سليل المملكة الفصل 92 — سليل المملكة 92

اقرأ سليل المملكة الفصل 92 — سليل المملكة 92 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 92: خطيئة نهر الجحيم

….

تحت ضوء القمر فوق الأرض المغطاة بالثلوج، كانت سيرينا تضحك بجنون، وهي ترفع مخالبها الحادّة المتحوّلة. كانت تحدّق برالف، الذي كان يصارع بكل ما أوتي من قوة تحت تأثير "نظرة التجميد". هزّت رأسها بخفة. "ربما، لو لم ترَ هذا المشهد، لما اضطررتَ إلى قتلك."

"ففي النهاية، أحتاج إلى شهود كفاية من كلا الجانبين لينشروا ما حدث هنا اليوم."

"لكن بما أنّ أبناء عشيرة الدماء يمتلكون سمعًا خارقًا، ارتجف جسد سيرينا الواثقة فجأة!"

"كحح كح… تريدين نشر الخبر؟ خبرٌ يأتي من الشخص المعني سيكون أكثر إقناعًا من شهادة شاهد عيان… كحح كح…"

استدارت سيرينا كورليوني بعدم تصديق.

مستحيل.

تحت ضوء القمر، ارتفع صوت مألوف لكليهما من على الأرض الخالية المغطاة بالثلج.

"أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟"

وبينما امتلأ كلٌّ من رالف وسيرينا بالدهشة، كان تاليس الذي ظنّوه ميتًا يسعل بعنف، يلهث وهو يتقلّب على الأرض ويحاول النهوض. كانت يداه لا تزالان موثوقتين خلف ظهره.

"ثمّة بيت من قصيدة باردة لا تفهمينها، تقول هكذا…" وقف تاليس بصعوبة، يفكر بسرعة في الموقف والحلّ أمامه، وقال ببطء:

"ما لا يقتلك يجعلك أقوى، قفْ أكثر اعتدادًا…"

في اللحظات القليلة التي صرفت فيها سيرينا نظرها، تحرّر رالف من جموده، كأنّه أُطلق من قيدٍ غير مرئي.

لكن كليهما لم يتحرك بعد، فقد ظلا يحدّقان في ذهول بتاليس الذي يتكلم.

"كيف يكون هذا ممكنًا؟"

هزّت سيرينا رأسها بدهشة، ثم نظرت إلى يدها التي خنقت بها تاليس قبل قليل.

(هل قضيت وقتًا طويلًا في السجن حتى ضعف تقديري لقوتي؟

لكنه لم يكن يتنفس حقًا.

ما الذي يحدث؟

لا بد أن هناك خطأ ما.)

نظر رالف إلى تاليس وابتسم براحة، مشكّلًا بإصبعيه إشارات.

"لا، تنظر، في، عينيها."

أجابه تاليس بنظرة خفيفة وإيماءة بسيطة.

كانت أنثى عشيرة الدماء ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين قد عضّت على أسنانها، واستدارت بغضبٍ وحدّة نحو تاليس. "اللعنة…"

ابتسم لها تاليس ابتسامة غابت عن وجهه منذ زمن، متعمّدًا تفادي نظرتها كي لا يمنحها فرصة لتفعيل قدرتها.

عضّ الأمير الثاني صفَّي أسنانه بإحكام، ووضع طرف لسانه بينهما.

ربما كان قد فزع بشدة من قبل، فلم يفكر في أن يعضّ لسانه لتنشيط تلك القدرة المحرّمة.

ابتسم تاليس بمرارة في أعماقه. (رغم أنني أُجبرت على مشاهدة "الرحلة" مرات لا تُحصى…)

الهدف الأول، تابوت الليل الأسود.

(هل أحقًّا أريد إطلاق ذلك الصوفي؟)

ومض وجه آسدا الغريب في ذاكرته، لكنه لم يتردد سوى لحظة قبل أن يستعدّ للبدء.

