▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 91: العودة
….
تحت ضوء القمر المتصاعد، ركض رالف بقلق وسرعة عبر غابة أشجار البتولا بعد حلول الليل.
كانت الأطراف الفولاذية المرنة على شكل حرف ( J ) لتابع الرياح الشبحية ذات سطحٍ واسعٍ عند الموضع الذي يُفترض أن تكون فيه قدمه للحفاظ على التوازن. منحه ذلك إحساسًا غريبًا عند المشي على الأسطح المستوية، إلا أنّ السطح العريض كان يمنحه قدرةً أفضل على الإسراع والمشي بسهولة نسبية على الأرض المغطاة بالثلوج، لا سيما في ظلّ توجيهه للرياح. بدا الأمر وكأنه يسير فوق أرضٍ مستويةٍ تمامًا.
غير أنّ رالف لم تكن لديه خبرة في تتبّع الأثر فوق الأرض الثلجية، ولم يعش يومًا في الشمال الذي لا يذوب ثلجه أبدًا. فإقليم الكوكبة الأوسط لا يشهد سوى تساقطٍ موسمي متفرقٍ للثلوج، في حين أنّ اتحاد كامو الضيق الطويل وخمس مدن الجنوب الشرقي كانت جافةً ودافئة. كان هذا عقبةً كبيرةً أمام قدرته على اقتفاء أثر أيّ أحدٍ، رغم أنه كان أول من اكتشف الحالة الغريبة لعربة سيرينا وطاردها على الفور.
سمحت له قدرته النفسية "التحكم بالرياح" بأن يتحرك بحرية داخل سوق الشارع الأحمر الضيق المزدحم كسمكةٍ في الماء. ولم تكن سرعته في غابة البتولا الكثيفة أبطأ من ذلك.
ومع ذلك، كان عليه أن يجد ذلك الفتى.
ذلك الفتى الذي منح تابع الرياح الشبحية حياةً جديدة.
اخترق رالف الغابة، فرأى أمامه أرضًا منبسطةً مغطاةً بالثلج.
تركز بصره فجأة على موضعٍ واحد.
ارتجف جسده وهبط على الأرض البيضاء.
تحت ضوء القمر، أطلقت امرأة فاتنةٌ متوشحةٌ بعباءةٍ قبضتها برفق.
وسقط صبيٌّ صغير، في السابعة أو الثامنة من عمره، ويداه موثوقتان خلف ظهره، من بين يديها بلا أيّ استجابة، وارتطم بالأرض الثلجية كفريسةٍ مقتولة.
لم يتحرك إطلاقًا.
استدارت تلك المرأة الساحرة قليلًا، ولعقت شفتيها في اتجاه رالف، وابتسمت له بابتسامةٍ غريبة.
"لا…"
جثا رالف على ركبتيه فوق الثلج غير مصدّق، ومدّ يديه المرتجفتين نحو الصبيّ مغلق العينين.
"لا تنفس.
لا نبض.
لا خفقان قلب.
لا…
ذلك الفتى…
ذلك الفتى الذي بدا أكبر من عمره.
ذلك الفتى الذي منحني الاختيار.
ذلك الفتى الذي انتشلني من هاوية اليأس.
ذلك الفتى الغامض الذي علّمني القراءة والتهجئة ولغة الإشارة للتواصل.
إنه ميت.
لا…"
رفع رالف رأسه، ونصف وجهه مخفيّ خلف القناع الفضيّ، فاستحالت قراءة تعابيره.
"ما الأمر؟" أمالت سيرينا كورليوني رأسها وأغمضت عينًا بخفةٍ مغرية. "أوه، أتيت لتبحث عن الصغير تاليس؟"
قبض رالف كفيه بإحكام ونهض ببطء، وعيناه تتقدان غضبًا وسخطًا وهما تحدقان في المرأة الآسرة المثيرة.
"عذرًا، لقد غفا." ضحكت سيرينا.
"يمكنك أن تراه في حياتك القادمة."
هبّت ريحٌ عنيفة فجأةً عبر الأرض المنبسطة.
تغيّر وجه سيرينا فورًا.
اشتدّت الرياح أكثر فأكثر.
رفعت الثلوج المحيطة برالف، وجعلت ثيابه تنتفخ.
حدّق تابع الرياح الشبحية في سيرينا.
لم يكن يعلم مدى قوة هذه المرأة التي أمامه.
لكنّه كان عازمًا على أن يبذل كل ما بوسعه ليجعلها تدفع الثمن.
بهذا فقط، يمكنه أن يعتبر…
…الدَّين الذي في عنقه تجاه ذلك الفتى قد سُدّد.
لكن في اللحظة التالية، اكتشف رالف بدهشةٍ أن جسده كلّه تجمّد.
