سليل المملكة الفصل 436 — سليل المملكة 436

اقرأ سليل المملكة الفصل 436 — سليل المملكة 436 باللغة العربية على مانجا تايم.

عودة موريا

«أبعد قليلًا إلى الأعلى.»

ودّع تاليس بهدوء فأس فارس الحكم وهي تختفي مع الممر من أمام عينيه.

وبدأ يرتفع ببطء من جديد، كأن الجاذبية قد تخلّت عنه. لكن هذه المرة، جاهد الأمير ليحافظ على صفاء وعيه في ذلك الفضاء الذي فقد فيه الزمن معناه.

حاول أن يستحضر نقطة ارتكازه، وأن يظل وفيًّا لذاته كما تعلّم.

«أحتاج فقط إلى الابتعاد قليلًا. لا داعي لطرق الباب.»

بذل جهده ليحافظ على هدوئه وهو يردد ذلك في نفسه.

ومضت أمامه مشاهد لا تُحصى: الجدران المتداعية في البيت المهجور، المطبخ البسيط في حانة الغروب، الشرفة الواسعة في قاعة النجوم، الثلوج المتطايرة في غابة البتولا، المواقد الكثيرة في قصر الروح البطولية…

غادر سجن العظام، بل غادر معسكر أنياب النصل كله.

كلما ابتعد عن زاكريل أكثر كان أفضل.

«أبعد!»

لكن ما إن خطرت له هذه الفكرة حتى اجتاح ظهره احتراق غريب، كأن أحدهم أشعل مشعلًا فوق جلده!

تغيّر وجه تاليس.

«هذا خطأ.»

وفي تلك اللحظة، خرج من حالة «فقدان السيطرة»!

وكأنه أُوقظ من حلم جميل. تلاشى ذلك الانفصال البارد عن كل شيء، وحلّ الذعر مكانه.

«لا…»

وفي جزء من الثانية، اشتد الاحتراق. امتد من ظهره إلى كامل جسده، ثم تحول تدريجيًا إلى ألم ممزق، كأن شيئًا يشق جسده ويقطعه من الداخل.

تلوّت ملامح تاليس بلا إرادة، وصرخ!

«هذا الإحساس… لم أشعر به منذ وقت طويل… هل يمكن أن يكون…؟

«تبًّا.»

أدرك شيئًا، فبرد قلبه.

وبينما كان يعاني من الاحتراق والتمزق، شعر فجأة بوزن جسده يعود إليه، وفي اللحظة التالية سقط بقوة على الأرض!

بوم!

دوّى صوت مكتوم.

لم يهتم تاليس بألم ركبتيه ولا جبهته. تدحرج بجنون على الأرض وجمع قوته ليلقي الحقيبة عن ظهره!

«تبًّا، تبًّا!»

كانت كقطعة فحم مشتعلة.

«تبًّا!» دوّى صوت مارينا الغاضب بجواره. بدا أنها بدورها اصطدمت بالأرض مباشرة. «ماذا حدث؟!»

«آآآآه! الفأس… آخ!» جاء صراخ كويك روب المرتبك من الظلام.

ثم سمعا نفخًا وحركة مضطربة، كأن كويك روب كان ينهض عن الأرض.

«مهلًا…؟ هل هذا… نهر الجحيم؟»

زفر تاليس بصعوبة، وشعر بحرارة ظهره تبدأ بالانحسار. لكن إحساسًا آخر حل محلها وامتد إلى أعصابه.

«يؤلم…»

قال أمير الكوكبة من بين أسنانه وهو يلهث:

«نعم، هذا… نهر الجحيم. وأنا العبّار الذي سينقلك…»

تحسس الأرض بيده، وشعر بملمسها.

وفي داخله تنهد.

«إذًا…»

ما زالوا في خطر.

«تاليس!» فرح كويك روب حين سمع صوته، لكن الحيرة سيطرت عليه فورًا. «لكن لِمَ… لماذا لا نرى—»

قُطع كلامه بصوت احتكاك خفيف، ثم اشتعل ضوء مفاجئ أمامهم، فرفع كويك روب يده غريزيًا ليحجب عينيه.

أشعلت مارينا مشعلًا صغيرًا وسط الظلام. نهضت وهي تسب، ومسحت الغبار عن وجهها.

«اللعنة! أين نحن—»

لكنها لم تكمل.

الرائحة الغريبة التي وصلت إلى أنفها، وما كشفه الضوء حولها، كانا كافيين لتدرك مكانهم.

حرّكت المبارزة ذات الرداء الأحمر عنقها الذي خنقه زاكريل قبل قليل، ثم عقدت حاجبيها.

