سليل المملكة الفصل 76 — سليل المملكة 75

اقرأ سليل المملكة الفصل 76 — سليل المملكة 75 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 75: اتحاد الملكين

…

قصر النهضة.

طَق، طَق، طَق—

دَوّى صوتُ خطواتٍ مستعجلةٍ خلف الباب، خطواتِ حذاءٍ جلديٍّ بكعبٍ عالٍ يضرب أرضًا حجريةً صلبة.

دَفع!

انفتح الباب السميك لغرفة النوم بعنفٍ مدوٍّ.

"ما الذي أصابك بالضبط؟!"

انطلق صوتٌ أنثويٌّ غاضب، متوتر، لكنه واضحٍ وقاطع.

ارتجفت الخادمة التي كانت تكنس الأرضية بجانب الباب، فخفضت رأسها على الفور وهرعت خارجةً من الغرفة. ومن طرف عينها، أبصرت عشيقة جلالته، المسؤولة من الدرجة الأولى، السيدة التي كانت ذات نفوذٍ واسع في العاصمة، والضابطة الأسطورية التي يمكن أن تُسطَّر حياتها الحافلة بالتقلّبات في ديوانٍ من قصائد الرواة — جينيس بايجكوفيتش.

في تلك اللحظة، كانت تلك المسؤولة الجبارة تشتعل غضبًا وهي تخترق الغرفة، تصرخ بوجه كيسل الخامس الواقف عند حافة النافذة.

"أتريد فعلًا أن تقتل ابنك بيديك؟!"

عند النافذة، كان الملك يطلّ من الأعلى على الحشود المحتشدة أسفل قصر النهضة، ثم استدار ببطء.

"بصفتي ملكًا، عليّ أن أفعل هذا.

هذا كل شيء."

ارتجّ الهواء بصوت صفعةٍ حادّةٍ دوّى في الغرفة.

الخادمة لم تجرؤ على التباطؤ لحظة، فانكمشت مرتعدةً وغادرت الغرفة غارقةً في عرقٍ بارد.

"إنه ليس مجرد أمير، إنه لحمُك ودمُك! لم يكن هو من دمّر سلالة جيدستار، ولا هو من دبّر المؤامرة لإيذاء مملكة الكوكبة!"

كان غضبُ جينيس يشتعل كالنار، ولم تُبدِ أيَّ وعيٍ بأنها صفعت لتوّها الملك الأعلى للمملكة.

تاه كيسل الخامس لحظةً، ورفع يده يلامس وجنتَه التي ضُرِبت.

وبرزت في ذاكرته صورةُ "ضابطة الشرطة الشجاعة" ذات الحضور الطاغي كما كانت في الماضي، وكذلك أول لقاءٍ بينهما…

ألم تستقبله آنذاك بصفعةٍ على وجهه أيضًا؟

لكن الملك الأعلى استعاد اتزانه وتحدث ببرود ."يا للمصادفة، يودل قال كلامًا مشابهًا عن ذلك الفتى."

"ذلك الفتى؟!"

حدّقت جينيس بذهولٍ نحوه.

"ذلك ابنُك الوحيد!"

"نعم، ابني الوحيد."

كانت عينا كيسل تومضان بمزيجٍ معقّدٍ من المشاعر.

أخذ نفسًا عميقًا وأطلقه ببطء.

"ولأجل ذلك، اخترتُ له الطريق الأمثل — التجارب التي يجب على وريث المملكة أن يتحمّلها ويصمد أمامها."

تجارب؟

انقبض جبين جينيس، نظرتها تعكس صراعًا حادًّا وهي تواجه هذا الرجل القوي أمامها.

استنشق كيسل الخامس نفسًا عميقًا، وبدت عيناه باردتين كالصقيع.

"كيف يمكنه أن يكون ملكًا بحقٍّ إن لم يذق جحيمًا حقيقيًّا؟"

ارتجف قلب جينيس.

جحيم؟

جحيم.

تنهدت بعمق.

"كاي، علينا أن نتعلّم أن نعتاد على بعض الأمور… أو حتى… أن ننساها."

ابتسم الملك ابتسامةً ساخرةً بلا ملامح.

"أهكذا؟"

تقدّم خطوةً للأمام، وحدّق في وجهها مباشرةً.

"بلغني من غيلبرت أنك واجهتِ المغتالين في طريقك إلى قصر النهضة.

أتراكِ فعلًا قادرة على الاعتياد أو النسيان؟"

ارتجّ جسد جينيس كلّه وهي تحدّق فيه بعينين مضطربتين.