لم يعد قادرًا على الحركة.
"ما الذي يجري؟"
حرّك عينيه. "هل هي… هذه المرأة؟"
ضحكت سيرينا بمرح، ولم تُبعد نظرها عنه منذ البداية، محافظةً على ضغط "نظرة التجميد".
"الأطفال في هذا العصر." تمتمت وهي تُخرج صوتًا متضجرًا، ثم أشارت بطرف إصبعها إلى زاوية عينها وهي تحدّق في رالف المتجمّد مكانه. نَقَرَتْ بلسانها وقالت: "أما زلتم لا تستخدمون عقولكم عند القتال؟"
…
"كم هو مظلم.
كم هو حالك.
لا أشعر بالزمن.
ولا بالمكان.
لماذا صار مضيئًا فجأة؟
إنه ساطعٌ جدًا، يخترق عينيّ.
تلك… ذكريات؟
يا لكثرتها…"
ومضت مشاهد شتّى مألوفةٌ أو غريبةٌ أمام عينيه بسرعةٍ خاطفة.
كانت فوضى عارمة.
وفي النهاية، لم يبقَ سوى صوتٍ واحدٍ مضطرب:
"نظرية الحدّ المركزي وفّرت أساسًا كافيًا لأخذ العينات العشوائية… لا تغفُ! تعلّم وأتقن هذه الأمور، فعلى الأقل بعد التخرج يمكنك العمل في قسم أبحاث السوق لأيّ شركة…"
"ما هذا؟"
"تشيرين، إن وصلت إلى عالمٍ آخر ينتظر الخلاص، فهل ستحاول أن تصبح أقوى، أو تُدخِل إليه العلوم والتقنيات، أو تسعى لغزوه… هل كنت ستحاول تغييره؟"
"انسَ الأمر. تغيّر المجتمعات لا يمكن التنبؤ به… إلا إن كنت كائن سامي…"
"حسنًا، باختصار، لا معنى لسؤالك هذا أصلًا."
"ما شأنك بتلك النظرة المليئة بالازدراء؟!"
"يا لهذا الصوت المألوف…"
"غالبًا ما يُقرن موضوع الطبقات الاجتماعية بعدم المساواة. التعليم، الدخل، رأس المال، كلها مصطلحاتٌ شائعة… بلاو ودانكان، تذكّر هذين الأكاديميين، فسيكونان كابوسك في العامين القادمين… في عصرنا، إن لم تكن تعرف الانحدار اللوجستي، فلا تحلم بإجراء تحليلٍ عن الطبقات الاجتماعية…"
"يا له من ارتباك… لا منطق في هذا الخليط…"
"لمَ أنت مرتبك هكذا! سؤالٌ واحد فقط: هل سنكون معًا أم لا؟! لِمَ تعقد حاجبيك هكذا؟!"
"كل شيء يبدو مألوفًا، كأنّ ضبابًا يفصلني عنه…"
"مفتاح نموذج الانحدار اللوجستي يكمن في توزيع الاحتمالات هذا، ونموذج البروبيت مشابه له… إن كنت لا تعرف سوى الانحدار الخطي المعتاد وتجهل الانحدار اللوجستي، فلا تدّعِ أنك تعلم الانحدار الخطي… لا سبب لذلك سوى أنني أرى أنه سيكون أمرًا مُخزِيًا للغاية إن جهلتَه…"
(أين أنا…)
"لقد صنّفه الجميع واحدًا من بين الأساتذة الثلاثة العظام، غير أنّ إعادة ويبر صياغة نظرية آيلنبرغ وحججه العلمية… دفعت بعض الباحثين المتطرفين، وأنا منهم، إلى الاعتقاد بأن فلسفته التي أنشأها وهو جالس على كرسيّه كانت إهانة حقيقية لمجالنا…"
(ما هذه الذكريات… ولكن، تلك الأسماء مألوفة جدًا…)
"يمكن استخدام المصفوفات المتماثلة للتعبير عن الشبكة الاجتماعية لنموذج الواحد، بينما تكون شبكة النموذج الثنائي أكثر تعقيدًا… انظروا إلى تلك الوجوه الغبية، ألم تتعلموا الجبر الخطي من قبل؟ إن لم تتعلموا الرياضيات المتقدمة، فبأي حقّ تظنون أن لديكم القدرة على إتقان هذا التخصّص؟ هراء محض!"
(مهلًا، أعتقد أنّني أعرف هذه الأشياء… لقد تعلّمت كلّ هذا من قبل، بل وكتبت ودرّستها أيضًا…)
"لا أدري لماذا اجتهدنا كثيرًا لدفع تكاليف تعليمك، لكنّ عائلة وو كانت تؤمن دومًا بهذا: المعرفة قد لا تكون نافعة دومًا، ولكنّها لا تُقدّر بثمن…"
(من المتحدّث… ما هذه الأشياء بحقّ السماء؟!)