«ما زلنا في سجن العظام؟…»

لم يجب تاليس.

كان وجهه شاحبًا، وجسده يرتجف.

استعاد كويك روب بصره، وخفض يديه ببطء. حدّق في مارينا التي رفعت المشعل، ثم التفت نحو تاليس الذي كان يلهث على الأرض، فتغيرت ملامحه.

اختفت السخرية من وجه المرتزق المبتدئ. جلس أمام تاليس القرفصاء، وصار يحدق فيه بصمت، بعينين عميقتين كأنه يفكر في شيء.

«ماذا حدث للتو؟»

كان واضحًا أن حالة الأمير سيئة.

ساعده كويك روب على النهوض وأسنده إلى الجدار.

«أين الرجل الضخم؟ وماذا عن صديقك صاحب القناع؟»

لهث تاليس بقوة. قاوم الألم المتزايد وقال بصعوبة:

«هذه… خدعة صغيرة من خدع برج الخيمياء. لماذا لا تحاول فهم آليات سجن العظام؟ يمكنها نقلك من مكان إلى آخر…»

عقدت مارينا حاجبيها بدهشة.

حاول تاليس رسم ابتسامة.

أما كويك روب، فقد خلت ملامحه من أي مزاح. بقي قابعًا أمام تاليس بصمت، يحدق فيه بنظرة ثاقبة.

«خدعة صغيرة؟»

جعلت تلك النظرة تاليس يتذكر هوية كويك روب الحقيقية.

«نعم، لذلك استخدمتها… آه!»

لم يستطع إكمال كلامه.

هاجمه الألم المتصاعد في صدره، فتصبب العرق البارد من جسده وارتعشت شفتاه.

«تبًّا!»

رغم أنه لم يجد صوفيًا آخر يستشيره، فقد تعلّم شيئًا من تجاربه السابقة: الاغتيال في العربة بشارع الملك، هجوم وحدة البنادق الصوفية أمام حصن التنين المحطم، طرقه العرضي على الباب أثناء قتاله مع جيزا في مدينة سحب التنين، وتحذير آسدا له قبل رحيله.

حين يكون في خطر، ما لم يصل إلى طريق مسدود حقًا، فعليه ألا يسمح لأحد بمعرفة سر طاقته الصوفية الغامضة.

الأذى الذي يلحق بجسده عند «فقدان السيطرة» لم يكن أمرًا يمكن تجاهله. وكلما زاد ما يستخدمه من الطاقة الصوفية، زاد الضرر.

أما إذا وصل إلى مرحلة طرق الباب، فقد يصبح الثمن مميتًا.

لذلك كان تاليس ممتنًا جدًا لتوروس.

فمن بين كل الصوفيين الذين التقاهم، كان توروس أكثرهم غموضًا، وأكثرهم فائدة له حتى الآن.

بفضل مساعدته وصبره في إرشاده، وجد «نقطة ارتكازه»، وتمكن من الحفاظ على عقله أثناء فقدان السيطرة — وربما كان عقلانيًا أكثر من اللازم — ونجا من خطر إطلاق طاقته الصوفية بلا ضابط، ثم الانزلاق حتمًا نحو طرق الباب.

لكن حتى إن تمكن تاليس هذه المرة من تجنب طرق الباب، وتفادى الألم الذي كان سيضربه حتمًا لو أطلق طاقته الصوفية على ذلك النحو، فإن ثمن «فقدان السيطرة» نفسه ظل أمرًا لا يمكن تجاهله.

ومن تجربته في القتال ضد ستيك، لم يستطع البقاء في تلك الحالة العجيبة سوى بضع دقائق، قبل أن يفاجئه الألم ويوقظه ويقطع اتصاله بقوته الغريبة.

لكن تاليس كان يعلم أن الشيء الذي قطع طاقته الصوفية الآن، عندما حاول الإفلات من فأس زاكريل، لم يكن الألم الناتج عن استخدام طاقته.

بل كان…

أمسك تاليس صدره وحدق في الجهة الأخرى بعدم تصديق.

كانت الحقيبة التي أعادتها له مارينا ملقاة على الأرض، وقد ظهر منها جزء صغير من جسم قوس نشّاب.

«قوس الزمن… العتاد الأسطوري المضاد للصوفيين… تبًّا!»

ما زالوا في سجن العظام، وقد عرف الآن لماذا فشل في الهرب بعيدًا.

يبدو أنه لا يستطيع إطلاق حالة «فقدان السيطرة» مجددًا ما دام يحمل هذا الشيء معه.

