▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل الخامس والتسعون: سِحر ذلك الدرع
…
شعر كريس، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، بمخالب الهيدرا كيليكا العديدة التي تجاهل دمه الآكل وهي تلتفّ حول جسده بإحكام، بل وتندمج معه أثناء ذوبانها. وفي الوقت نفسه، حدّق بسايمون الواقف قبالته متنهّدًا.
"كيف عجزت عن تفادي ذلك رغم سرعتك؟!"
"لا أدري." كان سايمون يختلج بعنف، لكن أطرافه لم تُطع أوامره. "شعرت وكأنني فقدت السيطرة على جسدي كلّه… كأنني سلّمت نفسي تمامًا…"
حملت المجسّات الاثنين نحو سيّدتها. ودوّى صوت صوفية الدم وهي تتنهّد.
"أشكركما على توقّفكما عن التقلّب والركض… يمكنني أخيرًا تناول وجبة طيبة مجددًا."
ارتجف كريس وسايمون بدهشة خافتة.
"تعلمان،" ابتسمت صوفية الدم وهي تتكلّم، "منذ أن أصابتني تلك المدفعية اللعينة من الأقزام، وأنا أشعر بضعفٍ ما."
تحت أنظار كريس وسايمون المذعورة، أنهت الصوفيّة حديثها بنعومة مريبة.
"أحتاج إلى بعض التعويض."
وفي اللحظة التالية، مدّت الصوفيّة يديها ومسحت على وجهيهما بابتسامة هادئة.
…
"قطعًا لا!" بدا وجه كاترينا متجهّمًا. "هذا التابوت الأسود سُمّي تيمّنًا بلقب تجسيد الليل المظلم. ما الذي يجعلك تظنّ أن مجرمًا سجنه تجسيد سيكون أكثر أمانًا من صوفية الدم؟"
ردّت سيرينا بسخرية حادّة.
"طبعًا، تحويل أكثر من عشرة قطعٍ لزجة تتحرك هنا وهناك، يبدو خيارًا آمنًا جدًا."
خفض تاليس رأسه مفكرًا في موازنة المنافع والمخاطر. لكن فجأةً، انبعث صوت من خلفه.
"إذن، من الذي يكذب حقًا في هذه المسألة؟" جاء الصوت ناعمًا.
ارتعد الثلاثة معًا واستداروا فورًا.
كانت صوفية الدم واقفةً فوق إحدى مجسّاتها المصنوعة من أطرافٍ مكسورةٍ ودماء، تحدّق إليهم بابتسامة متّزنة.
حاول تاليس جاهدًا ألا ينظر إلى تلك الأطراف المرتعشة والأحشاء المقزّزة، لكنه شعر على الفور بجسدي الأختين إلى جواره يتحركان!
"هيه!" لم يتمكّن تاليس إلا من لفظ كلمةٍ واحدة وهو يراهم يبتعدون.
لكن ما أثار دهشته أنّ كاترينا وسيرينا بدأتا بالارتجاف في الوقت نفسه، وقد فقدتا السيطرة على جسديهما، وقفزتا عن التابوت الأسود وسارتا نحو المجسّ السفلي تحت قدمي الصوفيّة.
"ما الذي يحدث؟! ماذا فعلتِ بي؟!"
كانت كاترينا ترتجف وهي تخطو خطوة تلو أخرى نحو الهاوية الدموية التي صنعتها المجسّات، الغضب والرعب يتنازعان وجهها. "أين سايمون؟"
"يا للغباء، أليس هذا واضحًا بما يكفي؟"
كانت سيرينا بدورها ترتجف وهي تتحرّك، وقد شدّ المجسّ جسدها، فقبضت على أسنانها وقالت بصوتٍ متقطّع:
"إنها تتحكّم بأجسادنا!"
ضحكت صوفية الدم بخفّة وهي تُغلف الأختين داخل مجسّها المكوّن من الأطراف المهشّمة.
