▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 94: كلّ دمٍ في هذا العالم ملكي
…
خلف بوّابة القصر المظلم.
عدّل سايمون تور درعَ السلاسل الثقيل خاصته، وقبض على رمحه بقوّةٍ — كان قد صُقِل حتى غدا لامعًا وبراقًا. وقف خلف سيّده وابنِ عمّه، إنريكي تور، الأكبر منه بسبعة عشر عامًا. حاول سايمون أن يُنظّم أنفاسه.
كان هناك عددٌ لا يُحصى من الفرسان والمحاربين إلى جانبه وخلفه. اصطفّوا متقاربين خلف بوّابة القصر الضخمة. بدت على وجوه الجميع تعابير مختلفة؛ بعضهم كان يرتجف من شدّة التوتّر، وآخرون كانت نظراتهم حازمة لا تهاب الموت، فيما بدا آخرون بوجوهٍ جامدةٍ وعيونٍ خاوية. وكان عددٌ منهم يهمس لبعضه البعض. سمع سايمون بوضوحٍ كلماتٍ مثل "وحش" و"إبادة كاملة".
أومأ ابنُ عمّه، إنريكي الفارس، للرجلِ المتوسّط العمر الواقف بجانبه مرتديًا رداءً أرجوانيًا. استدار الأخير وغادر. تعرّف سايمون عليه — كان جيري، الساحر الذي أتى من برج الأرواح والمستشار السحري الحالي لمدينة بحيرة السيف.
(لكن لماذا يغادر؟) تساءل سايمون بحيرةٍ، (لقد دُمّر برج الأرواح بالفعل، إلى أين يمكنه أن يذهب؟)
امتطى إنريكي الفارس جواده الحربي ورفع خوذته، ثم رمق سايمون بنظرةٍ يملأُها القلق. فحاول سايمون أن يقف أكثر استقامةً ما استطاع.
(أنا في نهاية الأمر مرافقُ فارسٍ…) فكر سايمون بتوتّر، (يجب ألا أجلب العار في أول معركةٍ أُرافق فيها ابنَ عمي.)
لم ينظر إنريكي إلى ابنِ عمّه مجددًا، بل رفع رأسه بتعبيرٍ حازم، وأدار فرسه متطلّعًا إلى الجموع الكثيفة من الفرسان والجنود أمامه.
"إنهم خارج البوابة مباشرة!"
قال بصوتٍ مرتفع: "أولئك الأتباع المخزيّون — الرودوليان، والنيدانيان، والكالونسيّان، وأهل الشمال، والشرقيّون البعيدون. وربّما أيضًا أعراقٌ أخرى ملعونةٌ من ألوانٍ وهيئاتٍ شتّى. منهم الكثير!"
"لكنّي لا أبالي!" اجتاحت عينا إنريكي الحازمتان كلَّ فردٍ في الصفوف، ثم سحب سيفه الطويل من سرجه وصاح بأقصى ما يملك من قوّة: "لأن بينهم قاسِمًا واحدًا! لن يعيشوا طويلًا!"
رفع معظم الفرسان والمحاربين أسلحتهم. بعضهم قرع سلاحه بدرعه، وبعضهم رفعه عاليًا في الهواء. وبين أصوات الحديد المتصادمة وبحر الرماح والسيوف، أطلق كلّ رجلٍ من رجال القادة صيحةَ غضبٍ غريزية:
"وووآه!!"
كان سايمون بينهم، يصرخ بكل ما في صدره من قوّة. وقد منحه ذلك ثقةً كبيرة في دخوله ساحة القتال لأول مرّة.
"لقد أثبت نصرُ أهل الشمال أن أولئك الوحوش — أولئك الكوارث — ليسوا لا يُقهَرون!" صاح إنريكي، "وما نواجهه الآن… ليس سوى بقايا جيشهم!"
قبض كثيرٌ منهم على أسلحتهم بإحكام.
"سنسحقهم إربًا!"
"وووآه!"
"افتحوا بوابات المدينة!" أمر إنريكي بصوتٍ جهوري.
أدار الجنود على الأسوار العجلاتِ الحديديّة، وبدأت بوّابات القصر ترتفع ببطء.
تقدّم إنريكي الفارس، قائدُ الطليعة، إلى المقدّمة. وسرعان ما تبعه سايمون حاملًا رمحه.
"بعد أن تُفتح البوابة، مهما رأيتم أمامكم، تذكّروا هذا." رفع القائد إنريكي سيفه الطويل ذا اللون الحديدي، ذلك الذي ورثه من قاعة الفرسان، وانتشر صوته القوي في آذان كلّ محاربٍ هناك. "نحن أبناءُ وبنات سورينلان، محاربو أرض الأشواك، وحُمَاة الأرض الجنوبيّة الغربيّة!"
"وووآه!"
"خيرٌ لنا أن ننزف من أجل الحريّة، من أن نخضعَ خوفًا! إن أشعّة الجمهوريّة المشرقة قد أضاءت أجساد أسلافنا، ولم تستطع حتى الإمبراطوريّة الجبّارة محوَها!"
"وووآه!"
"لا التنانين، ولا الجان، ولا الأورك، ولا الإمبراطوريّة الشيطانيّة يمكنها أن تُجبرنا على الركوع. إن أبناء الأشواك وُلدوا جميعًا ليتمرّدوا!"
"وووآه!"
"ستحمي أشعّةُ إيرول المشرقة مدينةَ بحيرة النجم إلى الأبد! أبناء الأشواك، إلى الأمام!"
"وووآه!"
ارتفعت البوّابة أخيرًا حتى بلغت أعلاها.
وقف سايمون بجانب ابنِ عمّه، ونظر إلى الدرع المعلّق على سرج فرسه — كان عليه نقشُ سيفٍ رفيعٍ ملفوفٍ بالأشواك.
(أنا من عائلة تور.) قبض على رمحه بإحكامٍ ونظر إلى الخارج من خلال البوّابة.
كان هناك جيشٌ متعطّش للدماء، لكنّه بدا مرهقًا وجريحًا بوضوح، كما أنه كان أصغرَ عددًا من جيشهم.
"أهؤلاء هم أنصار تلك الكوارث وأتباعهم؟"
هزّ سايمون رأسه وطرد الأفكار المشتّتة من ذهنه.
