خمس عشرة دقيقة
——
السلام عليكم والرحمة وبركاته.
اعتذر عن التأخر بتنزيل الفصول لكن انتهت إجازتي وانشغلت بعملي بالمستشفى ولكن إن قُدِّر رح أحاول قد ما اقدر أن بيكون في فصول مستمرة إن قُدِّر وقوته.
——
جلس الملك كيسيل عاليًا فوق العرش، يراقب تاليس في صمت.
كانت نظرته ساكنة فاترة، وحركاته متمهلة، على النقيض تمامًا من هيبة الملك نوفين الطاغية وحضور الملك تشابمان العدواني.
لكن ذلك لم يمنح الفتى أدنى شعور بالارتياح.
ابتلع الأمير ريقه، وحاول قدر استطاعته إرخاء عضلاته المشدودة وتهدئة ذهنه.
حتى اليوم، لم يكن تاليس يفهم والده.
أي نوع من الرجال كان؟
قاسي القلب؟ صامتًا؟ مهيبًا؟
ربما.
باستثناء لقائهما في مقبرة آل جاديستار، الذي لم يكن حوارًا بقدر ما كان تاليس يستمع إلى كيسيل دون أن ينبس بكلمة، لم يتبادل تاليس مع كيسيل الخامس حتى عشر جمل كاملة.
بل كان لدى تاليس ما يدفعه إلى الشك في أن مجموع الوقت الذي قضياه منفردين خلال السنوات الست الماضية لم يبلغ خمس عشرة دقيقة أصلًا.
ومع ذلك، طوال حياة الفتى القصيرة، ظل ملك القبضة الحديدية كسحابة سوداء معلقة عاليًا فوق رأسه.
بدت بعيدة في الأفق، لكنها لم تكف قط عن إلقاء ظلها عليه وإحاطته به.
سواء في المؤتمر الوطني، أو مفاوضات إيكستيدت، أو ليلة دم التنين، أو جلسة شؤون الدولة في مدينة سحاب التنين، أو نصائح جيلبرت المخلصة، أو انتقادات كوشدر التنين الأعور…
كانت كل تلك التجارب تذكّر تاليس، بصورة غير مباشرة ولكن متواصلة، بأي نوع من الرجال كان والده.
لكن حين وقف أخيرًا أمام تلك السحابة السوداء نفسها، اكتشف تاليس أنه ما زال غير مستعد.
ما زال لا يعرف كيف يواجهه.
«أنت مخطئ.»
خفض تاليس رأسه متجنبًا تلك النظرة الصامتة التي تبعث القلق. أخذ نفسًا عميقًا وحاول طرد المشاعر السلبية التي لم يكن قد انتبه إليها بوضوح، قبل أن يصفها الملك بدقة فتغدو أشد حضورًا في داخله.
«أنا لست قلقًا. في الحقيقة، مغادرة إيكستيدت والعودة إلى المملكة—»
لكن الملك لم يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه.
«ألا تبدو لك هذه النبرة مألوفة؟»
لم يعد كيسيل ينظر إلى تاليس.
ارتفعت زاوية فمه في انحناءة غريبة، تحمل شيئًا من الازدراء.
رفع تاليس رأسه بسرعة، وقد بدت الحيرة على وجهه.
«مألوفة؟»
قال الملك ببرود من فوق عرشه القائم أعلى الدرج الحجري:
«لا بد أن كومة العظام العجوز في الصحراء الغربية تظاهرت بالغموض أمامك بالطريقة نفسها، وخدعتك وأرعبتك وهي تثرثر في شتى الأمور التي لا صلة لها بالموضوع، أليس كذلك؟»
عقد تاليس حاجبيه.
«كومة العظام العجوز في الصحراء الغربية؟
«تظاهر بالغموض، وثرثرة في أمور لا صلة لها بالموضوع؟
«خداع وترهيب؟»
فهم تاليس.
وتذكر ما قاله أدريان لجيلبرت قبل قليل.
«منذ الأمس وجلالته يتابع باهتمام بالغ غربان المراسلة القادمة من الصحراء الغربية.»
«غربان المراسلة من الصحراء الغربية…»
وبينما حاول استنتاج مقصد الملك، زفر تاليس وقال بهدوء:
«نعم، لقد جاءني فاكنهاز بالفعل، لكنني—»
لسوء حظه، لم يمنحه الملك فرصة للشرح هذه المرة أيضًا.
