سليل المملكة الفصل 341 — سليل المملكة 341

اقرأ سليل المملكة الفصل 341 — سليل المملكة 341 باللغة العربية على مانجا تايم.

أشرقت عينا ثاليس.

ثيرين.

عبدة.

عاشت.

هربت.

«هذا كل شيء.»

ضحك هيكس بخفة، ورفع كتفيه.

«تلك هي قصتي مع ثيرين.»

«لم تستمر طويلًا، لكنها كانت تجربة لا تُنسى.»

«آمل أن يفيدك هذا.»

تجمد ثاليس للحظة.

وشعر بخيبة غامضة، كمن استمع إلى قصة توقفت قبل نهايتها.

«هذا كل شيء؟»

أجابه الغراب العجوز بابتسامته الماكرة:

«وماذا تريد أيضًا؟»

كان من الصعب على ثاليس كبح الأسئلة التي تعصف بعقله.

فسأل بسرعة:

«من أين جاءت؟»

«ما موطنها الأصلي؟»

«إلى أين ذهبت بعد ذلك؟»

«وكيف تورطت مع أبي ومع الكوكبة؟»

سعل هيكس بخفة، وقاطع سيل أسئلته.

«أنا مستعد تمامًا لأن أصف لك انطباعي عن أمك يا ثاليس.»

«بل ويمكنني حتى أن أرسمها لك، لو كانت مهارتي في الرسم جيدة بما يكفي.»

«لكنني أخشى أن هذا كل ما أعرفه.»

حدق في ثاليس بأسف واضح.

«لا أعرف شيئًا عن هويتها قبل أن تصبح عبدة.»

«ولا أستطيع استنتاج أصولها.»

ثم أشار إلى ما حولهما.

«كما أن هذا ليس الوقت المناسب لنجلس ونتحدث مطولًا عن الماضي.»

أمام ابتسامة هيكس المعتذرة والعاجزة، عجز ثاليس عن الكلام للحظة.

تنهد هيكس، وراح يمرر يده برفق فوق عصاه.

وكان من الصعب فهم المشاعر التي اجتاحت عينه خلف العدسة الأحادية.

«أما ما حدث مع غليوارد…»

صار صوته أجش.

«فلا أستطيع إلا أن أقول إنني آسف جدًا.»

«اعتنِ بنفسك.»

وكأن ثاليس استيقظ فجأة من حلم.

وفي لحظة واحدة، طغى الخطر المحدق به على صدمته من المعلومات التي سمعها.

ظل الأمير متجمدًا فترة.

«لا…»

«أنا من ينبغي أن يعتذر.»

رسم ابتسامة متكلفة.

«لقد تحملت خطرًا كبيرًا كي تأتي لإنقاذي.»

«لو اكتشف قصر الروح البطولي—»

«لا تقلق عليّ يا بني.»

هز هيكس رأسه.

«قنوات معلوماتي طبيعية تمامًا، ولن تثير الشبهات.»

«بوتراي قلق بشأن أميره المفقود.»

«وأنا، بصفتي معلم الأمير، جئت أطلب معلومات من صديقي القديم مراعاةً لمشاعر بوتراي.»

«على الأقل، لن يشك قصر الروح البطولي بشيء في الوقت الحالي.»

«فلديهم مشكلاتهم الخاصة التي تشغلهم.»

صمت ثاليس.

«لكنني ما زلت آسفًا لأنني لم أستطع إخراجك من المدينة.»

قالها هيكس بحزن وقلق.

«أنصحك بأن تختبئ في مكان قريب هذه الليلة.»

«وسنفكر في حل…»

ابتسم ثاليس ابتسامة شاحبة.

«على أي حال، شكرًا لك يا سيدي.»

حدق في الخراب المحيط به.

وظهر في ذهنه مشهد المعركة المروعة التي وقعت في حي الدرع قبل سنوات.

وحاول ألا يفكر في الطريق القاتم الذي ينتظره.

ضم شفتيه، وتردد قليلًا.

«أنا…»

«سأجد مخرجًا.»

بالفعل، شعر ثاليس بخيبة وخوف شديدين حين رفض غليوارد مساعدته.

فما ينتظره هو مدينة غيوم التنين المغلقة بإحكام، وقاتل النجوم الذي يبحث عنه في كل مكان.

ومع ذلك…

فقد فعل هيكس من أجله ما يكفي.

ولم يكن من حقه أن يطلب المزيد.

ظل هيكس يراقب بصمت محاولة الأمير الحفاظ على ابتسامته.

ولم يقل شيئًا.

«بالطبع.»

ابتسم هيكس ابتسامة مريرة قليلًا.

لكن لسبب ما، شعر ثاليس أن في نظرته الغامضة معنى خفيًا.

«بالطبع ستتمكن من ذلك.»

«إذًا، سأ…»

لم يكمل الشيخ كلامه.

انحنى معتذرًا، ثم استدار مستندًا إلى عصاه.

وسار نحو كيفن، الذي كان ينتظر بنفاد صبر في البعيد.

راقب ثاليس ظهره المبتعد.

ثم تذكر شيئًا فجأة.

«سؤال أخير.»

جعلت كلماته هيكس يتوقف.

«درسنا الأول.»

