سليل المملكة الفصل 93 — سليل المملكة 93

اقرأ سليل المملكة الفصل 93 — سليل المملكة 93 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 93: لا تفعل، سَيُؤلِمُكَ

…

عندما أفاق تاليس من سُكر الإرهاق وفقدان الدم، ومن غيبوبته، أدرك أنّه يتكئ على شجرةِ بتولا ضخمة.

كان رالف يحرسه عن كثب، وما إن رآه يفتح عينيه حتى تنفّس تابع الرياح الشبحية الصعداء.

تحسّس تاليس أثر النابين المغروزين في عنقه، واللذين التأما بطريقةٍ سحرية وتوقّفا عن النزيف، وتمتم بصوتٍ واهن: "كيف هي… الحال؟"

أجابه رالف بإشارةٍ مُتعَبة: «جيدةٌ جدًا.»

بمساعدة رالف، بذل تاليس جهدَه ليجلس. رفع بصره نحو الوحشين الهائلين المريعَين اللذين اغتسلا بضوء القمر غير بعيدٍ عنه. أحدهما كان أحمر، والآخر أبيض.

كانت سيرينا قد ضمّت جناحيها الهيكليان المنكسران بحزنٍ خلف ظهرها. يغمرها الدم والندوب، تستند إلى شجرةِ بتولا لتبقي جسدها المتهالك قائمًا، وتبصق فمًا من الدم، وأنفاسها تتلاحق في اضطراب.

هي التي امتلكت اليدَ العليا في لحظةٍ من المعركة، رفعت رأسها بصعوبة، وحدّقت بأختها الصغرى المتغطرسة الرشيقة أمامها. كانت كاترينا في هيئتها الحقيقية لا تحمل سوى خدوشٍ سطحية قليلة.

قالت ملكةُ الليل بصوتٍ بارد، وهي ترفع مخالبها البيضاء الحادّة:

"يبدو أنّ الفائزة قد حُسم أمرها بالفعل، أيتها قاتلة الأب… هل ستستسلمين؟ أم أُنهي أمركِ هنا فورًا؟"

تشبّثت سيرينا بجسدها الجريح، أطبقت أسنانها وأغمضت عينيها في شدّة.

في الجولة الثانية من هذا النزال المميت، كانت سيرينا قد استُنزفت حتى العظم، وكل أوراقها قد كُشفت. واجهت كاترينا التي استعادت عافيتها في طرفةِ عين، تزهو بالحياة، أقوى مما كانت عليه.

ذراعُها اليسرى اقتُلِعت من ظهرها اقتلاعًا، وساقُها اليمنى السفلية تحطّمت. وبسبب أثر دموع الليل الدامي التي أطلقتها كاترينا، لم تستطع حتى أن تحفظ توازنها لتقف على قدميها. أحد جناحيها الهيكليان تمزّق إلى ثلاث قطع، وجسدها مثخن بشقوقٍ متقاطعة، واثنان من مخالب يدها اليمنى المتبقية انكسرا. جرحٌ دمويّ بشع يمتدّ من وجهها المشوّه إلى صدرها.

قاومت سيرينا الدوارَ الذي خلّفته إصاباتها الثقيلة، وراقبت المشهد أمامها بعينٍ شاردة.

(أفشِلتُ؟)

(خطّطتُ لهذا حتى أنهكتُ فكري، استنزفتُ كلّ ذرةٍ من دهائي لأجل هذه الحيلة… استعرتُ قوة الكوكبة لأُطهّر جيش الدم المقدّس من معارضيه، ثم باغتتُ كاترينا بهجومٍ مضادّ بتلك القوة، لعلّي أتخلّص من معاونيها على الأقل وأجد مهربًا ألوذ فيه بنفسي حتى في أسوأ الأحوال.)

