▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 82: المنتحبة
…
"يا صاحب السمو! إنك محبوب حقًّا بينهم! الشعب لم ينسَ أن الكوكبة وعائلة جيدستار الملكيّة هما من ضمِنا لهم حياةً عامرةً كهذه!"
كان المتحدث هو البارون ليمور. وبصفته سيّدًا على أربع قرى محلية، كان قصره قائمًا عند نقطة التقاء تلك القرى الأربع. إلى الجنوب، امتدّ شارع النهضة في الإقليم الأوسط، وقد غطّته أوراقٌ صفراء ذابلة. أمّا إلى الشمال، فامتدّ مشهدٌ بانوراميٌّ لغابة أشجار البتولا، المميّزة للإقليم الشمالي.
كان هذا هو صباح اليوم الرابع من رحلتهم شمالًا إلى إكستيدت. توقّفوا عدّة مراتٍ في الطريق لإعادة التزوّد بالمؤن. وإن سارت الأمور على ما يرام، فسيعبرون حدود الإقليم الشمالي عند المساء، ويبلغون حصن التنّين المحطم في الليلة التالية.
وعلى الرغم من أنّ البارون ليمور لم يتجاوز الثلاثين بقليل، إلّا أنّه كان بدينًا يكاد يضاهي الدوق كولين العجوز حجمًا. كان يضحك حتى كادت عيناه تختفيان في طيّات وجهه.
تحدّث بحماسٍ إلى الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار، الذي كان محاطًا بأفراد الشعب المبتسمين.
"لقد كانوا يتطلّعون إلى قدومك بشوقٍ عظيم، ويشعرون بفخرٍ بالغ. إن استمرار سلالة عائلة جيدستار الملكية حقًّا تجلٍّ لعناية تجسيد الغروب."
ربّت البارون على بطنه وضحك.
"أؤمن بأنّه في عهدك القادم، ستغدو الكوكبة أكثر ازدهارًا وسعادة، وستتفوق على ماضيها ازدهارًا ونماءً!
فنحن، في النهاية، أحفاد الإمبراطورية!"
سار تاليس في القرية النظيفة اللامعة، حتى أكوام الثلج فيها كأنها كُنسَت بعناية. حافظ على ابتسامةٍ مثاليّة، ولوّح بيده للناس الذين ارتدَوا ثيابًا زاهيةً مبهرة.
بجواره، كان وايا وتشورا وخمسة من جنود الجيش الخاص لعائلة جيدستار يحيطون به بقلقٍ ويُبعدونه عن الجموع. تبعتهم آيدا من الخلف، وبخطواتها المتثاقلة بدا جليًّا أنّ معنواياتها منخفضة.
تحدث تشورا، قائد الجيش الخاص بتعبيرٍ جاد، "من الأفضل أن نغادر في الحال يا صاحب السمو. البقاء هنا ليس بالفكرة الجيدة."
أومأ وايا موافقًا وهو يوقف أحد المرافقين.
"إنه محقّ. واجبك أن تكون مبعوثًا، لا مفتشًا. نحن نمرّ بهذا المكان مرورًا عابرًا فحسب."
أومأ تاليس برأسه، ولوّح بيده بحركاتٍ لا يفهم معناها إلا شخصٌ واحد.
((كيف الوضع؟))
قطّب وايا حاجبيه وهو يفسّر إشارات الأمير. ثم التفت نحو الطرف الآخر من القرية بانزعاجٍ واضح، وكما توقّع، ظهر رالف في مكانٍ معزولٍ غير بعيد، وفي اللحظة المناسبة تمامًا. أجهد فكره قليلًا ثم أشار بدوره بإشارتين في الرد.
((في الخلف. مزيّفون. جميعهم.))
مزيّفون… هااه…
هبط قلب تاليس. نظر إلى الطفل الأقرب إليه، وكان في السابعة أو الثامنة، في مثل عمره تقريبًا.
كان الطفل أسمر البشرة، نحيلًا كالعظم، بثيابٍ لا تناسبه إطلاقًا. كانت يداه الصغيرتان لا تبلغان أطراف أكمامه، وعيناه تفيضان خوفًا، ويرتعش جسده الصغير، ومع ذلك أرغم نفسه على رسم ابتسامةٍ زائفة.
ورجلٌ في ريعان شبابه، بعينين خاليتين من الحياة، كان يلوّح بيده الخشنة المشوّهة بصعوبة.