(لقد حمت عائلتُنا مدينةَ بحيرة النجم لأجيال. أنا ابنُ الأشواك. لن أستسلم أبدًا.)
أنزل إنريكي سيفه الطويل، ثم أخذ الرمح من يد سايمون الذي كان يقبض عليه بقوّة.
"ابقَ قريبًا من التشكيل يا سايمون." بدا على إنريكي التردّد، وصارع نفسه لبرهةٍ قبل أن يعبس ويقول بصوتٍ منخفض: "إن لم تَسرِ المعركةُ على ما يُرام…"
اتّسعت عينا سايمون بدهشة.
"ثَمّة ممرٌّ سرّي تحت البوّابة الجنوبيّة للمدينة، في المجرى إلى اليسار." أنهى ابنُ عمّه جملته الأخيرة.
(ممرٌّ سرّي؟)
وقبل أن يتمكّن سايمون من استيعاب كلامه، رفع إنريكي الفارس رمحه، وانطلقت قوّته الخارقة في ذراعه، ودفع جواده إلى الأمام.
(ما الذي قصده ابنُ عمي؟)
استلّ سايمون سيفه من خصره، وجسده كله يرتجف بلا تحكّم، بينما خرج من البوّابة مع الكتيبة. رأى كيف انتظم الجيش في تشكيلٍ قتاليٍّ في وقتٍ وجيز؛ الفرسان في المقدّمة، والمشاة على الجانبين، والرماة في المؤخّرة.
رأى ابنَ عمّه يزأر غاضبًا، ويركل جواده فينطلق بأقصى سرعته، والفرسان من حوله يتبعونه بشجاعةٍ لا تعرف التردّد.
رأى قائد المشاة يسلّ سيفه الطويل، ويرفع درعه إشارةً للتقدّم.
رأى الرماة يُطلقون وابلين من السهام، فيسقط مطرٌ من الحديد على رؤوس الأعداء، وردّ الأعداء بالمثل. رفع درعه بكل ما يملك من قوّة، شعر بالاهتزاز يدوّي فيه، وسقط كثيرٌ من زملائه في صفوف المشاة تحت ذلك المطر المميت من السهام.
ثم رأى الفرسان يزأرون بصوتٍ واحد، ممسكين برماحهم أفقيًا، منقضّين صفًّا واحدًا نحو العدو. ظهرت قوى خارقة شتّى على الفرسان، ورأى القوّة التي تُدرَّس في قاعة الفرسان تتجلّى أيضًا في يد ابن عمّه. لوّح إنريكي برمحه، وأمسكه أفقيًا موجّهًا إياه نحو العدو. رأى نفسه يرفع سيفه الطويل عاليًا، ويزأر غاضبًا بينما يتقدّم مع صفوف المشاة.
ثم… رأى أن أمام ابنِ عمّه مباشرةً… ظهرت فجأةً شابة.
رفع ابنُ عمّه رمحه وطعنها بلا أدنى تردّد.
…..
استفاق سايمون كورليوني فجأةً من أفكاره. عاد صفاءُ ذهنه.
عادت أفكارُ الماركيز من عشيرة الدم إلى الحاضر بعد أن كان غارقًا في ذكريات مرافق فارسٍ عاش قبل أكثر من ستمئة عام، إلى الواقع — إلى غابة أشجار البتولا التي لا توجد إلا في الإقليم الشمالي من الكوكبة.
حدّق أمامه بخوف. لقد كانت تلك الفتاة نفسها.
اندلعت المعركة فجأةً بلا إنذار.
"اهجموا." ارتفع صوت كاترينا بالأمر ببرودٍ قاتل.
"موتوا!"
ظهر محاربان من عشيرة الدم من جيش الدم المقدّس، أحدهما أمام الفتاة الغريبة والآخر خلفها، بينما اندفع ثالثٌ من السماء مهاجمًا من الأعلى!
رفعت الفتاة رأسها برفق وابتسمت. مدّ سايمون يده نحو ملكة الليل الجليلة كاترينا وصاح بذعرٍ، "لا!"
وبجانبه، كان الصبيّ الصغير تاليس، الذي لم يتجاوز السابعة أو الثامنة من عمره، يتذمّر موجّهًا كلامه لمن بجانبه.
"لماذا بدأوا القتال فجأةً هكذا؟"
وبينما كان يتحدّث، كان المحاربون الثلاثة من جيش الدم المقدّس قد مدّوا مخالبهم — تلك التي تضاهي في صلابتها أسلحةً فولاذيّة — دون رحمة.
عقدت كاترينا حاجبيها بشدّة وهي تحدّق في الفتاة، بينما ظلّت مبتسمة، غير آبهةٍ بالخطر الذي يحدق بها، ولم تُبدِ أيّ مقاومة.
وفي اللحظة التالية، انكمشت حدقاتُ جميع من شاهد المعركة، بمن فيهم كاترينا وتاليس.
(ما الذي يحدث؟)
تمزيق!
غرز مقاتلُ الدم الذي في المقدّمة مخالبه في صدر الفتاة واقتلع قلبًا متفجّرًا بالدماء.
شّق!
شقّ مقاتلُ الدم الذي خلفها جسدَها نصفين من الخصر، ولم تُبدِ أيّ ردّة فعل.
تمزيق!
أما المحارب الثالث، فقبض على رأسها وأداره بعنف، فاقتلع رأسها من عنقها الهزيل وهي لا تزال على قيد الحياة، وسحب جزءًا من عمودها الفقري معه. تدفّق الدم من شرايينها كنافورةٍ هائجة.
تحت ذلك الهجوم الوحشيّ الدمويّ، تحطّم جسدُ الفتاة في لحظةٍ إلى ثلاثة أجزاء، وتناثرت الدماء في كلّ اتجاه.
كتم تاليس غثيانه بصعوبة، وعقد حاجبيه قليلًا. رأى أن سيرينا ما تزال تحمل على وجهها نظرةَ يأس، بينما وقف بجانبها كريس كورليوني عابسًا بوجهٍ شديد التوتّر.