أو بالأحرى، لم يكن مهتمًا أصلًا بسماع شرحه.
«أين السيف؟»
قاطعه كيسيل بهدوء.
«أين السيف الوطني للإمبراطورية القديمة الذي قدمه آل الجمجمة ذات العيون الأربع المرموقون هديةً في معسكر أنياب النصل، فأثار شكوك البعض وقلقهم، وأسعد آخرين، وأطلق تكهنات لا تنتهي في أنحاء المملكة؟»
توقفت كلمات تاليس.
كما توقع.
كان كيسيل قد علم أيضًا بأمر السيف المسمى «الحارس».
ولا بد أن…
الجناح الأسطوري هو من أخبره.
أجاب تاليس بصوت واضح وواثق:
«إنه بين أمتعتي، ويتولى رجال اللورد مالوس حراسته، لكن—»
«لا.»
للمرة الثالثة، قاطع الملك كيسيل دوق بحيرة النجوم.
«ليس هناك.»
مال الملك إلى الخلف ببطء، وأسند ظهره إلى مسند العرش.
«إنه في قلبك.»
تجمد تاليس.
راقب كيسيل الخامس دوق بحيرة النجوم الواقف أسفل الدرج بنظرة فاترة.
«وأنت نفسك لا تعرف إلى أين سيطعن ذلك السيف.»
ظل تاليس صامتًا طويلًا.
كان واضحًا أن الملك مستاء للغاية مما حدث في الصحراء الغربية.
لكن…
«أعتذر بشدة عما حدث في الصحراء الغربية.»
حاول تاليس استعادة رباطة جأشه قدر استطاعته، وبذل جهده ليعامل الرجل أمامه كما لو كان أحد أتباع الشمال الذين يستطيع التفاوض معهم.
«لكن فاكنهاز جاء إليّ لأن—»
ومرة أخرى، لم يستطع إكمال كلامه.
«حين أرسلتك إلى الشمال…»
كان أسلوب الملك كيسيل في الكلام مختلفًا عن الشماليين وأهل الصحراء الغربية.
صوته منخفض، ونبرته لا تكاد ترتفع أو تنخفض.
لكن مقاطعات ملك الكوكبة، رغم هدوء كلماته، لم تكن أقل ضغطًا من صوت الملك تشابمان المرعب أو أحاديث فاكنهاز المثيرة للذعر.
«لم تكن لدي توقعات كبيرة إلى هذا الحد بشأنك.»
انعقد لسان تاليس تمامًا.
كان الملك كيسيل شبه مسترخٍ على العرش، وهيئة جلوسه توحي بالراحة، لكن عينيه ظلتا مثبتتين على تاليس.
«على الأقل، لم تكن عالية إلى درجة أن أتوقع منك إعادة تشكيل الشمال وتنصيب ملك جديد.»
«إعادة تشكيل الشمال وتنصيب ملك جديد.»
أطبق تاليس شفتيه.
شعر بثقل الكلمات، وبما تحمله من سخرية وانتقاد خافتين.
«صحيح.
«إعادة تشكيل…
«وملك جديد…»
هذا بالفعل ما فعله قبل ست سنوات.
لكن مدينة سحاب التنين آنذاك كانت غارقة في رائحة الدم، والجثث متناثرة في كل مكان، وقصر الروح البطولية على شفا انفجار مواجهة شاملة.
عض الفتى شفته السفلى.
ثم رفع رأسه مجددًا بشيء من الاستياء.
«لم أقصد أن تسير الأمور هكذا، لكن—»
حين فكر فيما حدث قبل ست سنوات، ظن أنه سيتذكر الظلم الذي تعرض له آنذاك، ثم يسأل الملك بسخرية باردة عن مخططاته.
بل وربما سيسخر من فشل إدارة الاستخبارات السرية ويسأله لماذا وضعه في موقف بالغ الخطورة.
لكن في هذه اللحظة، حين رأى نظرة الملك كيسيل الهادئة، عرف أن الملك لا يهتم.
همس صوت خافت في قلب تاليس:
«لن يهتم.»
زم تاليس شفتيه.
وقمع السخط في أعماقه، ثم أدار رأسه جانبًا وقال:
«كان ذلك… حادثًا.»