«هل تتذكره؟»

فرك ثاليس يديه، كأنه يحاول طرد برد الليل.

«حدود الحكم.»

بدا هيكس متفاجئًا بوضوح.

ثم استدار كاملًا ليواجهه.

«بالطبع.»

ألقى ثاليس نظرة على المشهد الكئيب من حوله، ثم واجه هيكس.

«في النهاية، أخبرتنا أن كل استنتاجاتنا وخلاصاتنا في ذلك الدرس كانت خاطئة.»

أخذ الأمير نفسًا عميقًا.

وتقدم بضع خطوات.

ثم نظر بجدية في عيني هيكس.

«في البداية، ظننت أنك تريد أن تقول لنا إن التاريخ يمكن قراءته بطرائق كثيرة.»

«لكن…»

«في الدرس الثاني، رغم أننا أنجزنا كثيرًا من الواجبات، استطعت أن أرى أنك لم تكن راضيًا عن أجوبتنا.»

ظل هيكس ينظر إليه بصمت.

رفع ثاليس أحد حاجبيه.

«لماذا؟»

«ما الجواب الذي كان في ذهنك؟»

ومن بعيد، أطلق الحصان الذي يجر العربة صهيلًا ضجرًا.

وفي ظلام الليل، وقف الشيخ الأحدب والمراهق رافع الرأس في زاوية من الخرائب، وتبادلا النظرات بصمت.

ابتسم الغراب العجوز.

«كما تعلم…»

«في الأصل، كنت أنوي التحدث عن هذا بعد وقت طويل.»

«أو بعد أن تنتهيا من دراستكما.»

«أو ربما لا أتدخل أصلًا وأترككما تدركانه بنفسيكما…»

توقف قليلًا.

«لكن بالنظر إلى وضعك الحالي…»

ظل ثاليس يحدق فيه بعينين لامعتين.

«حسنًا.»

ابتسم هيكس، كجد لم يعد يحتمل إلحاح حفيده.

«لماذا كان كل ما ناقشناه يومها خاطئًا؟»

«لأننا نعيش الآن في عصر مختلف.»

عقد ثاليس حاجبيه.

وعاد هيكس يشبك يديه حول عصاه.

وحاول قدر استطاعته أن يقيم ظهره الأحدب.

ثم سعل بخفة.

وفجأة صار الشيخ جادًا.

«دعني أوضح أولًا يا ثاليس ما الذي كنا نفعله آنذاك.»

«كنا نحلل حادثة وقعت قبل نحو عشرة أعوام.»

«ونستنتج تطور الناس والأشياء واتجاهاتهم في ذلك الوقت.»

«ونحاول قدر الإمكان الوصول إلى خلاصة حقيقية ومفيدة، يمكن استخدامها مرجعًا لحياتنا اليوم.»

أومأ ثاليس قليلًا.

لكن هيكس غير مسار الحديث.

وكانت نظرته حادة على نحو نادر.

«غير أن المشكلة هي أن الزمن قد تغير.»

«الزمن؟»

سأل ثاليس بحيرة.

«أتقصد—»

رفع هيكس يده، ومنعه من إكمال السؤال.

«العالم، أيها السيد الشاب.»

«عالمنا معقد، ومتغير باستمرار.»

وبدا أن هيكس يريد اختصار الوقت.

فلم يعد يمنح ثاليس فرصة لمقاطعته.

«الوقت يمضي إلى الأمام.»

«والعصور تتغير.»

«وخلال آلاف السنين، قد يرى الناس كيف صنعت البشرية ازدهارًا لا حدود له عبر الحكم المطلق.»

«وكيف أنهت الإمبراطورية القوية حكم الملوك المتفرق.»

«وكيف طهرت كنيسة الملك المشرق قلوب البشر الخائنة.»

«وكيف أسقطت الأمواج العاتية الإمبراطورية المتعفنة.»

«وكيف أعاد انقسام الكنيسة عبادة الملوك المتعددة.»

«وكيف حددت معركة الإبادة الأخيرة شكل حاضرنا.»

تلألأت عينا هيكس.

«لكن في الوقت نفسه، يتجاهل كثيرون حقيقة أن تجار هذا العالم قبل آلاف السنين لم يكونوا قد اعتادوا سوى المقايضة.»

«وأن المزارعين لم يكن بوسعهم سوى الاعتماد على الحديد والنار لحصاد محاصيلهم.»

«وأن الناس لم يكونوا يعرفون حتى كيف يروضون غربان الرسائل.»

«وأن الدول لم تكن تتواصل إلا عبر الرسل.»

«بل إن البلاطات الملكية في كثير من الممالك القديمة قد تبدو في أعين أهل اليوم مجرد تجمعات للبرابرة.»

«وقبل بضع مئات من السنين…»

«كان الزيت الأبدي وقطرات البلور لا يزالان مدفونين تحت قاع البحر وفي أعماق الأرض.»

«ولم تكن البنادق الغامضة قد ظهرت في العالم بعد.»

«وكانت تعاليم الملك المشرق منتشرة في القارة كلها دون مجال للشك.»

«أما سفننا المخصصة للرحلات البعيدة، فلم يكن أمامها سوى الدعاء بطقس حسن، وانتظار الرياح التجارية كي تحملها إلى وجهاتها النائية.»

خفض ثاليس رأسه.