في رمشة عين، كان المحاربون الثلاثة من عشيرة الدم قد قضَوا على خصمهم. كان الأمر سهلًا على نحوٍ غريب، حتى إنّهم تبادلوا النظرات في حيرة. ومع ذلك، عادوا بخشوعٍ إلى جانب الملكة، ورفعوا إليها رأس الفتاة باحترام.
نظرت كاترينا إلى رأس الفتاة المبتسمة، وإلى تلك الابتسامة التي لم تختفِ حتى بعد موتها، فأطلقت هديرًا منخفضًا.
(بهذه البساطة؟! هذا سهلٌ أكثر من اللازم… أهذا هو دعمُ سيرينا؟)
أمّا سيرينا نفسها، المحاصَرة بين الأعداء، فقد كانت تحدّق بعينين شاردتين وتضحك ضحكةً غريبة.
شعر الجميع بجوٍّ مريبٍ يسود المكان.
في تلك اللحظة، فتحت آيدا عينيها فجأةً وصاحت. "هناك خطبٌ ما!"
التفت جميعُ المتشكّكين منذ البداية نحو جثمان الفتاة الملقى على الأرض. لكنّ الجثّة المقطوعة إلى قسمين والرأس المبتور لم تتحرّك قيد أنملة.
وفي اللحظة التالية، انقلب المشهد رأسًا على عقب.
"آآآه!" ارتفعت فجأةً صرخاتٌ حادّةٌ مؤلمة!
كان الصارخون هم المحاربين الثلاثة من عشيرة الدم الذين شاركوا في قتل الفتاة!
كان الثلاثة يضعون أيديهم على صدورهم وبطونهم وهم ينحنون من شدّة الألم. وسقط أحدهم أرضًا متلوّيًا.
"جلالتك!" صرخ وهو يخدش صدره وبطنه، وملامحه إلتوت كما لو أنه يتعذّب بأبشع أنواع العذاب في العالم.
راقبت كاترينا المشهد في ذهولٍ وغضبٍ عارم، غير مصدّقة ما تراه من حال رجالها.
(هل كان ذلك سُمًّا؟)
رفع تاليس رأسه، فرأى الاضطراب يتدفّق إلى عينيه، ثم فتح فمه من الدهشة.
انفجر من أجساد المقاتلين الثلاثة ضوءٌ دمويّ أكثر سطوعًا من أيّ شيءٍ آخر في المكان!
كانت كاترينا على وشك الاقتراب لتفقّد أحوالهم، لكن قبل أن تتمكّن من التحرّك، ظهر بجانبها ظلٌّ خاطف أسرع من الضوء نفسه، وسحبها بعيدًا في لمح البصر.
قبل أن تدرك ما يجري، كان سايمون قد ظهر بهيئته الحقيقية، ممسكًا بها بقوّة وهو يجرّها إلى الوراء قائلاً بانفعال: "لا يا جلالتك! يجب أن ننسحب فورًا!"
"آه، آه، آه، آه — لا—"
"حارٌّ جدًّا—"
"شيءٌ ما—شيءٌ ما هناك!"
تعالت صرخاتُ المحاربين الثلاثة من عشيرة الدم، وازدادت فظاعةً حتى غدت كأنها صراخ من الجحيم. ظهر بجانبهم اثنان من رفاقهم القلقين، يتفحصانهم بترقّبٍ شديد.
ومن خلال الرؤية الغريبة التي منحته إياها تلك التموجات العجيبة، كان تاليس يراقب المشهد مذهولًا.
"أيًّا يكن هذا الفعل الغريب، أظن أننا يجب أن نغادر أوّلًا—" لم يُكمل جملته—
بوووم!
دوّى انفجارٌ هائل كالرعد وشقَّ عنان السماء. أطبق تاليس عينيه غريزيًا وسدَّ أذنيه.
حدّق الجميع بعيونٍ متسعة وأفواهٍ فاغرة وهم يرون المحاربين الثلاثة من جيش الدم المقدّس ينفجرون كالبالونات الممزقة!
تناثرت أطرافهم المبتورة وأشلاؤهم إلى عددٍ لا يُحصى، وتطايرت آلاف القطرات القرمزية في كل اتجاه.
أما الرفيقان القريبان فقد أصابهما الانفجار، فسقطا أرضًا بلا قوّة، وبعد أن ارتجفت أجسادهما لحظاتٍ قليلة، شرعا يصرخان أيضًا بأصواتٍ بائسةٍ تؤلم القلب.
"اللعنة!" صرخت كاترينا بغضبٍ وهي تدفع سايمون بعيدًا عنها. لكنّ ما حدث بعدها كان أغرب بكثير.
فالدماء والأشلاء المبعثرة على الأرض بدأت تتحرّك كأنها كائنات حيّة! راحت تتجمّع من كل صوبٍ نحو نقطةٍ واحدة.
تدفّقت الدماء المنتشرة على الأرض في سعادةٍ مجنونة، متماسكةً حتى كوّنت كرةً دمويةً قانية!
عقد تاليس حاجبيه باشمئزاز، (أقسم أني لم أرَ مشهدًا مقززًا كهذا في حياتي كلها…)
رأى يدًا مقطوعةً تعود لواحدٍ من مقاتلي الدم تزحف على الأرض مستخدمةً أصابعها، تتقدّم نحو تلك الكرة الدموية، ثم قفزت أصابعها الخمس دفعةً واحدة لتغوص داخلها!
ولم تكن اليد وحدها التي تتحرك بنفسها؛ بل الأرجل تتدحرج، والشفاه تتفتح وتنغلق متقدّمةً نحو تلك الكرة، والكبد ينبض ويتمدد، والأعضاء الداخلية تتلوّى حيةً، والعيون تتدحرج، والدماغ يتكور متثاقلًا، فيما الزوائد العصبية تزحف كالأفاعي!
كلها، كعبيدٍ يُستدعون إلى سيّدهم، كانت تتّحد بفرحٍ وحماسٍ في تلك الكرة القرمزية!
بوووم!
كما انفجر أيضًا اثنان من رجال عشيرة الدم الذين كانوا يصرخون بشكل بائس أثناء استلقائهم على الأرض إلى شظايا أطراف دموية تتناثر في جميع الاتجاهات.
كما أن دمائهم وأطرافهم المقطوعة "عادت إلى الحياة" في غمضة عين وتجمعت في تلك الكرة الضخمة التي توسعت إلى ارتفاع شخص!