غير أنه، وقبل أن يعضّ لسانه ليُفعّل القدرة المحرّمة، حدثت تغيّرات غريبة في جسده.

اندفعت تموجات غريبة من قلبه، صاعدة نحو صدره، فعنقه، فوجهه، ثم إلى عينيه.

انقشعت الرؤية الضبابية، وأصبح كل شيء أمامه واضحًا متلألئًا، كأنه يرى العالم بعينٍ جديدة.

تجلّت سيرينا أمامه أوضح من أي وقت مضى.

تجمّد تاليس للحظة.

(ما هذا؟)

كان يشعر بسيرينا وكأنها منارة قرمزية تبثّ نورًا أحمر ساطعًا في ظلمة لا نهاية لها.

استدار فرأى كاترينا ممددة بلا وعي أسفل شجرة ضخمة على يساره. كانت تتنفس بعمق رغم إغمائها، وجسدها كله يبعث وهجًا أبيض خافتًا يوشك أن يتلاشى.

(هل أصيب بصري بخلل؟)

رمش تاليس بدهشة، لكن ما رآه أدهشه أكثر—فالعالم من حوله بدا كأنه تباطأ فجأة. احتاجت سيرينا خمس ثوانٍ كاملة لتُكمل حركة قبض أسنانها.

"الـ… لعنة…" صار صوتها بطيئًا وعميقًا كأنه تسجيل شُغّل بسرعة بطيئة.

(هذا ليس طبيعيًا.)

(هل… الزمن قد تباطأ؟)

(لا. إنه عقلي… هو الذي صار أسرع.)

ضيّق عينيه محاولًا الرؤية بوضوح أكبر.

اندفعت التموجات إلى دماغه، فتبدّل المشهد أمام عينيه مجددًا.

في تلك اللحظة، استطاع أن يرى شيئًا شبيهًا بالإشعاع بوضوح مذهل، دماء سيرينا كانت تغلي في عروقها، تتدفّق عبر قلبها، صدرها، ذراعيها، بل وحتى جناحيها المطويين خلفها.

رأى عضلاتها وهي تنقبض وتنبسط بقوة هائلة، لكن تدفق الهالة داخل جسدها بدا متقطعًا، وكأن جسدها مثقّب بالفجوات… كأن جزءًا منها تالف.

شعر وكأنه أدرك موضع مخالبها وذراعيها وساقيها وجذعها وكل ما يتحرك منها وما لا يتحرك، مركز ثقلها، قوتها، سرعتها، كلّ شيءٍ أصبح مفهومًا بوضوح في قلبه.

(ما الذي يجري؟) فكر تاليس بذعر.

التفت إلى التابوت الأسود. كان ذلك الجهاز المضادّ للصوفيين يشعّ طاقةً سوداء كثيفة ونورًا داكنًا.

تموجات غريبة بألوان شتّى كانت تتصاعد منه بلا انقطاع، تنذر بشؤمٍ ثقيل.

(إن استخدمتُ الطاقة الصوفية لفتحه، فماذا سيخرج منه؟) خفق قلبه.

(هل ثمة طريقة أفضل لحلّ هذا المأزق؟)

ما إن خطرت الفكرة حتى تلاشت التموجات من مجال رؤيته، كأنها تملك وعيًا خاصًا بها…

وعاد كل شيء كما كان.

(ما هذه القدرة؟) تقلصت حاجباه في حيرة.

"أيها الصغير الحقير." استعادت سيرينا سرعتها الطبيعية وهي تقول بأسنان مطبقة، "حسنًا، هذه المرة سأقطع رأسك."

لكن بعد ثوانٍ قليلة، عادت التموجات مجددًا.

هذه المرة اندفعت مباشرة إلى دماغه.

(تمهّل.)

ارتجف جسده.

كان ثمة نوع من التضخيم الفوري قد نشّط في دماغه.