وامرأةٌ خجولة تلفّ رأسها بوشاحٍ، ترتدي قميصًا وتنّورة لا ينسجمان في الشكل ولا اللون؛ قميصها كان واضحًا أنه من طرازٍ دارجٍ في العاصمة.
وشيخٌ يقارب الستين، يلبس عباءةً مضحكة المنظر تشبه ما يستعمله النبلاء للاحتماء من المطر، لكن النصف السفلي من جسده كان مغطّى بسروالٍ رقيقٍ بلا بطانة، وكان في ركنٍ بعيدٍ يرتجف من شدّة البرد.
وهذه القرية النظيفة المصفوفة فيها الجموع على جانبي الطريق لاستقبالي…
تنفّس تاليس ببطء ونظر نحو البارون ليمور بابتسامةٍ خفيفة.
أحقًا ظنّوا أنه أحمق؟
إذًا، يبدو أنّ لهذا العالم أيضًا قُرىً زائفة مثل "قرية بوتيمكين".
"لا بد أنّنا أنهينا التزوّد بالمؤن الآن." أشار تاليس مجددًا برموزٍ لا يفهمها إلا رالف، ثم قال بصوت منخفض لوايا وتشورا،
"فلنرحل."
رمق وايا رالف من بعيد بنظرةٍ غاضبة، إذ كان هذا الأخير يتخذ مظهرًا متفلسفًا متفكرًا. ثم أسرع ليلحق بالأمير مع تشورا، وهو يغمغم في نفسه بأنه هو من كان ينبغي أن يكون مرافق الأمير الثاني لا ذاك الغريب.
رغم محاولات البارون ليمور المستميتة لإقناعهم بالبقاء، ووداعه المتكلّف المملوء بالمديح، استعدّ موكب العربات الدبلوماسي للكوكبة المتجه شمالًا نحو إكستيدت للانطلاق.
تحدث بيوتراي، نائب رئيس الوفد الدبلوماسي، وهو يُخرج غليونه ويُشعل تبغًا أثار سحبًا كثيفة من الدخان الخانق.
"كنتُ أظنّ أنك تستمتع بإحساس أن تكون محاطًا بحشود المؤيدين."
ابتسم تاليس وهو يأخذ كوب ماءٍ من أحد الحرس.
"لا، بل أفضل أن أتذوّق دعمًا صادقًا بسيطًا لا زيف فيه. لا أودّ أن أرى الناس يُجبرون بأوامر سيّدهم على ارتداء ثيابٍ معدّة سلفًا، ويصطنعون الابتسامات أمامي، ويروون لي أكاذيب عن سعادتهم الزائفة في قريةٍ كُنسَت شوارعها على عجل، لاستقبال أميرٍ لا يكنّون له في قلوبهم أي مودة."
تنهد تاليس بهدوء.
"كم تظنّ من بينهم يبتسم لي وهو يضمر الكراهية لأميرٍ هبط عليهم فجأة؟"
فاجأه بيوتراي بجوابٍ حازم.
"ولا واحد."
على غير المتوقع، نفى بيوتراي كلامه. "إذا أصررتَ على العثور على أحدهم، فمن المرجح أن يكون ذلك البارون السمين فقط."
رفع تاليس حاجبَيه.
نفث بيوتراي سحابة دخانٍ بازدراء.
"لا تُضخّم من شأن نفسك، أيها الملك القادم. في نظر كثيرين، لا تزن النجمة التساعية عندهم أكثر من سنبلة قمح. القمح يُشبع بطونهم، فما الذي تُقدّمه لهم النجمة؟ آه، ربما منافع صغيرة. مثلًا، أن يطعمهم سيّدهم وجبةً دسمةً ويوزّع عليهم بعض الثياب القديمة ليستقبلوا بوريث للنجمة التساعية مرَّ صدفةً من هنا بمظهرٍ يليق بالمقام."
ظلّ وجه تاليس جادًّا. وقبل أن يصعد إلى العربة، ألقى نظرةً أخيرة على القرية الواقعة بين الإقليم الأوسط والشمالي.
"هذه نقطة التقاء شارع النهضة بغابة البتولا، تمرّ منها بضائع الشمال والوسط، والأرض وفيرةٌ هنا، والصيد متاح، ومع ذلك فالشعب يعيش في فقرٍ مدقع. أهو بسبب اختلاس الأجور؟ أم مشكلة في الأرض؟ أم الضرائب الباهظة؟"
نفث بيوتراي حلقتين من الدخان من أنفه بسخرية.