حدّقت كاترينا بالمشهد المريع أمامها، وقد جاوزَ إدراكها حدود الفهم.
تبادل اعضاء عشيرة الدم النظرات بقلقٍ وفزع، بينما ظلّ سايمون يحدّق في الكرة متجمّدًا، مسترجعًا في ذهنه أفظع الذكريات التي طُبعت في ذاكرته إلى الأبد.
"أيتها الحقيرة المقزّزة! ماذا فعلتِ؟!" صرخت الملكة بغضبٍ عارم موجّهةً كلامها إلى سيرينا.
لكنّ سيرينا ضحكت بخفوتٍ، "طالما نموت جميعًا هنا… فسنُحرَّر من لعنته!"
أطلق كريس من جانبها تنهيدةً ثقيلة.
غطّى تاليس فمه بيده وهو يقاوم رغبةً عارمة في التقيّؤ.
"ما هذا بحقّ الجحيم؟" أشار تاليس إلى الكرة الدموية والأشلاء التي ترقص حولها بمرحٍ مجنون، متمتمًا بذهولٍ لا يصدّق ما يراه.
"لا أدري…" تمتمت آيدا وقد جمدت ملامحها رعبًا. "لكنّي… لا أريد أن أموت بهذه الطريقة…"
بينما بدا الرعب جليًا على وجه رالف، وقد أشار بيديه مذعورًا، «مرعب!»
في تلك اللحظة، توقّفت الكرة عن التمدد، وبدأت تنكمش ببطءٍ غريب. ثم امتدّت يدٌ بشريةٌ من داخلها!
لقد كان إنسانًا.
جميع من في المكان شهِدوا بأعينٍ مدهوشةٍ الفتاة الغريبة نفسها تخرج من تلك الكرة، عاريةً، يتقاطر من شعرها وجسدها الدم الأحمر القاني. أغمضت عينيها، وابتسمت قائلةً: "ألم أقل لكم… سيكون مؤلمًا؟"
عضّت كاترينا على أسنانها بشدّة وصاحت بغضبٍ، "ما الذي تكونينَه بحقّ السماء؟!"
رفعت الفتاة رأسها، ومسحت الدم عن عينيها كاشفةً عن بشرتها ونظرتها، ثم نظرت إلى كاترينا مبتسمة، "ألستِ أنتِ الملكة؟ ما الأمر؟ ألم يُخبروكِ حين تُوّجتِ؟"
بدت الحيرة على وجه كاترينا.
"آه… يبدو أنكِ لم ترثي العرش بالطريقة المعتادة." ابتسمت الفتاة ابتسامةً لطيفة، ثم هزّت رأسها وقد تحوّلت ملامحها إلى الغرابة. "أو لعلّ تلك الـعاهرة (الشوكة الدموية)… قد تخلّت عنكم بالفعل؟"
توسّعت عينا كاترينا صدمةً ورعبًا.
(الشوكة الدموية… هذا الاسم مرةً أخرى… وهذه الفتاة… لعلّها ليست ما أظنه…) قبض تاليس على أسنانه محاولًا تجاهل ما يحدث وهو يعقد العزم على الهرب.
تقدّمت الفتاة خطوةً واحدة، فتوتر الجميع وتراجعوا غريزيًا إلى الخلف.
لكنّ شخصًا واحدًا فقط سار نحوها ببطءٍ يائسٍ تحت أنظارهم جميعًا — كانت سيرينا. خلفها، بدا على كريس التردّد والحسرة.
"وفقًا للوعد… لقد جلبتُ لكِ التابوت الأسود لليل المظلم…"
راقب تاليس، مندهشًا ومتحيرًا، بينما خفضت سيرينا رأسها بوجه شاحب وركعت ترتجف.
"صوفي الدم الموقر."
ساد الصمت المكان.
فتح تاليس فاهه مذهولًا ووضع يده على وجهه. (جينكس.)
استدار نحو رالف: "هل تلك… رئيستك السابقة؟"
لكنّ وجه رالف كان شاحبًا كالموت، وقد أشار بيديه بعنف «لم أرَها قط!»
أشار تاليس مجيبًا بامتعاض، "حسنًا، إذًا اهرب بسرعة!"
شدّ رالف الأطراف الفولاذية في ساقيه، وحمل تاليس بثباتٍ دون أن يفقد رباطة جأشه.
"حقًا." ابتسمت صوفية الدم ابتسامةً صغيرةً فاتنة. "وعدٌ تحقّق بعد مئتي عامٍ من التأخّر."
قالت سيرينا بأسى عميق، "أعتذرُ بصدقٍ يا سيدتي… حين تصرّفتُ…"
لكنّ الصوفيّة لم تُعرها اهتمامًا، بل نظرت إلى التابوت الأسود البعيد مبتسمةً. "كيف أفتحه؟"
تغيّر وجه كاترينا، غير أنّ سيرينا لم تلتفت إليها. أغلقت عينيها وقالت بصوتٍ خافتٍ يائس، "بمفتاحِ الحاكم… وبدمائي."
"حسنًا جدًا." أعادت الصوفيّة بابتسامةٍ وادعة. "بدمكِ إذًا."
مدّت يدها بلطفٍ ولمست وجه سيرينا، لكنّ الألم ارتسم فجأةً على ملامح الأخيرة.
وفي تلك اللحظة، اندفع شخصٌ غير متوقّعٍ نحوها دون تردّدٍ وهو يزمجر!
"آه!" تحوّل كريس كورليوني إلى هيئته الحقيقية، نافخًا جناحيه الهيكليين بغضبٍ عارم.
تمزيق!
قطع يد صوفية الدم بضربةٍ واحدة! ثم، وتحت نظراتها المذهولة، استدار وجذب سيرينا اليائسة وقذفها بعيدًا لمسافةٍ جاوزت العشرة أمتار!
(ما هذا…؟) صُدمت سيرينا وهي تطالع كبير خدمها العجوز من الهواء.
"كريس…" همست.
"يا سموّك!" صاح كريس كورليوني وهو يقطع يد الصوفيّة الأخرى بمخالبه زاجرًا. "لا يمكنكِ الاستسلام! ما السبب الذي جعلكِ تسلكين هذا الطريق أصلًا؟!"