"طريقة أفضل…"

المسافة إلى التابوت الأسود، سرعة سيرينا، احتمال تحولها إلى شكلها الحقيقي، اتجاه الهجوم المحتمل، أفضل مسار لرالف كي يسانده ويحميه، والعوائق التي تفرضها الثلوج على حركتها… كلّ ذلك تحوّل في لحظة إلى معلوماتٍ دقيقة ومنظمة تتدفق إلى دماغه.

احتمالات، مخاطر متوقعة، عوامل مؤثرة، حسابات لنسبة النجاح…

استنزفت التموجات هذه المرة طاقة أكبر، وبقيت فترة أطول قبل أن تتلاشى.

شعر تاليس كأنه ركض ألف متر في لحظة واحدة، جسده يرتعش وعرقه يتصبب كالمطر.

(هل أصبحتُ كائنًا من رواية خيال علمي؟ أم اكتسبت قوى الإبادة؟)

ومع ذلك، كان قد أدرك فجأة الطريقة لحلّ الموقف الذي أمامه.

هو أيضًا أدرك الطريقة التي ستمنحه أقلَّ الأضرار الجانبية وأدنى نسبة للفشل.

ربما لم يكن عليه أن يستخدم تلك القوة في النهاية.

لقد وجد وسيلة أفضل.

تنفّس تاليس بعمق، محاولًا تهدئة أنفاسه، وهو يتجنّب بعناية النظر في عيني سيرينا. ثم تقدّم بخطواتٍ حذرة حتى صار في الموضع الفاصل بين رالف وسيرينا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

"تعلمين، أرغب حقًا في أن أنعتك بالعاهرة."

عبست سيرينا في نفسها بسخرية, (يا له من بشريٍّ أحمق… أتراه يظن نفسه آمنًا وهو يقترب إلى هذا الحدّ مني؟ سأمزّق هذا الوغد أولًا، وإن استطعتُ قطع رأسه فذلك أفضل. لا شيء يدعو إلى الخوف… ما عليَّ الحذر منه هو ذلك المعاق من الفئة العليا.)

أدارت بنظرها نحو رالف الذي يرتدي القناع الفضيّ، وتابعت تفكيرها، (عليَّ أن أضمن بقاءه هنا، حتى لا تتسرّب الحقيقة. يجب أن أتحرك بسرعة… كريس وإسترون لن يصمدا طويلًا.)

ابتسمت سيرينا فجأة ابتسامة ماكرة كأنها تُلقي بخدعة وقالت بنبرة رخوة, "أحقًا؟ ولمَ لا تفعل إذًا، يا عزيزي تاليس؟"

كانت تحسب المسافة بين نفسها ورالف، وتقيس الزمن اللازم لتحوّلها إلى هيئتها الحقيقية قبل الانقضاض عليه.

قطّب رالف حاجبيه، إذ لمح يدي تاليس المقيّدتين خلف ظهره تتحركان بسرعة.

ورغم أنه لم يستعمل رأسه أو صدره لتوضيح الإشارة، فإن رالف أدرك الرسالة.

«ادفعني، يسارًا، نحو الشجرة.»

كرّرها مرتين.

ضيّق رالف عينيه. لقد كان شعورًا مألوفًا… نفس الإحساس الذي راوده آخر مرة داخل الزنزانة.

قال تاليس ببرود, "لأنني إن دعوتك بالعاهرة، سأكون قد أسأتُ إلى مهنةٍ مقدسة."

ضحكت سيرينا بخفّة وهي تداعب مخالبها، "إذًا فالعهر مهنة مقدسة في رأيك؟"

زفر تاليس وقال بوضوحٍ تحت نظراتها المندهشة، "لكن عليّ أن أشكرك. فعلى الأقل، قبل أن تقتليني، أخبرتِني بالحقيقة. دمي في الواقع مغذٍّ جدًّا."

في اللحظة التالية حرّك يديه خلف ظهره مشيرًا.

«ابدأ.»

