▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 164: بدايــة الفوضــى
…
"إذًا، أنت تخبرني بأن…"
كان الملك نوڤين واقفًا في مخدعه، يضع تاجه ويشدّ درعه. صفّان من حرّاس النصل الأبيض اصطفّوا إلى جانبيه بقلقٍ يحرسونه.
استدار الملك وحدّق في قائد حرسه الشخصي، وقال بسلطان: "إن أمرًا لم يُرى في إكستيدت منذ مئات السنين قد ظهر في مدينة سحب التنين…"
أدخل الملك نوڤين سيفًا في حزامه، وقد اكتسى وجهه بالجدّ.
"كارثة؟"
كان نيكولاس قابضًا على خنجره، وملامحه قاتمة مميتة. "لأكون أدقّ، يا صاحب الجلالة… الأمر ليس في مدينة سحب التنين فقط…"
"بحسب مجال التحذير الخاص بـالرمح قاتل الأرواح المذكور في أسطورة حرّاس النصل الأبيض… أخشى أنّ ذاك المخلوق موجود في قصر الروح البطولية."
تأمّل الملك العجوز الموقف لثوانٍ.
"حسنٌ. على الأقل نعلم الآن أنّ تلك الوحوش ليست مجرد أساطير." اشتدّ وجه الملك نوڤين، واندفع بخطوات واسعة خارج مخدعه، وتبعه أفراد حرّاس النصل الأبيض عن كثب.
ألقى الملك العجوز نظرة على العدد الكبير من الحرس عند الباب، كانوا يراقبون بيقظة. "ما الوضع الحالي؟"
"لقد قرعتُ إنذار الأولوية القصوى، وأغلقتُ بوابة المرور إلى إقليم الفأس وإقليم الرمح. كما أمرت رجالي بأن يرفعوا تقارير دورية." هزّ نيكولاس رأسه. "للأسف، حتى الآن لم يختفِ أحد في القصر، ولا ظهرت أيّ علامة غير طبيعية، سواء على الحرس أو الخدم أو أفراد حرّاس النصل الأبيض."
استدار الملك نوڤين وحدّق في نيكولاس بحاجبين معقودين.
(للأسف؟)
"اعذر عبارتي." خفض نيكولاس رأسه قليلًا. "لأننا بهذا… لا نملك وسيلة لتحديد مكان ذلك المخلوق."
استنشق الملك نوڤين بعمق وأومأ.
"أخبِر جميع الآرشيدوقات أولًا. يجب أن يعرفوا سبب إطلاق هذا الإنذار…"
"ثمّ احبس كل أولئك السكارى في قاعة الوليمة، واطردهم صباحًا…"
"استدعِ كل أفراد حرّاس النصل الأبيض الذين هم في استراحة. وإن أمكن، أرسلوا أحدًا إلى مقاطعة الدرع واطلبوا من غليوارد الحضور. أحتاجه ليحمل (رمح قاتل الأرواح)…"
"أخبِر ضابط الحامية العام، ومره بأن يُرسل جميع ضباط الانضباط إلى دوريات في المقاطعات المختلفة ويطلقوا سهام الإشارة. وعليهم كذلك رفع التقارير بصورة منتظمة…"
"أضيئوا الشعلة على البوابة الأولى، ومرّوا جميع الرماة بأن يتخذوا مواقعهم. ولا تبخلوا بالزيت الأبدي…"
وبينما كان الملك يصدر أوامره، اندفع الحرس المكلفون بتمريرها جيئة وذهابًا على عجل.
"لا تقلقوا يا فتيان." واصل الملك العجوز سيره، وكانت عيناه تلمعان ببريق حاد. "نحن في إكستيدت… موطن رايكارو."
"لسنا نعيش قبل ستمئة سنة… ولا نحن في معركة الإبادة. لم تعد تلك الوحوش تعيش في الزمان الذي لم تكن تخشى فيه شيئًا."
"لكن، مهما يكن، فهم الكوارث المروية في الأساطير." قال نيكولاس بحذر. "وقد ذكرت أسطورة حرّاس النصل الأبيض مدى قوّتهم…"
"أعلم أنهم أقوياء. كل آرشيدوق يتلقى هذا التعليم." كان صوت الملك نوڤين صلبًا. "لكن إن كانت القوة كل شيء…"
"فلِمَ قاتلنا في معركة الإبادة منذ ستمئة عام؟"
اشتدّت ملامح الملك العجوز، واشتعل بصره حدّة.