وأخذ يفكر بصمت في تاريخ هذا العالم.

طرق هيكس الأرض بعصاه بخفة.

وبدا شاردًا قليلًا.

«لكن الأمر لا يقتصر على ذلك.»

«في كل سنة، وكل شهر، وكل يوم، وكل دقيقة، وكل ثانية…»

«يحدث التغيير في كل جزء من أجزاء العالم.»

«وليس فقط في حكم السادة، أو نقود التجار، أو إنتاج الحبوب لدى المزارعين.»

«بعض التغيرات صغيرة جدًا إلى حد لا يمكن الإحساس بها.»

«وبعضها يرتبط بتغيرات أخرى، حتى يؤدي في النهاية إلى تحول كامل.»

كان صوته جادًا.

ونظرته صارمة.

فوجد ثاليس نفسه يقيم ظهره في مهب الريح الباردة من غير وعي.

«لكن هذه التغيرات التافهة تحديدًا هي التي تتحرك مع التاريخ.»

«ولها أهمية كبرى في تشكيله.»

«وبسببها، يصبح من الصعب على أمثالنا أن نمضي قدمًا.»

«نحن الذين نحاول تلخيص الأنماط، والتعلم من الخبرة، واستخراج الحقيقة، وصياغة الاستنتاجات وفق السبب والنتيجة.»

«وحين يتحدث كثيرون عن التاريخ، أو يستشهدون به، أو يقارنون به…»

«يسهل عليهم أن يتجاهلوا تلك التغيرات دون أن يشعروا.»

«حتى لو لم يمر سوى ثمانية عشر عامًا.»

«ولا يتذكرون البحث عنها إلا بعد أن يفشلوا.»

«كثيرًا ما يقارن الناس بين تأسيس الإمبراطور العظيم كاميلوت للإمبراطورية القديمة، وإعادة كيسل السادس بناء الإمبراطورية النهائية، وتأسيس الملك تورموند للكوكبة.»

«لكن هؤلاء الرجال الثلاثة واجهوا عوالم وشعوبًا وظروفًا مختلفة تمامًا.»

سعل هيكس بضع سعلات خفيفة.

«لا يمكننا أن ننظر فقط إلى الأشياء التي نهتم بها يا ثاليس.»

«فهناك عوامل كثيرة جدًا تحدد كل حادثة تاريخية.»

«كثيرة إلى حد يسهل معه تجاهلها.»

«وفي الوقت نفسه، تتغير بسرعة تجعل من الصعب الإمساك بها.»

«لذلك، حين خرجنا بثقة ورضا عن النفس باستنتاج أن السبب هو حدود الحكم…»

أطلق هيكس زفرة عميقة.

وتدفقت في صوته مشاعر متعددة.

ولم يبدُ أنه يتوقع من ثاليس أن يفهمه تمامًا.

«فنحن ننظر إلى ماضٍ توقف فيه الزمن.»

«ماضٍ يختلف كثيرًا عن حاضر ما زال الوقت فيه يمضي ثانية بعد أخرى.»

«وتتغير فيه ظروفنا باستمرار بفعل عوامل شتى.»

«نحن، في غرورنا، نظن دائمًا أن لا جديد تحت الشمس.»

«لكن الحقيقة أن كل شيء تحت الشمس جديد.»

تلألأت عينا ثاليس.

«نتعلم من التاريخ أننا… لا نتعلم من التاريخ.»

قالها بلا وعي.

وأشرقت عينا هيكس فور سماعها.

«همم…»

«مفارقة تثير كثيرًا من التفكير.»

«وتكرار لغوي مثير للاهتمام.»

أخذ الغراب العجوز يتأمل معنى الجملة.

«لا نتعلم…»

«همم… أشعر أن معناها لا يقتصر على تكرار الأخطاء، كما يبدو ظاهرًا.»

عاد ثاليس إلى وعيه.

وتنهد هو الآخر.

«بالطبع لا يقتصر على ذلك.»

«هل فكرت في هذه الجملة بنفسك؟»

ظهر الاستحسان والإعجاب في عيني هيكس.

«بالطبع…»

لكن أمام نظرة الغراب العجوز الفاحصة، استسلم ثاليس منذ أن فتح فمه.

«بالطبع لا.»

قالها بفتور.

«قالها شخص آخر.»

«شخص ليس من هذا العالم.»

«وكان رجلًا عظيمًا، على ما أظن.»

«وإن لم تخني الذاكرة، فاسم عائلته هيغل.»

ابتسم هيكس.

«حسنًا.»

«كنت أعلم أنك لم تبتكرها.»

«فالصراحة والتأمل الذاتي أمران مطلوبان جدًا في دروسي.»

«وأكثر ما لا أحتاج إليه هو المشاعر الشخصية والغرور.»

«إذًا…»

سأل ثاليس بحذر.

«ما الذي أردت أن تعلمنا إياه في الدرس الأول؟»

طرق هيكس عصاه برفق.

وعاد إلى صورة الشيخ الأحدب من قبل.

«بعد ذلك…»

«وبوصفنا أناسًا بعيدين عن ذلك العصر، فإن أي حكم نصدره على التاريخ سيظل باهتًا أمام ما حدث فعلًا.»

عقد الغراب العجوز حاجبيه بقوة.