رفعت يدها المرتعشة، ووضعتها على كتفه، ثم مرّرت أصابعها على وجنته المتورّمة وقالت بصوتٍ يغشاه الألم واليأس، "كاي… لا يمكنك أن تعيش أسير الماضي إلى الأبد."

عضّت شفتها بخفة، وهمست برجاءٍ خافت، "أرجوك…"

اهتزّ كيسل الخامس من رأسه حتى قدميه، ونظر في عينيها المبللتين، نظرةً خنقتها الرقةُ والحزن.

فأجاب بهدوء، "الماضي أصبح تاريخًا. وما أراه الآن… ليس سوى المستقبل."

الماضي.

المستقبل.

حقًا؟

عضّت جينيس شفتها بلطف، وارتسمت أمام عينيها صورةُ صبيٍّ صغيرٍ وسيمٍ بريء.

وخزها الألم خلف عينيها، فكادت تبكي.

قبض الملك على قبضته من غير وعي، ثم أطبق أسنانه بقوة وأغمض عينيه بإصرار.

"أما ذلك الفتى… تاليس… فلا تقلقي بشأنه. سأهيئ له كل ما يحتاجه — كل ما يلزم الوريث من سلالة جيدستار.

لن… لن يتحوّل أبدًا إلى ليديا أو لوثر آخرين…"

ارتعشت يد جينيس قليلًا، وأطرقت رأسها وعلى وجهها ابتسامةٌ حزينةٌ باهتة.

"تعلم، خلال العشرين عامًا الماضية، خضعتُ لعشرات الاستجوابات، وتحمّلتُ نظراتٍ لا حصر لها، نظراتٍ تنطق بالمعاني…"

لفّت ذراعيها حول خصر الملك، وأسندت رأسها إلى صدره العريض.

قالت المسؤولة بصوتٍ متصدّعٍ، "كل أبناء جيدستار، سواء ميدير أو هوراس، أو حتى الملك آيدي… كانت عيونهم دومًا تحمل الحذر والجمود والصراع، سواء تجاه العالم أو تجاه أنفسهم.

والآن…"

اتكأت على صدره أكثر، وبدا الألم مرسومًا على ملامحها.

"منذ تلك السنة، أصبحت عيناك… مثلهما تمامًا."

اغرورقت عينا كيسل بالحزن حين سمع أسماءَ شقيقيه الكبيرين والملك الراحل.

"لكن عينيه هو… تختلف.

أشعر بأنه مختلف عنكم جميعًا…

وفي عينيه نظرة… لا تليق بصبيٍّ في السابعة من عمره…"

أطلق الملك تنهيدةً ثقيلة.

(ذلك لأنّ الفتى لم يذق بعد ما ذقته أنا…)

همست جينيس بخفوت، "حتى وإن كانت أمُّه… من ذلك النوع من الكائنات."

في تلك اللحظة، أحسّت جينيس بالجسد الصلب الذي كانت تستند إليه يتصلّب للحظة وجيزة.

شدّ الملك ذراعيه حول جينيس بقوة، وأجاب بأسنانه المضمومة وملامحه تتلوّى بالألم، "اطمئنّي يا جينيس، سيكون بخير… سيكون آمناً، وسيبقى على قيد الحياة. بما أنّه من نسل جيدستار، وينحدر من العائلة الملكية، بل وهو ابن تلك المرأة — فسيقدر على البقاء حيّاً حتى في الجحيم. ناهيك عن أنّ هذا المكان ليس سوى إكستيدت!"

…

"اقتلني انتقاماً للأمير موريا، ولإزالة حقد الملك نوڤين. أليس هذا ما قاله جلالته؟"

دخل تاليس القاعة في الطابق الأرضي، ونظر إلى غيلبرت، مشيراً إلى العاملين في المطبخ وهو يتابع.

"يبدو أنّ إكستيدت مكان بالغ الخطورة. فبعد كل شيء، ما زال بيننا ثأر قديم بسبب ’معاهدة الحصن‘، ثم تعرّض وفدهم الدبلوماسي لهجوم من القتلة، فقُتل ابن ملكهم المنتخب الوحيد ووريثه. الملك نوڤين غارق في الغضب الآن، وأمراء إكستيدت يطمعون بأراضينا كذلك. في ظلّ هذه الظروف، فإنّ أمير الكوكبة أشبه بحَمَلٍ وسط قطيع من الذئاب."

اطلق تاليس زفرة طويلة.

"لكن، هل وضعي الراهن أفضل من أن أكون مبعوثاً إلى إكستيدت في المستقبل؟"

تجمّد غيلبرت لبرهة.