ارتجف بؤبؤا رالف، وقبل أن تتمكن سيرينا من التصرّف، انطلقت قدرته النفسية على الفور.

هَبَّت عاصفةٌ عنيفة من العدم، واندفعت بسرعةٍ خارقة!

ولكنها لم تتجه نحو سيرينا المتأهبة، بل خطفت تاليس نفسه ورفعته عاليًا في الهواء!

قبض تاليس على أسنانه بإحكام محاولًا دعم جسده الهائم، وضيّق عينيه في وجه الريح العاتية. لم يكن بشرًا مثل رالف «الطائرة البشرية» الذي كرّس حياته لهذا الفن.

وبينما كان معلقًا في الهواء، بدا الزمن كأنه يتباطأ مجددًا — لكنه علم أن ذلك مجرّد وهم.

فقد امتلأت أطرافه الأربعة بتلك التموجات الغريبة. شعر بعضلاته وهي تلين لتمنحه توازنًا وسط الريح.

وفي طرف رؤيته، رأى سيرينا وهي تصرخ غاضبة متحوّلةً إلى هيئتها الحقيقية المخيفة!

"إلى أين ستهرب أيها الوغد؟!" صاحت، وقد اتسعت عيناها كهاويتين سوداويّتين، وانبسطت أجنحتها العظمية القرمزية، تمزّق عباءتها وهي ترفرف وتندفع نحوه في صرخةٍ مبحوحة: "أيها البشري اللعين!"

غير أن نظرة رالف كانت حاسمة. وطأ على العاصفة نفسها واندفع لمواجهة تلك المرأة الدموية.

عليه أن يوقف هذا الوحش. كانت تلك خطة الفتى.

انحدر تاليس نحو الشجرة الكبيرة الواقعة إلى يساره — شجرة البتولا التي تحطّمت أثناء معركة الأختين.

وكانت هناك هيئة ممدّدة بلا حراك عند جذعها.

تبدّل تعبير سيرينا حين أدركت ما ينوي تاليس فعله.

لكن في اللحظة التالية دوّى صفير الرياح من خلفها، فاستدارت بهلع، وضربت بمخالبها.

طنين!

صوت معدنيٌّ حادّ دوّى في الفضاء!

لم يكن رالف هو من هاجمها، بل الحبل الفولاذي الذي في يده.

تفاجأت سيرينا، فانعقد حاجباها وقد تقيّدت ذراعاها بالحبل في هجومٍ مباغت.

"آرغ!" صرخت بجنونٍ وهي تُسحب إلى الوراء، بينما الرياح تجرها بعنف عبر الحبل الذي انتشرت منه شراراتٌ متطايرة دون أن يُصاب بخدش.

في الطرف الآخر كان رالف، يُحلّق في الهواء بأسنانه المشدودة.

لقد اختفت الأطراف الفولاذية التي كانت تحلّ محل ساقيه تمامًا؛ فذلك الحبل نفسه كان أداته لتثبيت تلك الأطراف، وهو صلبٌ لا يُقطع.

(لن أدعكِ تقتربين منه أبداً.) كانت نظرات تابع الرياح الشبحية حاسمةً لا تلين.

سقط تاليس على الأرض المغطاة بالثلوج على يداه المقيدتين، ثم تدحرج مرتين بارتباك.

اختفت التموجات الغامضة، وغمره إحساسٌ بالإنهاك.

كان جسده كله متيبّسًا بالألم، ومفاصله تصرخ تمزقًا.

وفهم بوضوح أن جسده المتهالك لم يتحمل توازنه في وجه الريح قبل لحظات.

لكنّه واصل الزحف، بيدين مقيدتين، نحو تلك المرأة الممددة.

فهي محور خطته كلّها.

كاترينا كورليوني — ملكة الليل المحتضرة.

دُغ!

ضرب تاليس رأسه في وجه كاترينا الجميل!، فأفاقت قليلًا من غيبوبتها.