ارتجف جسد سيرينا، وعضّت على أسنانها بقوةٍ وهي تسقط أرضًا بقعقعةٍ هائلة. لكنّ يد الصوفيّة المبتورة التصقت بجسد كريس، فصرخ من الألم: "آآآه—!"
جثا على ركبتيه فجأةً مغمض العينين، وجناحاه الهيكليان يرتجفان بلا انقطاع، كأنما يُعذّب بعذابٍ لا يُحتمل.
ثم بدأ الدخانُ الدمويّ يتصاعد من جسده بأسره!
"أرأيت؟ دمك يغلي." قالت الصوفيّة التي فقدت ذراعيها بابتسامةٍ باردة. "وحياتك… تشتعل."
شّق!
في اللحظة التالية، اندفع سايمون كورليوني نحوها بسرعةٍ لا تُرى بالعين، والجرأة تتفجّر في عينيه، فمدّ يده وسلّ سيفه القاطع، وقطع رأس الفتاة الدموية الحيّة، فطار الرأس بعيدًا في الهواء!
ثم التفت، "يا لك من عجوزٍ مخيّبٍ للآمال." عضَّ على أسنانه، كاظمًا الرعب الذي يشتعل في صدره.
استرخى كريس حينها، شاحب الوجه، يلهث بأنفاسٍ متقطعة.
"ههه…" ابتسم بمرارةٍ وقال: "لم أتوقّع أنّك ستكون من يُنقذني… يا سايمون."
"اخرس، أيها العجوز." كان في نظرات سايمون مزيجٌ من الخوف والكراهية وهو يبتعد عن جثمان صوفية الدم المقطوع الرأس، مندفعًا نحو كريس. "من بينكم أنتم الثلاثة، أنت أكثر من أكرهه."
قالت كاترينا في الوقت ذاته، "خَمسة يتولّون الحراسة الخلفيّة لتغطية انسحابنا!"، ثمّ ارتفعت في الهواء صارخة بالأمر بجنون.
"أما الباقون، فاحملوا التابوت الأسود وانسحبوا فورًا!"
لم يتردّد جيش الدم المقدّس لحظةً واحدة، فاندفع اثنان من بين السبع المتبقّين من محاربي عشيرة الدم نحو التابوت الأسود، أحدهما أمامه والآخر خلفه، ثم رفعاه معًا.
لكن في اللحظة التالية، نبت رأسٌ جديد من صدر الجثمان الدامي للفتاة الغريبة بطريقة شاذّة! لم ينبُت من العنق، بل شقَّ صدرها وخرج من بين نهديها.
(ما هذا المخلوق؟) تبادل كريس وسايمون النظرات في ذهول.
"لن يفرَّ أحدٌ منكم، مفهوم؟" قال الرأس الذي في صدرها بابتسامةٍ مرِحة وسط نظراتهما المذعورة. "إن علِمَ أولئك بذلك، فسأقع في ورطة كبيرة. لن يفرَّ أحد منكم، أليس كذلك؟"
مدّت صوفية الدم يدها الوحيدة الباقية بخفّة، وقال الرأس بصوتٍ عالٍ: "كلّ دماء هذا العالم… ملكي أنا."
وفي اللحظة التالية، دوّى هديرٌ مرعب من أعماق الأرض.
ررررومبل…
تبادَلَ كريس وسايمون النظرات بدهشةٍ وحيرة.
(ما هذا؟)
…..
كان رالف يحمل تاليس، وبصحبتهما آيدا، فتسلّل الثلاثة بحذرٍ لأكثر من عشرين خطوة.
ثم—
بووم- دوونغ!
سقط جسدٌ من السماء محدثًا دويًا هائلًا على الأرض المغطاة بالثلج أمامهم مباشرةً.
تبدّل وجه تاليس بأسى، وحدّق بقلقٍ في سيرينا التي هوت من السماء، ثم تنفّس بعمقٍ، "أهي أنتِ مجددًا؟"
سندت سيرينا جسدها بيدٍ على شجرة البتولا ونهضت بصعوبة، ثم رمقَتهم بنظرةٍ حادّة.
(هل تعمّد كريس أن يرميني هنا؟ هل لا يزال يظن أن لدى هذا الفتى حلًّا ما؟)
أشرقت عيناها فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا. (الآن فهمت… لهذا أراد كريس أن أرافقهم في الهروب.)
"فلنعقد صفقة—خذني معك،" قالت ببرود، "ولن أمنعك من الرحيل."
تجمّد تاليس في مكانه، ثم تدفّق الغضب إلى صدره. (تلك الساحرة الشمطاء!)
لكن ضحكة صوفية الدم تردّدت في الأرجاء بخفوت. "لن يفرَّ أحدٌ منكم، أليس كذلك؟"
اهتزّت الأرض من تحتهم.
وفي اللحظة التالية، زأرت آيدا بغضبٍ عارم ودَفعت رالف وتاليس بعيدًا، فأطاحت بهما مع سيرينا التي طارت بدورها مذهولة.
كلانغ!
استدارت الجنية، ولوّحت بسيفها القاطع لتفصل جزءًا من جذرٍ ضخم خرج من الأرض!
"اذهب به أولًا!" صرخت آيدا وهي تدور مجددًا لتقطع جذرًا آخر يحاول مطاردة تاليس.
لكن جذورًا أخرى—واحدًا، اثنين، ثلاثة—انفجرت من الأرض بصوتٍ مدوٍّ، وانقضّت عليها من كل اتجاه!
زأرت الجنية بشراسةٍ، وسيفها يلمع وهي تصدّ الضربات القادمة من كل صوب.
أما رالف وسيرينا فكانا يتسلّقان أشجار البتولا العالية بأقصى جهدهما.
(اللعنة…) حدّق تاليس في الجذور مذهولًا. (أيُّ قوّةٍ هذه؟)
ومن طرف عينه لمح سيرينا إلى جانبه.
"أنتِ من جرّ علينا هذه الفوضى النتنة!" صاح وهو يتشبّث بعنق رالف، "لماذا عليّ أنا أن أنظّفها؟!"
لكن سيرينا لم تستطع الرد، لأن أشجار البتولا نفسها قد "دبّت فيها الحياة"!