(لكن هذه الغايات…) رمقت سيرينا الصبيّ الواهن البعيد عنها بنظرةٍ يائسة. (من كان يظنّ أن أياً منها لن يتحقّق؟ لماذا يبدو طريقُ الحرية…) (عسيرًا إلى هذا الحد؟)

خفضت رأسها، وتنهدت تنهيدةً مُنهكة.

تلاشى البريق من عينيها، وبدأ جسدها يعجز عن الحفاظ على هيئته الحقيقية التي تستهلك طاقةً طائلة. ذبلت أنسجتها وتغيّر شكلها، وانكمش جسدها. من المرأة ذات الوجه البشع عادت سيرينا الساحرة الفاتنة كما كانت.

ضيّقت كاترينا عينيها وهي تخدش جذع شجرة بتولا بمخالبها، تاركةً أخاديدَ عميقة.

"حسنًا جدًا… إن كانت فيكِ فضيلةٌ واحدة باقية، يا أختي الكبرى، فهي معرفتكِ دائمًا متى يحين وقت الاستسلام حفاظًا على حياتكِ."

ضحكت سيرينا، العارية وقد عادت لهيئتها البشرية، ضحكةً باردةً وواهية، ونطقت بلهجةٍ مُتحدّية:

"بطبيعة الحال، فالأخت الكبرى… لا تكفّ يومًا عن الشفقة على أختها الصغرى."

في تلك اللحظة، ارتجفت آذان كلتيهما معًا.

هووووش!

من غابة البتولا القريبة انطلق صوتُ انقضاضٍ سريعٍ خاطف.

وفي اللحظة التالية، تجلّى أمام كاترينا خيالٌ مألوف—الخادم العجوز كريس كورليوني!

بوووم!

بعد اشتباكٍ خاطف مع كاترينا المذهولة، تراجع كريس إلى جوار سيرينا في طرفة عين. أخرج العباءة التي أعدّها مسبقًا، وألقاها على جسدها العاري ليسترها.

كانت ثيابه الفاخرة ممزقة؛ بعضُها تمزّق حين تحوّل إلى هيئته الحقيقية، وبعضها الآخر احترق في معركته العنيفة مع هيستاد.

قال بوجهٍ متجهّم بعد أن تفقّد المشهد بعينٍ واحدة:

"سموّكِ… أنصح بالانسحاب فورًا."

قطّب تاليس حاجبيه، وتذكّر كلمات غيلبرت حين وصف مصاص الدماء العجوز هذا.

بدت على ملكة الليل ملامحُ معقّدة.

قالت بصوتٍ مشوبٍ بالعتب والذكريات:

"كريس كورليوني… إنّ إنجازاتك الحربية كفيلة بأن تُمنح عليها لقب ماركيز. ما زلت أذكر دهشة أبي حين أعلنتَ رغبتك في خدمتنا كخادمٍ شخصي… والآن أرى أنه وثق في تابعه القديم أكثر مما ينبغي."

رفعت رأسها البيضاء في هيئتها الحقيقية الغريبة، وعبست قليلاً.

"أين هو هيستاد؟"

استدار كريس، وانحنى بخفّة نحو السيّدة الثانية لعائلته—السيدة الحقيقية لأسرة كورليوني—وقال باحترام:

"تحقّقَت أمنيته يا سموّكِ. مات هيستاد فخورًا وسعيدًا في القتال. رحل دون ندم، وتحرّر من ألم الخلود."

(ولم يترك وراءه إلا نحن، رفاقَ دربه القدامى، لنواصل عذابنا في هذا العالم الزائف…) تنهد كريس في قلبه.

وما إن سمعت كاترينا خبر مقتل تابعها، حتى زمجرت بغضبٍ جامح، وفتحت جناحيها الهيكليين من جديد.

وفي تلك اللحظة، صدر من بين الأشجار صوتٌ آخر.

هوووش! هوووش! هوووش!