وبدا منزعجًا.

«بما أننا لا نستطيع إعادة الماضي، فقدنا أسسًا كثيرة كان يمكن أن نبني عليها أحكامنا.»

«حكمنا على الحاكم وفق نواياه ومصالحه.»

«لكن هل كان الملك نوفين يفكر حقًا بهذه الطريقة؟»

«اعتمدنا على مواقف التابعين وتصرفاتهم.»

«لكن ماذا فعل الكونتات أيضًا؟»

«وبأي ترتيب فعلوه؟»

«نسبنا ضعف إيكستيدت إلى صخب الأراضي التي احتلتها.»

«لكن كيف كان سلوك أهل الكوكبة في الحقيقة؟»

«وهل أغفلنا وقائع تاريخية مهمة؟»

كان صوته مملوءًا بالأسى.

«مهما نظرت إلى الأمر…»

«فإن تجاهل سير الأحداث وتفاصيل الرواية التاريخية، بحجة الإمساك بالجوهر، ثم تبسيط فهم التاريخ والحكم عليه… أمر بالغ الخطورة.»

«ومع كل تفصيل نغفله أو نسيء تقديره…»

«يتسع الفارق بين حكمنا وبين ما وقع فعلًا.»

«وإن بنينا استنتاجاتنا على هذا الأساس…»

«فسيكون انحرافها عن الواقع كارثيًا.»

«العالم مترابط ولا حدود له.»

«وكل جزء فيه لا غنى عنه.»

«ومع ذلك، لا نملك إلا رؤية محدودة.»

«فماذا يعني هذا؟»

هز الغراب العجوز رأسه وضحك بخفة.

«وفق قول قديم من ماني إت نوكس…»

«خطأ بعرض شعرة قد يضللك ألف ميل.»

«وكذلك تحذير الجان القدماء لصغار الرماة…»

«انحراف بسيط في مسارك قد يجعلك تخطئ الهدف بميل كامل.»

تجمد ثاليس.

وتذكر شيئًا.

«وليس هذا كل شيء…»

تمتم كأنه يحدث نفسه.

«هناك أيضًا مشكلة التولد الداخلي والتعدد الخطي.»

«والتفاعلات، وتلوث العينات، والانحرافات متعددة المستويات، والاستدلال السببي.»

«وحين نعمم السلوك الفردي على المستوى الجماعي…»

أصابت هيكس الحيرة أمام سيل المصطلحات الغريبة.

وعقد حاجبيه.

«ماذا؟»

عندها عاد ثاليس إلى وعيه.

فهز رأسه بسرعة.

«لا شيء.»

«كنت أحدث نفسي فقط.»

منحه هيكس نظرة غريبة، ثم واصل.

«إذًا…»

«حين أصدرنا يومها حكمًا بسهولة على ما وقع قبل ثمانية عشر عامًا…»

«ونسبنا الحادثة كلها ببساطة إلى حدود الحكم، بعد استنتاج وافتراض ظنناهما دقيقين ومتينين، بينما كانا في الحقيقة مليئين بالأخطاء والثغرات…»

«فحتى لو بدا الكلام منطقيًا، وحتى لو استطعنا إقناع أنفسنا به…»

«فهو بعيد جدًا عن الحقيقة التي نريدها.»

«وفوق ذلك، لن يصلح أبدًا لمستقبلنا، ولا لخدمة حياتنا اليوم.»

«ففي ثمانية عشر عامًا، يمكن لأشياء كثيرة أن تتغير.»

«ونحن لسنا كليّي المعرفة.»

جر هيكس عصاه فوق الأرض غير المستوية.

فأصدرت صوتًا مزعجًا.

وقال بحزن:

«لذلك، كلما حاولنا استخدام التاريخ درسًا…»

«نكتشف أنه ليس مرآة مسطحة ستُرينا بالضبط ما نريد رؤيته.»

«فالصور التي يعكسها ملتوية دائمًا، وضبابية، وصعبة الاستخدام.»

أطلق زفرة عالية.

«تذكر يا ثاليس.»

«في أكاديمية قبلة التنين، حين نواجه التاريخ والعالم والحشود…»

«حتى أشهر الباحثين عليهم أن يتعاملوا بحذر وتواضع ودقة مع الفارق بين إدراكهم والحقيقة.»

ظل ثاليس يحدق في الشيخ أمامه وحاجباه معقودان.

ولم يقل شيئًا.

ضحك هيكس ضحكة ساخرة قليلًا.

«وخُذ ذلك اليوم مثالًا.»

«معظم الاستنتاجات التي نصدرها في حياتنا اليومية بعد صف حجج وراء حجج، ثم نعلنها بيقين مطلق…»

«تحمل، بدرجات متفاوتة، همجية الباحث المبتدئ وسذاجة الطفل.»

«مثل قولنا: انهارت الإمبراطورية لهذه الأسباب.»

«أو: هذه الأحداث والأشياء أدت إلى ازدهار مملكة ما.»

«أو: لولا ذلك لما حدث هذا.»

أشار هيكس إلى جبينه.

ثم أشار إلى ثاليس، الذي كان وجهه جادًا.

«أنت سريع البديهة يا ثاليس.»

«وأعتقد أن فصاحتك جلبت لك فوائد كثيرة.»