"بوصفي الوريث الوحيد لعائلة جيدستار، فمنذ لحظة مولدي وأنا واقف في الجهة المقابلة لجميع الأسياد الكبار. أنظر إلى نانشيستر، وإلى كوڤندير، ناهيك عن آروند الذي زُجّ به في السجن حديثاً. فلو أصابني مكروه، فلكلٍّ منهم فرصة في اغتنام العرش."

صعد تاليس الدرجات، مارّاً بجانب لوحات الملوك الثلاثة للكوكبة، وقد انعكست في عينيه شرود فكره.

"قبل ظهوري، كانت أنظارهم على جلالته، أمّا بعد ظهوري، فقد كُتِب عليّ أن أكون الهدف الجديد. حتى مع قوّة قصر النهضة وسطوته، لا يمكن أن تضمن سلامتي أو أمني. هناك مثل من الشرق الأقصى يقول: ’رمح طويل من الأمام يسهل تفاديه، لكن سهماً بارداً من الظلال يصعب صدّه‘."

"بالمقارنة، قد يسعى أسياد إكستيدت لاستغلال الكوكبة. ربما لا يُسرّون بوجودي، لكن ليس من الضرورة أن يقتلوني. بل على العكس، من يتلطّخ بدم أمير الكوكبة سيصبح هدفاً لغضب الجميع. ستتحوّل المملكة بأسرها إلى عدوّه. المخلصون سيطلبون الثأر للعائلة الملكية، والطامحون سيبتغون السمعة الحسنة باسم العدالة."

"إكستيدت تتبع نظام انتخاب الملوك. بعد وفاة الملك المنتخب الأخير، يجتمع الآرشيدوقات العشرة لاختيار ملك مشترك يحكم مدى الحياة. لكلّ آرشيدوق فرصة، وكلّهم يتنافسون عليها. إنّ الانقسام الداخلي في إكستيدت أشدّ من الكوكبة."

"ربما لم تستعد الكوكبة قوّتها بعد، وليس لديها ما يكفي لتجاوز إكستيدت. لكن تحت إغراء التاج، فإنّ توحّدهم لسحق أحد أسياد إكستيدت ليس أمراً مستحيلاً. بل إنّ بقية الأسياد هناك سيسرّون بمشاهدة سقوط منافسهم في مؤتمر اختيار الملك."

"كما يقول أهل الشرق الأقصى، أنا أشبه بـ ’علبةٍ من الديدان‘، أيّ سيدٍ من أسياد إكستيدت أمت إليه بصلة لن يستطيع إيذائي، بل ولأجل مصلحته سيُضطر إلى حمايتي بأقصى ما يستطيع."

رفع غيلبرت حاجبَيه.

يبدو أنّه كان يقلق أكثر من اللازم. فبعد كلّ ما أمضاه مع سموّه خلال الأيام الماضية، أدرك أنّه ناضج وعاقل، وليس ممّن يحتاجون إلى من يقلق عليهم.

"وهكذا، لم يبقَ من أخشى أمره في إكستيدت سوى الملك نوڤين نفسه."

دخل تاليس غرفة الدراسة، يراقب الحرس وهم يدخلون طعام الغداء، ثم ابتسم نحو غيلبرت الذي استرخت ملامحه وقد بدا عليه الارتياح الواضح.

"غير أنّ هذا الأمر يغفل عنه الكثيرون. فعندما مات الأمير موريا في الكوكبة…"

"كان الملك نوڤين مقدَّراً له سلفاً أن يكون حليفاً لعائلة جيدستار الملكية ولي أنا."

ارتسمت ابتسامة أخيراً على وجه غيلبرت.

تثاءب تاليس وجلس على كرسيه في غرفة دراسته، دافعاً جانباً الكتب والملاحظات المبعثرة التي أمضى ليلته السابقة يتفحّصها.

"في الكوكبة، حين لا يوجد وريث ذكر مباشر، يُسمَح للوريثات الإناث بوراثة لقب الأب وأراضيه وأملاكه. دوقة تَلّ حافة النصل لدينا مثال على ذلك.

لكن في إكستيدت، لا تمتلك النساء أيّ حق في الميراث… وبما أنّ الملك نوڤين العجوز فقد وريثه الذكر الوحيد، فهذا يعني أنّ الخلافة في مدينة سُحُب التنانين ستصبح مشكلة عويصة. عائلة والتون لم تعد تملك فرصة في الاختيار الملكي القادم، وقد كُتِب عليها الانحدار إلى الزوال."