توالت الظلال الواحدة تلو الأخرى—أكثر من عشرة أجسادٍ ظهرت خلف كاترينا دفعةً واحدة، كأن الزمن تخطّاها قفزًا. لقد وصل جنود جيش الدم المقدّس أخيرًا… وإن كان وصولهم متأخّرًا.

كان كريس، وهو يُسند سيرينا الشاحبة، يتأمل الموقف المتدهور بعينٍ قاتمةٍ متحفّزة.

"جلالتُكِ…" تمتم بصوتٍ مبحوح.

اثنا عشر مقاتلًا ومقاتلة من جيش الدم المقدّس ظلّوا واقفين، رغم ما يحملونه من جراحٍ متفاوتة. وجوههم صلبة، وإرادتهم لا تلين، وانحنوا باحترامٍ عميق أمام ملكة الليل.

كاترينا لم تُلقِ عليهم نظرةً واحدة، واكتفت بإيماءةٍ باردة، ثم قالت ببرودٍ يخلو من الانفعال:

"حاصِروا الخونة."

في تلك اللحظة، استعادت ملامحها الحقيقية—هيئة ملكة الليل المتغطرسة، المتفرّدة، الغامضة، التي حيكت عنها الأساطير بعد أن سارت حملاتها المهيبة في أرجاء شبه الجزيرة الشرقية طوال مئتي عام.

تفرّق المحاربون الاثنا عشر في لمح البصر، وطوّقوا سيرينا وكريس بإحكام.

ورغم أنهم لم يُلقوا نظرةً واحدة نحو تاليس ورالف، فإنّ تاليس أحسّ بانقباضٍ في صدره وهو يراهم.

(هذا هو جيش الدم المقدّس… بعد معركةٍ بهذه الضراوة، لم يخسروا إلا القليل.)

قال تاليس بصوتٍ متقطع الأنفاس، جادّ النبرة وهو يخاطب رالف:

"كن متأهبًا دائمًا، وتصرف حسب الموقف… كلتا الجهتين تحملان حقدًا عميقًا نحونا، فلا تُسقط حذرك."

أومأ رالف دون تردد.

ثم سرى القلق مجددًا في قلب تاليس وهو يفكر بالبقية.

(خسائر جيش الدم المقدّس قليلة جدًا… تُرى كيف حال بيوتراي، ووايا، وتشورا، وجنود عائلة جيدستار؟)

(همم… هل نسيت أحدًا؟ غريب… من عساه يكون الذي نسيت؟)

رفع يده بجهدٍ إلى رأسه ليحكّه بقلقٍ محاولًا تذكّر الاسم الغائب، لكنّه لم يحتجّ إلى تذكّر طويل.

"هاه! ها أنت ذا أيها الفتى!" دوّى صوتٌ مرح من خلفه!

زفر تاليس تنهيدةً حادة. آه، صحيح… هي.

ظهرت حارسته في هذه الرحلة، آيدا، وهي تجرّ بيدٍ واحدة سايمون كورليوني، الممزّقَ الجسدَ، الموشك على الموت، بلا قدرةٍ على المقاومة.

خطت من بين الشجيرات المثقلة بالثلج بخطواتٍ مثقلة كحمارٍ يجر طاحونة، وسرعان ما اجتذبت أنظار الجميع.

قالت، وقد علت في صوتها نغمةُ الدهشة الممتزجة بالابتهاج:

"لم أتوقع… أنك ما زلت حيًّا…"

رفع تاليس عينيه نحو السماء وهو يتنهّد في استسلامٍ ساخر، ثم التفت إليها مع رالف—لكنهما جَمُدا في أماكنهما.

"ما…؟"

كان وجه آيدا بديعًا، أنيق القسمات، بعينين فضّيتين لامعتين، وشَعرٍ متألّقٍ وعينين لامعتين وأذنين حادتين تهتزّان بخفة. رمَت سايمون أرضًا بلا اكتراث، وزفرت في ارتياحٍ وكأنها أزاحت عن كتفيها حملًا ثقيلًا، ثم استدارت وربّتت على كفّيها، ونطقت بخفّةٍ ساخرة وهي ترى ملامح الدهشة على وجه تاليس:

"ألستَ قد رأيتَ جنيةً من قبل؟ أم أنك لم ترَ من قبل جنيةً أنيقةً وسيمةً وبقدرٍ كهذا الجمال؟"

…..