"على سبيل المثال، المعلّمون، ومواقع المدارس، والطبقات الاجتماعية، ودخل الوالدين، والعوامل المختلفة التي تؤثّر على نتائج الطلاب، كلّها تلعب دورًا على مستويات متباينة من حياة الإنسان. فبعضها يكون على المستوى الشخصي، وبعضها على المستوى الاجتماعي، وآخر على المستوى التعليمي. إن لم نُميّز تأثير هذه المستويات المختلفة واكتفينا بافتراض أنّ تأثيرها واحد في كلّ الحالات، فإنّ الاستنتاج الناتج حول «ما الذي يؤثّر أكثر في نتائج الطالب» لن يكون مقنعًا… ولهذا، فإنّ علم التربية يستخدم نموذج الخطّ الهرمي لتجاوز هذه المعضلة، وهذه القاعدة تنطبق كذلك على بحثنا…"
(أعرف هذا… أعرفه يقينًا… اللعنة، لماذا لا أستطيع تذكّره؟!)
"كان لماركس وويبر آراء متضاربة تمامًا حول استقلالية الدولة… والاختلاف بين السلطتين في تعريف مان هو… ألم تقرأوا النص؟ لم تكملوه؟ إذًا لماذا لم تناموا أقل لتتمّوا قراءته؟"
(مهلًا، من أنا… من أنا؟)
"أولئك الذين يعتبرون سكوكبول زعيمتهم بدأوا بإعادة التفكير في مخطط ماركس الاجتماعي ونظرية بارسونز الكلّية للاقتصاد… المجتمع المنغرس في التاريخ قد لا يعمل كما تنبّأوا… وعاد التحليل التاريخي القائم على المناهج التقليدية ليظهر أمام أعيننا على هذا النحو…"
(ما أنا؟)
"لا تظنّوا أنّ المنهج الكيفي لا يحتاج إلى قياس، بل هو العكس تمامًا. فغياب المعايير العلمية الدقيقة والواضحة كالتي في تحليل أنظمة القياس يجعلنا أحوج إلى الحُجّة لإثبات الطبيعة العلمية لـ«سبب استخدام هذا المنهج»، وغرس محور البحث في مجالك… وإلّا، فما الفرق بيننا وبين من يكتب مقالًا صحفيًا؟! يمكنك تغيير تخصّصك إلى علوم الإعلام لتصبح مراسلًا صحفيًا، أضمن لك أنّك ستكسب أكثر!"
(آآآه…)
لكن الصوت التالي كان أكثر وضوحًا، وأثار ذاكرته بشدّة.
"بيهرز، مهما كانت الوسيلة، أبقه في العاصمة. سيظلّ حيًا… أمسِك به، إنّه من لحمي ودمي! تعلم ماذا سأفعل إن فشلت."
"هذا يُدعى تاليس… خصّصوه للبيت السادس، انظروا إلى هذا المظهر الغبي… أيّها الصعلوك الصغير، أضمن أنّك لن تعيش لعامك الثاني."
"لا! لا! لا تضربني! لا! أنا فقط… فقط… آآه!"
"حقًا لا تريد أن تشرب ماء؟ إنّه هناك في الغرفة المجاورة!… أصغِ إليّ، سأفكّر في خطة!"
"اسمي كاراك! سمعت أنّك زعيم هذا المنزل؟ من اليوم فصاعدًا، عليكم أن تدفعوا لي نصف أموالكم!"
"هذا آخر دواء، ولن تنال أكثر! أنتَ… لا تأتِ إلى هنا مجددًا… انتظر! هذه بعض الثياب القديمة، يمكنك أخذها…"
"أيّها الصعلوك الصغير، يجب أن تناديني الأخت الكبرى جالا!"
"لقد أقام الصوفيّ المولود موطئ قدمٍ عالٍ فوق التجسدات، ونظر إلى الكائنات الأخرى من هناك… يمكنك أن تقول ’لا‘، لكنّك لا تستطيع الرفض. هذه فقط المرة الأولى التي فقدت فيها السيطرة."
"أعلم أنّ في داخلك ما ليس لديه."
"الملك نوڤين يريد العدالة، أليس كذلك؟ خذ حياة ابني مقابل حياة ابنه!"
تدفّق سيل من الذكريات غير المسبوقة في ذهنه في لحظة واحدة.
ازدحم وعيه إلى حدّ الانفجار.
ثم فجأة، عمّ الصمت.
وحلّ الظلام من جديد.
كان أكثر راحة.
