سليل المملكة الفصل 77 — سليل المملكة 76

اقرأ سليل المملكة الفصل 77 — سليل المملكة 76 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 76: برفقتك

….

كان رالف ذات يوم أمل عصابة قوارير الدم، الوحيد من مستوى الفئة العليا بين 'الاثني عشر الأقوى'. وبعد أن اجتاز الجحيم واليأس، التقى تاليس مجددًا بعد شهرٍ من الفراق.

"أُهنّئك، لقد صمدتَ حتى النهاية." ابتسم تاليس وأومأ برأسه. "لم تدع هذا العالم الملعون يهزمك."

ارتجف رالف قليلًا وفتح فمه فجأة. حلقه، الذي كان مزيجًا من اللحم والدم، ارتعش ارتعاشًا خفيفًا. لكنه لم يستطع سوى أن يتمتم بأصواتٍ غامضة غير مفهومة.

كان يعلم أيضًا أنه عاجزٌ الآن عن الكلام.

في مثل هذا الموقف، لم يعلم تاليس كيف يتصرّف لوهلة. حكّ رأسه وقال: "لا بأس، إن كان لديك ما تريد قوله، فاكتبه بالقلم."

خَفَتَ بريق عيني رالف.

قال غيلبرت متنهّدًا، "لقد حاولنا. لكنه أُمّي. لا يعرف الكتابة، حتى اسمه لا يستطيع كتابته، عدا الأرقام."

حين سمع هذا، أغمض رالف عينيه خجلًا وخفَض رأسه أكثر. شعر تاليس ببعض الحرج.

كاد أن ينسى أن رالف عاش حياته داخل عصابة. كان تاليس، الذي اعتاد كونه متسولًا في طفولته، يعلم أنّ أغلب من ينخرطون في العصابات قد عانوا حياةً بائسة. لم يُتح لهم أن يتلقوا تعليمًا لائقًا، إذ كانوا يقضون أيامهم يكافحون لكسب لقمة العيش عبر أعمالٍ غير قانونية.

لكن في اللحظة التالية، ولدهشة تاليس، عضّ رالف على أسنانه واتّكأ بصعوبةٍ على عكّازه، ثم انخفض بجسده المشوّه أمام تاليس الضعيف الصغير…

وانحنى انحناءةً عميقة.

تنهد تاليس. "حسنًا، لقد تلقيتُ شكرك."

رفع رالف رأسه، وجسده ما زال يرتجف. حدّق في تاليس بعينين تلمعان ببريق.

"ما خططك بعد هذا؟ هل لديك مكانٌ آخر تذهب إليه؟ لا أظن أنّ عودتك إلى عصابة قوارير الدم خيارٌ حكيم…"

ارتعش رالف قليلًا.

"العودة إلى عصابة قوارير الدم؟ إلى جناحي الأخت الكبرى… كاثرين؟" نظر إلى ساقيه، وانعكست على وجهه ملامح الألم. "ثم هناك نيكولاي…"

حين تذكّر عدوه الذي غدر به وطعنه من الخلف، تألّقت عينا رالف بنورٍ حاد. وبعد ثوانٍ، أطلق زفرةً مستخدمًا قدرته النفسية، وهزّ رأسه بيأس.

حدق فيه تاليس بتركيز.

"إذًا حسنًا." أطلق الأمير ابتسامة. "يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك."

أشرق بريق في عيني رالف.

ذلك الصبي… ليس منقذه فحسب، بل يحمل أيضًا مكانةً مؤثرة في المجتمع…

استدار تاليس نحو الكونت كاسو. "غيلبرت، كم تبقّى لدينا من وقت قبل أن نغادر إلى إكستيدت؟"

"الأمر يعتمد على المدة التي يستغرقها الغراب الرسول في الوصول والتواصل مع مدينة سحب التنين. على الأقل ثلاثة أيام، وأقصاها أسبوع، يا صاحب السمو." تحدث غيلبرت.

"ذلك كافٍ." أومأ تاليس ونظر إلى رالف. "خلال هذه الأيام، تعال إلى غرفة دراستي في النهار."

بدت الدهشة على ملامح رالف.