قال وايا كاسو وهو يقطع بغضب غصنًا فوق رأسه، ضاغطًا بيده على ضلعه الأيسر الذي رُبط حديثًا، وناظرًا إلى غابة البتولا التي غمرها ظلام الليل حيث لا يُرى شيء:

"على الأرجح، بحواسهم تلك، من شمٍّ وسمعٍ، يكون أولئك من عشيرة الدم قد عثروا على سموّه… ونحن لا نزال نتخبّط كذبابٍ بلا رأس!"

أشعل بيوتراي مشعلًا، يراقب بعناية آثار الأقدام وعلامات العجلات على الثلج، وقال ببرودٍ معتاد:

"بدلًا من أن تُهدر طاقتك في التذمّر، ادّخر قوّتك… قد تحتاج سيفك قريبًا—إن كنت لا تزال قادرًا على رفعه أصلًا."

خلفه كان أحدُ جنودِ عائلة جيدستار، انفصل عن رفاقه أثناء الفوضى، يُسند تشورَا الذي كاد يفقد وعيه.

قال وايا، وهو يلمس موضع جرحه بأناملٍ مرتعشة:

"اللعنة… لقد فقدتُ سموّه في أول مهمة حراسةٍ لي! لا شك أني أسوأ مرافقٍ للأمير في تاريخ الكوكبة!"

ارتعشت يد بيوتراي التي تمسك بالمشعل للحظةٍ قصيرة.

"لا،" نطق نائب الدبلوماسيين، اللورد بيوتراي نيماين، ببطءٍ ووجوم، "لستَ الأسوأ."

التفت وايا نحوه في دهشةٍ صامتة.

كان في ملامح بيوتراي حزنٌ خافت، ووحشةٌ ثقيلة لم يُعهد مثلها في وجهه.

قال بصوتٍ خفيضٍ كأنّه يحفر في الذاكرة:

"ثق بي، لستَ الأسوأ. فقد كان هنالك ذات يوم مرافقٌ لأميرٍ… أسوأ منك بكثير. بل كان فشلًا تامًّا."

سأله وايا بدهشةٍ متعطشة:

"مَن؟ أيُّ مرافق؟"

أغمض بيوتراي عينيه بأسًى وهزّ رأسه دون جواب.

في تلك اللحظة تغيّر تعبير وايا فجأة، واستدار بكامل جسده!

في ومضةٍ واحدة، استلّ سيفه ذي الحدّ الواحد وضرب قطريًا خلفه!

تشنّف!

تراجع بيوتراي في اللحظة ذاتها وهو يضغط على كتفه اليمنى المجروحة، سقط أرضًا لاهثًا بعنف، وقد شقّت مخالبُ حادّة جلده، ولم تبقَ سوى بضع بوصاتٍ عن عنقه!

وفي الوقت نفسه، سقط تشورَا منهارًا على الأرض، والجنـدي من عائلة جيدستار جثا على ركبتيه مذهولًا، قابضًا على عنقه الذي انفتح بجرحٍ غائر، يتنفس آخر أنفاسه بصعوبةٍ ودمه يتدفّق على الثلج.

"اللعنة!"

تأجج الألم في جسد وايا حين تحرّك فجأة، فزمّ شفتيه وتحامل على نفسه، يسند كفَّه إلى الأرض لينهض، رافعًا بصره نحو خصمه الذي ظهر فجأة من بين الظلال.

"حسٌّ ممتاز، أيها الفتى."

كان المتحدث إسترون كورليوني، مصّاصُ الدماء الوسيم ذو الشعر الأشقر، من الفئة العليا.