"لنقلها بصراحة. البارون ليمور تابعٌ للكونت تالون، يجبي الضرائب ويُلبي نداءات التجنيد بالنيابة عنه. وعائلة تالون بدورها من أقارب الداعمين لعائلة جيدستار الملكية. أما السبب الحقيقي لفقر الناس هنا، فهو أن حكّام الإقليم… وطنيّون أكثر مما ينبغي، ومخلصون للمملكة إلى حدّ الإفراط."
صمت تاليس برهةً حتى قاطعه وايا.
"يا صاحب السمو، ذلك المحارب العجوز ما زال يرفض المغادرة. إنه يتبعنا حتى الآن." وأشار نحو ظلٍّ أعرج خلفهم متنهّدًا. "لقد تجاوزنا مدينة نهر الجليد التابعة لعائلة تالون، وأظنّ أنّ الطعام والمؤن التي لديه لا تكفيه ليعود إلى مدينة النجم الأبدي. وفوق ذلك، لا يملك ما يقيه البرد، وكلّما مضينا شمالًا…"
تحدث تشورا وهو يمرّر أصابعه في شعره الأحمر.
"في رأيي، نسلمه للبارون ليمور. بذلك لن نقلق عليه إن مات جوعًا أو بردًا في الطريق."
هزّ تاليس رأسه وهو يحدّق في هيئة جينارد البعيدة، المصرّة على اتباعهم.
"لقد رأيتَ حاله. لا يُحسن التعامل مع النبلاء، والبارون على الأرجح سيرسله مباشرةً إلى زنزانة السجن."
"وهو، بعد كل شيء… كان الحارس الشخصي للدوق الراحل جون. يمكنك القول إنه مرتبط بعائلة جيدستار."
تلألأت نظرة تاليس. وتذكّر شقيق الملك الراحل في غرفة الدفن.
[ملك حرب النجوم، محرّر زودرا، دوق بحيرة النجم، جون ل. ك. جيدستار، 613-660]
"إذن، لنجلبه معنا."
نظر تاليس إلى نائبه الدبلوماسي بدهشة. كان اللورد بيوتراي محبطًا حين أدرك أن النار في غليونه قد انطفأت مجددًا بفعل البرد، فراح يبحث في جيبه في ارتباك. تنفّس وايا الصعداء، وأخرج قطعة صوّان وتقدّم نحوه.
"في رأيي، من يمتلك العزم ليتبعنا ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ سيرًا على الأقدام—شكرًا لك، لقد أنقذتني—إن لم يكن أكثر الأتباع ولاءً، فهو أعتى الأعداء خطرًا."
أشعل بيوتراي غليونه، وحدّق نحو نهاية أسطول العربات، حيث كانت العربة التي تضم التابوت. قال بسخرية: "مهما يكن، لديك سبب لتأخذه معك وتضعه تحت مراقبتك وسيطرتك. على أي حال، في أسطول عرباتك المبعثر ذاك، يوجد كل صنفٍ من المخلوقات."
قطّب تاليس حاجبيه متجاهلًا تذمّر بوتاري من مرافقة عشيرة الدم. "تابعٌ مخلص وعدوّ خطر. لا أرغب في المقامرة على أيٍّ من الاحتمالين."
استنشق بيوتراي نَفَسًا عميقًا من دخانه، وأغمض عينيه في رضًى. "يصعب الجزم. أحيانًا، كلا الاحتمالين يكونان صحيحين في آنٍ واحد."
رفع تاليس عينيه بضيق.
"سيدي الأمير، ماذا عن ذلك الجندي المخضرم؟" سأل وايا بحذر.
تأمّل تاليس للحظة، ثم بدأ يمشي باتجاه الجندي القديم من كتيبة ضوء النجم. تبعه رالف بهدوء من الخلف.
تجمّد وايا لحظة، ثم أسرع للحاق بالأمير الثاني. وفي الوقت نفسه، نظر إلى تابع الرياح الشبحية بنفورٍ واضح. وحين تجاوز رالف، خطا خطوة إلى الأمام تلقائيًّا ليصبح الأقرب إلى الأمير.
شعر وايا أن مكانته كخادمٍ للأمير باتت مهدّدة حقًّا بهذا الرجل ذي القناع الفضي، الذي لا يستطيع المشي إلا بأطرافٍ صناعية.
فعلى سبيل المثال، تلك الإشارات اليدوية التي لا يفهمها إلا رالف والأمير، مع أنه هو التابع.