بووم!
تحرّكت الأشجار بوعيٍ غريب، وأحدها لوّح بغصنٍ ضخم فصدمهم بعنف، وأعادهم إلى طريقهم السابق!
تغيّر وجه رالف، ولم يجد سبيلًا للمراوغة، فاستجمع كل ما لديه من قوّةٍ واستدعى رياحًا عاتية صدّ بها الغصن.
بووم!
خلفه، أكثر من عشرة أغصانٍ أخرى اندفعت نحوهما كالسياط!
تغيّر وجه رالف مجددًا، وهذه المرّة استجمع كل ما تبقّى من قوّته كتابع للرياح الشبحية، وألقى بتاليس نحو الأرض الخالية خارج الغابة!
بووم!
وفي اللحظة التالية، انهالَت عليه الأغصان من كل الجهات، فهَوى نحو الأرض الثلجية حيث كانت آيدا تقاتل.
(لا…)
اقتربت الأرض البيضاء بسرعةٍ من عيني تاليس، فما كان منه إلا أن أغمضهما بإحكام…
حتى أحاطت به ذراعٌ وضمّته إلى صدرها.
دوونغ!
كانت سيرينا قد تلقّته بذراعٍ واحدة، فسقطت معه على الأرض المتجمّدة وتدحرجت مرتين. وهي تلهث، رفعت تاليس ممسكة به، فحدّقا ببعضهما وتبادلا شخير الامتعاض.
"أنقذتُ حياتك للتوّ، لذا بالطبع يمكنني استعادتها… من أجل حياتك…" قالت سيرينا بصرامةٍ لاهثة، "خُذني معك بسرعة. أنا متأكدة أنّ لديك حيلةً ما. كما قال مورَات، علاقاتك بالصوفيين مشبوهة—"
"هراء!"
كان مزاج تاليس في أسوأ حالاته، فأمسك بعنقها في هيئةٍ مضطربة دون أن يخطر بباله لينُ صدرها. وقاطعها بشتائم غليظة، "أنتِ من علاقاتك مشبوهة بالصوفيين! عائلتكِ كلّها وصوفيوكم…"
لكن فجأةً وجدا أنفسهما أمام مجموعةٍ من الوجوه المألوفة.
"أيتها القبيحة الجريئة، أتجرئين على العودة؟!" صاحت كاترينا بغضبٍ عارم وقد استعادت هيئتها البشرية، وهبطت على الأرض بعنف. "وأنت أيها الفتى… أتتوق إلى الموت؟"
خلفها، ظهر محاربان من عشيرة الدم يحملان التابوت الأسود بسرعةٍ خاطفة.
"وأنا لا أرغب بذلك أيضًا." تمتم تاليس بأسنانه، "وكلّ الفضل يعود إلى أختكِ الكبرى!"
بووم!
وفي اللحظة التالية، خرجت بضعة جذورٍ من باطن الأرض!
"احذروا!" صرخ تاليس في فزع.
طارت كاترينا مبتعدةً بسرعةٍ خاطفة، وهي تشاهد بعينين خاويتين وغضبٍ طافحٍ المحاربَين اللذين كانا يحملان التابوت، وقد التفّت حولهما الجذور بإحكام.
"آآآآآه!"
عوى المحاربان بصوتٍ مزلزلٍ للأرض، وسرعان ما تحوّلت صرخاتهما إلى أنينٍ بائسٍ مؤلم.
تقلّبت سيرينا وتاليس في الهواء وهما يهربان، وراقبا المشهد المروّع. جذور الأشجار أفرزت خيوطًا دقيقةً اخترقت جِلد المحاربَين، وبدأ جسديهما يجفّان ويتقلّصان حتى اكتسبا لون الجذور نفسها، ثمّ اندمجا معها وغاصا في الأرض.
قطّب تاليس حاجبيه وصاح، "أمتأكدةٌ أنها صوفية الدم وليست صوفية الشجر؟!"
(على عكس قوّة آسدا، صوفي الهواء الذي رأيته من قبل، لا أفهم إطلاقًا ما هي طبيعة قوى صوفية الدم.)
(دماء، بعثُ نفسها، أشلاءُ موتى… والآن الأشجار أيضًا. يا للهول، ماذا بعد؟)
تنفّس تاليس بعمقٍ ثقيل، وشعر بصدقٍ أنّه بالمقارنة مع تلك الصوفية…
فآسدا كان حقًّا رجلًا صالحًا.
(فبالمقارنة مع هذا الموت، أن أُشكَّل في كرة لحمٍ بشريّة يبدو معاملة كبار الشخصيات!)
قفزت سيرينا وهي تحمل تاليس لتعتلي التابوت الأسود، متجنّبةً جذرين ضخمين انقضا نحوهما.
"لا أعلم!" قالت من بين أسنانها وهي تلهث، "لستُ نبيّة!"
بدت الجذور وكأنها تخشى التابوت الأسود، فلم تجرؤ على الاقتراب منه، بل أخذت تدور من حوله، مترصّدةً فريستها بصبرٍ وذكاء.
كاترينا أيضًا قفزت فوق التابوت الأسود.
وحين التقت نظرات الأختين، تدفّق في قلبيهما في آنٍ واحد مزيجٌ من الكراهية والاشمئزاز، فزأرتا بصوتٍ واحد.
"يا مُنتَحِبة!"
"يا قبيحة الوجه!"
…..
اندفع خمسة من محاربي عشيرة الدم في ومضةٍ خاطفة.
أما صوفية الدم ذات الشكل الغريب فأطلقت سلسلةً طويلة من الضحكات المتقطعة.
رفعت يدها المبتورة.
وقبل أن يتمكّن المحاربون الخمسة من الاقتراب منها، ارتجفت أجسادهم بأكملها، ثم أخذوا يتلوّون وسقطوا جميعًا على الأرض بجانب الصوفية، يتأوّهون من الألم.
"يا وحش!"
اندفع كريس إلى الأمام وهو يزأر بغضبٍ عارم. سال دمه الحمضيّ شديد التآكل، فأذاب نصف جسد صوفية الدم في طرفة عين!