تألّق في عينيه بريقٌ بارد، بينما يلعق بلسانه مخالبه الملطّخة بدمٍ طريّ.

خطا خطوةً للأمام، وقال بنبرةٍ قاسيةٍ متلذذة:

"ترى… ألن يكون الطعم أطيبَ إن أُخذَ من المصدر مباشرة؟"

…..

قال تاليس وهو يهزّ رأسه في استسلامٍ خافت، تاركًا الدهشة والأسئلة تتساقط من قلبه:

"لا… لم أرَ فحسب من قبل… جنيةً بهذه الدرجة من الوعي."

وفجأة تلقّى ضربةً على رأسه!

طَق!

تحت أنظار رالف المذهول، وضع تاليس يده على رأسه بعينين دامعتين، يرمق آيدا بنظرةٍ متحسّرة.

أيُّ نوعٍ من الحراس هذه؟!

صرخت آيدا بانزعاجٍ وهي تحدّق فيه بازدراءٍ لطيف:

"هاي، هاي، هاي! ما هذا التعبير؟ وما هذه الإجابة؟!"

وبينما يتطلّع تاليس إليها بعينين دامعتين، وتحدّق فيه عيون مصّاصي الدماء بعداءٍ متحفّز، زمّت آيدا شفتيها باستياء، وبدون أيّ إدراكٍ لما تثيره تصرّفاتها، ركلت سايمون كورليوني المغشيَّ عليه عند قدميها.

قالت متباهيةً وهي تشير إلى جسده:

"لقد خضتُ معاناةً لا تُحصى، وبذلتُ جهدي كلّه واستعملتُ كلّ حيلةٍ ممكنة لأقبض على هذا الخصم من الفئة الفائقة حيًّا… ثم جئتُ به إليكم كرهينةٍ ذكية تزيد من أوراقكم في التفاوض. القبض عليه حيًّا أصعب بأضعافٍ من قتله… وقد استغرق مني ذلك وقتًا طويلًا!"

(نعم، هذا صحيح… بالتأكيد ليس لأنني تهتُ في الأحراش.)

رفعت آيدا رأسها بفخر. "ثم هرعتُ إلى هنا على الفور، لأساعدك—لأنقذك!"

دحرج تاليس عينيه بيأس، ووضع يده على جبينه متنهّدًا. "شكرًا لأنكِ فقط—لا، لأنكِ هرعتِ إلى هنا الآن. لديّ سؤال واحد فقط. هل كنتِ ضابطة شرطة؟"

"آه؟ ماذا؟" تجمّدت آيدا التي كانت إلى جانبه.

"آه، كنتُ أقول…" أسند تاليس جسده الواهن وجلس مستقيمًا، ثم غيّر ملامحه وقال بجدّية: "لقد وصلتِ في الوقت المناسب! للإمساك بالعدو حيًّا، أحسنتِ صنعًا!"

ارتسمت على شفتي آيدا ابتسامة ماكرة.

التفتت كاترينا برأسها نحو سايمون المربط الملقى على الأرض، ثم صوبت نظرتها نحو تاليس. تريد استخدامه كورقة مساومة؟ يبدو أنك لا تزال لا تثق بنا.

ثبت تاليس نظره على ملكة الليل دون أن تتجهم ملامحه. (بطبيعة الحال، فأنتِ في النهاية شقيقة سيرينا الصغرى!)

"كفى." استدارت كاترينا بوجه متجمّد الملامح، وقد قررت حسم الأمر داخل عائلتها أولًا. صاحت: "سيرينا كورليوني، كريس كورليوني، استسلما! سأضمن لكما محاكمة عادلة وفق تقاليدنا!"

نظر كريس إلى محاربي عشيرة الدم الذين طوّقوهم، ثم إلى آيدا الواقفة على بُعد، وزفر بعمق.