ذلك الفتى الواثق المتفائل، الذي منحه الخيار بين 'الحرية' و'النضال' حين كان على حافة اليأس، ابتسم قائلًا, "سأعلّمك القراءة والكتابة، وكيفية التخاطب بإشارات اليدين."

….

في زنزانة قصر الكرمة، كان جينارد، قائد فرقة الدفاع التابعة لمركز شرطة المقاطعة الشرقية البالغ من العمر إحدى وثلاثين سنة، ممدّدًا على الأرض.

كان يلهث، وجسده مثخنٌ بالجراح، وقد كبّلته سلاسل ثقيلة تمنعه من الحركة.

لكن صوتًا في أعماقه كان يهمس له ألّا… ألّا يفتح فمه.

مهما عذّبه أتباع هؤلاء النبلاء العظام أو ضربوه، مهما هدّدوه أو حاولوا إغراؤه…

ومهما رغبوا في معرفة خلفية أولئك الفرسان الذين ظهروا خارج قصر الكرمة تلك الليلة في المقاطعة الشرقية…

وجب عليه أن يُبقي فمه مغلقًا.

بعد انتهاء المؤتمر الوطني، أُعفي جينارد من مهامه في ساحة النجم. وفي اليوم التالي، جاء رئيسه مع مجموعة من رجال الشرطة إلى موقع خدمته في المقاطعة الشرقية. تلا رئيسه أمامه وأمام جميع جنوده لائحة اتهامٍ ضده بتهمة الفساد أثناء تأدية واجبه هناك.

تنفّس جينارد بعمق.

لم يكن لأنّ التهمة باطلة، بل لأنّ قبول الرشى من النبلاء في المقاطعة الشرقية كان عادةً شائعة وممارسةً مألوفة منذ زمن بعيد.

كلّ جنديّ في فرقة الدفاع، بل حتى رجال الشرطة، اعتادوا أخذ مثل هذه «العطايا». وكان مركز الشرطة على علمٍ بذلك، إذ كانوا يقتطعون نصيبهم من الأرباح. وكانت تلك العلاوات هي الدخل الإضافي الوحيد الذي يقدّمه جينارد لجنوده ذوي الأجور الزهيدة.

فلماذا هو وحده من وُشي به؟ ارتسمت الدهشة على وجوه جنوده.

لكن جينارد، الذي قضى اثني عشر عامًا في المقاطعة الشرقية، أدرك أنّه لا بدّ أنه اغضب شخصًا ذا شأنٍ رفيع.

تحت نظرات الكراهية من عشرة ضباط شرطة، لم يملك سوى أن يعطي سيفه العزيز _الذي احتفظ به اثني عشر عامًا ولم يفارقه قط_ إلى أكثر جنوده وعدًا بالمستقبل.

ذلك السيف كان هدية تلقّاها من دوق بحيرة النجم بعد الإنسحاب العظيم من ممر والا، إذ قال له الدوق مازحًا، "خُذه بدلًا من كيس الطحين الذي في يدك. بفضلك سنحظى بوجبةٍ طيبة." وكان يحمل شعار النجمة التساعية.

قُيّد يديه ورجليه، وغُطّي رأسه، ونُقل بعربة إلى قصرٍ مجهول.

دارت العربة كثيرًا، لكن جينارد، الذي اعتاد التجوّل في المقاطعة الشرقية أكثر من عشر سنوات، وبحكم عادته القديمة من أيامه في لواء ضوء النجم في مراقبة الطرق وحفظها، أدرك في النهاية أنهم أوصلوه إلى قصر عائلة كوڤندير الذي كان يمرّ به ثلاث مراتٍ كلّ يومٍ أثناء دورياته.

قضت مجموعة من الرجال – الذين بدا أنهم كانوا جنودًا سابقين – يومين كاملين في تعذيبه، لا لشيء سوى لمعرفة أمر أولئك الفرسان الذين اقتحموا المقاطعة الشرقية تلك الليلة، وربما تسللوا إلى قصر كوڤندير…

أرادوا أن يعرفوا أصل أولئك الفرسان.

لكن جينارد لم يكن ليستطيع البوح بشيء. لم يكن يجوز له ذلك.

لأنّ أولئك الفرسان… كانوا تحت راية النجمة التساعية. إنهم من العائلة الملكية جيدستار.