ساد الصمت.
لم يكن تاليس قد اعتاد بعد ظلمة قاعة الاجتماعات.
قبل ست سنوات، كانت هذه القاعة واسعة ومضيئة.
وتذكر الفتى فجأة اليوم الوحيد الذي قضاه في قصر النهضة.
وتذكر انطباعه الأول عنه:
غرفة باردة.
سرير حجري صلب.
برد يتسلل إلى العظام.
وظلام هادئ.
كان…
يشبه البيوت المهجورة.
«لا.»
شخر الملك بخفة، فسحب أفكار تاليس إلى الحاضر.
«لم يكن ذلك حادثًا.»
حدق الملك في ابنه، واكتسبت نبرته غرابة طفيفة.
«أنت الحادث.»
تسارعت دقات قلب تاليس قليلًا.
«على الأقل، هذا ما قالته إدارة الاستخبارات السرية.»
«إدارة الاستخبارات السرية.»
هبط قلب تاليس.
«إدارة الاستخبارات السرية مجددًا.»
ضيق الملك عينيه قليلًا.
«عليك أن تفهم أن الأشياء القادرة على مباغتة إدارة الاستخبارات السرية للمملكة قليلة للغاية.»
«ليس بالضرورة.»
رد تاليس في قلبه بصمت.
ومع سماعه اسم إدارة الاستخبارات السرية، وبعد أن قوطع مرارًا، عاد الاستياء الذي قمعه قبل قليل إلى الارتفاع في صدره.
«حسنًا.»
أخذ الأمير نفسًا.
«دعني أصغ الأمر بهذه الطريقة. إن كان هناك حادث فعلًا، فسببه أنك—»
توقف تاليس لحظة، ثم غير صيغة خطابه.
«لأنهم لا يثقون بي.»
كانت مصابيح قاعة الاجتماعات خافتة، فأصبح الظل فوق العرش أكثر غموضًا.
همهم الملك كيسيل، وقال ما بدا سؤالًا دون أن يكون سؤالًا حقًا:
«لا يثقون بك؟»
شخر تاليس.
«نعم. سواء تعلق الأمر بالكوارث أم بلامبارد، أغلقت إدارة الاستخبارات السرية جميع قنوات الأخبار قبل عملياتها، وتركتني في الظلام، حتى حين كان ذلك يعرضني للخطر.»
زفر الفتى.
«وكاد ذلك يقتلني أكثر من مرة.»
ثبت تاليس نظره على الملك، محاولًا استشفاف شيء من ملامحه تحت الضوء الخافت.
ساد الصمت بضع ثوانٍ.
لكن ما خيب أمله قليلًا أن كيسيل ظل كما هو، جالسًا باسترخاء على عرشه، ولم تتغير نبرته أدنى تغير.
«حقًا؟»
دفع فتور الملك تاليس إلى شد قبضتيه غريزيًا.
«لم يكن لدي خيار.»
شعر تاليس بأن صوته صار أقوى وأكثر جرأة.
«اضطررت إلى التكيف مع الموقف والبحث عن سبيل للنجاة.»
لم يتغير الملك بعد سماع ذلك.
«حقًا؟»
ازداد ضيق تاليس.
«نعم!»
رفع صوته وقال باستياء:
«سواء من أجلي أو من أجل…»
توقف الفتى لحظة، وألقى نظرة على الملك.
«…الكوكبة.»
ظلت نظرة كيسيل عصية على القراءة.
لكن كلماته هذه المرة اختلفت.
«مثلما فعلت في المؤتمر الوطني؟»
تجمد تاليس لحظة.
«المؤتمر الوطني.»
تذكر فجأة ما حدث قبل ست سنوات، حين رفض أن يكون دمية في المؤتمر، فتحدث أمام الجميع، وأذهلت كلماته الحاضرين، ووبخ أتباع المملكة.
شعر ببعض الوخز في ضميره.
لكنه أومأ رغم ذلك.
«نعم.»
كانت نبرة الفتى قاتمة قليلًا.
«كنت… مضطرًا.»
رفع الملك رأسه ونظر إلى الطرف الآخر من قاعة الاجتماعات، كأنه يفكر في شيء.
وبعد بضع ثوانٍ، شخر بخفة وكرر:
«كنت مضطرًا لأنهم لا يثقون بك.»