استعد للتحوّل إلى هيئته الحقيقية وشنّ هجومٍ يائس، غير أن سيرينا مدّت يدها فجأة وأوقفته.

"أتظنّ أن هذه هي النهاية؟" قالت سيرينا بابتسامة باهتة وهي تحدّق بأختها الصغرى التي كانت الغلبة لها.

قطّبت كاترينا حاجبيها. في هذه المرحلة… أي ورقة ما تزال تملكها؟

استعاد تاليس فجأة كلمات سيرينا السابقة:

"الحرب ستجتاح المعارضين في جيش الدم المقدّس، وتمنحني مملكة ليل أكثر خضوعًا… والوارث الحقيقي لعائلة كورليوني سيبذل جهدًا مضاعفًا لإنقاذ الموقف في اللحظة الأخيرة…"

(انتظر. اللحظة الأخيرة… سيبذل جهدًا لإنقاذ الموقف؟)

تجمّد الدم في عروقه.

ليسوا سوى ثلاثة… فكيف لهم أن يُنقذوا الموقف حين يهاجمهم أسياد الكوكبة؟

قطّب تاليس حاجبيه. إذن، كانت كلماتها تعني أنها تملك دعمًا خارجيًا؟

وفي اللحظة التالية—

ارتسم على وجه سيرينا تعبيرٌ كئيب، ثم فتحت فاها وبصقت كرةً حمراء كالدم من حلقها إلى كفّيها. كانت كرة غريبة دائرية، تتحرّك بذاتها بلا انقطاع.

تغيّر وجه كريس فجأة بجانبها!

ارتسمت الحيرة على ملامح كاترينا، إذ لم تتعرّف إلى ذلك الشيء.

ارتجف قلب تاليس؛ تلك الذبذبة الغريبة اخترقت عينيه.

(تلك الكرة الدائرية… تبعث ضوءًا قرمزيًا. لماذا يبدو ملمس هذا الضوء… مألوفًا؟)

اهتز قلبه ثانية، فالتفت نحو التابوت الأسود البعيد.

(هل هو الضوء ذاته المنبعث من العتاد الاسطوري المضاد للصوفيين؟ أيمكن أن تكون تلك الكرة الحمراء أيضًا…؟)

"ما الأمر؟" سألت كاترينا بسخرية، "أتريدين القتال حتى آخر جندي؟"

لم تعرها سيرينا اهتمامًا، وقد شحب وجهها. وتحت أنظار الجميع، كما لو استسلمت لمصيرها، سحقت الكرة الحمراء المتلوّية في يدها.

تدفّق من الكرة المهشّمة سائلٌ أحمر كأنه دم.

بصوت مبحوح قالت سيرينا بأسى: "هذا لأنكم أجبرتموني على ذلك."

في البداية لم يحدث شيء، لكن بعد ثوانٍ معدودة دوّى صوت هائل من بعيد!

بووم!

كأن سيلًا جارفًا اندفع نحوهم!

سوش!

اقترب الصوت أكثر، آتٍ من جهة الشرق. تغيّرت ملامح الجميع.

"ماذا فعلتِ؟!" غامت ملامح كاترينا وهي تحدّق بسيرينا التي اكتسى وجهها بالكآبة.

قهقهت سيرينا بمرارة. "لقد اتخذتُ خياري الأخير، والأكثر ضرورة."

تعاظم الصوت المدوّي أكثر فأكثر، حتى صار قريبًا جدًا. استدار الجميع بحذر يتفحّصون أرجاء الغابة المحاطة بأشجار البتولا المغمورة بضوء القمر، فلم يجدوا شيئًا.

"أيها الصبي الذكي… ما هذا بحقّ السماء؟" سألت آيدا بفضول.

هزّ تاليس رأسه بصرامة، وقد خامره شعورٌ سيّئ.

بوووم!

كان الصوت أشبه بفيضانٍ عظيم يشقّ عنان السماء، يقترب شيئًا فشيئًا، حتى بدا أنه لا يفصلهم عنه سوى أقدام قليلة—وما زال يأتي من الشرق!