"بالطبع." أومأ نيكولاس، وقد شحُب وجهه. "بعد ضمان سلامة القصر، سأوسّع نطاق التفتيش خارج البوابة."
في تلك اللحظة تمامًا، دوّى صوت مجهول من مؤخرة الحشد.
هششش!
تشهر الحرس وأفراد حرّاس النصل الأبيض أسلحتهم في اللحظة نفسها، باضطراب!
وأحاطوا بالملك.
رمقهم الملك نوڤين بنفَسٍ ساخط.
ولم يهدأ الحرس ويعودوا إلى مواقعهم إلا بعد أن وبّخهم نيكولاس.
اقترب حارس على عجل لينقل رسالة.
"يا صاحب الجلالة، إنه أحد مبعوثي الكوكبة… يُصرّ على مقابلتك!" هتف الحارس.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه.
وسرعان ما ظهر نائب دبلوماسي وفد الكوكبة، بيوتراي نيماين، أمام الملك.
كان وجه نائب الدبلوماسي النحيل شاحبًا، وبلا مبالاة تجاه كثرة الحرس حوله قال بقلق: "يا صاحب الجلالة، هناك متسللون في قصرك…"
"أعلم ذلك." لوّح الملك نوڤين بيده وقال بضيق: "أنا أعالج الأمر."
أغلق الحرس على الجانبين الطريق أمام بيوتراي وأشاروا له بالانصراف.
"لا يا صاحب الجلالة!" قبض بيوتراي ذراع أحد الحرس صارخًا. "أيًا يكن ذلك المتسلل…"
"لقد اختطف الأمير تاليس!"
تبدلت ملامح الملك نوڤين فورًا!
أما نيكولاس فكان يحدّق في بيوتراي بنظرة غريبة، واضحة الشك.
حدّق الملك نوڤين في بيوتراي، وارتسم الامتعاض على وجهه.
"ما الذي حدث؟" سأل الملك نوڤين بهدوء متعمد بعد أن أخذ نفسًا عميقًا. "هل هناك من اختفى غيره؟"
أفلت الحرس ذراع بيوتراي ، وكان يلهث بشدة.
"نعم…" وبعد أن صوّب أنفاسه، ألقى قنبلة أخرى: "حفيدتك أيضًا مفقودة…"
"الآنسة سارُوما والتون!"
…
"يا لسوء الحظ. لماذا ألتقي بك هنا؟"
أطبق آسدا عينيه، وانسكب الضجر في نبرته.
"منذ متى فتحت الأخوية طريقًا سياحيًا نحو الشمال؟" سخر الصوفي الهوائي. "أم أن بغضك لي بلغ حدًا لا يكبحه حتى حصن التنين المحطّم؟"
استنشق تاليس نفسًا عميقًا من هواء الخارج البارد.
من كلمات آسدا، استطاع أخيرًا أن يتيقّن من هوية الرجل.
كان الرجل الواقف أمام آسدا يهزّ رأسه ببطء.
"لقد قال لي أحدهم إنني سأرى صديقًا قديمًا هنا." لم يتحدث الرجل بسرعة، لكن كان في صوته ضغط لا يُفسَّر. "ظننته يكذب عليّ."
"لكن… ويا للغرابة… صادفتك حقًا." تنهد الرجل. "يبدو أن بعض الأكاذيب تتحقق أحيانًا."
حدّق تاليس في الرجل، ولم يستطع إلا أن يسترجع حياته في الأخوية.
كان أطفال الشوارع في الأخوية أدنى طبقاتها، يتلقّون ضربًا وتوبيخًا، لكنهم كانوا كذلك المستقبل. لذلك كانت شؤون الأخوية الداخلية هي حديثهم الأكثر شيوعًا.
وفي التاريخ القصير للأخوية الممتدّ عشر سنوات، برز ثلاثة عشر جنرالًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكان الأطفال يعرفونهم بأسمائهم. امتازوا جميعًا بالغِلظة والشراسة والحداثة. أمّا أصحاب النفوذ الستة، فقد كانوا رجالًا مخضرمين يتحكمون بخطوط أعمال الأخوية، وكلٌّ منهم لاعبٌ عظيم في عالم المملكة السفلي.