ذلك كان شعار جون، دوق بحيرة النجم. شعار لواء ضوء النجم. الشعار الذي قاتل تحته جينارد الأحمق قديمًا، مدفوعًا بحرارة الحماسة والطهر.

تحت تلك الراية كان رفاقه في القتال!

قبل اثني عشر عامًا، كان يجوب الأراضي المدمّرة بالحروب في غيبوبةٍ من الألم. عانى البرد والجوع والعذاب واليأس، وشهد القتل والحرق والاغتصاب والنهب كلّ يومٍ كأنه طيفٌ بلا روح.

حتى دخل المدينة مصادفةً، جائعًا حدّ الدوار، وأقدامه تقوده بغير وعي نحو مكتب التجنيد العسكري.

هناك التقى بالدوق الذكي المتفائل الواثق، دوق بحيرة النجم، وبـ لواء ضوء النجم.

كان آنذاك شابًا في التاسعة عشرة، فتى قرويًّا بسيطًا يتعرّض للاضطهاد، جاهلًا لا يملك سبيلًا للبقاء. وفي لواء ضوء النجم، تعلّم لأول مرةٍ معنى العمل الجماعي، وفهم معنى التضحية، وتذوّق طعم القبول والثناء، وتعلّم القراءة والكتابة، ورفع سيفه هاتفًا في لحظة النصر، وغنّى حول نار المخيّم، واتّخذ القرار بأن يكون الحارس الأخير لرفاقه.

هناك أدرك لأول مرةٍ أنّ في هذا العالم ما هو أسمى من مجرّد الشبع والبقاء حيًّا.

هناك، شعر أنه صار إنسانًا بحق، لا وحشًا همجيًا لا همَّ له سوى البحث عن الطعام وإشباع جوعه.

كانت فرقة الحرس الشخصي للدوق ولواء ضوء النجم هي منزله، مأواه، وكلّ ما يملكه في حياته. المكان الذي ظنّ أنه سيقاتل فيه بشجاعة حتى آخر أنفاسه.

حتى حلّت مأساة زودرا — تلك الخيانة المخزية الحقيرة، ذلك الغدر الدنيء المحتقر، تلك الطعنة الجبانة في الظهر.

حينها فقط، رأى الدوق مسجّى بهدوءٍ بين أفراد حرسه الشخصي. وبين عويل الكتيبة المفعم بالندم والغضب، أوصاهم بصدقٍ قائلاً: "اعتنوا بأنفسكم." ثم ابتسم، والدموع تترقرق في عينيه، وأغمض جفنيه ورحل إلى الأبد.

كانت تلك… خطيئة الحرس الشخصي. كانت ذنبهم.

(لو أننا أدركنا في وقتٍ أبكر… لو أنني تحركتُ أسرع قليلًا… لما كان الدوق… لما كان منزلنا…)

ولذلك، حين كان جينارد يتلقى الإهانات الوقحة من جنود العائلة النبيلة، ويُستجوَب ويُضرَب ويُهدَّد كي يُفشي هوية أولئك الفرسان الذين قاتلوا تحت راية النجمة التساعية…

كان يشعر أن صموده، وعناده، وصمته، بل وجراحه التي غطّت جسده حتى كاد يفقد حياته، لم تكن سوى كفارةٍ.

كفارةٌ لذنبٍ لطالما نهش روحه بالإثم والندم واللوم طوال اثني عشر عامًا. وكأنّ ما يفعله الآن هو محاولةٌ متأخرة لتطهير نفسه، بعد اثني عشر عامًا من البلادة وفقدان الرغبة في الحياة.

كلّ ذلك من أجل المكان الذي كان يومًا منزله. ومن أجل واجبه كعضوٍ في الحرس الشخصي للدوق الذي رحل جسده، لكنه سيبقى خالدًا في ذاكرته.

"سيدي فقط يريد أن يتحقق من بعض الأمور." جاء صوت رجلٍ مسنٍّ ذي شعرٍ أبيض من وراء باب الزنزانة، هادئًا متزنًا.

"إنه يريد فقط معرفة هوية أولئك الفرسان، لا أكثر. أقسم بشرف سيدي أنه لا ينوي إيذاءهم."

ضغط جينارد أسنانه بصمتٍ وامتنع عن الرد.

