▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 84: الوضع اتّخذ منعطفًا نحو الأسوأ
…
"اتركوا الدروع!"
تجمّد العديد من المحاربين مذهولين نحو من أصدر الأمر.
إنه جينارد، ذلك الجندي السابق في لواء ضوء النجوم.
"صدّقوني! لواء ضوء النجوم قد قاتل أيضًا ذات مرة ضدّ ’مرتزقة تلّ الوليمة الكبرى!‘" صرخ جينارد بأعلى صوته وهو يخوض القتال عن قُرب.
كان صوت الجندي العجوز من لواء ضوء النجوم أعلى من صوت تشورا نفسه، إذ هدر قائلاً، "تخلّوا عن تشكيل ضوء النجوم، وألقوا دروعكم! ابقوا متلاصقين بعضكم ببعض!"
"ألصقوا سيقانكم بأقرب شخصٍ إليكم، ولا تستخدموا أعينكم للنظر!"
"أمسكوا سيوفكم بكلتا اليدين، واضربوا في اتجاه الاهتزازات!"
"لا تُفرغوا كامل طاقتكم في الضربات، واحرصوا على مرونة الهجوم!"
استدار تشورا ناظرًا نحو جينارد بعينٍ ملؤها الحيرة.
وفي تردده ذاك، كان أحد الجنود قد شُقّ بطنه.
"لا تتردّدوا، واعملوا بحسب تعليماته!"
كبير الخدم العجوز لعشيرة الدم، كريس كورليوني، أوقع محاربًا من عشيرة الدم في الهواء. كان في جانبه جرح عميق قد نُزعت منه قطعة لحمٍ كاملة بمخالب أحد المحاربين الآخرين، ومع ذلك ظلّ مصممًا على نزع قلب خصمه رغم صرخاته الغاضبةط.
"أنتم تواجهون جيشًا هو الأقل عددًا، لكنه الأغزر خبرة في هذا العالم!"
"جيش الدم المقدّس!"
"العديد منهم خاضوا معارك تمتدّ لمئات السنين!"
"التشكيلات القتالية القديمة الكلاسيكية عديمة الفائدة في مثل هذا الموقف!"
"حسنًا!" تشورا ما زال مترددًا، لكن بيوتراي صدّ ضربة بصعوبة بالغة وهو يزأر غاضبًا.
"سنموت جميعًا خلال دقيقة على أي حال، فقط استمعوا لذلك الرجل هذه المرة!"
دونغ! دونغ! دانغ!
ألقى جنود جيدستار دروعهم، وألصقوا سيقانهم ببعضهم كما أمر جينارد.
أمسكوا سيوفهم بكلتا اليدين، وأعادوا تجمّعهم في تشكيلٍ جديد، ولم يعودوا يثقون بما تراه أعينهم.
وكانت النتيجة فورية.
فقد انخفضت الخسائر على الفور.
هجوم السراب السريع لعشيرة الدم، الذي يعتمد على مجموعات من ثلاثة، لم يعد ذا فعالية كما كان سابقًا بعد أن ثبُتت تشكيلة جنود جيدستار وأصبحوا أكثر مرونة بعد تخلّيهم عن الدروع. وعلى العكس، بدأ جنود جيدستار يردّون الهجمات بفاعلية أكبر، مستندين إلى ما يستشعرونه من اهتزازات بدلًا من الرؤية.
قطّب سايمون حاجبيه من بعيد. "لديهم جنديٌ ذو خبرة بينهم."
تأمل هيستاد بتركيز في هيئة كريس. "ولا تنسَ كريس أيضًا، ذاك الرجل كان أحد أفراد جيش الدم المقدّس."
"حان وقت الهجوم." التفت سايمون إلى ملكته. "لقد خسرنا أربعة حتى الآن."
"لا، القتال شيء، والحرب شيء آخر." هزّت كاترينا رأسها دون أن يتبدّل وجهها الجامد.
"حتى خبيرٌ من الفئة الفائقة قد لا يخرج سالمًا تمامًا من معركةٍ فوضوية تضمّ أكثر من خمسين مقاتلًا."
"ما زال علينا التعامل مع هذين الخصمين من الفئة الفائقة."
"أفضل أن أكون أكثر تحفظًا قليلًا. ولا داعي لإهدار قوتك."
"ففي النهاية، نحن نسير فوق أرضٍ غريبة."
"وفوق ذلك، علينا حماية ذلك الشيء حتى نعود به إلى شبه الجزيرة الشرقية." تمتمت كاترينا.