حدّق في عينيها الزائغتين وقال ببرودٍ متقطع الأنفاس، "عضي عنقي."

رفعت كاترينا رأسها بصعوبة بالغة، وقد بدت الحيرة على نظراتها، فأكمل تاليس بصوتٍ جليٍّ قاسٍ، "امتصّي دمي."

غير أن الملكة الجريحة، التي تهشّمت أطرافها الأربعة ولم يبقَ لها سوى جذعها، ألقت نظرة على ساحة القتال ثم هزّت رأسها بضعفٍ وألم.

"لا فائدة… جراحي قاتلة. يجب أن تهرب سريعًا… ربما تستطيع النجاة."

خفضت رأسها مستسلمة، وأغمضت عينيها البنفسجيتين.

وفي الجهة الأخرى، كان رالف ما يزال يصارع سيرينا بجسده المرهق، والحبل الفولاذي يشدّ بينهما وسط عاصفةٍ لا تهدأ.

قطّب تاليس حاجبيه بإحكام.

(تلك المرأة… أحقًا هي ملكة؟ لا يُعقل.)

في تلك اللحظة تمامًا، دوّى أنين رالف المتألم من بعيد.

لم يعد هناك وقت ليُهدر.

اتخذ تاليس قراره.

الفتى ذو اليدين المقيّدتين خلف ظهره لعق شفتيه بلسانه وقطّب حاجبيه.

"ألم تقل سيرينا إن دمي… مغذٍ جداً؟"

في اللحظة التالية، أغمض تاليس عينيه، وأطبق أسنانه على طرف لسانه، ثم هوى بذقنه بقوة على الأرض المغطاة بالثلوج!

سمع صوت فرقعةٍ خافتة.

ثم انفجر الألم في طرف لسانه!

كان الألم مريعًا لدرجة أن الدموع انهمرت من عينيه!

إحساس عضّ اللسان… مؤلم… مؤلم إلى حدٍ لا يُحتمل!

لكن تاليس رغم ذلك، كافح لينهض بينما دموع الألم تسيل على وجنتيه.

ومن دون تردد، اندفع نحو كاترينا، دون أن يلتفت خلفه.

ثم، تحت أنظار سيدة عائلة كورليوني، المُنتَحبة، ملكة الظلال، كاترينا ڤان كورليوني المذهولة…

تعمد تاليس أن يُقبّل كاترينا على فمها!

كاترينا حاولت غريزيًا التراجع، لكن تاليس دفع بلسانه الجريح إلى داخل فمها وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، تشتعلان بالغضب.

مرّت ثانية واحدة.

فارتجف جسد كاترينا بأكمله!

(هذا… طعم هذا الدم…!)

تردّد صدى أنينٍ غامضٍ قادمٍ من بعيد: "وووو!" — أنين رالف المبحوح تسلل إلى أذنيه من جديد!

قطّب تاليس حاجبيه وحدّق في نظرة كاترينا المندهشة.

(ما بال هذه المرأة؟ ألا تسير وفق أي منطق؟ أختها سيرينا كانت تتلذذ بطعمه بوجهٍ مترعٍ بالانتشاء… أما هي…؟)

لكنّه لم يُكمل فكرته.

إذ في اللحظة التالية، راحت كاترينا — بجسدها المبتور — تتلوى بجنون، وعيناها البنفسجيتان تلمعان بعطشٍ دمويٍّ مفزع.

وفي غمرة تلك الحالة الهستيرية، انقلبت فجأة، وأطبقت على تاليس، الطفـل ذي الأعوام السبعة، وألقت به أرضًا تحتها!

طخ!

تحركت ملكة الليل في فورةٍ مسعورة، عضّت شفتيه بقسوةٍ جنونية، وأخذت تمتص دمه بجنونٍ محموم!

ألم!

شعر تاليس بألمٍ رهيبٍ يشق لسانه، فانهمرت دموعه مجددًا من شدته.