ومع ذلك، حتى مقاتلو عشيرة الدم، المعروفون بحِدّة سمعهم، تبادلوا النظرات بدهشة؛ واضحٌ أنهم لم يستطيعوا تمييز شيء.

وبعد لحظات، أخذ الصوت يخفت شيئًا فشيئًا، إلى أن تلاشى تمامًا.

تبادل الجميع النظرات في حيرة، لا أحد يدرك ما الذي حدث للتوّ.

وحده تاليس كان شاخصًا ببصره نحو الشرق، وفي عينيه تموّجات غريبة، إذ أبصر شيئًا هناك…

(خلف غابة البتولا… ضوءٌ ساطع… ساطع جدًا… ضوءٌ بلون الدم…)

تحت أنظار الجميع القَلِقة والمتوجسة، انبعث صوت حفيف من الجهة التي اختفى منها ذلك الضجيج الغريب — من غابة البتولا في الشرق.

خشخشة…

كأن أحدًا كان يسير فوق الثلج، بخطواتٍ خفيفة مترددة، كمن لم يألف المشي على الثلوج من قبل.

هل هو إنسان عادي؟ أحد العامة؟

قطّبت كاترينا حاجبيها، بينما ارتسمت على شفتي سيرينا ابتسامة متكسّرة.

وأخيرًا، ظهرت في مرأى الجميع هيئةٌ نحيلة وواهية.

وصاحبة تلك الخطوات… كانت فتاة. فتاةٌ تغمرها الابتسامات، خرجت ببطءٍ من خلف شجرة بتولا.

حالما رأتها سيرينا كورليوني الجريحة ارتجفت أطرافها بلا تحكّم، بينما اتسعت أعين الآخرين بدهشةٍ وذهولٍ متبادل.

شخصٌ واحد فقط؟ من تكون؟

جالت الفتاة بناظريها على المشهد وقالت بنبرةٍ رقيقة: "آه… إذًا هو هنا؟"

أما كاترينا، فقد ازداد عبوسها حِدّة. (من تكون؟ هل هي تعزيزات سيرينا؟ فتاة ضعيفة رقيقة؟ لا… عليّ أن أتوخّى الحذر. فهي من أوراق سيرينا الأخيرة.)

كانت كاترينا تُقدّر الموقف بسرعة، فيما ارتسمت على محيّا الفتاة ابتسامة آسرة—مشرقة، رقيقة، ودودة، تحمل مزيجًا غريبًا من البراءة والخطر.

غير أن تاليس أحسّ غريزيًّا بموجةٍ من الخطر غير المسبوق!

"هل يمكنني أن آخذ ذلك الصندوق؟ لقد كان وعدًا منذ زمن بعيد." قالت الفتاة بابتسامةٍ وادعة وهي تشير إلى شيءٍ على بُعد.

أدار تاليس رأسه، فشحب وجهه. كانت الفتاة تشير إلى التابوت الأسود لليل المظلم!

تغيّر وجه كاترينا إلى الصرامة، وتقدّمت خطوةً بحذر.

"أيًّا كنتِ،" قالت الملكة بثباتٍ جليّ، "أنصحكِ ألا تتدخلي في ما يجري هنا."

راقب محاربو جيش الدم المقدّس الفتاة المتهوّرة بوجوهٍ باردة، جامدة كالصخر.

وبإشارةٍ ذهنيةٍ من كاترينا، أومأ بعضهم برؤوسهم، واختفى خمسة من محاربي عشيرة الدم في لمح البصر ليُحاصروا الفتاة، متخذين مواقعهم أمامها بوجوهٍ جامدة النظرات.