"لقد ظلّ أقرباء تلّة الوليمة الكبرى يطمعون فيه منذ زمنٍ طويل."
تنفّس تاليس الصعداء حين رأى أن المعركة المحيطة لم تعد مدمّرة كما كانت، لكن سيرينا التي بجانبه جذبت طرف سترته فجأة.
"أنت تُريد إيقاف هذه المعركة، أليس كذلك؟" ابتسمت سيرينا ابتسامةً غامضة.
وأشارت نحو كاترينا التي كانت على بُعد مسافة منهم.
"الأمر بسيط، وجّه لتلك البكاءة المنتحبة هجومًا مفاجئًا."
"كريس يمكنه المساعدة أيضًا، ولدينا احتمال كبير للنجاح."
"ثم نجلس ونتفاوض."
لهث تاليس بشدّة وهو يرمق سيرينا، ثم حوّل نظره إلى كاترينا.
(إنقاذ رفاقنا المحاصرين بمهاجمة قاعدة المُحاصِرين؟)
ورغم أنّه كان يعلم أنّ سيرينا قد أضافت شيئًا من أحقادها الشخصية في خطتها، إلا أنّه أدرك أيضًا أنّها الطريقة الوحيدة الممكنة.
سقط أحد الجنود وهو يلهث.
ولم يتردّد تاليس لحظةً أخرى.
"آيدا!" صرخ بغضبٍ جامح وهو يحدّق في الظلّ ذي الرداء الذي ما زال يقاتل بخفة.
"أسقِطي الملكة!"
فهمت آيدا ما يعنيه تاليس.
"واجبي هو حمايتك!" أجابت ببرود.
زمجر تاليس دون تردد، "رجالنا يُعانون ويموتون! أوقفيهم!"
نظرت إليه آيدا من تحت عباءتها وضمّت شفتيها.
"أرجوك!" حدّق فيها تاليس برجاءٍ حادّ.
أطلقت آيدا أنفاسًا قصيرة باستخفاف.
وفي اللحظة التالية، أخرجت الحارسة السرية من تحت عباءتها منجلًا مشغولًا بإتقان. مستعينةً بشجرة بتولا قريبة، قفزت عاليًا في الهواء.
ثم انطلقت نحو كاترينا!
كان المنجل الفاخر يرسم بنصله أنماطًا براقة، كأنه نبيٌّ يتنبأ بالمستقبل، مصيبًا ثلاثة من محاربي عشيرة الدم الذين حاولوا اعتراض طريقها.
اخترقت آيدا العوائق واستمرت في اندفاعها نحو كاترينا.
غير أنّ ذراعًا قويّة ظهرت من العدم وأمسكت كتفها الأيمن.
"سيّدتي!" صاح سايمون، الذي ظهر فجأة وهو يضحك بمرحٍ عارم. "أنتِ لي—"
لكن قبل أن يُكمل كلمته، شعر بكتف آيدا تهبط فجأة لتفلت من قبضته.
تغيّر تعبير سايمون.
(يا لهذه الخفة…)
ولم يكد يُكمل فكرته حتى كانت الحارسة السرية الملتفّة بالعباءة قد انقلبت في الهواء، تمسك بذراعيه وتنعطف بخفةٍ فوق كتفيه!
لم يكن لدى سايمون وقتٌ للدهشة. استدار بسرعة البرق، مهاجمًا بمخالبه كلتيهما، وجسده يتحرك كالبرق.
لكن جسد آيدا كان يلتفّ وينساب كأفعى بلا عظام، فلم يُمسك سوى بالهواء.
وضعت آيدا قدمها على كتف سايمون، واستعانت بقوته وهو يستدير لتقفز إلى الأعلى بسهولة، متجاوزةً العوائق، مندفعة نحو كاترينا دون عناء.
اسودّ وجه سايمون، فقد مرّت من جانبه دون أن يستطيع إيقافها ولو لثانية.
حتى كاترينا نفسها قطّبت حاجبيها حين رأت حركات آيدا.
خفتها لم تكن عادية أبدًا.
(الخبير الثاني من الفئة الفائقة.) كان هيستاد كورليوني ملامحه متجهّمة حين ظهر أمام آيدا.
(تلك العباءة… لعلّها ليست مقاتلة عادية من الفئة الفائقة) فكّر.
غير أنّه، ومهما بلغت من خفةٍ ومهارة، فإنها قبل ضباب الدم المنبعث من رقصة الصورة الدموية…
أطلق هيستاد ضحكةً قاتمة، وبدأ جسده يتلاشى.