"من سيرى عنادك؟ وبالمثل، من سيرى ضعفك؟ يكفي أن تخبرنا بشيءٍ بسيط… مجرد القليل… لن يعلم أحد."

ظلّ جينارد صامتًا، شفاهه مطبقة بإحكام.

"نحن نعلم أنك تعلم شيئًا. جميع جنودك قالوا إنهم لم يحملوا رايةً ولا شعارًا. إذًا، هل كانوا أشخاصًا تعرفهم؟ ربما رفاقًا قدامى؟ أصدقاء كنت مستعدًا أن تموت لأجلهم؟"

لكنّ جينارد بقي صامتًا. تنهد العجوز ذو الشعر الأبيض وغادر الزنزانة.

أرخى جينارد فكه المتيبس، ووقع على الأرض يلهث بأنفاسٍ متقطعة. لقد صمد مرةً أخرى.

لكنه لم يكن يعلم أنّ آشفورد، كبير خدم عائلة كوڤندير، كان يصعد إلى الطابق الأعلى من قصر الكرمة. انحنى باحترامٍ أمام سيده الشاب، زاين كوڤندير، دوق الساحل الجنوبي.

"لقد حصلت على الجواب. أولئك الفرسان ينتمون إلى عائلة جيدستار."

استدار زاين عن النافذة التي تعبق برائحة الدم، وعلى وجهه ملامح تفكيرٍ عميق.

"كنت أظن أنه رفض الكلام مهما حدث؟"

قال آشفورد بوجهٍ بلا تعبير، "هناك أمور يمكن معرفة إجاباتها حتى لو لم يتكلم الطرف الآخر. كان جينارد في لواء ضوء النجم، وعضوًا في الحرس الشخصي لـ جون جيدستار، دوق بحيرة النجم، وملك الحرب النجمية. وبعد أن فككت سونيا ساسير لواء ضوء النجم، كان من بين من رفضوا الانتقال شمالًا إلى حصن التنين المحطم، فتقاعد وأصبح ضابط شرطة."

تحركت نظرات زاين ببطءٍ، متأملًا، وكأنه يغوص في أعماق التفكير.

أومأ آشفورد قليلًا، "من الواضح أنه جنديّ متميّز قويّ الإرادة. إن كان هناك ما يجعله يلتزم الصمت مهما كان، فلا شك أنه مرتبط بما عاشه في خدمته العسكرية.

أعتقد أنه بخبرته الطويلة في الكتيبة والحملات العسكرية، أدرك خلفية أولئك الفرسان عديمي الراية. وبفضل الأُخوّة التي جمعته برجال عائلة جيدستار أثناء وجوده في اللواء، فقد أصرّ على حماية هويتهم."

تأمل زاين كبير خدمه العجوز لثوانٍ بصمت.

ثم تنهد أخيرًا.

"إذًا، الجهة الوحيدة التي تنطبق عليها تلك الصفات هي الجيش الخاص لعائلة جيدستار في قاعة مينديس. وبعد ما حدث بالأمس، عاد الأمير الجديد مباشرةً إلى قاعة مينديس أمام أعين الجميع… إذًا، ذلك هو الكنز الملكي المفقود من القاعة؟"

هزّ زاين رأسه مبتسمًا بسخريةٍ خافتة. "همف، أخشى أن الكنز الملكي المزعوم الذي فُقد من قاعة مينديس لم يكن سوى ذلك الأمير الجديد نفسه! نيكولاي قبض على ذلك الفتى وأحضره إلى قصر الكرمة… ولهذا السبب اقتحموا المكان سرًّا ليستعيدوه!"

"آشفورد، هل تدرك أننا أمسكنا بمصير المملكة بين أيدينا مرتين؟ مرتين!" رفع زاين رأسه وأغمض عينيه بقوة. "وفي كل مرة… تركناه يفلت من بين أصابعنا."

خفض آشفورد رأسه بهدوء، ولم ينطق بكلمة.

مرّ زمنٌ صامت.

ثم قال زاين بصوتٍ بارد: "عالجوا جراح ذلك الجندي من لواء ضوء النجم."

رفع آشفورد نظره نحوه، في عينيه لمحة استغراب.

"أتعلم… مهما كان الأمر، فإنني أدين لذلك الفتى بشيء…" قبض زاين كفيه بقوة، واشتعل الغضب في عينيه. "ولا أريد أن أتردد حين يحين وقت مواجهته."