أدار الملك الصولجان بين يديه وقال بنبرة متأملة:
«كنت مضطرًا؟»
لم يعرف تاليس كيف يجيب.
ربما لأنه لم ير كيسيل منذ زمن طويل، أو ربما لأن تصوره عن الملك تشوه بفعل كل ما سمعه عنه طوال السنوات الماضية…
لكنه اكتشف أنه عاجز عن قراءة مشاعر الملك الأعلى وتصرفاته.
كأن ستارًا يفصل بينهما.
وهذا شيء لم يختبره قط حين واجه نوفين أو لامبارد أو الدوقات الخمسة في الشمال أو دوقات الكوكبة الثلاثة.
وفي النهاية، ضحك الملك بخفة.
وفي اللحظة التالية، رفع الملك كيسيل رأسه، فكشف عن عينيه اللتين ظلتا هادئتين كعادتهما، لكنهما بدتا أعمق لسبب ما.
«أتقول إنهم لم يثقوا بقدرتك على التقرب من الملك نوفين إلى حد أنك، حين مات، وجدت نفسك غارقًا في المتاعب، وامتدت إليك نيران الكارثة التي لم يكن ينبغي أن تمسك، ووقعت في أيدي العدو، فاضطررت إلى الهجوم المضاد من قلب اليأس، والعودة إلى قصر الروح البطولية، وتنصيب ملك جديد؟»
ارتجف تاليس.
تابع الملك كيسيل، وكان لكل كلمة من كلماته وقع خاص.
«أم تقصد أنهم لم يثقوا بقدرتك على التقرب من الفتاة في مدينة سحاب التنين إلى درجة أنها أرادت التخلي عن كل شيء كي تبقى، فأغضبت أتباعها وقطعت علاقتها بهم علنًا، واضطررت أنت إلى لقاء لامبارد سرًا والبحث عن طريق آخر؟»
شعر تاليس بجفاف طفيف في حلقه.
واصل الملك ابتسامته الباردة.
«أم لعلهم لم يثقوا بقدرتك على إخفاء هويتك في الصحراء الغربية وإقامة صلات مشبوهة مع مجموعة من المرتزقة، حتى انكشفت هويتك واستُخدمت لتهديد بارون معسكر أنياب النصل، فاضطررت إلى…»
لم يكمل الملك.
اكتفى بابتسامة ساخرة.
لكن ذلك كان كافيًا.
أغمض تاليس عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.
«كنت أعرف.
«إنه يعلم.
«يعلم كل شيء.
«لكن…»
أدرك تاليس فجأة أن كل الحجج والاستنتاجات التي صاغها قبل ست سنوات، حين اعتمد على نفسه وحده، أصبحت واهنة للغاية أمام تلك الجمل القليلة.
كان يستطيع تفسير أفعاله.
لكن سواء تعلق الأمر بأسدا أو غيزا في ليلة دم التنين، أو بأصل الصغيرة المشاغبة، أو بالحبل السريع، أو بسر الحرس الملكي السابق…
لم يستطع شرحها.
لا يستطيع شرحها.
فتح تاليس عينيه وقال بصعوبة:
«هل هذا ما قالته إدارة الاستخبارات السرية؟»
هذه المرة، ظل الملك يحدق فيه طويلًا.
وفي النهاية، تكلم كيسيل مجددًا، لكن نبرته أخذت تزداد صرامة.
«جاء في تقرير مورات أنك، رغم كونك أميرًا، لا تعرف كيف تبرر أفعالك. تتقدم ببطء، وفي كل مرة تتصرف وفق هواك وتندفع بتهور، تجبر الجميع على معالجة المتاعب التي تسببت بها.»
ضيق كيسيل عينيه.
«أو، حسب تعبيرهم، تنظيف الفوضى التي تتركها خلفك.»
تجمد الفتى.
«مورات.»
زفر تاليس بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة أقبح من البكاء.
«أفهم. أنا… أعتذر بشدة.»
لكن الملك ضحك بخفة.
«أما جيلبرت، فلا يكف عن إخباري بأنك تتقدم بسرعة كبيرة. تتعلم من المواقف الصعبة، وتنمو وسط المحن، وتزداد حكمة مع كل تجربة تمر بها. عبقري نادر.»
«جيلبرت.»
شعر تاليس بدفء في قلبه.