وبينما كان يفكر في ذلك، انقبض جسده من الألم وتشوهت ملامحه.

«تبدو… بحالة سيئة.»

لاحظت مارينا ألمه الغريب. اقتربت منه وهي ترفع المشعل.

«هل أصابك ذلك المجنون؟»

«لا… هذه مجرد آثار إجبار نفسي على استخدام الطاقة الصوفية، إلى جانب رفض القوس لوجودي.»

مسح تاليس عرقه، وارتجف وهو يجبر شفتيه على الابتسام.

«نعم. كان عنيفًا جدًا في هجومه.»

ظل كويك روب صامتًا.

انحنت مارينا والتقطت سيفًا فضيًا طويلًا من الأرض.

«هذا سيف ريكي.»

انعقد حاجباها تحت ضوء النار.

توتر قلب تاليس من جديد.

حدقت مارينا فيه، وأصبحت نظرتها أبرد.

«رأيت العلامة على وجه ذلك المجنون. كانت مثل علامة ساميل… ماذا حدث لريكي والبقية؟»

ضغط تاليس شفتيه.

كان عليه أن يتحمل الألم وهو يتعامل معها، الأمر الذي أرهقه جسديًا ونفسيًا.

«ماذا أقول لها؟ آسف، زعيمكم الآن في رأسه ثقب صنعه صديقي؟»

«هو…»

لكن كويك روب صرخ فجأة:

«هناك شيء خطأ!»

فتح المرتزق المبتدئ عينيه على اتساعهما وحدق في مارينا، ثم أشار إلى تاليس المستند إلى الجدار.

«هو… أنفك ينزف!»

تحسس تاليس أنفه غريزيًا.

كما قال كويك روب، كانت أصابعه مبتلة.

«تبًّا. مرة أخرى؟»

شعر بالدوار. أسند نفسه إلى الجدار، ثم انزلق ببطء إلى الأسفل وهو يرتجف.

عقدت مارينا حاجبيها.

تقدم كويك روب بخوف وأسند تاليس.

«ما بك؟»

«حسنًا…»

ضحك الأمير بضعف.

«ها، أنا من عائلة جادستار الملكية. لا بد أن أكون مختلفًا قليلًا.»

«عائلة جادستار الملكية.»

عندما سمعت مارينا هذه الكلمات، أظلم وجهها من جديد.

«لا، يجب أن نفعل شيئًا. حالته سيئة.» التفت كويك روب نحو مارينا بقلق. «سيدتي؟ اهتمي به هنا، سأبحث في أمتعته عن شيء ربما—»

نظرت مارينا إلى تاليس نظرة معقدة، ثم إلى السيف في يدها.

وفي النهاية تنهدت، ورفعت مشعلها، وتقدمت.

«أمير جادستار.»

حدقت في تاليس الذي كان يعاني، وقالت بصوت خافت:

«لقد أنقذتني قبل قليل. لماذا؟»

حاول تاليس تحريك شفتيه. كان العرق البارد ينساب على جلده، لكنه أخرج بعض كلمات السخرية بصعوبة.

«ربما لأنني لا أحب القتل؟ وربما لأنك امرأة… وجميلة فوق ذلك؟ لذا، كما تقول قصص الفرسان، قررت أن أرحمك…»

«…وأضمك إلى حريمي.»

ضرب الألم صدر تاليس مجددًا، فتلوّت ملامحه وماتت المزحة في حلقه قبل أن تقولها شفتاه.

لكن مارينا لم تهتم بسخريته، ولم تغضب.

على غير عادتها، اكتفت بالتحديق فيه بصمت.

«تعرف أن بيننا ثأرًا، سواء بسبب ما حدث في السنة الدموية، أو ما حدث في الحانة.»

أطلق تاليس ضحكة باردة، ولم يعد يهتم كثيرًا بنبرته من شدة الألم.

«إذًا يجب أن أقتلك؟ أو أتفرج عليك وأنت تُقتلين وأنا سعيد؟»

تجمدت مارينا.

ظهر صراع واضح على وجهها.

«لكن أباك سيفعل.»

قالت المبارزة ذات الرداء الأحمر بتردد:

«كما حكم على عائلتي بالموت قبل ثمانية عشر عامًا.»

هذه المرة، سكت تاليس.

لكن مارينا رفعت رأسها فجأة، كأنها حسمت أمرًا، وأضاءت عيناها.

«سايبرغ نوفورك.»

قالت بصوت خافت:

«كان عمي. عضوًا في لواء ضوء النجوم، والحارس الشخصي لدوق بحيرة النجوم الراحل. وهو أيضًا الرجل الذي قتل الدوق.»