صاح تاليس من بعيد: "أيها الجندي المخضرم! ما اسمك؟"
رفع جينارد رأسه وهو يحتضن نفسه مرتجفًا من البرد. وحين رأى النجمة التساعية المطرّزة على ثياب تاليس، أضاءت عيناه.
تذكّر المشهد قبل أعوام، حين خرج ذلك الدوق الكسول في منتصف العمر من الثكنات لأول مرة وسار نحوه مباشرة.
"يا دوق."
قال متلعثمًا بين ارتجافاته: "جـ… جينارد."
"ما زلت غير راغبٍ في الاستسلام، أليس كذلك؟" ضيّق تاليس عينيه. "لكن، كما تعلم، من المستحيل أن أسمح لك بمرافقتنا. لقد أُرسلت إلى هنا من قِبل زايِن كوڤندير، وأنا لا أثق به."
تجمّد جينارد، ثم سارع بالتوضيح، "أنا لست من مجموعتهم. لقد أُسرتُ على أيديهم… لا أعلم حتى لماذا أرادوا إرسالي إلى هنا—"
"لكن مرت ثلاثة أيام. لماذا تتبعني؟" قاطعه تاليس وهو يحدّق مباشرة في وجهه. "أعطني سببًا يجعلني أصدقك."
حدّق جينارد بتوهان في وجه تاليس. ((صحيح. فهو، في النهاية، ليس الدوق. لن يثق بي.))
لو كان الدوق، لابتسم ابتسامة غامضة، وربّت على كتفه، وقال بأسلوبه المتبذّل أن يأخذ وجبته ويغادر بعد أن يهمس، "سأراقبك." ثم يمضي مطمئنًّا.
لكن، بسبب هذه الشخصية بالذات… الدوق…
قبض الجندي المخضرم، ذو الثلاثين عامًا، على أسنانه ورفع رأسه. "حين أُحضرت إلى هنا، سمعت أولئك الذين جلبوني يقولون إنك ذاهب إلى إكستيدت لتهدئة غضب الشماليين وحقدهم… بحياتك أنت؟"
رمقه تاليس ولم ينطق.
ضمّ جينارد ذراعيه حول جسده المرتجف وقال متوسّلًا، "دعني أرافقك. دعني أتبع النجمة التساعية."
ظل تاليس صامتًا.
وحين أوشك جينارد على الانهيار من القلق، تكلّم الأمير الثاني أخيرًا ببطء، "سمعتُ أنك"—تنفّس تاليس—"كنت من كتيبة ضوء النجم، وكنت الحارس الشخصي للدوق جون، عمّي الأكبر؟"
خفت بريق عيني جينارد. "نعم."
وقد خذلته.
قال تاليس ببرود، "إن كان ولاؤك من أجل رفاقك في كتيبة النجم، يمكنك العودة إلى العاصمة ومواصلة خدمة والدي، الملك كيسل."
كان وجه جينارد مغطّى بالغبار، وأنفاسه متقطّعة وهو ينظر إلى تاليس. "لقد خدمته اثنتي عشرة سنة في العاصمة، لكن الآن… لا مكان لي أذهب إليه."
(صحيح.)
حين حُلّت كتيبة ضوء النجم، تبِع معظم الرجال قائدهم إلى حصن التنين المحطّم وخاضوا ثلاث معارك دموية ضد الإكستيدتيان. وبعد توقيع "عقد الحامية"، واصلوا حراسة حدود المملكة وسط البرد القارس ما.
لكنه لم يذهب. أراد أن يبقى في العاصمة، ليواصل خدمة النجمة التساعية وعائلة جيدستار. ليُكفّر عن ذنوبه.
لكن… كيسل…
تذكّر جينارد حياته المملة في فرقة حرس المدينة، التي استمرت اثنتي عشرة سنة، فضحك بمرارة.
وحين رأى تاليس ملامحه تلك، زفر بعمق.
"اذهب وابحث عن تشورا، صاحب الشعر الأحمر." قال وهو يومئ برأسه نحو الخلف تحت نظرات الدهشة في عيني جينارد. "بما أنك جندي مخضرم، اطلب منه أن يعيّنك في موقع. فالوفد الدبلوماسي لا يحتمل العاجزين."
ارتجف جينارد وهو يحدّق في تاليس. ثم اضطرب جسده بشدّة، وانهمرت من عينيه دمعتان لا إراديّتان.
تجمّد تاليس بدهشة. كانت هذه المواقف أكثر ما لا يعرف كيف يتعامل معه. فاستدار بسرعة وغادر.