"في مثل هذه الظروف، ربما يخفّف الملك نوڤين ألمه وكراهيته لفقد ابنه الوحيد بإعلان الحرب على الكوكبة، أو بقتل وريث ذي أهمية مكافئة لي. غير أنّه حين يهدأ، سيدرك أنّ ذلك لن يجلب سوى دمار عائلة والتون النهائي."

"الأراضي المحتمل كسبها بالحرب أو بالمفاوضات مع الكوكبة ستؤول جميعها إلى الآرشيدوقات الثلاثة المجاورين في جنوبي إكستيدت. آرشيدوق الرمال السوداء، وآرشيدوق السحلية المرموقة، وآرشيدوق برج الإصلاح. هؤلاء الثلاثة هم المرشحون الأوفر حظاً في مؤتمر اختيار الملك المقبل. ورغم أنّ تلك الأراضي ستُسجَّل مؤقتاً باسم عائلة والتون، فإنّها ستُنتزع منهم عاجلاً أم آجلاً، لقربها الشديد من مناطق نفوذ هؤلاء الثلاثة."

"وهذا يعني أنّه في أيّ صراع بين الكوكبة والتنين، سيزداد الآرشيدوقات الثلاثة الأقوياء قوةً، بينما ستضعف عائلة والتون، وقد فقدت وريثها المباشر، أكثر فأكثر تحت حكم الملك نوڤين، حتى تفنى في النهاية."

"لهذا، لن يسعى الملك نوڤين إلاّ لتجنّب أي صراع بين الكوكبة والتنين، سواء حرباً أم مفاوضة. لن يسمح بسقوط أيّ من أراضي الكوكبة أو مواردها في أيدي الآرشيدوقات الجنوبيين الثلاثة. فذلك وحده يحافظ على توازن القوّة بين الآرشيدوقات العشرة في إكستيدت، ويضمن ألّا تنحدر عائلة والتون الضعيفة إلى هلاكها."

"ثمّ أخبرني، هل هناك مملكة عظمى غير الكوكبة، الملقّبة بـ’درع شبه الجزيرة الغربية‘، أو عائلة شهيرة مزدهرة قوية غير العائلة الملكية جيدستار، تكون أوفق حليف في لفت أنظار الآرشيدوقات الجنوبيين الثلاثة وإثارة ضغطٍ عليهم؟ إنّ معاملة الكوكبة أو عائلة جيدستار كحليفٍ طبيعي، إلى جانب ضمان استعادة قوّتنا حتى نصبح أشدّ من ذي قبل، هو وحده ما يضمن لعائلة والتون بقاءها وفرصتها في اختيار الملك المقبل."

"في مثل هذا المشهد، تتوحّد مصالحنا ومصالح عائلة والتون توحّداً غير مسبوق."

"والتون وجيدستار حليفان طبيعيان منذ الآن."

"ولعلّ فعل السماح للملك نوڤين بـ’قتلي‘ لم يكن سوى وسيلة صادمة استخدمها الملك ليُسكِّن غضب الطرف الآخر. وبعد أن يهدأ طيش نوڤين، ستنبت في قلبه كما في قلب الملك كيسل بذرة التفاهم. لا حاجة إلى عهدٍ، ولا إلى قسمٍ، ولا إلى مفاوضة؛ إنّه العهد الطبيعي."

"العهد الذي يخصّ عائلة والتون حاملة راية رمح سحاب التنين، وعائلة جيدستار حاملة راية النجمة التساعية — ’اتحاد الملكين‘."

تنفّس تاليس بعمق.

"إنّ ورثة بطلي معركة الإبادة البشريَّين العظيمين، رايكارو وتورموند، يجتمعان أخيراً. يا للسخرية، أن تتعاون المملكتان بإخلاصٍ لم تعرفاه إلا حين بلغ العداء بينهما أشدّه."

وهكذا بدا جليّاً كم كانت المملكتان الإقطاعيتان، الكوكبة والتنين، غارقتين في طور الطفولة السياسية. ففي عالمٍ يفيض بتقنياتٍ خارقة للعقل، ظلّ النظام إقطاعياً بامتياز. ظاهرياً، يملك الحاكم الأعلى سلطة الشؤون الخارجية والعسكرية، لكن في الحقيقة، يمشي على جليدٍ رقيق، يصارع الموت في صراعٍ مستمرّ مع أمراء الأقاليم.

"إنّ استقلال الدولة محدودٌ على نحوٍ بائس وضعيفٌ على نحوٍ مؤلم."