"آه، أتستخدم الدمّ للقتال ضدّي؟"
ابتسمت الصوفية، فاهتزّ الدم الحمضي الذي يملأ الهواء، ثم تماوج حتى عاد كلّه إلى داخل جسدها.
تجمّد كريس في مكانه من الدهشة والذهول، وهو يرى الصوفية تمتصّ دمه. (كأنّها تناولت لتوّها عقاقير من أنقى أنواع السموم وأغلاها). فتحت فمها بتنهيدة إعجابٍ مبالغٍ فيها، ثم بكلّ بساطةٍ انتزعت رأسها الذي نما في موضعٍ خاطئ—
وأعادته إلى عنقها.
"وحش؟ لا تقل ذلك…" ضحكت. "ألستم أنتم أيضًا تتحولون إلى وحوشٍ شيئًا فشيئًا…؟"
انقضّ سايمون في لمح البصر نحو ظهر الصوفية، وكان على وشك الهجوم حين رأى ما أمامه فتجمّد من الرعب.
المحاربون الخمسة من عشيرة الدم الذين كانوا راكعين ومتألمين فجأةً بدأوا يصرخون بصوتٍ يخلع القلوب.
كان أحدهم يحدّق في ذعرٍ حين انفجرت سحابة من ضباب الدم من صدره، لتخرج من تلك الفتحة يدٌ حمراء دموية أخذت تتلوّى بلا توقّف! وكان لون تلك اليد كأنّه لونُ طفلٍ وُلد للتوّ.
"آه—لا!" كان ذلك المحارب أصلبهم عزيمة، لكنه الآن، وهو يرى الذراع الغريبة ترتعش فوق صدره، أطلق صرخةً متقطّعة يكاد يبكي معها: "أنقذوني!"
فُتح فجأةً على ظهر تلك اليد عينٌ غريبة، ثمّ كما لو أنّها اكتسبت وعيًا، قبضت على رأس المحارب، وانتزعته منه وهو حيّ!
تمزّق!
تناثر الدم في كلّ مكان.
تجمّد كريس وسايمون يحدّقان في المشهد مذهولين، بينما لقي الأربعة الآخرون المصير ذاته.
نبت مجسّ غريب من عين أحدهم فغرس نفسه في صدره واقتلع قلبه، ونما الشعر فجأةً من رأس آخر بسرعةٍ هائلة واخترق جسده ليُمزّق عموده الفقري إلى عشرات القطع.
أما أحدهم، فقد نبت على كتفه رأسٌ آخر مطابقٌ تمامًا لرأسه، وابتسم له ابتسامةً ساخرة. ظلّ الرأس المزدوج يبتسم حتى قطع المحارب رأسه بنفسه، ثم مات في لحظةٍ مبهمةٍ بلا سببٍ مفهوم.
لكنّ الأكثر رعبًا كان مصير الأخير، إذ نبت فمَان ممتلئان بالأنياب من كفّيه، وانقضا عليه ليأكلاه حيًّا.
"آه، آه! ما هذا؟!"
"لا! لا! أتركني!"
"يا وحش! مت! مت!"
"توقّف! لا! آآه—!"
بوووم!
لم يحتمل سايمون النظر أكثر، فهاجم بعزمٍ قاطعٍ ومزّق جسد صوفية الدم إلى نصفين مجددًا! ثم التفت لينهي عذاب المحارب الذي كان يُؤكَل بيديه.
لكنّ سايمون لم يخرج سالمًا تمامًا.
إذ بدأ مخلبه الحادّ، الذي تمزّق بفعل الصوفية، يرتعش بلا توقف. وأخذ يتضخّم شيئًا فشيئًا—
تمزيق!
قطّب سايمون حاجبيه وقطع ذراعه دون تردّد!
قال كريس متنهّدًا وهو ينهض مترنّحًا، "ظننتُ أنّك كنت خائفًا من الهجوم." ثم تابع، "أنت تعرف ما هي، أليس كذلك؟"
رمق سايمون يده المبتورة وهي تتحرّك على الأرض، ثم نظر إلى جسده المرتجف. (أتعرف ما هي؟ أكثر من ذلك بكثير.)
تراءى أمامه وجه ابن عمّه في لحظاته الأخيرة.
قبض على مخالبه المتبقية بقوة، وأغمض عينيه وقال وهو يصك أسنانه: "نعم، أنا خائف، لكن هنالك كراهية أيضًا."
(ابن عمّي… وكلّ مدينة بحيرة النجم… لقد كانت على يد مخلوقةٍ كهذه…)
ضحك كريس بمرارة، وبسط جناحيه الهيكليان وهو يحدّق بالكرة الدموية التي عادت لترتفع مجددًا.
"يبدو أنّ قوّتي لا تؤثّر عليها إطلاقًا."
"هراء، لا يمكن قتلها أصلًا…" زمّ سايمون شفتيه وهو يلهث مرتين، يشحذ مخالبه الحادّة. "إن كنت خائفًا، فالأفضل أن تهرب سريعًا وتتركها لي."
أصدر كريس شخيرًا باردًا. "أتعني أن أتركك لها أنت؟"
التقت نظراتهما، ثم انفجرا ضاحكين معًا فجأة.
قال سايمون بصوتٍ خافت: "لقد اشتقتُ حقًا لتلك الأيام القديمة." وشعر أنّ ارتجافه وقلقه بدأ يتلاشى.
قال كريس بهدوءٍ وهو يُبعد من قلبه تلك الظلال الثقيلة التي كانت تلوح له في الماضي: "كنتم ثلاثة فقط."
شدّ سايمون قبضته وقال: "كم من الوقت نظنّ أننا قادرون على كسبه؟"
"ثلاثُ دقائق؟" كان حاجبا كريس معقودَين بشدة، وهو يراقب صوفية الدم القرمزية تخرج مجددًا من تلك الكرة المتكوّنة من الدم المتجمّع.
"بلا طموحٍ على الإطلاق." هزّ سايمون رأسه بازدراء، وعيناه تتابعان العذراء القرمزية بصرامة. "يجب أن تكون… على الأقل خمسَ دقائق."
كانت العذراء الدموية تتقدّم نحوهما بخطواتٍ بطيئة. "لم أحرّك عضلاتي منذ زمنٍ طويل،" ضحكت بخفّة وهي تتابع، "ولا حيواناتي الأليفة كذلك."