لكن كان هناك نوع آخر من الوجود في أخوية الشارع الأسود… أكثر قوّة ورعبًا واستحالة للتصديق.
إنهم بلا شك القتلة الثلاثة الكبار، الأعلى مرتبة من أصحاب النفوذ الستة. وكانت هناك شائعات بأن عددهم أربعة، غير أن الرابع غارق في الغموض حتى لُقبه له روايات متعددة.
سواء بالتسمية الذاتية أو من الناس… عُرف القتلة الثلاثة بأسماء ثلاث أسلحة غريبة:
المنجل المقلوب.
منجل قفل السجن.
السيف الأسود.
وكانت حكايات السيف الأسود أعجبها وأشدها شيوعًا.
سمع تاليس عنه حكايات كثيرة. إحداها أنّه وحده، وبمفرده، جعل الشارع الأسود نهرًا من الدم، بعد أن كان مسرحًا لصراع القوى، لينتهي به الحال منتزعًا أول بقعة نفوذ للأخوية.
وفي شائعة أخرى، تآمرت أعداء الأخوية على قتله، وطرحوا مكافآت كبيرة، لكنهم قُطعوا أشلاءً وهم نائمون.
وفي رواية أسطورية، بعد أن رُشي حرس المدينة للقبض عليه في حانة الغروب، جلس السيف الأسود بهدوء يأكل ويشرب، فيما أجبر سبعة عشر فصيلًا من الشرطة على التراجع بنظراته وحركاته وحسب.
وأشدّها مبالغة… أن عصابة قوارير الدم، المعروفة بدهائها وبطشها، نصبوا له كمينًا كثيفًا، وأحاطوه بمئات المقاتلين وقيل إنهم قتلوه. غير أنّهم وجدوه في الغد يمشي في الشارع الأسود سالمًا، وكأن شيئًا لم يكن.
في الحكايات الشائعة بين الأطفال والمتشردين وعامة الناس، غدا السيف الأسود أسطورة متعددة الوجوه، رمزًا للخوف وقوة لا تُجارى. حتى الصوفيّان اللذان هزّا تاريخ الأخوية لم يبلغا مرتبته.
والآن… السيف الأسود الأسطوري يقف أمام تاليس مباشرة.
لم يستطع أن يصدق ذلك.
خلافًا للصورة البشعة الضارية الباردة التي رسمتها الأساطير، بدا وجه السيف الأسود تحت ضوء القمر عاديًا للغاية. جبهة مسطحة، عينان صغيرتان، وجسدٌ أقلّ بقليل من المتوسط، لا هو بالسمين ولا بالنحيل.
وسط حشدٍ من الناس، لربما بدا رجلًا شديد العادية، لا ميزة تذكر.
وكأن لا شيء يستحق الذكر عنه… سوى بريق عينيه الحادتين وسيفه.
ضيّق تاليس عينيه وهو يشاهد الرجل يرفع سيفه ببطء.
كان سيفًا غريبًا.
سوادُه الكامل ربما يفسر لقبه، لكنه لم يكن أغرب شيء فيه.
كان ذا طول متوسط، بنصل منحني قليلًا، لكن رأسه معقوف للداخل كالمنقار. نصلٌ أحاديّ الحدّ، يجري على طوله أخدود دم عميق وطويل.
وفي ثلث الحافة المقابلة، قُطعت قطعة لتشكّل سنارة معكوسة. أما بقية تلك الحافة فكانت مسنّنة من تلك السنارة حتى المقبض.
حدّق تاليس في ذلك السيف الأسطوري الغريب، فلم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه.
كان مقبض السيف غير متوازٍ مع خطّه إطلاقًا، بل منحرفًا إلى جانب… كسكين مطبخ. وفوق ذلك، لم يكن للسيف واقية صليبـية، بل واقية يد أحادية تنحدر من المقبض شبه موازية له، بالكاد تتسع لأربعة أصابع دون الإبهام.
نظر تاليس إلى السيف وقال في داخله: (لا يبدو كسيف أصلًا… بل كسكين طويلة مستقيمة تكدّست عليها التفاصيل.)
ولم يستطع إلا أن يتذكر سكين الجيش السويسري من حياته الماضية.
