تسربت حيوية أكثر من أي وقت مضى منه، معززة العبء الزائد بالقدر الكافي للإبقاء على السيطرة على كل ما دار حوله. لم يجبه الأجداد حتى حين انهار على الأرض وبقايا أثرية للحياة فقط تسري في جسد كُتب له العظمة. آخر ما سمعه كان ضحكة البهيم. أتظن حقاً أنهم سيصغون إلى توسلاتك؟ أيها الأبله. تموت ميتة بلا ملحمة. ولن يقبلک الأجداد أبدا. أيها الاحمق. أيها الحقير. أيها الجبان المثير للشفقة.
ومع ترديد صدى صوت البهيم في أذنيه، تيقن أولفار أنه سمع أثراً لليأس. لم يرغب البهيم في موته. لكن عوضاً عن الاستسلام والعمل المشترك، قرر البهيم استغلال تحدي الدم لاغتصاب جسد أولفار. من الغبي إذن؟ الآن... كلاونا يموت.