«لكن أحيانًا، عليك أن تتوقف.»

«تفكر أكثر.»

«وتتكلم أقل.»

«الحكماء نادرًا ما يدخلون في جدالات هدفها إقناع الآخرين بآرائهم.»

ظل ثاليس صامتًا.

ووقف في مكانه يصغي.

«التواضع.»

وصل هيكس أخيرًا إلى جوهر كلامه كله.

وكان صوته جادًا وصادقًا.

«يا ثاليس، التواضع.»

«هذا ما كان ينبغي لك أن تتعلمه حقًا من الدرس الأول.»

ثم تحولت نبرته من هادئة إلى قوية.

«لا الخلاصة التي دفعتك إليها بتلقين دقيق ومتعمد، عبر أسئلة بدت مفتوحة ومنطقية، لكنها كانت في الحقيقة هراء صممته خصيصًا لقيادتك نحو تلك النتيجة.»

«ومع ذلك، وثقت بها تمامًا، واعتقدت أنها خرجت من أفكارك أنت.»

«وهكذا غالبًا ما يضيع التواضع.»

أومأ ثاليس ببطء.

وكانت أفكاره تثقل كاهله.

ولم يستطع هيكس إلا أن يتنهد وهو يتذكر الماضي.

«أثناء التعلم، يكون من السهل جدًا على المرء أن يفقد تواضعه ويصبح مغرورًا.»

«حين يمتلئ عقلك الفارغ فجأة بشيء ما…»

«فإلى جانب حماسك لأنك طورت نفسك، نادرًا ما تلاحظ أن ما ملأ عقلك ليس سوى كومة ضخمة من القذارة.»

«أو…»

«في كثير من الأحيان، يبدو الاثنان متشابهين.»

ما يملأ عقلي…

وما إن خطرت هذه الكلمات ببال ثاليس، حتى تذكر شيئًا.

فرفع نظره.

«بالمناسبة، تذكرت أمرًا.»

قال الأمير بحذر، وكأنه يريد مناقشة مسألة.

«سيدي، هل تتذكر الكتاب الذي استخدمته لدحضنا في الدرس الأول؟»

«تاريخ حرب الإقليم الشمالي؟»

عقد هيكس حاجبيه.

وسعل بخفة.

«لقد بحثت عن ذلك الكتاب تحديدًا.»

وبدا ثاليس محرجًا.

لكنه واصل ببطء، وهو يراقب بقايا ابتسامة على شفتي هيكس.

«وكان اسم المؤلف مكتوبًا على صفحة العنوان.»

«وكان…»

لوح ثاليس بيده بوجه محرج.

«ميريل هـ. هيكس، من أكاديمية قبلة التنين.»

ضيق هيكس عينيه قليلًا.

أما ثاليس، فنظر إلى المؤلف الواقف أمامه بعجز.

«أهذه…»

«كومة ضخمة من القذارة؟»

وبعد بضع ثوانٍ…

انفجر الغراب العجوز في ضحك سعيد.

«هاهاهاهاها…»

لم تكن ضحكته جميلة.

بل كانت أشبه بنعيق غراب.

ومع ذلك، كان واضحًا أنه سعيد جدًا.

ضحك هيكس حتى كاد ينقطع نفسه.

واستند إلى عصاه، وارتجفت كتفاه.

«أنت حقًا…»

«ذهبت فعلًا إلى… هاهاها…»

رفع ثاليس كتفيه باستسلام، ورسم ابتسامة محرجة.

مراجعة مصدر الاقتباس، والتحقق من معلومات النشر…

أليست هذه من أبسط مهارات طالب الدراسات العليا؟

«إذًا…»

ابتسم ثاليس بحرج، محاولًا إنهاء الموضوع.

«أفكاري لم تكن أفكاري أصلًا، بل أفكار الآخرين؟»

توقف هيكس عن الضحك.

«جملة أخرى مثيرة للاهتمام.»

تأمل قليلًا.

«هل فكرت فيها بنفسك؟»

رفع ثاليس كتفيه.

«أرغب حقًا في قول لا.»

«لكن هذه الجملة؟ نعم.»

«جيد جدًا.»

اختفت ابتسامة هيكس.

ونظر إلى ثاليس بثبات وجدية.

«والسلاح الوحيد الذي يضمن ألا يغرق عقلك داخل كومة ضخمة من القذارة يا ثاليس…»

أومأ ثاليس باحترام، وأكمل كلام معلمه:

«التواضع.»

ابتسم هيكس مجددًا.

لكن ثاليس غير نبرته.

«لكن فاتتك نقطة.»

«التأمل الذاتي.»

«أن تراجع أفكارك، وتحاول العثور على عيوبها.»

«أتتذكر القواعد التي أخبرتنا بها من قبل؟»

«من الأفضل أن نفتش في أنفسنا قبل أن نشكك في شيء.»

شكرًا لك يا بورديو.

ضحك ثاليس في داخله.

تغير وجه هيكس قليلًا.

وضيق عينيه.

وبدأ يتفحص المراهق أمامه من جديد.

«ليس هذا فقط.»

«وليس مجرد ما قلته من قبل يا ثاليس.»

قالها بفتور.

«ذلك منهج رفيع المستوى.»

«وطريقة متقدمة في التفكير.»