لكن ملامحه تغيّرت في اللحظة التالية!
إذ دون أن يدرك، كان ضباب الدم المتكوّن من رقصة الصورة الدموية الخاصة بأحد أفراد عشيرة الدم الآخرين قد التفّ حول جسده بالكامل!
ظهر بتأنٍ خلفه كبير الخدم العجوز لسيرينا، كريس كورليوني، ممسكًا بعنقه بقبضةً حديدية.
"كريس!" هدر هيستاد بغضبٍ هائج، استدار بسرعةٍ فائقة وتحرّر من قبضته، لينقضّ بمخالبه نحو قلب خصمه.
وكأنّ الاثنين يتنقّلان عبر الفضاء، يختفيان فجأة عن الأرض ليظهرا فوق الأشجار، أو في الهواء، أو على الثلوج. كلّ ظهورٍ لهما كان مصحوبًا بصدامٍ خطيرٍ مزلزل.
"هيستاد، يا صديقي القديم!" أجاب كريس بوجهٍ بلا مشاعر. "لقد كانت لنا أيامٌ لا تُنسى."
تحوّل محاربا عشيرة الدم فجأةً إلى ضبابٍ معًا، وكإعصارين متداخلين، اندفعا متشابكين نحو الأفق.
لم يعد طريق آيدا نحو كاترينا محجوبًا.
فكّر تاليس في نفسه:
(إن استطاعت آيدا إخضاع كاترينا، أو حتى أن تتفوق عليها في القتال… فربما… تكون هناك فرصة).
غير أنه في اللحظة التالية، شعر بسيرينا، التي كانت إلى جواره، تعانق خصره برفق كما تفعل العاشقات.
قالت بهمسة، "بهذه الطريقة، لن يتمكن أحد بعد الآن من إزعاجي وإزعاجك."
كان تاليس منصبّ التركيز على الموقف، وهمّ بأن يزيح عنه تلك الساحرة الشمطاء السخيفة… لكن دماغه التقط فجأة أمرًا غريبًا.
(سيرينا… ألم تقل بعد الآن؟ الا يجب ان تكون بعث الإن، لماذا توقفت عن اللثغة فجأة؟)
استدار تاليس بذهول، محدقًا في سيرينا بعدم تصديق.
الليدي سيرينا كورليوني، بشعرها الفضي وعينيها الحمراوين، كانت تحدّق فيه بابتسامة خبيثة.
"لاحظت الأمر فور أن أفلت لساني؟
أنت حقًا حليفي.
أخيرًا أستطيع التحدث بشكل طبيعي. كان من المرهق للغاية أن أواصل هذا التمثيل طوال الشهر الماضي.
أنت ذكي أكثر من اللازم، أيها اللعين الصغير."
تجمد ذهن تاليس وهو يحدق في المشهد أمامه.
(ما الذي يحدث؟)
ولم يكن قد أتيح له وقت ليستوعب الأمر أو يحلله، حتى سقط على الأرض المغطاة بالثلوج فاقد الوعي.
…
وسط المعركة الفوضوية، كان رالف يقاتل أحد أفراد عشيرة الدم بخنجرٍ خفي بينما يتقدم بخطوات متثاقلة على ساقيه الاصطناعيتين اللتين لم يعتد عليهما بعد.
في تلك اللحظة بالذات، قطّب حاجبيه، إذ شعر بتغيّر الريح من حوله.
التفت فرأى إحدى العربات بين قافلة العربات وقد بدأت تتحرك فجأة.
الفرس الذي يجرّها انطلق كمن أصيب بالذعر، والعربة أخذت تبتعد بسرعة.
زمّ رالف حاجبيه بقوة، فقد عرف أنها عربة سيرينا.
(ما الذي يجري؟)
استدار ليخبر الآخرين، لكنه أدرك فورًا أنه لا يستطيع النطق.
تنهد رالف بيأس.
في هذه الأثناء، تدحرجت كرة غريبة مستديرة من كمّ إسترون كورليوني وسط الفوضى.
كانت الكرة مغطاة بنقوشٍ ورموزٍ غريبة.
لمح بيوتراي الكرة بعينيه الحادتين، فاسودّ وجهه غضبًا.
صرخ بأعلى صوته: "الجميع، إلى الأرض!"
تجمّد الجميع في مواضعهم لحظة دهشة.
زمجر بيوتراي: "إنها كرة خيمياء من صنع ساحر!"