اتسعت عينا تاليس قليلًا.

«سايبرغ نوفورك… ودوق بحيرة النجوم. ماذا يعني هذا؟»

حدق فيها بصمت، وحتى الألم في جسده بدا أضعف قليلًا لأن انتباهه انصرف.

«أنت—»

«اسمع.»

نظرت إليه مارينا بعينين مشتعلة، كأنها ترى فيه طوق نجاة.

«إذا عدت حقًا إلى مدينة النجم الأبدي، يا أمير تاليس… وإذا كنت فعلًا مختلفًا عن أبيك الملعون ثلاث مرات… وإذا كنت تهتم حقًا بدم الأبرياء الذي أُريق…»

«…فأرجوك، حقق في هذا الأمر واعثر على الحقيقة.»

احمرت عيناها، وأربكت تاليس.

«اعثر على حقيقة اغتيال الدوق جون في زودرا خلال السنة الدموية.»

«الدوق جون…»

عقد تاليس حاجبيه.

«كان أبي، لانزار نوفورك، هو الوريث المفترض للقب دوق نوفورك الفخري. وقبل أن يُرسل إلى المشنقة، كان يعمل سرًا لصالح إدارة الاستخبارات السرية في المملكة.»

ضغطت مارينا على أسنانها، وارتعش صوتها.

«في اليوم الثالث بعد اغتيال الملك آيدي، أي قبل مقتل الدوق جون بيوم واحد، أطلق أبي غرابًا رسولًا في الخفاء. وهذا هو الخيط الوحيد الذي استطعت العثور عليه طوال هذه السنوات.»

ارتجف تاليس.

«إدارة الاستخبارات السرية… اليوم الثالث بعد اغتيال الملك آيدي… أي أن…»

«تجولت سنوات. قوتي محدودة. اضطررت إلى الاعتماد على كل قوة يمكنني الوصول إليها، واستخدام أي وسيلة متاحة، لأبحث عن الحقيقة. ومع ذلك، لم أستطع الوصول إلى شيء. لم أستطع فعل شيء.»

ارتجفت شفتا مارينا وارتفع صدرها وهبط، كأنها تقمع مشاعرها بالقوة.

«لكنك أمير. ملك المستقبل. تستطيع أن تفعل أكثر بكثير مني. أرجوك!»

حين قالت الكلمة الأخيرة، كادت عيناها تتحولان إلى حمرة دامية.

خرجت الكلمات من بين أسنانها، وكأن وراءها سنوات من الصراع والمعارك قبل أن تتمكن من قولها.

في تلك اللحظة جاء صوت كويك روب من عند الأمتعة:

«وجدت شيئًا، تاليس، ربما تحتاج إلى هذا…»

ضربه ألم حاد آخر.

أغلق تاليس عينيه بإحكام ولوّح بيده بصعوبة.

«أنا بخير. مجرد علة قديمة منذ طفولتي. أحتاج فقط إلى الراحة قليلًا—»

وفي اللحظة التالية…

بوم!

دوّى صوت عالٍ فجأة، ففتح تاليس عينيه.

طخ.

اهتز ضوء النار.

سقط المشعل على الأرض مع السيف الطويل.

وفقدت مارينا وعيها، وانهارت على الأرض.

كان كويك روب واقفًا بجانبها، وقد سحب كفه من خلف عنقها، ووجهه جاد على غير عادته.

تجمد تاليس.

أضاء المشعل من أسفل، فجعل وجه كويك روب يبدو باردًا، عميقًا، ومخيفًا.

«كويك روب، أنت…»

لم يجب.

انحنى فقط، وأمسك مارينا فاقدة الوعي وجرها جانبًا.

«هل أنت بخير؟» سأل كويك روب بهدوء. «أم أنك ستموت في الثانية القادمة؟»

حدق فيه تاليس مشدوهًا.

«لماذا—»

لكن كلمته توقفت حين رأى ما في يد كويك روب.

كان قوسًا نشّابًا أسود مميزًا.

وكان سهمه مثبتًا على الوتر، جاهزًا للإطلاق.

«تسألني لماذا؟»

رفع كويك روب المشعل بيد، وتقدم نحوه بهدوء، ثم حرّك القوس قليلًا وهو يحدق في تاليس ببرود.

«إذًا… هل ستقول لي الحقيقة الآن، تاليس جادستار؟»

شد تاليس أسنانه.

«الحقيقة…»

جلس بصمت وهو يواجه نظرة رفيقه.

وظل كويك روب يحدق فيه بلا كلمة.