«هـ-هو يبالغ في مدحي.»
تفحصه كيسيل، وتوقف عن تدوير الصولجان بين يديه.
«لكن لدى آيدا رأيًا ثالثًا.»
«آي…»
ما إن سمع الاسم حتى تجمد تاليس.
«من؟»
رفع تاليس رأسه بحيرة.
وكان الملك قد توقف عن الاتكاء على ظهر العرش، ومال إلى الأمام يتفحصه.
«قالت في رسالتها إنك تتقدم ببطء شديد، وفي الوقت نفسه بسرعة شديدة، وهذا يثير ضيقها إلى حد لا يحتمل.»
«لحظة…
«لحظة؟»
حين سمع الضمير بوضوح، كرر تاليس بعدم تصديق:
«آيـ-آيدا؟»
قفزت إلى ذهنه صورة تلك القصيرة المجنونة المفعمة بالحيوية.
اتسعت عينا تاليس وتحركت شفتاه بجمود.
«تلك المرأة…
«تعرف كتابة الرسائل أصلًا؟
«كيسيل يكذب، صحيح؟»
لكن كيسيل الخامس لم يبد أنه يرى في الأمر ما يضحك أو يثير السخرية.
واصل الملك حديثه بإيقاعه المعتاد.
«قالت إنك تتقدم ببطء شديد، حتى إنك لا تملك الشجاعة لمرافقتها إلى الغابة خارج مدينة سحاب التنين لصيد الأرانب وإضافتها إلى وجبتكما.»
أظلم وجه تاليس.
وشخر والده ببرود.
«لكنها قالت أيضًا إنك تتقدم بسرعة شديدة، حتى إنك تعرف مسبقًا كل مرة تنوي فيها التسلل خفية للصيد، فترسل شخصًا لمراقبة تحركاتها.»
راجع تاليس كلمات الملك في ذهنه ليتأكد من أنه سمعها فعلًا، ثم قال بحيرة:
«حسنًا، هذا حدث فعلًا. لكن هل صيد آيدا للأرانب مهم؟»
لم يجب الملك.
اكتفى بالتحديق في الأمير الثاني بصمت تحت الضوء الخافت.
رفع ذكر آيدا معنويات تاليس قليلًا، لكن نظرة الملك سرعان ما أعادت التوتر إلى قلبه.
«لكنني أرى أنك تغيرت فعلًا عما كنت عليه قبل ست سنوات.»
قال الملك ذلك بصوت خافت.
تجمد تاليس لحظة.
ثم أدار رأسه ببطء، متجنبًا نظرة الملك الهابطة عليه من أعلى.
«ست سنوات مدة طويلة.»
لكن كيسيل هز رأسه.
«لا. سواء مورات أم جيلبرت، كلاهما مخطئ.»
قال الملك بهدوء.
تسارع تنفس تاليس.
وازدادت عينا الملك حدة.
«أما آيدا؟ همف…»
كانت نبرة كيسيل غريبة.
ولم يستطع تاليس تحديد ما إذا كان يتحدث عن آيدا بازدراء أم بشيء من الحنين.
وأثار ذلك فضوله فجأة.
وتساءل إن كان مورات، النبي الأسود الذي يُقال إنه قادر على كشف الأكاذيب، يستطيع أن يرى ما وراء وجه الملك الجالس أمامه.
«لا…»
جذبت كلمات ملك الكوكبة انتباه تاليس من جديد.
«لم تتقدم بالسرعة الكافية، ولم تتقدم بالبطء الكافي أيضًا.»
قال كيسيل ذلك بتمهل.
«لم أتقدم بالسرعة الكافية، ولا بالبطء الكافي.»
اجتاحه الارتباك، وظهرت تجعيدة خفيفة بين حاجبي تاليس.
«أنا… لا أفهم.»
ولحسن الحظ، لم يقاطعه الملك هذه المرة، ولم يغير الموضوع.
لكن كلمات كيسيل التالية حملت معنى عميقًا، وأخرست تاليس.
رفع الملك كيسيل رأسه نحو السقف، وشردت عيناه كأنه ينظر إلى الماضي.
«لو كنت قد تقدمت بالسرعة الكافية، لكان نموك مفاجئًا لكنه مُرضٍ، ولكنت خلال ست سنوات فقط قادرًا على حمل ثقل الكوكبة كله على كتفيك وحدك.