تجمّدت تعابير وجهي السَيّافين الدمويين في مكانها.
رعـد!
اهتزّ المكان بأكمله بصوتٍ هائل.
وبين نظراتهما المذعورة، خرج من تحت الأرض المغطاة بالثلج مخلوقٌ يشبه أخطبوطًا ضخمًا قرمزيّ اللون، تسلّق حتى ارتفع في الهواء، وكان بعلوّ عدة رجالٍ، وقد تكوّن جسده من عددٍ لا يُحصى من الأطراف المبتورة.
مدّ أحد مجسّاته الهائلة ورفع صوفية الدم نحو الأعلى.
"روووع!" أطلق المخلوق ذو المجسّات القرمزية صرخةً مدوّية، ثم امتدّ من جسده مجسّان آخران ضخمان هاجما عضوي عشيرة الدم من الفئة الفائقة.
قال سايمون بوجهٍ شاحب: "هل هذا هو ذلك الشيء؟"
"آه، يبدو أنّه هو." تنفّس كريس تنهيدةً عميقة واستعدّ لتفادي الهجوم باكرًا—فهو لم يمتلك سرعة سايمون. "بحسب الأسطورة، خصمُ رايكارو في معركة الإبادة… الهيدرا كيليكا…"
خفقت الأجنحة الهيكلية للمحاربين بقوةٍ وهما يحاولان تفادي المجسّات الهائلة.
قال كريس ببطءٍ، "لم أتوقّع فقط… أنّه سيكون… حيوان صوفية الدم الأليف."
لكنّ كريس وسايمون اللذين كانا في الهواء تجمّدا فجأةً في مكانهما، وخفقت أجنحتهما الهيكلية إلى الخلف، ثم اندفعا نحو الهيدرا بدلًا من الابتعاد عنها!
"اللعنة!" حدّق كريس في أجنحته التي خفقت رغم إرادته، ثم نظر برعبٍ إلى المجسّ المتضخّم أمام عينيه.
انقسمت المجسّات الضخمة إلى عشراتٍ من المجسّات الأصغر، التي التفت فجأةً بقوةٍ هائلة حول رجلي عشيرة الدم الفائقين وأحكمت وثاقهما.
…..
بوووم!
كان تاليس يحدّق مذهولًا في ذلك الأخطبوط الهائل ذي اللون الدموي الذي خرج من باطن الأرض. ولحسن الحظ أنّه لم يتأمل المنظر عن قرب، وإلا لأوشك أن يتقيّأ من رؤية الأطراف المبتورة التي تتلوّى داخله.
لكنّ الأختين ذواتي الشعر الفضي لم تفعلا سوى التحديق في بعضهما بشراسة.
"كلّ هذا الخراب بسببكِ!" انطلقت كاترينا بمخالبها الحادّة، وبريقٌ قاتل يلمع في عينيها.
"بسببي؟ لا." رغم أنّ سيرينا كانت مصابة بجروحٍ خطيرة، أظهرت مخالبها المتبقية دون أن تتراجع. "أنا نفسي مصيبتك، أليس كذلك؟"
"تبيعين عائلتنا لصوفية؟! أحمقاءٌ أنتِ؟!" كشّرت كاترينا عن أنيابها الحادّة.
انخفض جسد سيرينا وهي تستعدّ لهجومٍ مباغت. "آه، على الأقل لن أقع في أيديكم أيها الأغبياء—"
"توقّفا!"
نظر تاليس إلى الجذور الضخمة التي كانت تتحرّك حولهم بعنفٍ وهو واقفٌ بين الأختين، ثم رفع بصره نحو الأخطبوط الدموي العملاق البعيد، ووضع يده على صدره الصغير المرتجف وقال بيأس، "استراحة! بعد أن ننجو من هذا الكابوس، يمكنكما أن تجدا مكانًا هادئًا وتمزّقا بعضكما إربًا، ولن يشتكي أحد، حسنًا؟!"
زفرت الأختان ببرودٍ وأدارتا وجهيهما في اتجاهين متعاكسين.
بوووم!
لكنّ وجهيهما تغيّرا فورًا حين رأتا أنّ كلا عضوي عشيرة الدم الفائقين كانا قد أُمسكا كلٌّ منهما بمِجسٍّ ضخم.
قالت سيرينا ببرودٍ وهي تلتفت نحوه، "سنضطرّ للاعتماد على حيلك الآن، أيها الصغير، فبعد كلّ شيء، لك علاقةٌ مشبوهةٌ بالصوفيين…"
صرخ تاليس غاضبًا: "انظري من يتّهم الآخر! أنتِ من عقد صفقةً مع الصوفية، وأخذتِ التابوت و…"
لكنّ فكرةً لمعت في ذهنه فجأة. التفت نحو التابوت الأسود تحت قدميه، ناظرًا إلى الجذور التي كانت تتلوّى بلا انقطاع، لكنها لم تجرؤ على الاقتراب.
"هيه." مدّ تاليس يديه الاثنتين ونقر الأختين الواقفتين إلى جانبيه.
"سمعتُ أنّ… هذا التابوت المحطّم هو عتاد اسطوري مضادٌ للصوفيين؟"
استعاد تاليس ذكرى السيف القصير الرمادي الذي يحمله يودل، وما حدث حين اخترق صدر آسدا. ثم التفت نحو الأختين. "حسب كلامكما، إنّه احد الاسلحة الفريدة القادرة على مواجهة الصوفيين…"
حدّقت كاترينا في سيرينا المقابلة لها، وهزّت رأسها ببرود، "لا فائدة… وظيفة التابوت الاسود لليل المظلم الوحيدة هي حبسهم."
تجمّد تاليس لحظةً، ثم حكّ رأسه وسأل: "حبسهم؟ أليس ذلك كافيًا؟ تلك المخلوقة المقززة…"
"أحمق، ما قصدَته هو أنّ التابوت الأسود قد حبس صوفيًّا واحدًا بالفعل." تحت نظرات تاليس الحائرة، رمقت سيرينا كاترينا باشمئزاز.
ثم قالت موجّهةً حديثها إليه، "إن أردنا أن نحجز صوفية الدم… فعلينا أولًا أن نُطلِق سراح من هو محبوسٌ بداخله."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