بعد لحظات، تنهد تاليس وأدار وجهه، وأجبر نفسه على الكلام تحت وطأة الألم ونظرة رفيقه.

«قلت لك من قبل. هذا نوع نادر جدًا من السحر. بعد أن سيطرت الكوكبة على هذا المكان وجعلته ملكًا لها—»

ضحك كويك روب ببرود.

«سحر؟ هراء.»

كانت كلماته حادة.

«بحسب ما أعرف، لا يوجد سحر يستطيع نقلنا فجأة من مكان إلى آخر… حتى قبل ستمئة عام.»

ماتت الكلمات الباقية في فم تاليس.

حدق به كويك روب.

«اسمع يا تاليس. ربما عشت حياة سخيفة وأنا صغير، لكنني تلقيت تعليم أبناء السادة الإقطاعيين كما ينبغي. وأنا أكبر منك بعشر سنوات تقريبًا… وربما أكثر. وبعد أن أصبحت الوريث، عرفت أمورًا لا يعرفها الناس عادة.»

جلس كويك روب القرفصاء أمامه.

كانت عيناه جادتين إلى حد مخيف.

اقترب ضوء المشعل من وجه تاليس، وشعر بحرارته.

لكن قلبه ازداد برودة.

«أعرف من كان ذلك الرجل. وأعرف أيضًا معنى ما قاله.»

قال كويك روب ببرود.

ولم يكن تاليس بحاجة إلى تفسير كي يدرك مقدار العداء المختبئ خلف نبرته.

«وأعرف حتى لماذا تحولت فجأة من فتى ضعيف إلى قاتل بارد الدم… وأعرف لماذا تتألم الآن.»

في تلك اللحظة، شعر تاليس كأنه لا يعرف الرجل أمامه.

اختفى المرتزق المرح، الساخر، المتفائل.

وعاد ذلك الأمير الحزين، الصارم، الذي تخلى عن كل شيء.

عاد موريا والتون.

«قبل ستمئة عام، خلال معركة الإبادة، ظهر كائن كارثي مرعب بصورة استثنائية. كلما ظهر في ساحة القتال، تكبد أسلافنا الهزائم تلو الهزائم. لم يكن لديهم أي أمل في النصر… لأن ذلك الكائن كان يستطيع رؤية المستقبل والمجهول.»

ضحك موريا ببرود.

«كان يستطيع معرفة من أي جهة ستشرق الشمس في اليوم التالي، وكل حركة سيقوم بها أعداؤه، بل وحتى مستقبل العالم. كان كل شيء تحت سيطرته.»

«رؤية المستقبل؟»

تنفس تاليس بذهول.

«هل يوجد صوفي بهذه القدرة؟»

هز موريا رأسه.

«كيف تهزم وحشًا خالدًا يرى المستقبل ويعرف كل شيء قبل وقوعه؟»

توقف تنفس تاليس.

«لم يكن لدينا جواب… حتى وُلد هذا السلاح.»

نظر موريا إلى جسم القوس الأسود في يده، وبدت في عينيه مشاعر يصعب قراءتها.

«كان مستخدمه من الشمال. وبعد الحرب، أقسم الولاء للملك رايكارو وإكستيدت. لذلك، وبعد مرور سنوات، انتقل هذا القوس إلى يد الملك نوڤين. وكان شاهدًا على “عهد رايكارو”، ثم قُدّم هدية إلى مدينة الصلوات البعيدة، أبعد الأقاليم العشرة عن العاصمة، وأقساها معيشة على أهلها.»

«لم أتعرف عليه إلا الآن.»

رفع موريا القوس ببطء.

«إنه أندر قطعة في سجلات عائلة رمح التنين من العتاد الأسطوري المضاد للصوفيين…»

ثم رفع ذراعيه المرتجفتين، ووضع إصبعه على الزناد، وصوّب القوس مباشرة إلى الفتى أمامه.

شحُب وجه تاليس أكثر.

ولم يجد ما يفعله سوى أن يضغط على صدره بقوة.

قال موريا بصوت بارد، والكلمات تكاد ترتجف في حلقه:

«أنت صوفي يا تاليس.»

ثم ثبت نظره فيه.

«كارثة.»

وساد الصمت.

«تمامًا مثل أولئك الذين دمّروا كل شيء قبل ستمئة عام.»

أغلق تاليس عينيه ببطء.

«إذًا… جاء هذا اليوم أخيرًا.»

ارتجف صوت موريا وهو يكمل:

«تمامًا مثل الكارثة التي دمّرت مدينة سحب التنين…»

شد إصبعه على الزناد.

«…وقتلت أبي قبل ست سنوات.»