"لقد استعَدتُ بعض قوتي فحسب… لم أستخدمها منذ زمن طويل، لذا لا أزال غير متمكنةٍ تمامًا منها. لا تقلقا، سأحتاج إلى دمائكما لاحقًا…"
ثم استدارت الفتاة نحو تاليس.
شعر الأمير الثاني بقشعريرة تسري في جلده، لكنه واجه نظرات الصوفيّة بثبات.
(دقّ قلبه بعنفٍ مجددًا.)
(هذا الموقف… حدث من قبل… في غرفة الشطرنج بسوق الشارع الأحمر.)
تحرّك المجسّ، بينما اقترب وجه الصوفيّة الملطّخ بالدماء من وجهه ببطء.
"أنت."
كانت الفتاة تتأمّله بعناية.
تنفّست صوفية الدم بعمق.
"الدم الذي يجري في عروقك يحمل إحساسًا مألوفًا لا يُوصف."
(الدم؟)
اهتزّ جسد تاليس في تلك اللحظة.
(صحيح. لا يزال لديّ حركتي الأخيرة.)
تنحنح قليلًا.
"رغم أنني لا أذكر الكثير، لكن من أجل هذا الدم، لن أدعك تتعذّب." قالت الفتاة الحمراء وهي تمدّ راحة يدها نحوه مبتسمة.
"انتظري لحظة!" صاح تاليس.
"أمم… آنسة… صوفيّة الدماء؟"
"أنا…" أغمض تاليس عينيه مترددًا للحظة قبل أن يتكلم بصعوبة:
"أنا أيضًا صوفيّ."
تجمّد تعبير الصوفيّة لبرهة.
فتح تاليس عينيه ببطء ونطق بالحقيقة التي أرّقته أكثر من أي شيء.
"نحن من النوع نفسه."
ظلت الصوفيّة ساكنة وهي تهمس بكلمة واحدة.
"كاذب."
وضعت كفّها على وجهه.
"انتظري!"
"أنا… أنا أعرف آسدا ساكيرن، صوفيّ الهواء!" قال تاليس بسرعة وهو يشعر بحرارة الدم على وجهه.
"بحسب قوله، أنا صوفيّ جديد وُلد بعد معركة الإبادة!"
داعبت الصوفيّة وجهه بكفّها المضرّجة بالدماء.
"آسدا؟ صوفيّ مولود حديثًا؟"
"يا لك من ذكيّ، اخترت ذلك الأحمق المختوم ليشهد لك."
"أنا أقول الحقيقة!" صرخ تاليس وهو يرفع يده، وقد كاد الخوف يقتلع روحه من جسده.
"بإمكاني إثبات ذلك! من خلال حالة (الخروج عن السيطرة) تلك!"
ابتسمت الفتاة الحمراء، لكن نبرتها تغيّرت.
"(خروج عن السيطرة؟)" قالت بهدوء.
"وكيف فقدت السيطرة؟"
تجمّد تاليس في مكانه. (ما زلت أجهل الكثير عن الطاقة الصوفية.)
حاول استرجاع ما حدث في تلك الليلة بسوق الشارع الأحمر.
"آسدا حاول قتلي، لكن قوتي ظهرت وقطعته… حدث انفجار… قال إن الطاقة الصوفية وحدها تعترض طريق الأخرى…" عقد حاجبيه.
"قال أيضًا إنني أول من يظهر منذ ألف عام… وإنه سيقودني…"
"إن كنتِ تريدين الدليل—"
لكنه لم يُكمل.
"كفى." رمقته الفتاة بصرامة.
"إذن الأمر حقيقي. أنت صوفيّ."
اتّسعت عينا تاليس.
(بهذه السهولة… صدّقتني؟)
(أليس ذلك أسرع مما ينبغي؟)
لكن الفتاة تنبّهت لحيرته.
"دمك وقوة حياتك يخبرانني… أنك لا تكذب."