تبعه وايا عن قرب، ولم ينسَ أن يلقي نظرة على رالف، الذي كان يحدّق في الجندي العجوز المليء بالدموع.
(شخص تائه آخر… تمامًا مثلي.)
ابتعد تاليس أكثر فأكثر.
إن كان حارس جون الشخصي، وشارك في تلك المعارك، فلا شك أنه عاش حقيقة الأحداث التي جرت خلف "العام الدموي". تلك الحقائق التي أبحث عنها.
دخل الأمير الثاني العربة دون أن ينطق بكلمة.
تابع موكب العربات مسيره، مغادرًا ارع النهضة ودخل غابة أشجار البتولا المميزة لإقليم الشمال.
في مساء اليوم التالي، حين وصل الموكب الذي كان يحمل راية النجمتين المتصالبتين أخيرًا إلى حدود غابة البتولا، بدأ الثلج يتساقط بلا انقطاع، حتى غدا كل ما حولهم مكسوًّا ببياضٍ فضيٍّ ناصع.
حين توقفوا للاستراحة، أشعل وايا مشعلًا من نار المعسكر التي أضرمها الحرس، ورفعه نحو تاليس الذي كان يحتكّ بيديه من شدّة البرد.
"انتبه للحرارة، يا صاحب السمو. من الآن فصاعدًا، وعلى خلاف العاصمة، لن يكون ذوبان الثلج أمرًا مألوفًا بعد الآن."
أخذ تاليس المشعل الدافئ بامتنان، وزفر نفَسًا حارًّا.
"هل جئت إلى هنا من قبل؟"
ابتسم وايا ابتسامةً خافتة.
"لم آتِ فحسب، بل خدمت هنا أيضًا. برج الإبادة يقع في الجنوب الغربي من نقطة التقاء إكستيدت واتحاد كاموس، داخل سلسلة الجبال الواقعة شمال الصحراء الكبرى. حينها كانت حرب الصحراء مشتعلة بشراسة. كانت الطرق في الصحراء الغربية مقطوعة، ولم أجد سبيلًا إلا الالتفاف عبر أراضي الشمال لأقدّم تقريري العسكري."
تأجج الفضول في صدر تاليس، وهمّ بالسؤال، لكن بيوتراي تقدّم نحوهما.
"هذا العام أبرد من المعتاد. حصن التنين المحطم سيكون أشدّ بردًا من هذا."
انحنى اللورد بيوتراي، وأخذ قبضة من طبقة الثلج الرقيقة على الأرض، ثم ازدادت ملامحه جديّة.
"إنه خبرٌ جيّد وسيّئ في آنٍ واحد."
"كيف ذلك؟" سأل تاليس بتواضع، إذ لم يكن يفقه الكثير عن إقليم الشمال ولا عن إكستيدت، موجّهًا سؤاله إلى الدبلوماسي المتمرّس واسع المعرفة، رغم فظاظته معه.
"الخبر الجيّد هو أنّ اليوم السابق للشتاء القارس—وهو طقس لا يوجد إلا في الشمال—سيأتي هذا العام أبكر من المعتاد. ومهما بلغت براعة أهل إكستيدت في القتال شتاءً، فلن يكون بمقدورهم حشد جيوشٍ كبرى أو تشكيل صفوفٍ قتالية، ولا حتى حصار الحصون في طقسٍ تتجمّد فيه المياه ما إن تُسكب. خطوط إمدادهم ستنهار من شدّة البرد."
تابع بوتراي بنبرةٍ متفكّرة،
"أما الخبر السيّئ، فهو أنه إن أراد لامبارد إسقاط حصن التنين المحطم، فهذان اليومان هما فرصته الأخيرة."
سرت قشعريرة في جسد تاليس.
وبينما كانت ملامح وايا ورالف تتجهّم، انتزع بيوتراي المشعل من يد تاليس بخشونة وأطفأه في الثلج.
"نعم، يا صاحب السمو، حصن التنين المحطم ليس بعيدًا. وإن كنت ما زلت تنوي إخماد نيران الحرب، لا أن تتجوّل في الطبيعة متأملًا جمالها، فالأجدر بك أن تُسرع وتمضي قدمًا!"
في تلك اللحظة، ارتجفت المرأة ذات الرداء الأسود، آيدا، الحارسة السرية، وقد كانت شاحبة المزاج طيلة الرحلة، فاعتدلت جالسة فجأة.
"هُناك… شخصٌ ما…" تمتمت وهي تنفض الثلج عن جسدها.