طوى الأمير أفكاره القديمة، ورفع رأسه وهو يتابع حديثه:

"إذن، بالمقارنة مع الكوكبة التي تبدو آمنة ولكنها في الحقيقة تعجّ بالمخاطر في كل زاوية، فإنّ إكستيدت التي تبدو خطرة وعدائية، لكنها في جوهرها آمنة ومحصّنة، هي خيرُ مكانٍ أُرسل إليه. هذا هو مقصود جلالته الحقيقي."

(آمل ذلك.)

قالها تاليس في أعماق نفسه.

وخطَر في ذهنه وجه الملك الخالي من التعابير. (ففي النهاية… لا أرى دفئاً في عينيه.)

عاد إلى وعيه وابتسم.

"إذن، أنا، بصفتي ممثلاً للعائلة الملكية جيدستار، قد أواجه اختبار الملك نوڤين في مدينة سُحُب التنانين. ربما سيتعمّد البعض إذلالي، وربما يسخر مني الأسياد ويجعلونني ورقة مساومة في صراعهم مع الكوكبة. قد أتعرض حتى للمؤامرات من قوى مختلفة بأهدافٍ متباينة. ومع ذلك، سأكون هناك أكثر أماناً من بقائي في الكوكبة…"

وفي اللحظة التالية، تلألأت عينا تاليس ببريقٍ حادٍّ من الثقة والعزم.

"لذلك، سأبقى حيّاً!"

ضحك غيلبرت بخفة.

لكن في اللحظة التالية، رفع رأسه فجأة وقال بجدية:

"ما دمتَ ترى الأمور هكذا يا صاحب السمو، فلا شيء يقلقني بعد الآن. لقد جئت اليوم لمناقشة أسماء المرشحين لمرافقيك الدبلوماسيين، وكذلك مرشحي خدمك الخاصين."

أومأ تاليس.

انحنى غيلبرت قليلاً.

"لكن قبل ذلك… يا صاحب السمو، هناك من يرغب في مقابلتك."

"مقابلتي؟" رفع تاليس حاجبَيه وهو يهمّ بتناول طعامه.

"في هذه اللحظة تحديداً؟"

تناول تاليس قطعة بطاطس بلا مبالاة ووضعها في فمه.

"إن كان الأمر مجرّد شخصٍ استهوته شهرتي ويريد رؤية آخر أميرٍ من جيدستار كما يُشاهَد كائنٌ نادر، فارفض الطلب باسمي. كن مهذباً في الرد، فقد أغضبتُ ما فيه الكفاية من الناس."

لكن غيلبرت هزّ رأسه نفياً.

"كلا، أظنّ أنّ هذا الشخص من القلائل الذين يريدون مقابلتك بصرف النظر عن كونك أميراً. في الواقع، منذ أكثر من شهر، كان يتعافى من جراحه في الثكنات الخلفية."

"أتعني…؟" رفع تاليس رأسه بدهشة، وقد تذكّر شيئاً.

طَرق… طَرق…

تردّد صوت الخطوات خارج غرفة الدراسة.

أومأ غيلبرت متنهّداً.

"لقد نجا من إصاباتٍ مروّعة، وكان يأكل عبر الأنابيب. حتى الأطباء ظنّوا أنّه لن يعيش، لكن إرادته في البقاء مذهلة حقاً، ولم نفتقر إلى الدواء ولا إلى العقاقير."

أفسح غيلبرت الطريق نحو مدخل الغرفة وقال بهدوء، "تفضّل بالدخول، هذا هو الشخص الذي أصرّ على لقائك. صاحب السمو الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار."

وضع تاليس أدوات الطعام جانباً، وقطّب حاجبيه بشدّة.

كانت يد الرجل اليسرى ملفوفة بضماداتٍ سميكة ومثبتة بلوح خشبي، يستند إلى عكّازين، حركته واهنة وكأنه لم يعتد عليهما بعد. دخل الغرفة مترنّحاً بخطواتٍ واهنة.

كان على عنقه أثرُ جرحٍ رهيب، ندبةٌ ملتوية من لحمٍ ملتحم، وساقاه المبتورتان لا تتجاوزان الركبتين.

رغم لحيته المهملة، وجسده النحيل، وقَصّة شعره الجديدة، وتلاشي وشمه القديم، تعرّف تاليس عليه على الفور. ذلك الرجل الذي كان يبكي يأساً في الماضي، وقد عاد الآن بعد أن تعافى من جراحه الخطيرة.

تابع الرياح الشبحية.

ميديرا رالف.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