(دم؟ قوة حياة؟)
تذكّر تاليس سيطرة آسدا على الهواء، وتملّكه الفضول.
"أأنتِ حقًا… تصدقينني؟" سأل مترددًا.
لكن الفتاة تجاهلته.
"إذن، أنت شخص يملك قابلية أن يصبح صوفيًا… أول من يظهر منذ ألف عام؟"
تنفّس تاليس الصعداء.
(يبدو أن حياتي أُنقذت مجددًا.)
"هكذا قال آسدا، كما أنه قال—"
قاطعته الفتاة فجأة.
"إذن، آسدا هو من عثر عليك."
لم يجد تاليس سوى أن يغلق فمه ويهزّ رأسه.
رمقته الصوفيّة بنظرة حذرة وسألت.
"أيّ الفصائل ستختار؟ المتطرفون، الغامضون، أم المعتدلون، أم الإمبراطورة السحرية؟"
"هاه؟" اتّسعت ملامح تاليس حيرةً.
قطّبت الفتاة حاجبيها.
"أما أخبرك آسدا بتاريخ الصوفيين؟ حروبهم الأهلية الثلاث ومعاهداتهم الثلاث الكبرى؟"
هزّ تاليس رأسه، إذ لم يكن يدري شيئًا عن ذلك، وغمره الارتباك أكثر فأكثر.
"الحروب الأهلية للصوفيين؟ أليسوا خالدين؟ لِمَ يخوضون حربًا فيما بينهم؟"
حدّقت الفتاة المراهقة فيه بجمود.
"أولم يشرح لك أيضًا قاعدة (الوفيات الثلاث والتحريم الواحد) بين الصوفيين؟"
اتّسعت عينا تاليس مجددًا وهزّ رأسه نفيًا.
ازداد عبوس الفتاة حمرةً وغضبًا.
"هل أخبرك آسدا عن الفرق بين (المادة) و(المفهوم) والعلاقة بين (الفوضى) و(النقاء)؟"
تنفّس تاليس بعمق وهزّ رأسه باستسلام.
"إذن، في أي مرحلة أنت من المراحل الأربع للصوفيين؟ لا بد أنك تعرف هذا على الأقل، أليس كذلك؟"
أخفض تاليس رأسه خجلًا وهزّ رأسه ثانية.
حدّقت به الصوفيّة بشدة، وكأنها تريد أن تقتلع قطعة من وجهه.
شعر تاليس بالضغط يزداد كل ثانية.
"إذن، أيّ معرفة من برج السحر ورثتها؟" نطقت بعد ثوانٍ بكلماتٍ كان قد قرأها في الكتب من قبل، لكنه لم يفهم معناها قطّ.
"برج الكيمياء؟ برج الأرواح؟ أم برج الزهد؟ أم لعلك وريثٌ مستقلّ تائهٌ في العالم الخارجي؟"
(ما… ما هذا بحق الجحيم؟)
ارتجف وجه تاليس، وقد شُلّ إحساسه من كثرة المصطلحات التي انهالت عليه.
هزّ الأمير الثاني رأسه بجمودٍ شديد.
حدّقت به الفتاة بعدم تصديق.
"إذن، أنت لا تعرف حتى العلاقة بين الطاقة الصوفية والسحر؟ ولا الفرق بين الصوفيين والسحرة والساحرات؟ انتظر، أتعرف ما هم السحرة أصلًا؟"
حدّق بها تاليس بعينين بريئتين خاليتين من الفهم.
"أنت لا تعرف شيئًا… كيف أصبحت إذًا (الصوفيّ المولود حديثًا) الذي تحدّث عنه آسدا؟" تنهدت الصوفيّة بعمق.
خفض تاليس رأسه وبسط يديه بتبريرٍ خافت.
(لا معلم… لا تعليم… ليس ذنبي.)
"أنت لا تختلف عن إنسانٍ عاديّ الآن." قالت الصوفيّة بصوتٍ خافت.