"وووو…"

هز رأسه بعنفٍ في محاولةٍ يائسةٍ وحرر نفسه منها.

تنفّس بعنفٍ وهو يلهث، والدموع تتقاطر على خديه.

(كنتُ مخطئًا… هذه المرأة… أكثر محنًا من أختها بلا ريب!)

رفع رأسه وهو يقطب حاجبيه، يتأمل كاترينا التي كانت تضغط جسدها عليه، ملامحها مليئة بالغضب لقطعه وليمتها.

في اللحظة التالية، رفع تاليس رأسه بيأس، كعاشقٍ مضطرب، كاشفًا عن عنقه.

قال بتهورٍ، "العنق… بسرعة! أسرعي!"

تلألأ الشوق في عيني كاترينا، فانحنت فجأة ومزّقت ياقة تاليس بأسنانها!

"مهلاً، أنتِ—"

لكن قبل أن يُكمل، كانت كاترينا قد كشّرت عن أنيابها وغرستها في عنقه بعنف!

ثم شرعت تمتص دمه بنهمٍ حيوانيّ.

اندفعت إليه موجات الألم والدوار والتنميل واللذة دفعةً واحدة، تغمر قلبه وعقله.

دموعه كانت تتساقط بغزارةٍ من الألم، بينما يحدّق بعينين دامعتين في كاترينا التي تنهش جسده بجنون.

أتمّ جملته بصوتٍ واهنٍ حزين: "ألَا يمكنكِ أن… تكوني ألطف؟"

…

على بُعدٍ منهم، كانت سيرينا قد تشبثت بشجرة، واستعادت توازنها وسط الرياح الهائجة.

"دودة حقيرة… لقد عبثت بما فيه الكفاية."

رفعت رأسها بغضب، أمسكت الحبل الفولاذي بقوةٍ، ثم جذبتَه فجأة بكل ما أوتيت من بأسٍ مضاعف بهيئتها الحقيقية.

رالف، الذي أنهكته المعركة، دار جسده بعنفٍ تحت قوة السحب، وتباطأت حركته!

ارتطم جذعه بشجرة بتولا مجاورة، وانهار عاجزًا على الثلج.

نهض بشقّ الأنفس، ثم استند إلى الجذع بلا حولٍ ولا ساقين معدنيتين.

استنشق هواء الشتاء الحادّ مستخدمًا قدرته النفسية، وبسط يديه ليُخرج نصلين خفيّين.

ثم اندفع مجددًا نحو الهواء في مواجهة سيرينا.

كانت معركة قريبة المدى الآن.

لكن ما إن اقترب منها حتى لوّحت بمخالبها بخفةٍ مميتة، لتخترق أحد نصليه بزاويةٍ معقدة يصعب صدّها.

اختفى ثقل النصل من يده تمامًا.

طَنين!

لم تحتمل شفرته الصلبة صلابة الحبل الفولاذي، فتناثرت قطعًا صغيرة.

كانت سيرينا تتحكم بقوتها بمهارةٍ شيطانية. توقّف رالف لحظةً في الهواء، مجبرًا على تعديل الرياح حوله لتقليص أثر ضربتها.

لكنها حينها مدّت ساقها الطويلة بلا تعبيرٍ على وجهها، وركلت ذراعه بقوةٍ ساحقة!

صدر من رالف أنينٌ حادّ بينما طار إلى الخلف، وذراعه تهشمت!

بوجهٍ متوحشٍ، زادت سيرينا سرعة خفق أجنحتها العظمية دفعةً واحدة، واقتربت من رالف بسرعةٍ خاطفة، تمطره بسلسلةٍ من الضربات المخلبية.

طنين!

تحطم نصله الأخير.

(لقد أسأت التقدير)، فكّر رالف بيأس.

(لا أستطيع أن أوقفها إطلاقًا.)