«لكنك لم تفعل.»
ثم أعاد الملك نظره إلى تاليس، فعادت عيناه باردتين فاترتين.
«حمل…
«ثقل الكوكبة كله على كتفيّ.»
ابتلع تاليس ريقه، وشعر بجسده يتوتر.
حدق الملك فيه من بعيد، وفي عينيه شيء من خيبة الأمل.
خفض رأسه ونظر إلى كفه اليسرى المفتوحة، وأصبح صوته أكثر وحشة.
«ولو كنت قد تقدمت ببطء كافٍ، لنموت ببطء شديد، ولتصرفت بما يليق بمقامك ووفق النظام المرسوم، ولكان نموك بطيئًا بما يكفي لنرفع عنك أعباء المملكة شيئًا فشيئًا وعلى مهل.
«لكنك لم تفعل.»
قبض الملك كفه ونظر إلى تاليس مجددًا.
ازدادت نظرته برودة.
«التصرف بما يليق بمقامي ووفق النظام المرسوم…»
فهم تاليس شيئًا من المعنى الكامن وراء كلماته.
وفي تلك اللحظة، لم يعرف كيف يرد على كيسيل.
«أما الآن، فقد اخترت أن تتقدم بسرعة لا هي سريعة ولا بطيئة.»
قال الملك ببرود، وازدادت نبرته برودة مع كل كلمة.
«تتمهل في كل خطوة، وتبقى عالقًا في المنتصف.»
شخر كيسيل ببرود، وفي صوته سخرية وخيبة أمل.
«تتجاوز التوقعات…
«وتخيبها في الوقت نفسه.»
هز رأسه.
أخذ تاليس عدة أنفاس عميقة.
أراد أن يقول شيئًا، لكنه لم يستطع.
هذه المرة، طال الصمت بين الأب والابن على نحو استثنائي.
اكتفى كل منهما بالنظر إلى الآخر دون كلام.
واستمر ذلك حتى عجز الفتى عن كبح الكآبة في صدره.
«أنا…»
توقف تاليس لحظة.
زفر عدة مرات وسط ضيق وحزن لا يعرف كيف يصفهما.
وحاول أن يضحك، لكنه لم يستطع.
«ظننت أنك في أول يوم من عودتي إلى مدينة النجم الأبدي ستتحدث معي في أمور أكثر إيجابية…
«مثل اجتماع الأب بابنه، يا أبي.»
أدار تاليس رأسه محاولًا العثور على شيء يقوله لتخفيف الجو.
لكن من الواضح أن كيسيل لم يشاركه النية نفسها.
«وأنا ظننت أنك، بعدما مررت بكل تلك التجارب، ستفهم معنى أن تعيش من أجل الكوكبة، أيها الأمير.»
اشتعلت نظرة الملك، وأصبح صوته باردًا كالشتاء.
تجمد تاليس.
حدق فيه كيسيل وشخر باستخفاف.
«لحسن الحظ، ما زال لدينا وقت لنعلمك من جديد كيف تكون أميرًا للكوكبة.»
«كيف أكون أميرًا للكوكبة من جديد.»
لم يتكلم تاليس.
شعر فقط بعاطفة غريبة ترتفع في صدره، تجعله غير مرتاح في جسده كله، ولا يستطيع الإفلات منها.
لكن في النهاية، لم يقل شيئًا.
«سيقام مأدب الترحيب بعودتك إلى المملكة بعد أسبوع. وستكون تلك أول مرة تظهر فيها مجددًا أمام أبناء المملكة.»
أدار الملك رأسه جانبًا، ولم يعر صمت تاليس اهتمامًا.
ولم يعرف تاليس إن كان كيسيل قد اعتبر صمته موافقة ضمنية، أم أنه لم يهتم أصلًا بما يكفي ليأخذ رأيه في الحسبان.
«خلال هذه الفترة، ابق بعيدًا عن الأنظار، ودع المملكة تستوعب خبر عودة وريثها تدريجيًا.
«ولا تفعل أي شيء آخر “تضطر” إلى فعله.
«مفهوم؟»
ظل تاليس صامتًا.
وبعد بضع ثوانٍ، أجاب بصعوبة:
«مثل قبل ست سنوات؟»
رفع كيسيل الخامس رأسه، ومد كلماته ببطء:
«أكثر من قبل ست سنوات.»