لم يعرف تاليس ما يجيب به.
ساد الصمت للحظة.
ثم ضحكت صوفية الدم فجأة وقالت،
"هل أنت السبب الذي جعل ذلك الأحمق، آسدا، يذهب إلى العاصمة؟"
حكّ تاليس رأسه.
"في الواقع، لا أظن ذلك. لقد كان لقاؤنا مصادفة."
(لكن في الحقيقة، أنا السبب في أنه خُتم…)
(لكن بالطبع، لا يمكنني أن أدعكِ تعرفين ذلك.)
قالت الفتاة فجأة بنبرةٍ رخيمة:
"غيزا."
تجمّد ذهن تاليس لوهلة قبل أن يرفع رأسه.
"ماذا؟"
رفعت الصوفيّة عينيها وقالت:
"غيزا ستريلمان، هذا اسمي. إن كنتَ أيضًا صوفيًا، أو حتى مرشّحًا لتصبح صوفيًا، فلك الحقّ أن تعرف اسمي."
سادت بينهما لحظة صمتٍ ثقيلة.
(جيد جدًا… زال عداؤها.)
شعر تاليس بالهدوء يعود إليه.
(والآن، الخطوة التالية…)
"أمم، آنسة غيزا…" قال بحذر، "لديّ بعض الأصدقاء الذين—"
"لماذا؟" قطعت حديثه قبل أن تبتسم وتسأله.
"هاه؟" بدت الحيرة على وجه تاليس.
نظرت إليه غيزا نظرةً عميقة.
"إن كنت مصمّمًا على أن تصبح صوفيًا، فلماذا ما زلت تختلط بالبشر والجان وأبناء عشيرة الدم؟"
(اللعنة، ومن قال إنني أريد أن أصبح صوفيًا؟
صوفيّ منبوذ أينما وُجد؟)
لكنّه بالطبع لم يجرؤ أن يقولها.
حكّ رأسه مجددًا وقال بتردّد.
"حسنًا… في النهاية، لقد وُلدت بينهم…"
"آه." هزّت غيزا رأسها وضحكت بخفوت.
"لا تستطيع أن تنفصل عن ماضيك، أليس كذلك؟"
لكن قبل أن يتمكّن تاليس من التفكير بكيفية الردّ، حدث ما لم يتوقعه.
في اللحظة التالية، ضغطت صوفية الدم، غيزا، كفّها على وجهه مجددًا!
"آه!" صرخ تاليس بدهشة، "أنتِ…"
"لا تقلق، سأكون سريعة." قالت غيزا ببرودٍ يبعث الرعب.
"ستموت بهدوء، بلا حركة، بلا ألمٍ أو معاناة."
تقلّصت حدقتا تاليس فجأة حتى صارتا خطّين ضيّقين!
"انتظري!"
"لماذا؟!" صرخ بغضب.
"لماذا تريدين قتلي مجددًا؟!"
"ألَسنا من النوع نفسه؟!" صاح في ذهولٍ وغضب.
"هدفك هو إنقاذ الصوفيّ داخل هذا التابوت، أليس كذلك؟"
"إن كنتِ تريدين إنقاذه، فلماذا تقتلينني؟!"
نظرت غيزا إلى وجهه المشوّه بالغضب، ثم بدأت تمسح وجنته برفقٍ وابتسامةٍ وديعة تعلو محيّاها، قبل أن تُلقي نظرة نحو التابوت الأسود وهمست:
"ومن قال لك إنني جئتُ لأُنقذ الصوفيّ داخل هذا التابوت؟"
ارتعد جسد تاليس بالكامل!
(مستحيل… لم تأتِ لإنقاذه؟ إذًا لماذا فعلت كل هذا؟…)
انبثقت فكرة مذهلة في ذهنه.
ارتجف وهو يسألها بعدم تصديق.
"هل هذا جزء من الحرب الأهلية بين الصوفيين التي ذكرتِها قبل قليل؟"
ابتسمت غيزا ابتسامةً باهتة دون أن تُجيب.