ثم استدار وغادر القصر المفعم برائحة الدماء دون تردّد.

"هل كنت تعلم، يا سيدي؟"

وراءه، ابتسم آشفورد ابتسامة غامضة، "أصبحتَ تشبه الدوق السابق أكثر فأكثر."

دون أن يدير رأسه، أجاب زاين باحتقار، "وتريدني أن أكون أحمق مثله، تُدبَّر ضدي المؤامرات من أقاربي لأُذبح في غرفة نومي دون أن أدرك ذلك؟"

هزّ آشفورد رأسه قليلًا وتنهد بعمق، ثم خفّض رأسه وأبلغ خبرًا آخر. "سيدي، وصلت أنباء من مدينة اليشم… السيدة هيل…"

رمق آشفورد سيده بنظرة فاحصة، بدا كمن يريد أن يتابع الحديث، لكنه تردد.

توقف زاين عن السير. استنشق الدوق الشاب نفسًا عميقًا، كأنه يتهيأ لسماع ما لا يُسرّ.

كان صوته جليديًّا وهو يقول: "تكلّم. ما الأمر السخيف الذي قامت به أختي العزيزة الحمقاء ذات الاثني عشر عامًا هذه المرة؟"

عند سماع ذلك، انحنى آشفورد بعمق وقال بحذر، "الآنسة هيل غادرت بالفعل إلى دوقية سيرا قبل خمسة أيام، برفقة اللورد كاساين لحمايتها. لم يجرؤ أيٌّ من الخدم على إيقافها."

التفت زاين نحو آشفورد.

بدت على وجهه ملامح الحيرة، وقطّب حاجبيه، "سيرا؟ دوقية سيرا التي تفككت وعمّتها الفوضى بعد اغتيال الآرشيدوق؟ أليست تلك المنطقة مصابة بطاعون مؤخرًا؟"

انحنى آشفورد قليلًا، "العذر الذي أعلنته أمام العامة هو رغبتها في مساعدة الناس المتضررين من الطاعون. غير أن خادمك المتواضع يشتبه بأنها عثرت على معلومات عن تلك المنظمة."

"تلك المنظمة؟"

تجمّد وجه زاين فورًا، وتشنّجت ملامحه، كأنه يتذكر أمرًا لا يُحتمل…

إلى أن انفجر فجأة، "أوَ لم يكفي أنها تسببت في مقتل والديها؟!"

كان صوته يغلي بالغضب والحنق. "أيُّ مصيبة أخرى تريد أن تجلبها لعائلة كوڤندير؟!"

لاذ آشفورد بالصمت. وبعد مضي أكثر من عشر ثوانٍ، اطلق زاين تنهيدة ثقيلة.

وفي النهاية لوّح بيده مشيرًا إلى إصدار أمر. "أرسلوا مزيدًا من الرجال، وتأكّدوا من سلامتها." أطبق زاين جفنيه بإحكام، وشد على أسنانه قائلًا بغضب: "وتأكّدوا أيضًا أن هويتها تبقى سرًّا… يجب ألا تُكشف أبدًا، أبدًا، أبدًا…"

اهتز صوته، وكرّر كلمة "أبدًا" ثلاث مرات.

أومأ آشفورد بخفة، وغادر قاعة القصر قبل سيده بتروٍّ.

وحين ابتعد الخادم، ارتجف زاين وهو يتشبث بعمود رخامي.

طَخ!

هوى بقبضته على العمود بقوة!

ثم أسند رأسه عليه وزفر بأنينٍ عميق.

(التهاون والإخفاق السابق… لا يمكن أن يتكررا ثانية… يجب ألا أفشل… لا يجوز لي أن أفشل! عليَّ أن أصبح ملكًا. يجب أن أصبح. فقط حين أبلغ العرش، حين أقبض على كل سلطة في الكوكبة… وإلا… هيل… من في هذا العالم يمكنه حمايتك؟ من يمكنه أن يحمي… شخصًا مثلك؟)

…..

قاعة مينديس، القبو.

"تهانينا، يا أميـري، الأمير تاليس، الأمير الثاني."