«لكنه اختياري.»

«فليس الجميع يملكون الاستعداد للوصول إلى تلك المرحلة.»

غمز هيكس.

«ونحن نتقدم خطوة خطوة…»

«نبدأ بالتواضع.»

«ثم نسعى إلى أشياء أخرى.»

ابتسم ثاليس.

خطوة خطوة.

وهو ينظر إلى الشيخ الغريب والممتع أمامه، ويتذكر أن الطريق أمامه مجهول…

شعر فجأة بتأثر غامض.

رفع سبابته.

«سيدي، كنت أفكر…»

«رغم أنك أخبرتني أن مغزى الدرس الأول هو التواضع، وأن الحكماء نادرًا ما يدخلون في جدالات لإقناع الآخرين بأفكارهم…»

ضيق ثاليس عينيه.

«لكن حين فكرت في الأمر من جديد…»

نقر بلسانه.

وأخذ يتفحص الشيخ من أعلى إلى أسفل، كأنه يحقق مع مشتبه به.

«هل من الممكن…»

«أن تعود إلى قصر الروح البطولي، ثم تقول للصغيرة—»

توقف.

«أقصد لساروما…»

ظهرت الحيرة على وجه هيكس.

تنحنح ثاليس.

ثم خفض صوته، محاولًا تقليد نبرة هيكس المعتادة.

«عزيزتي الآنسة ساروما، عليك أن تعرفي أن… الحكماء لا يخشون تقديم حجج مقنعة.»

«مولاتي، ما عليك فعله هو أن تدسي آراءك بثقة في عقول الآخرين، حتى لو لم تكن تلك الآراء سوى كومة ضخمة من القذارة—»

قبل أن يكمل ثاليس، انفجر هيكس ضاحكًا.

وكانت تعابيره مبالغًا فيها.

وأخذ يطرق الأرض بعصاه مرارًا.

«هاهاهاهاها…»

وضحك ثاليس أيضًا.

وتحت ضوء القمر، ضحك الشيخ والمراهق، وكلاهما بعيد آلاف الأميال عن موطنه.

ومن بعيد…

كان كيفن ينتظرهما ورأسه مستند إلى يده.

فتثاءب باستسلام.

وأخيرًا، هدأ ضحكهما.

أغلق ثاليس فمه.

وتوقف هيكس عن الابتسام أيضًا.

ثم نظر إليه بهدوء وسلام.

لقد حان الوقت.

فتح ثاليس فمه غريزيًا.

لكن هيكس سبقه.

«كما تعلم…»

«لقد أخبرتني أمك فعلًا إلى أين تريد الذهاب.»

قال الغراب العجوز ذلك بصوت عادي.

لكن كلماته صدمت ثاليس.

أقام هيكس ظهره في الظلام.

وواجه السماء الواسعة المملوءة بالنجوم.

ثم أطلق تنهيدة طويلة.

«قبل أن نفترق…»

«وقفت وحدها، وظهرها لنا، ووجهها نحو غروب الشمس الأحمر كالدم فوق الصحراء التي لا نهاية لها.»

«ثم ضحكت بخفة وقالت…»

شعر ثاليس بقلق لا يستطيع تفسيره.

وعرف أن الكلمات التالية ستكون كلمات تلك المرأة نفسها.

قال هيكس بهدوء:

«الآن وقد تمكنت من الهرب…»

«فبالطبع أريد أن أذهب وأرى هذا العالم الواسع.»

«من يدري؟»

«ربما أستطيع أن أترك أثرًا في هذا العالم الممل والرتيب.»

تجمد ثاليس.

أترك أثرًا…

في هذا العالم الممل والرتيب…

«أعتقد أنها نجحت.»

كان صوت هيكس خافتًا.

لكن كلماته رنت بوضوح في الليل الساكن، ووصلت إلى أذني ثاليس.

«…أو أنها ستنجح في النهاية.»

مرت نسمة لطيفة عبر الثقوب في الجدار خلفهما.

فأطلقت أنينًا طويلًا ممتدًا.

عدل هيكس وشاحه.

ثم أومأ لثاليس بوجه جاد ومحترم.

«اعتنِ بنفسك، أيها السيد الشاب.»

توقف ثاليس عن التفكير.

وأومأ هو الآخر بجدية.

«وأنت أيضًا… يا سيدي.»

ثم وقف ثاليس وحيدًا في الليل الهادئ.

واستمع إلى صوت عصا هيكس وهو يبتعد.

وراقب ظهره الأحدب يختفي تدريجيًا في الظلام.

وسمعه يصعد إلى العربة الرديئة المتهالكة، التي لم تكن تختلف كثيرًا عن حي الدرع نفسه.

ثم سمعه يشرح لكيفن لماذا لم يصعد ثاليس معه.

ومن بعيد، راقب العربة المجلجلة وهي ترحل.

رافقها صوت سوط كيفن وصهيل الحصان المستاء.

ورحلت بلا عودة.

استنشق الأمير جرعة كبيرة من الهواء البارد بشراهة في قلب الليل.

لكن النتيجة الوحيدة كانت أن امتلأت رئتاه بالبرودة حتى ارتجف.

استدار ثاليس باستسلام.

وعادت المشكلة التي عليه مواجهتها، والحزن الذي يملأ قلبه، إلى مقدمة أفكاره.