"أنتِ… نحن بالفعل ضد العالم بأسره، ووضعنا في غاية السوء!" حاول تاليس كبح الذعر في صدره وهو يرتّب كلماته.
"فلماذا ما زلتم تقتلون بعضكم البعض؟!"
"إن قتلتِني، سيقلّ دعمكِ في هذا العالم!"
"على الأقل، فكّري قليلًا بمستقبل الصوفيين!"
ضحكت غيزا. كانت ضحكتها هذه المرة أكثر سعادة من ذي قبل، لكنها حملت في طيّاتها ألمًا أعمق.
"مستقبل الصوفيين؟" أغمضت عينيها وهزّت رأسها ببطء.
"ربما ما زال آسدا وتيّار المعتدلين الذين ينتمي إليهم يظنون أن الصوفيين سيستعيدون مستقبلهم يومًا ما…"
لاحظ تاليس بدهشة أنّ اللون الدموي بدأ يتلاشى عن وجه غيزا، كاشفًا ملامحها الرقيقة الأصلية.
لكن لم يعد لديه القوّة ليتأملها.
"أما أنا… فقد تخلّيت عن ذلك منذ زمنٍ بعيد." ارتجفت غيزا وهي تضحك، وكانت ضحكتها أقرب إلى البكاء في سمع تاليس.
"من الأفضل… أن يقلّ أمثالنا في هذا العالم!"
(ماذا؟!)
"الألم الذي نحمله في أجسادنا… والألم الذي نُنزله على الآخرين… كلاهما كافٍ. فلماذا نحتاج إلى مبتدئٍ آخرٍ مثلَك ليتحمّل هذا العذاب؟"
(هذا…) ارتجفت عينا تاليس وهو يحدّق في غيزا، وقد غمر قلبه الذعر.
غطّت غيزا وجهه براحة يدها برفقٍ قاتل.
فاشتعل دمه كلّه، وكأنه يتمرّد داخل عروقه.
"لا تقلق، يا صغيري… ستموت بسلامٍ هنا." نظرت إليه غيزا بعطفٍ غريب وهي تمسّد شعره بخفّة.
"لن تصبح صوفيًا أبدًا… ولن أسمح لك بأن تحمل… ألم الكارثة.
هذا من أجل مصلحتك…"
وفي تلك اللحظة، جمع الأمير الثاني كل الغضب والمرارة اللذين حملهما في حياتيه معًا، وكان في أعماقه يصرخ بكامل روحه،
(اللعـــنة!)
طَخ!
…
سقط وايا على الأرض واهنًا، عاجزًا عن رفع سيفه مجددًا.
تمدّد بيوتراي بدوره على الأرض بلا حراك، يرمق إسترون بعجزٍ وهو يرفع وايا المشلول بسهولةٍ تامة.
(اللعنة.)
"أأنتَ تابعُ ذلك النذل الصغير؟ يعلم الملك كم أكرهه."
قهقه إسترون قهقهةً خبيثة، كاشفًا أنيابه باتجاه عنق وايا.
لكن ملامحه تبدّلت فجأة، وارتسمت عليه الجدية، ثم أطلق سراح وايا واختفى بغتةً!
طَنين! طَنين!
تلاقت مخالبٌ حادّة وشعاعُ سيفٍ في الهواء، وتناثرت الشرارات في كلّ اتجاه!
"من أنتِ؟!"
زمجر إسترون بغضبٍ وهو يتراجع ثلاث خطوات بعد أن تفادى الشعاع.
وقفت أمامه سيّافةٌ شابّة ذات شعرٍ أسود، تحدّق به ببرود، ملامحها شامخةٌ مهيبة تُلقي في النفس مهابةً لا تُخطئها العين.
كانت ترتدي قفّازين أسودين سميكين، وتقبض بيدها على سيفٍ متصالب الشكل نحيف النصل.