لكن صوتها قُطع فجأة.
"هجوم!" دوّى نداءٌ غاضبٌ من بعيد، كان صوت جينارد المخضرم.
قفز تاليس واقفًا، وكان وايا ورالف أسرع منه؛ أحدهما استلّ سيفه اللامع من غمده، والآخر وضع نفسه حاجزًا أمام تاليس.
"تشورا!" نادى بيوتراي بهدوءٍ صارم.
"تشكّلوا!"
وما إن صدح أمر تشورا الغاضب حتى دوّى صياح الثلاثين من جنود عائلة جيدستار.
سُحبت السيوف من أغمادها، وتراصّت التروس لتشكّل جدارًا يحيط بـ تاليس.
تكوّنت تشكيلة ضوء النجم الشهيرة في مملكة الكوكبة.
لكن تاليس، المحشور بين تابعه تابع الرياح الشبحية، أدار نظره في حيرةٍ بين ظلال المساء في غابة البتولا.
(أين الأعداء؟)
في اللحظة التالية، لم يحتج للتساؤل بعد الآن.
ظهرت خلف الأشجار شخصيّات غامضة، أشبه بأطيافٍ تتجسّد من العدم.
كان عددهم لا يقلّ عن عشرين.
ارتجف عمودُ فقرته من البرد والخوف.
لقد رأى من قبل بشرًا يظهرون بتلك الطريقة…
كأنّهم إطاراتٌ مشوّشة في فيلمٍ متحرّك.
رفع جنود عائلة جيدستار مشاعلهم في أماكن محدّدة داخل الدائرة الدفاعية، لتضيء المشهد.
تراقص اللهبُ على وجوههم، فبدت الظلال حولهم نابضة بالحياة.
بدأت الأشكال تتضح في ضوء النار — رجالٌ ونساء، يرتدون ملابس فاخرة ودروعًا أنيقة، وكأنهم استعاروا مجدًا من عصورٍ مضت.
كلّهم كانوا ذوي قامةٍ شامخة ووسامةٍ نادرة، لكنّ أعينهم كانت باردةً كحدّ النصل، مركّزة على تاليس ورفاقه كما لو أنّهم طرائدٌ محكومٌ عليها بالفناء.
"من أنتم؟" صرخ بيوتراي ببرودٍ، وهو يستلّ سيفه ويقبض في اليد الأخرى على مشعلٍ.
تحت أنظار جنود الكوكبة المندهشة، تقدّمت هيئةٌ أنثوية بخطواتٍ هادئةٍ رشيقة.
كانت امرأة.
أول امرأةٍ فاتنةٍ تقع عينا تاليس عليها منذ أن عبر العوالم.
جمالها سلب الأنفاس.
كيف يُقال؟ كانت… فاتنة حدّ الاختناق.
كانت ترتدي فستانًا أسود ضيّقًا مفصّلًا بعناية، يبرز انحناءات جسدها بلياقةٍ متناهية.
وجهها رقيقٌ وناعم، شعرها فضّيٌّ لامع، وعيناها بنفسجيّتان تلمعان كأنهما تدمعان بنورٍ غامض.
لو وُضعت في سوق الشارع الأحمر، لكانت حتمًا من النساء اللواتي لا يُؤذن بلقائهنّ إلا للنبلاء من رتبة الدوق فما فوق.
تلك الحسناء الغامضة، التي لا يمكن تحديد عمرها، حرّكت شفتيها الكرزيتين ببطءٍ وهي تنطق بصوتٍ باردٍ ميكانيكيٍّ خالٍ من الحياة.
"أيها السادة والسيدات، يومكم سعيد. أنا… كاترينا ڤان كورليوني. أعدائي يحبّون أن ينادوني بـ المُنتَحِبة."
تجمّدت الأنفاس في المكان.
التفت تاليس على الفور نحو العربة التي تحمل التابوت الأسود، وقد أصابه الذهول والارتباك.
كورليوني؟ كاترينا؟ المُنتَحِبة؟ أليس هذا…
لكن الأحداث تتابعت دون توقّف.
الجميلة ذات الرداء الأسود، بعينيها البريئتين اللامعتين، نظرت ببرودٍ قاتل.
اشتدّ بريق نظرتها، وضعت كفّيها على بطنها، وتكلّمت ببطءٍ شديدٍ وصوتٍ كالزمهرير.
"الآن، آمركم… أن تسلّموني أختي. ثم تنامون هنا… إلى الأبد."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