من الآن فصاعدًا…

أصبح وحيدًا مجددًا.

تمامًا كما كان في الماضي.

ركل ثاليس شاردًا قطعة كبيرة من الركام.

وكاد يتعثر بسببها.

ثم حدق في الأرض المملوءة بالجثث التي تركها غليوارد.

وفي المشهد «المهيب» لحي الدرع.

وشعر بصداع شديد.

كل مدينة غيوم التنين تبحث عنه.

وليس أهل المدينة وحدهم.

بل هناك أيضًا لامبارد، والكونت ليسبان، والكونت نازير، وبقية التابعين…

ماذا أفعل؟

حك ثاليس رأسه بألم.

أعود إلى الممر السري؟

أبحث عن بوتراي؟

أختبئ في حي الدرع وأنتظر تطور الأحداث؟

لكن ليس لدي ما يكفيني من الطعام أو الملابس—

«هيه! أيها الشقي!»

رفع ثاليس رأسه بصدمة.

تحت ضوء القمر، ظهر نصف وجه قلق جدًا من خلف جدار مكسور إلى يساره.

وكان شخص ذو صوت خشن يحاول خفض صوته قدر الإمكان.

«لماذا تقف شاردًا؟»

«تعال إلى هنا…»

ذهل ثاليس.

وحدق في الشخص المستند إلى زاوية الجدار.

«أنت…»

«ذلك… غليوارد؟»

دوي!

ضرب الرجل خلف الزاوية الجدار بانزعاج.

ثم تحرك الكرسي المتحرك المألوف ببطء من خلفه باتجاه ثاليس.

رمش ثاليس.

ولم يستطع فهم ما يحدث.

«اخفض صوتك بحق الجحيم!»

حدق فيه غليوارد، الذي كان قد رحل للتو غاضبًا، وخداه منتفخان من الغضب.

وكان على وجه المحارب عديم الساقين حرج واضح ونفاد صبر.

كما كان يلتفت من حين إلى آخر بحذر.

«وأين أخلاقك بحق؟»

«أهكذا تشير إليّ؟»

«ذلك غليوارد؟»

لم يهتم ثاليس بغضبه.

واكتفى بالتحديق فيه بذهول.

ثم حك رأسه، كأنه يحاول فهم الأمر.

«لكن لماذا—»

قاطعه غليوارد من فوق كرسيه.

ولم يبقَ في عينه سوى نظرة تقول:

وجهك يثير اشمئزازي.

«اخرس.»

«واتبعني.»

أتبعك؟

تجمد ثاليس من جديد.

فهو لا يفهم تصرفات هذا الرجل ولا منطقه.

«لكن ألم تقل إنك ستدعني أذهب، ولن تسلمني لتحصل على المكافأة؟»

«هيه!»

عبس غليوارد مثل وحش يحاول إخافته.

«قلت اخرس!»

«بهذا الصوت المرتفع، ستوقظ الجميع ما عدا ملكة السماء!»

حرك كرسيه نحو ثاليس.

ثم نظر إلى الأمير المصدوم، الذي لم يستوعب ما يحدث بعد.

وأطلق شخيرًا باردًا.

«ألم تكن تريد الخروج من المدينة؟»

«تعال إلى هنا!»

أدار ثاليس عينيه ثلاث مرات.

«الخروج؟»

ابتسم ابتسامة جامدة.

ثم لوح بيده مترددًا، وأشار نحو الاتجاه الذي رحل فيه هيكس.

«لكن ألم ترفض الغراب العجوز قبل قليل؟»

تغير وجه غليوارد النافد الصبر.

استند بيده اليسرى إلى الكرسي.

ودفع نفسه إلى الأعلى بضع بوصات.

ثم رفع قبضته اليمنى نحو ثاليس.

تراجع ثاليس غريزيًا.

وظل يبتعد حتى صار بينهما من المسافة ما يكفي لشخص آخر.

ورفع ذراعيه أمام صدره دفاعًا.

«انتظر!»

توقفت قبضة غليوارد في الهواء.

«تبًا!»

«أتطلب لكمة؟!»

زأر المحارب المخضرم دون أن يخفي شيئًا من غضبه.

«هل تريد الخروج والعيش أم لا؟!»

رنت طبلة أذن ثاليس من شدة صوته.

وهو شبه مذهول، أومأ غريزيًا.

«نعم…؟»

وسط الجو المحرج، تبادل الاثنان النظرات.

أحدهما يغلي غضبًا.

والآخر غارق في الحيرة.

وبعد بضع ثوانٍ…

خفض غليوارد قبضته.

وشخر.

ثم أدار كرسيه في اتجاه آخر.

«اتبعني، أيها الشقي!»

قالها باحتقار.

وعندها فقط أنزل ثاليس ذراعيه.

ورفع كتفيه.

وكأنه فهم شيئًا.

ثم لحق بغليوارد وهو غارق في التفكير.

وهكذا…

تردد صوت عجلات الكرسي وهي تسحق الحجارة المتناثرة.

وامتد ظلا الكرسي والمراهق على الطريق الخشن لحي الدرع.

وسارا جنبًا إلى جنب في الليل الصامت.

دوي! دوي! دوي!