ضيّق إسترون عينيه.
(ذلك الأسلوب في الضربة، وذلك الزاوية… أهي أيضًا من أولئك الذين أتقنوا قوّة الإبادة؟)
دَقْدَقْ…
تناهى صوتُ عشراتِ الخيول المندفعة من وراء الأشجار!
"إنهم أمامنا مباشرةً!"
ارتفعت معنويات بيوتراي فجأة، إذ تعرّف على الصوت، كان صوت المخضرم "جينارد"!
تبدّل وجهُ إسترون.
(تعزيزات؟)
وبينما كان غارقًا في تفكيره، انقضَّ شعاعُ السيف نحوَه من جديد.
تحرّك إسترون بسرعةٍ خاطفة لا يُجاريها بشر، وتفادى الهجمة في لحظة.
كانت ضربةٌ بتلك السرعة أشبه بلعبةٍ طفولية بالنسبة له.
انحرف نحو جانب السيّافة!
(سأتخلّص منها، ثم…)
لكن لم تتح له فرصةُ التفكير أكثر.
فوجئ بإحساسٍ حادٍّ معدنيٍّ باردٍ يهجم عليه مباشرةً في وجهه!
تمزّق!
توقّف إسترون في مكانه.
خفض رأسه ونظر إلى صدره.
كانت السيّافة تمسك سيفها بالعكس، دون أن تلتفت وراءها، وقد غرست نصلها من تحت إبطها.
النصل اخترق قلبَ إسترون مباشرةً.
ارتجف إسترون وهو يمدّ يده نحو النصل.
"متى وجهتِ ضربتكِ؟" سأل بذهول.
"لم أفعل." قالت السيّافة ببرود، وسحبت السيف بيدها اليمنى المغلّفة بالقفّاز الأسود.
"أنتَ من أتيتَ إليه."
غطّى إسترون قلبه المثقوب، وسقط أرضًا بلا صوت.
كان وايا كاسو يصارع النهوض وهو يضغط أسنانه قائلاً: "تلك قوّة الإبادة التي تُجبر الخصم على الرقص وفقَ إيقاعها… موسيقى الحصان المجنّح!"
استدارت السيّافة وساعدته على النهوض.
رفع وايا رأسه بتعب، فرأى صقرًا أبيض الظهر ممسكًا بغصنٍ في منقاره مطرّزًا على قفّازيها الأسودين.
"الصقر الأبيض الظهر؟ أنتِ…" تلعثم بدهشة.
"أنتِ ميراندا آروند… البذرة من الدفعة السابقة في برج الإبادة!" صاح بصوتٍ عالٍ.
لكن ميراندا تجاهلته، وضغطت عليه ببرود ليجلس تحت الشجرة.
خرج أكثر من عشرة فرسانٍ من خلف الأشجار، يحملون راية النجمتين المتصالبتين وراية الضوء النجمي الغريب، ثم ترجّلوا أمام ميراندا ووايا.
"سيدي!" اقترب جينارد من بيوتراي بقلق.
"اذهب وابحث عن الأمير!" نهض بيوتراي بصعوبة بمساعدة جينارد. "الأمير تاليس، إنّه—"
"لا تقلق." قطعت ميراندا كلامه ببرود.
"السيدة ساسيري ستتولى الأمر."
تجمّد وايا في مكانه حين سمع الاسم!
(السيدة ساسيري؟)
رفع نظره نحو ميراندا وقد اجتمعت في وجهه الدهشة والبِشرى. "أتقصدين أنّها جاءت بنفسها؟ صاحبة السمو… زهرة الحصن؟"
…
أكدت أحداث اليوم لتاليس قناعته بأن أفضل وصفٍ يمكن أن يُطلق على الصوفيين هو: "مجانين."
(إنهم حفنةٌ من المجانين!)
صرخ في أعماق قلبه.
لكن جسده لم يعد يطيعه، والدم يغلي في عروقه.