«أكثر من قبل ست سنوات.»
ظل تاليس واقفًا في مكانه بلا حركة.
وبعد بضع ثوانٍ…
«نعم، جلالتك.»
خرج صوته أجش، كآلة قديمة.
حدق فيه كيسيل عدة ثوانٍ قبل أن يقول ببطء:
«جيد جدًا، يا بني.»
حملت نبرة الملك شيئًا من السخرية.
اتكأ كيسيل الخامس على ظهر العرش من جديد، وغاص في الظلال.
وعادت قاعة الاجتماعات إلى صمت الموتى.
تنفس تاليس عدة مرات حتى هدأ قلبه.
ثم أجبر نفسه على الكلام باحترام:
«أظن أنه لم يعد لديك ما تقوله، جلالتك.»
لم يجبه الرجل الجالس عاليًا فوق العرش.
فاعتبر تاليس صمته موافقة.
انحنى دوق بحيرة النجوم قليلًا، ثم استدار عائدًا من حيث أتى، ومشاعر معقدة عصية على الوصف تضطرب في صدره.
«توقف.»
ترددت كلمة الملك في قاعة الاجتماعات.
توقف تاليس.
«جلالتك، هل بقي شيء آخر؟»
لكن الملك كيسيل هز رأسه داخل الظلال.
«لا شيء آخر. لكن عليك البقاء هنا خمس عشرة دقيقة على الأقل.»
تجمد تاليس.
«لماذا؟»
ظل كيسيل على هيئته، ولم يظهر من الظلام سوى عينين تلمعان ببرودة، في تناقض مع صولجان الكوكبة بين يديه.
«لأن هذا، في نظر من بالخارج، هو الوقت الذي ينبغي أن يستغرقه أب وابنه في حديث ودي.»
توقف نفس تاليس.
وابتلع ريقه بصعوبة.
«فهمت.
«إذًا لقاء الملك بالأمير…
«لا يساوي سوى خمس عشرة دقيقة.»
استدار الأمير الثاني ونظر إلى والده فوق العرش.
عجز عن وصف المشاعر في قلبه، لكن شيئًا من الاستياء تسلل إلى صوته.
«لكننا لسنا بحاجة إلى ذلك.»
شخر كيسيل.
«نحن لا نحتاجه.
«لكن المملكة تحتاجه.»
عاد الاستياء يجتاح قلب تاليس.
«فهمت.
«لا داعي لأن أقلق أصلًا.
«فما حُسم قبل ست سنوات سيظل كما هو بعد ست سنوات.»
ضبط تاليس تنفسه وضحك ببرود.
«إذًا عليّ البقاء هنا خمس عشرة دقيقة، وبهذا لن تسمع المملكة كلها شائعات عن خلاف داخل الأسرة الملكية وقطيعة بين الأب وابنه، صحيح؟»
تجمد الظل فوق العرش قليلًا أمام كلمات الأمير التي حملت شيئًا من الاستفزاز.
وبعد بضع ثوانٍ، شخر الملك كيسيل بالبرودة نفسها.
«لم يكونوا يعرفون أصلًا…
«حتى استلمت ذلك السيف.»
ازدادت كلماته برودة.
«ذلك السيف؟»
تجمد تاليس بسرعة.
لم يفهم.
«ذلك السيف مجرد—»
لكن كيسيل رفع صوته وقاطعه.
«لكنهم ما زالوا لا يعرفون.»
في وقت لم ينتبه إليه تاليس، كان الملك قد توقف عن الاتكاء على ظهر العرش.
وتحت ضوء النار، حدق في تاليس ببرود، كما لو كان ينظر إلى عدو.
«لأنني اضطررت إلى إيقاف جميع القوانين التي فُرضت في الصحراء الغربية، من الضرائب ومسح الأراضي إلى التجنيد، لأُظهر أقصى درجات التساهل مع أصدقائك الجدد.»
«أصدقاؤك الجدد.»
توقفت أفكار تاليس فجأة.
قال كيسيل كلماته التالية من بين أسنانه، وبألفاظ خشنة:
«كل ذلك بسبب سيفك اللعين.»
عقد تاليس حاجبيه.
ظلت ملامح الملك كما هي، لكن مشاعره أصبحت أبرد من الشتاء.
ولم يستطع تاليس فهم السبب.