لقد أُنهك.
ربّما آن له أن يرحل.
أن يعود إلى المكان الذي أتى منه.
أو… أن يموت.
في تلك اللحظة تحديدًا، دوّى في أذنيه صوتان غريبان.
كان أحدهما مسنًّا، عميق النغمة.
"هذه الروح… آه، إنّها من الطراز الرفيع غير المسبوق… همم، الأمّ قد شعرت بها."
أما الآخر فكان حادًّا، رتيبًا.
"مهلًا، رائحة الخطر… إنّها ذاتها كما قبل ستمئة أو سبعمئة عام…"
"ما زلت حذِرًا ومتأنّيًا كما عهدتك… اطمئن، الأمّ ستتكفّل بالأمر."
"لا، لم يمت بالكامل… يا له من حَيَويّة جبّارة. لا أحد يمدّ له يد العون من الأعلى، ومع ذلك ما زال ينهض. وفق هذا النسق، لن يطول الأمر حتى يعود إلى السطح…"
"نعم، أشعر بذلك. الأمّ ما زالت مترددة. لا تنفر منه، لكنها لا تحبّه أيضًا."
"يا للهول…"
"ما بالك مذعورًا هكذا؟"
"هل رأيت يومًا مثل هذا الخليط من دمٍ وروحٍ؟! كيف يكون ممكنًا؟ إلا إن كان برج الكيمياء وبرج الأرواح قد تعاونا…"
"لا تفقد رباطة جأشك! تمسّك بواجبك بدقة. لا تهتم بما يجري على السطح… ثم إنّ الأبراج السحرية الثلاثة الكبرى قد دُمّرت منذ ألف عام…"
"ألف عام، أليس كذلك؟ ذاكرتي الطويلة بدأت تتدهور مجددًا…"
"لقد اتّخذت الأمّ قرارها… دعه ينجرف بحرّية. دعه يعلو من جديد… استعدّ لفتح بوابة الجريان العكسي."
"بوابة الجريان العكسي؟ بحقّ السماء؟! لقد صعد واحد قبل ثلاثين عامًا فقط… المدة قصيرة جدًا. هل ستسمح الأمّ بهذا التواتر؟ كان علينا الانتظار حتى يعود الأخير مجددًا…"
"لا تسأل، لا تتكلّم. هذه مشيئة الأمّ! أطعها فحسب!"
وفي الحال، شعر بأن كلّ ما حوله بدأ يهتزّ فجأة!
بووم!
باانغ!
صوت كأنّ شيئًا قد تحطّم تردّد في أذنيه. بدا له أنّه يسمع صوتًا واضحًا لشيء يُكسر.
وفي اللحظة التالية، تنفّس بعمق وسط الضغط الخفي والظلام، كما لو أنّه طفا على سطح الماء!
ولم يكن ذلك مجرّد نَفَسٍ واحدٍ.
بل اندفاع قوّة.
قوّة تجاوزت حدود البشر.
لقد تذكّر تاليس جيدستار أخيرًا من يكون.
وعادت إليه حواسّه دفعة واحدة!
فمسامّ جسده بأسرها بدت كأنّها قد انفتحت في لحظة، متلقّية بنهمٍ كلّ ما يردها من العالم الخارجي. ولم تعد مفاصله المتيبّسة تصطكّ ببعضها، بل انزلقت بسلاسة كما لو زُوّدت بزيت الحياة.
والدم المتجمّع على جلده تلقّى الأمر بالعودة إلى عروقه ليغذّيه بما يكفي لبقائه. أمّا قلبه، الذي كان يخفق بسرعة جنونية لنقص الأكسجين، فقد عاد إلى خفقه البطيء المنتظم، ولكنّه صار أقوى، وأشدّ نبضًا من ذي قبل.
شعر تاليس بها.
اندفعت قوّةٌ مجهولة المصدر من زاويةٍ غامضة في جسده، تصعد لتملأ كيانه بأسره في لحظة واحدة.
تلاشى الألم في حنجرته تدريجيًا. بل شعر أنّ جراحه الداخلية الكثيرة بدأت تتعافى ببطء.
ثم أحسّ ببرودة الأرض تحته، وبالريح العاتية من حوله، وبضحكة سيرينا المألوفة.
وكغريقٍ أُعيدت إليه الحياة، فتح تاليس عينيه فجأة!
ثمّ رفع بصره إلى السماء، وهو لا يزال يرتجف. فتح فمه على اتساعه، واستنشق الهواء الذي حُرم منه طويلًا، كأنّ دهورًا مضت منذ آخر مرة تنفّسه فيها!
"فيوووه…"
كلّ شيءٍ كما كان من قبل.
لقد عاد إلى الحياة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