تغيرت ملامح وايا على الفور، وقفز دون تفكير محاولًا الوصول إلى تاليس.
لكن حين التفت، لم يجد للأمير أثرًا وسط الفوضى.
(أين الأمير؟)
اشتعل القلق في أعماق قلبه.
وفي اللحظة التالية، انبثق ضوء هائل وانفجار عنيف من مركز تلك الكرة.
…
حين استعاد تاليس وعيه، وجد نفسه على عربة منطلقة بسرعة.
عرفها فورًا — كانت عربة سيرينا نفسها، وقد وُضع فيها تابوت أسود مطوي، إذ كان جسده مسندًا عليه.
حاول النهوض بصعوبة، لكنه أدرك أن يديه موثوقتان خلف ظهره.
حدّق الأمير في مقدمة العربة بدهشة.
كانت سيرينا كورليوني تمسك بالسوط، تبتسم له ابتسامة غريبة تُثير القشعريرة.
"ما الذي يحدث؟!"
ابتسمت سيرينا بخبث وهي تنظر إليه. "لا تقلق، يا حليفي. الجزء الأروع لم يبدأ بعد.
لقد حان وقت قلب الموازين."
ابتسمت الطفلة الصغيرة، التي بدت في السادسة أو السابعة من عمرها، وقالت: "إنه طريقي لاستعادة مكاني."
لكن ملامحها سرعان ما تغيّرت.
"إنهم سريعون في اللحاق بنا. كما توقعت من تلك الطفلة النحابة الحاقدة."
(ماذا؟)
لم يتمكن تاليس من استيعاب ما يجري أمامه.
طَخ!
اهتزّ سقف العربة كما لو أنّ أحدهم حطمه بقوة، فارتجّت العربة بعنف.
تأرجح تاليس من شدة الاهتزاز حتى سقط أرضًا، ثم جاء ارتطام أعنف جعل العربة كلها تهتز من جديد.
(ما هذا؟)
نظر تاليس خارج العربة مذهولًا ومضطربًا، وقد بدأت الأفق تتّضح مع غروب الشمس.
بوم!
اصطدمت العربة فجأة بشجرة بتولا، وانقلبت على الثلج.
تدحرج تاليس في داخلها متكدمًا متألّمًا.
هز رأسه محاولًا الإفاقة، وعضّ على أسنانه وهو يجاهد ضد الحبل الذي يقيّد يديه، محاولًا الوصول إلى خنجر "جي سي" عند خصره — ومن داخل العربة المهشّمة بدأ يزحف كدودةٍ يتلمّس طريقه للخروج.
وصل إلى أذنيه صوت سيرينا الطفولي القريب.
"لقد تجاوزت الحد، ما نوع الحقد الذي تكنّه لهذين الفرسين؟"
زحف تاليس بكل قوته حتى خرج من العربة وسقط على الثلج، ليلتقطه بعد لحظةٍ يدٌ قوية رفعته من ذراعه.
رفع نظره فرأى رولانا، كانت تمسك به وتقف بجانب سيرينا، تحدقان إلى الأمام كمن تواجهان خصمًا رهيبًا.
وهناك، في الجهة المقابلة، كانت تقف الملكة كاترينا كورليوني — ملكة الليل، المنتحبة — تحدق بهن بوجه متجمد.
قالت ببرود: "لن تهربي ولو أشعلتِ الفوضى.
بقوتك الجريحة غير المستعادة، لستِ نِدًّا لي.
انتهت هذه المهزلة. سلّمي تابوت الليل الأسود، وعودي معي،
لتواصلي كفارتك عن ماضيك البشع المقيت."
(ماضٍ بشع؟) نظر تاليس إلى سيرينا الصغيرة البريئة المظهر، وقد تسلّل البرد إلى قلبه.
(ما هو هذا الماضي؟)
قهقهت سيرينا بخفة وقالت: "أوه، لا أعلم أي ذنب ارتكبته. لم أفعل سوى الصواب دائمًا."
ردّت كاترينا ببرود: "الصواب؟"
غير أنّ تاليس أحسّ بوضوح أنّ غضب ملكة الليل اشتد أكثر.
ولأول مرة، رأى الكراهية والغضب المشتعل في عينيها الجليديتين.
قالت بصوت حاد: "حقًا؟ هكذا تفكرين بعد قضاء مئتي عام حبيسة في سجن حرم الدم؟
يا قاتلة الأب… سيرينا كورليوني."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