«إن كنت مستاءً إلى هذا الحد، فيمكنني إعادة السيف في أي وقت. لا حاجة لأن تراعي أمري، ويمكنك ببساطة مواصلة خطتك لإخضاع الصحراء الغربية—»
لكن الملك سأله فجأة:
«وهل سيغير ذلك منك شيئًا؟»
توقفت كلمات تاليس.
«يغير… ماذا؟»
سأل الأمير بحيرة.
ضيق كيسيل عينيه وهو جالس على العرش أعلى الدرج الحجري.
«هل تعلمت شيئًا من رحلتك التي كدت تموت فيها عدة مرات؟»
«الرحلة التي كدت أموت فيها عدة مرات…»
بردت مشاعر تاليس.
وبعد بضع ثوانٍ، قال بهدوء:
«نعم.
«تعلمت أشياء كثيرة.»
«لا.»
رفض كيسيل إجابته بحزم.
«لو كنت قد تعلمت شيئًا حقًا، لعرفت أنه لولا ذلك السيف، لما أصبحت دوق بحيرة النجوم أصلًا.»
حدق ملك الكوكبة في دوق بحيرة النجوم من بعيد، وفي عينيه غضب لا ينطفئ.
تجمد تاليس.
«لماذا؟»
سأل غريزيًا.
وبدا أن الضوء في قاعة الاجتماعات ازداد خفوتًا.
«لماذا؟»
ضحك كيسيل من شدة الغضب.
وبينما كان يضحك ببرود، ضرب الأرض بصولجانه.
«طَق!»
انتشر الصوت المكتوم في أرجاء القاعة.
«لأنك…»
توقف الملك لحظة.
«لا تستحقه.»
«لا أستحقه.»
ما إن سمع تاليس الكلمتين بوضوح حتى تجمد جسده كله.
لكنه لم يحصل على فرصة للتفكير في معناهما بعمق.
ولا فرصة للرد.
«جيلبرت! أدريان!»
لم يعد كيسيل الخامس ينظر إلى تاليس.
رفع صوته ببرود.
فُتح باب القاعة الحجرية، ودخل وقع مجموعتين من الخطوات بإيقاع هادئ.
وجاء صوت جيلبرت الحائر قليلًا من خلف تاليس:
«جلالتك، ماذا—»
لكن الملك قاطعه فورًا.
كانت نبرته حاسمة لا تقبل الاعتراض.
«اجعل كاتب المراسيم يصوغ— لا.
«جيلبرت، ستكتب بنفسك أمرًا باسمي.
«وسيُعلن على الملأ.»
ظهرت الدهشة على وجه جيلبرت.
«عاد الأمير تاليس إلى المملكة من سفر بعيد. وتقديرًا لإنجازاته المجيدة، وإظهارًا لمكانته الرفيعة…»
توقف ملك الكوكبة لحظة ثم شخر.
«…وكذلك لثقتي به ومحبتي له…»
عند سماع العبارة الأخيرة، أطبق تاليس أسنانه.
تفحص الملك كيسيل ابنه، ثم قال بصوت خافت تحت نظرة جيلبرت الحائرة:
«ابتداءً من اليوم، يُمنح قصر مينديس، الواقع في حي الشفق والتابع لأملاك الأسرة الملكية، إلى دوق بحيرة النجوم ليكون مقر إقامته الخاص.»
ألقى جيلبرت نظرة على تاليس.
امتزج الفرح الشديد بالحيرة في عيني وزير الشؤون الخارجية.
«نعم، جلالتك.»
أومأ جيلبرت سريعًا طاعةً للأمر.
رفع تاليس رأسه ببطء، ليجد أن الملك كيسيل لم ينظر إليه حتى.
لكن أوامر الملك الحاسمة لم تنته بعد.
«أدريان، سترافق الدوق.
«واجعل رجالك يصطحبونه مباشرة إلى قصر مينديس.
«يفترض أنه يعرف المكان جيدًا.»
بدا جيلبرت وكأنه يريد قول شيء، لكنه أحجم في النهاية.
انحنى أدريان.
«مفهوم، جلالتك.»
أما تاليس فظل واقفًا جانبًا دون كلمة.
شخر الملك ببرود، ثم غاص في الظلال من جديد.
«بالطبع…
«بعد مرور خمس عشرة دقيقة.»