"ماذا؟ أتنوون قول لا؟" بدا على الفتاة بعض الاستغراب. "لماذا يوجد أمثالكم كلّ مرة؟ هذا يُزعجني حقًا. لا تقولوا لا…"

ثم، تحت نظرات الحذر والريبة التي أحاطت بها، هزّت رأسها مبتسمة، كاشفةً عن أسنانٍ بيضاء نقية. "لا… سيكون مؤلمًا."

رمق تاليس المشهد الغريب بين تلك الفتاة المجهولة ومحاربي عشيرة الدم في حيرةٍ مطبقة.

(طريقة حديثها… هذا الأسلوب في الكلام وكأنها تُخاطب نفسها… لقد سمعته من قبل في مكانٍ ما…)

ثم دوّى في الجو صوتٌ مرتجف مشوبٌ بالذعر: "اهربوا…"

استدار الجميع نحو مصدر الصوت.

إنه سايمون كورليوني، النخبة من الفئة الفائقة، الذي استعاد وعيه لتوّه. جلس منتصبًا، محدّقًا بالفتاة بعينين متسعتين، وجهه غارق في رعبٍ لا يُكبح، كفأرٍ رأى قطًّا.

"اهربوا…"

"سايمون!" صاحت كاترينا بصرامة وقد نفد صبرها. "أنت تفقد رباطة جأشك!"

تبادل محاربو عشيرة الدم النظرات غير مصدّقين. لم يستوعبوا أن قائدهم الشجاع قد غمره الرعب بهذا الشكل. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ…

فالفارس المتمرّس، النخبة من الفئة الفائقة، ماركيز عشيرة كورليوني، أحد أجنحة ملك الليل الأربعة المهيبة، المعروف بلقب «جناح البرق» سايمون كورليوني، أخذ يزحف على الثلج كطفلٍ خائف، يرتجف ويهتزّ.

"لا… أنتم لا تعلمون، لا تفهمون… إنّها… إنّها…"

نظرت الفتاة إلى سايمون برفق، وابتسمت بتلك الابتسامة المشرقة ذاتها.

فارتعد سايمون في الحال. وتحت نظرات الدهشة التي صعقت الجميع، ارتجف وجهه الوسيم بشدّة، وراح يتراجع إلى الخلف على الأرض بيديه ورجليه، كمن يواجه كابوسه الأشدّ ظلمةً.

وعيناه دامعتان، وجهه مشوّه بالرعب واليأس، صرخ بصوتٍ مبحوحٍ ممزّقٍ بين الجنون والفزع:

"أسرعوا! اهربوا!"

…..

القاعة.

"التقط أنفاسك أولًا، ثم اسرد الحادثة بعناية."

في الظلام، قبض النبي الأسود مورات هانسن على عصاه بإحكام، وملامحه تعلوها الجديّة التي لم يُرَ مثلها من قبل.

وبجانبه، كان تابعه الموثوق رافاييل ليندبيرغ مستندًا إلى الجدار، يلهث بشدّة كمن قطع الطريق عدوًا. قال بين أنفاسٍ متقطّعة وقد اعترته العجلة:

"بسبب توجّه البعثة الدبلوماسية للأمير شمالًا… فإن الأشخاص الذين أوكلناهم عند حدود الكوكبة وإكستيدت… للبحث عن رامون… كانوا يستعدّون للعودة… لكن… لم يعد أيٌّ منهم… لم يعد أحد…"

"قبل يومٍ واحد… عُثر على… جثة أحدهم…"

انحنى رافاييل قليلًا، ووضع يديه على ركبتيه وهو يلهث، محاولًا تهدئة تنفّسه المتسارع.

"ثم؟" سأل مورات بنبرةٍ ثابتة، "كيف مات ذلك الشخص؟"

وفي اللحظة التالية—

"إنّه… إنّه…" رفع رافاييل رأسه، وقال من بين أسنانه وهو يلهث:

"كان ذاك…"

انكمشت حدقة مورات، واشتدّ قبضه على عصاه، مصغيًا للكلمة التي أنهى بها تابعه عبارته:

"… المجنون القاتل."

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