حينها، عادت إلى ذهنه كلمات الصوفيّ الهوائي التي قالها له منذ زمنٍ بعيد…

"لقد رأيتُ أيضًا عددًا غير قليلٍ من أفراد الفئة الفائقة… أساليب قتالهم تقوم أساسًا على القدرة على استخدام قوتهم بإرادتهم، متقنين حتى أدق التفاصيل، متوازنين في كل حركة، دون أدنى تباطؤ في الأداء…" تحدث آسدا ببطء.

"تبدو المعارك بين أفراد الفئة الفائقة مملة وبسيطة، سريعة لكنها رتيبة. ومع ذلك، فإن هذا النوع من التحكم الدقيق والمُرعب يفوق خيال أولئك الحمقى من الفئة العليا الذين يبدّدون طاقتهم بلا حساب ولا نظام."

"أما عن سؤالك… إن صادفتَ أحد أفراد الفئة الفائقة…"

كان قميص آسد الأزرق زاهيًا، ولا يزال رالف حتى اليوم يتذكّر ملامحه الهادئة الخالية من التعبير.

"إن لم تستطع ان تقترب من أحد أفراد الفئة الفائقة، فقد تتمكن من استخدام قدرتك النفسية لمجابهته لفترة قصيرة."

لكن آسد رفع رأسه على الفور، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تأملية.

"غير أنّ هنالك استثناءً واحدًا."

"إن صادفتَ السيف الأسود…"

تذكّر رالف ضحكة آسد الخفيفة آنذاك وهو يقول:

"تذكّر أن تكتب وصيّتك مسبقًا."

تنفّس رالف بعمق في قلبه وهو يسترجع ذلك المشهد من الماضي.

(اللعنة…)

(كما هو متوقّع، الفئة الفائقة والفئة العليا لا يمكن مقارنتهما مطلقًا…)

(لا أستطيع حتى أن أُبقيها مشغولة لبضع دقائق…)

أغمض تابعُ الرياح الشبحية عينيه برفق.

(ستنتهي الأمور هنا…)

(على الأقل… لقد سددتُ دَيني…)

لكن في اللحظة التالية، دوّى صوتُ الرياح العاتية مصحوبًا بأصوات الزمجرة قادمًا نحوه بسرعة!

ثم تلاه صوتٌ نهائيٌّ مروّع:

رررررررررررب!

فتح رالف عينيه بدهشة.

"اللعنة…"

كانت سيرينا تمسك كتفها الأيسر وهي ترفرف بأجنحتها العظمية تصرخ ألمًا، تتراجع للوراء بجنون!

حتى ابتعدت عدة أمتار.

بعد ثوانٍ قليلة، رفعت رأسها، تحدّق فيمن يقف أمامها بنظرةٍ متّقدةٍ بالكراهية.

كانت تلك المرأة من عشيرة الدماء بهيئتها الحقيقية البيضاء النقية.

"أختي العزيزة الكبرى."

كانت الجميلة الراقية كاترينا كورليوني واقفةً ببرودٍ في الجهة المقابلة،

أطرافها الأربعة سليمة وقوية، أجنحتها العظمية تنقبض وتنبسط بانسيابٍ مخيف،

وعيناها البنفسجيتان تلمعان ببرودٍ حادٍّ كالشفرة.

كأنها لم تُصب بأذًى قط.

كانت تمسك بذراعها اليسرى الطفل تاليس الذي كان يتنفس بصعوبةٍ ويئنّ في شبه إغماء، بين ذراعيها.

كانت سيرينا تحدّق في أختها الصغرى بنظرةٍ مسعورةٍ غاضبة وهي تزأر بسخط.

تقدمت ملكة الليل بخطوة،

وألقت بالذراع اليسرى الملطّخة بالدماء التي مزّقتها للتو على الثلج،

ثم شدّت وجهها بنظرةٍ صارمةٍ حادة.

"الجولة الثانية."

…

برج الإبادة، وادي النصل الحاد، القاعة تحت الأرض.

كان شاو يمسّد لحيته البيضاء الطويلة ببطء وهو يدخل الغرفة بخطواتٍ هادئة.