ضرب ثاليس بقبضته اليمنى كفه اليسرى ثلاث مرات.

«فهمت.»

وبينما يمشي، راقب غليوارد، الذي كان وجهه عابسًا، وكأنه تعرض لظلم عظيم، ويكاد ينفجر غضبًا.

وبدا أن المراهق اكتشف أمرًا جديدًا.

وامتزج صوته بشيء من المفاجأة والسرور.

«ستساعدني في النهاية.»

«لكنك لم ترغب في أن تظهر أمام الغراب العجوز أنك استسلمت.»

تجمد وجه غليوارد.

«اخرس.»

لكن ثاليس كان غارقًا في سعادة اكتشافه الجديد.

ولم يبالِ بكلامه.

وتلألأت عيناه.

«وهيكس…»

«ذلك الغراب العجوز تعمد أن يتركني هنا، لأنه يعرف أنك ستساعدني حتمًا.»

«ولهذا…»

ازداد وجه غليوارد عبوسًا.

وجز على أسنانه.

والتوى فمه.

وتشنجت ملامحه.

ثم أسرع في دفع عجلات كرسيه.

«اخرس!»

لحق به ثاليس بخطوتين.

ثم تجاوزه.

واستدار ليسير أمامه مواجهًا إياه.

«لحظة.»

أشرقت عيناه أكثر.

«أنت تعرف هذا أيضًا، أليس كذلك؟»

«تعرف أنه يعرف أنك ستساعدني.»

وكأن ثاليس أصاب موضع ألمه.

استنشق غليوارد نفسًا عميقًا.

وكان غاضبًا وخجلًا في آن واحد.

ودفع عجلات كرسيه بعنف حتى صرخت من الاحتكاك.

«اخرس!»

لكن ثاليس لم يبدِ أي نية للصمت.

بل سار إلى الخلف، وذراع حول صدره، والأخرى تحت ذقنه.

وبدا مسرورًا للغاية.

«إذًا كلاكما يعرف ذلك.»

«لكن لسبب ما، لم تريدا التصريح به.»

«هيكس يعرف أنك تعرف أنه يعرف أنك ستساعدني—»

ولم يعد غليوارد قادرًا على الاحتمال.

فرفع رأسه إلى السماء، وزأر بألم:

«كفى!»

توقف عن الحركة.

وقاطع ثاليس بعنف.

«اخرس! اخرس! اخرس!!»

صمت ثاليس.

وحدق فيه بحيرة.

«نعم!»

«أنا أعرف.»

«وهو يعرف أيضًا.»

كان وجه غليوارد أحمر من الغضب.

ولوح بقبضته نحو السماء.

«وماذا في ذلك؟»

بصق على الأرض بلا أي لياقة.

ثم حدق في ثاليس باستياء.

«وأعرف أيضًا أنه يعرف من الأصل أنني أعرف أنه كان يعرف أنني سأساعدك…»

أومأ ثاليس بجدية.

وشجعه بنظرته على مواصلة الكلام.

«تبًا!»

توقف غليوارد.

وتغير وجهه.

«سأصاب بالجنون بسبب كلامك المربك.»

«ألا تستطيع أن تغلق فمك بحق الجحيم، يا ابن العاهرة؟»

رمش ثاليس.

وظهرت على وجهه ملامح استسلام.

«بالطبع.»

ضحك الأمير بخفة.

وحك رأسه.

«لكن كما تعلم…»

«ما قلته للتو…»

«يعني أنك شتمت أمي أيضًا.»

تجمد غليوارد في لحظته.

«شتمت… ماذا؟»

أشار ثاليس إلى البعيد، وضحك بحرج.

ثم ذكره بحسن نية خالصة.

«يبدو أنك شتمتها قبل قليل.»

«أمي.»

«ثيرين جيرانا…»

«أمم، أنت تعرفها.»

توقف غليوارد الحائر عدة ثوانٍ.

ثم استوعب الأمر.

رفع المحارب المخضرم إصبعه بغضب.

وظهرت على وجهه ملامح شرسة.

«يا ابن العاهرة…»

سعل ثاليس بخفة.

«هذه هي العبارة بالضبط.»

وفي تلك اللحظة…

بدا غليوارد كأن شيئًا علق في حلقه.

فتوقف عن الكلام فجأة.

وتردد لا إراديًا.

وكان وجهه غريبًا، يتغير بسرعة.

لكن في الثانية التالية، عاد إلى لغته الخشنة المعتادة.

وأشار إلى ثاليس مجددًا.

«يا ابن…»

لكن أمام نظرة ثاليس الودودة، بدا وكأنه اختنق مرة أخرى.

وارتجفت عضلات وجهه قليلًا.

«يا ابن…»

فتح فمه وأغلقه.

لكنه لم يستطع إصدار صوت.

وظل إصبعه معلقًا في الهواء، وكأنه يخوض صراعًا ولا يعرف أين يوجه نفسه.

مرت نسمة خفيفة.

فارتجف ثاليس من البرد.

لكن ابتسامته لم تختفِ.

«أنت…»

وفي النهاية، وبعد تردد دام بضع ثوانٍ…

رفع درو غليوارد الساخط قبضته بعنف.

دوي!

وضرب كرسيه المتحرك المسكين بكل غضبه.

«اخرس يا ابن الكلب!»