سيرينا، ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين، الصغيرة الهاربة من مملكة الليل والتي تجاوز عمرها الأربعمائة عام، نظرت إلى تاليس بنظرة معقدة.

"لقد سمعنا بوضوح الهتافات تعلو من ساحة النجم."

ضيّق تاليس عينيه وقال باستسلام، "هذا مبالغ فيه قليلًا… فالمسافة من هنا إلى ساحة النجم… على أية حال، تحالفنا خطا خطوة أخرى نحو هدفه."

من دون أن يبدُو عليها الخجل — بل كان يشكّ انها كانت تملك أصلًا أي قدر من الخجل — قاطعته سيرينا وتابعت الحديث: "والآن، سننتظر الوقت الذي تُتوَّج فيه ملكًا، ثم يمكنك أن تساعدني على استعادة عرشي. لا تقلق، سأبذل كل ما في وسعي لمساعدتك."

تصلّب وجه تاليس تحت ضوء المصباح الأبدي.

(ستبذلين كل ما في وسعك لمساعدتي؟)

( إنها تتحدث وكأنني لست الوريث الوحيد للمملكة، وكأنني لن أستطيع اعتلاء العرش دون عونها.)

(بل على العكس، منافستها وخصمها، المُنتَحِبة تلك، أو ملكة الليل… هي التي ينبغي أن تقلقي بشأنها، لا أنا…)

شعر تاليس بالصداع يتسلّل إلى رأسه.

(أيتها الساحرة الشمطاء الماكرة، لا تتركي فرصة دون أن تستغليها لنفعك…)

(تتحدثين عن تتويجي وعودتك إلى العرش؟ يا شمطاء، ألا يمكننا عكس الترتيب؟)

لكنه في النهاية لم يُفصح عن أفكاره.

تنحنح تاليس تظاهرًا، وقال، "إذًا، فلا بد أنكِ سمعتِ أنني سأغادر قريبًا إلى إكستيدت."

أومأت سيرينا وابتسمت ابتسامة غامضة.

(هذا الفتى البشري… هل تظن أنني لا أعرف ما تُخطط له؟)

"قبل أن أغادر، سأوكلكم إلى… همم، والدي…" انتقى تاليس كلماته بعناية.

"سأذهب معك."

تابع تاليس الإيماء وهو يحاول التفكير بما يقول تاليًا. "… فأنتِ، بعد كل شيء، شخصية مهمة من حكومة مملكة أخرى، ولن يكون أبي مضيفًا سيئًا بالتأكيد…"

"سأتبعك أنت فقط."

بدأ صوت تاليس يخفت تدريجيًا.

"ماذا؟" قال وهو يقطب حاجبيه بحيرة.

"أقول إنني أريد أن أكون معك." ابتسمت سيرينا، تلك الفتاة ذات العينين الحمراوين التي تبدو في السادسة أو السابعة من عمرها ("أه؟ ألم تكن تبدو في الخامسة أو السادسة آخر مرة رأيتها فيها؟ أيمكن أنها نمت قليلًا؟" – فكر تاليس) وفتحت فمها بلكنة طفولية: "ما زال هناك بند آخـر ينص على أنك يجب أن تزودني بالدم مرة في الشهر، أليس كذلك؟"

تنهّد تاليس في داخله.

"ثم إن الحلفاء لا ينبغي أن يكونوا متباعدين عن بعضهم كثيرًا… ما زلت بحاجة إلى ضمان سلامتك."

تدحرجت عينا أمير الكوكبة إلى الأعلى مجددًا.

(معي؟ لتضمني سلامتي؟ بل لتضمني سلامتك أنتِ!)

لقد حدث ما كان يخشاه بالضبط، لكن في تلك اللحظة، دوى صوت غيلبرت من خلف الباب، "يوم سعيد لكم جميعًا… السير كورليوني، السير كورليوني، والسيدة كورليوني… أنتم حقًّا تتحملون المسؤولية بإخلاص. تشورا، خذ قسطًا من الراحة."

بعد لحظات، دوّى طرق على باب القبو.

جاء صوت الكونت كاسو من الخارج قائلًا، "أعتذر لمقاطعة حديثكما، الأمير تاليس والآرشيدوقة كورليوني، غير أن… ردّ إكستيدت قد وصل… أسرع مما توقعنا."

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