أشعل مصباح أبدي في زاوية المكان.

كانت الغرفة غريبة الشكل، دائرية تمامًا.

خالِيَة من كل شيء،

سوى جدرانٍ حجريةٍ سميكة،

تملؤها خدوشٌ متشابكة الطول والعمق، بعضها عميق، وبعضها سطحي،

كأنّ من تركها قد حَفَرها بهوسٍ وعذاب.

استدار شاو ونظر إلى الجهة الأخرى من الغرفة.

كان هناك جسدٌ متكوّرٌ في الزاوية، يرتجف بلا توقف.

تأمل شاو ذلك الشخص طويلاً، ثم تنفّس تنهيدةً ثقيلة.

"هل ازدادت حالتك سوءًا؟"

ظلّ الجسد المهتزُّ صامتًا، حتى خرج صوته المتحشرج أخيرًا:ط.

"إنها… تبتلعني…"

تبدّل وجه شاو بجدّيةٍ قاتمة.

"تبتلعك؟ أتقصد أنها تُفسد جسدك؟"

رفع الرجل رأسه المرتجف، وابتسم ابتسامةً متكسّرة.

"ليس الجسد فقط…"

"إنّ هذه القوة… كأنها تحيا داخلي…"

قطّب شاو حاجبيه.

"ماذا تقصد؟"

اهتزّ الجسد أكثر، كأنه يرى أعظم كوابيسه.

"إن لها وعيها الخاص… مثل شيطانٍ يسكن أعماق قلبي.

تُغويني، تُهددني، تُرعبني…"

"تدفعني للقتال حتى آخر رمق… لأقتل… لأحارب…"

"لا أستطيع التوقف…لا أستطيع…"

"إلا إن متُّ…أو رفضني الموتُ مرةً أخرى…"

"لن أستطيع التوقف…"

أغلق شاو عينيه طويلاً في صمتٍ ثقيل.

وحين أعاد فتحهما، كانتا ملبدتين بالحزن.

شاو، سليل برج الإبادة من الشرق الأقصى، ذو اسمٍ فاضلٍ ومحترم، جلس ببطءٍ واضعًا ساق فوق الأخرى بجانب الجسد. وامتلأت عيناه بالحزن.

"ربما كانت هذه الخطة خطأً فادحًا."

"حتى عبقريٌّ كـ كراسوس لم يحتمل… فكيف لنا نحن أن…"

خرجت كلماته مثقلةً بالألم.

"كلاكما… لم يكن عليّ أن أسمح لكما بالذهاب حينها…"

لكن الجسد ضحك ببرودٍ أجوف.

"مستحيل…

أنا وهوراس… لنفترض جدلًا أنه لم يمت…"

"لقد قاتل… وقتل… خاض معارك لا تُحصى بعد ذلك…"

"لو كان هوراس هو من ذهب في ذلك الوقت…"

"أتستطيع تخيّل ما الذي كان سيؤول إليه الآن؟"

ازداد الجسد انكماشًا على نفسه.

قبض شاو على سيفه بشدّة، يعتصره الندم والألم في قلبه.

وبعد برهةٍ طويلة، زفر بحسرةٍ خافتة.

ابتسم الجسد المرتجف بشقٍّ من فمه المتهشم محاولًا التماسك.

"أيها المعلم…

لا تقلق…

أنا… ما زلت أستطيع الصمود… حتى أنهي مهمّتي…

سأفعلها…"

كانت ملامح شاو مليئة بالمرارة وهو يمدّ يده ليضعها على كتف تلميذه المرتجف، وصوته يقطر وجعًا.

"لقد عانيتَ كثيرًا، يا بُنيّ."

"ثلاثون عامًا وأنت تحمل خطيئة…

خطيئة لا مكان لها في عالم البشر…"

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

هذا يلي تحدثو عنه بالفصل السابق منذ 30 عاما….