لم يكن أمامه سوى أن يُغمض عينيه ويستسلم لمصيره.
وفي تلك اللحظة—
"هاه؟" توقّفت غيزا عن الحركة، واستقامت تنظر خلفها.
هووووش!
دوّى صوت اندفاعٍ عنيفٍ قادمٍ من الجهة التي نظرت إليها!
تنفّس تاليس الصعداء وفتح عينيه رغمًا عنه.
انفجار!
انفجر مجسٌّ إلى جوار غيزا فجأة!
"آااه!"
ارتفع صراخٌ غاضبٌ في الهواء.
كانت محاربةٌ مضرّجة بالدماء ترتدي درعًا فولاذيًا، تمسك بسيفٍ ثنائيّ اليدين يبلغ نصف قامة الإنسان، تتقدّم بشجاعةٍ وسط الدماء المتطايرة.
تأجّج الغضب في عيني غيزا، فامتدّ منها مجسٌّ آخر ليهاجم المرأة.
تألّق بريقٌ فضيّ على نصْل السيف.
شقّ!
أدارت المحاربة سيفها في قوسٍ واسعٍ، فقطعت المجسّ الثاني إربًا.
تناثر الدم على درعها ووجهها، لكنها لم تُعره اهتمامًا، واستمرّت في هجومها بحماسٍ مشتعل!
اقتربت من غيزا.
قهقهت غيزا بازدراء، ورفعت يديها، فانطلقت من جسدها عشرات المجسّات الصغيرة نحو المحاربة.
"احذري!" صرخ تاليس بصوتٍ مرتجف. "إنها قادرةٌ على التجدد!"
ثمّ رأى مشهدًا لن ينساه ما دام حيًّا.
ألقت المحاربة بسيفها الثقيل دون تردّد، وبسرعة البرق سحبت من ظهرها درعًا رماديًا معدنيًّا على شكل معيّنٍ هندسيّ.
وما إن اقتربت مجسّات غيزا الصغيرة من الدرع حتى اسودّت، وذبلت، وتحوّلت إلى رمادٍ متناثر!
تغيّر وجه غيزا لأول مرة.
زأرت المحاربة وهي تمسك مقبض الدرع وتهوي به بقوّةٍ خارقة!
دمدمة!
سُحقت غيزا أرضًا!
ثمّ بحركةٍ رشيقة، أمسكت المحاربة بجانبي الدرع وضربت به غيزا ثانيةً، ساحقةً جسدها الغريب تحت وطأة المعدن.
تجمّد تاليس في مكانه من الدهشة.
(إنها…
كابتن أمريكا—لا… إنها كابتن الكوكبة!)
"أنا سونيا ساسيري." امتلأ وجه المحاربة بنار القتال.
"وقد جئتُكِ بهدية، صاحبة السمو."
اسودّ وجه الصوفية الدموية غيزا تحت الدرع، وكأنّ لحمها يُشوَى بنارٍ حارقة، فبدأت فقاعاتٌ تتكوّن على وجهها، قبل أن يتقشّر ويتحوّل رمادًا.
حدّقت غيزا في الدرع بعنادٍ وقالت بغلٍّ:
"لا! هذا…"
"بلى!" قالت سونيا بابتسامةٍ باسلة، وهي تضغط بكفّها اليسرى على الدرع. "اسمحي لي أن أقدّم لكِ… العتاد الأسطوري المضادّ للصوفيين."
رفعت سونيا يدها اليمنى، قبضتها تُغلّفها القوّة، وضحكت قائلةً:
"الدرعُ الأسمى!"
وما إن أنهت كلماتها، حتى هوَت بقبضتها على مركز الدرع الفضيّ أمام عيني غيزا المذعورتين.
طعنة!
صرخت غيزا صرخةً مروّعة، وانفجرت إلى عددٍ لا يُحصى من قطع اللحم وبرك الدماء، التي ما لبثت أن تبخّرت وتحولت رمادًا متطايرًا أمامهما.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