لكن تاليس كان يعلم أيضًا أنّ السيف الأسود لا يملك هذا السيف وحده. لقد كان يحمل سلاحًا آخر طويلًا، مغطّى بالكتان، مربوطًا بخصره.
(أهو سيف آخر؟)
"وأنت… أنت مثل صرصور أسود مزعج، حقير لكن شديد البقاء." جاء صوت آسدا رتيبًا، وكأنه لا يعبأ بالأسطورة أمامه. "دائمًا ما كنتَ تتشبّث بأنفاسك الأخيرة وتزحف مبتعدًا، ثم تعود بعدها زحفًا بطريقة مقززة…"
"وتظل تزعج."
لم يجب الرجل. تجاوزت نظراته آسدا وهبطت على تاليس.
وبينما يحدّق في تلك العينين الحادتين، تسلّل بردٌ إلى عمود تاليس الفقري.
(هذان الاثنان… شديدا الخطورة.)
(فهما من الأخوية وعصابة قوارير الدم، من الطبيعي أن يكونا عدوّين…)
(وربما… ربما أجد فرصة للهروب من آسدا.)
"على مرّ هذه السنين، راقبتك ترتقي من الفئة العليا إلى الفئة الفائقة، وتزداد قوة." قال آسدا وهو يحدّق في السيف الأسود وقد هزّ رأسه قليلًا. "أكاد أعتاد عليك."
ومع ذلك، لم ينطق السيف الأسود بكلمة واحدة.
"أتعلم، التوقّف دون حراك أمامي هو أحمقُ فعلٍ يمكن لأيّ أحدٍ أن يفعله." أمّا آسدا فلم يُعر أيَّ اهتمام لوقاحة السيف الأسود. ابتسم وقال: "خلال هذه الفترة القصيرة، أستطيع تمامًا أن أنتزع الهواء كلَّه من جسدك و…"
غير أنّ السيف الأسود تحرّك قبل أن يُكمل آسدا حديثه!
دوسًا على الثلج المتراكم تحت قدميه، اندفع السيف الأسود نحو آسدا، ممسكًا سيفه بيدٍ ورافِعًا الأخرى ليحجب صدره.
ابتسم آسدا ابتسامةً خفيفة، غير آبهٍ بالأمر قط.
انبهر تاليس.
فمنذ تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر، شهد حركات ومهارات الكثير من المقاتلين النخبة، من الفئة العليا إلى الفئة الفائقة، وكلٌّ منهم له سِماته المميّزة.
كان هنالك يودل، الذي يأتي ويذهب كالظل؛ وكريس، الذي يتبدّد إلى ضبابٍ من الدم؛ وآيدا، التي كانت من السرعة والسمو بحيث يصعب على العين رصد خطواتها. وكذلك أختا كورليوني، اللتان كانتا سريعتين لدرجة يتعذّر معها تمييزهما أثناء القتال؛ وزهرة الحصن، التي تتحرك بحرية رغم حملها سلاحًا ثقيلًا؛ وغضب المملكة الذي لا يُوقَف. كلّ واحدٍ منهم لا يُنسى.
حتى وضعية رالف وهو ينساب مع الريح، وحركات إيسترون الخاطفة، ولكمات نيكولاي، الأفعى الحمراء، الثقيلة التي تتزايد سرعةً بمرور الوقت؛ كلّها ميّزات لا تخطئها العين.
(لكن…) حدّق تاليس في السيف الأسود الذي كان يندفع بخطى معتدلة، وقطّب جبينه.
لم يكن ذلك بسبب حِدّة حركاته أو بريقها.
بل لأنّ حركات السيف الأسود أثناء عَدْوه كانت…
عاديّة للغاية.
عاديّة إلى حدّ أنّه بدا كأكثر الجند بساطةً وهو يندفع نحو أعتى خصم.
لا سِمة مميّزة البتّة.
حتى قفزة جالا الدقيقة بدت أرفع شأنًا من حركات السيف الأسود.
(مقارنةً بالأساطير التي سمعتُها عن السيف الأسود…)
(انتظر.)
خطر شيءٌ على بال تاليس.
(الجندي الأكثر عاديّة؟ الخصم الأعظم قوّة؟)
ضيّق عينيه وهو يحدّق في حركات السيف الأسود على نحوٍ واضح.
كانت يد السيف الأسود مرفوعةً تحجب صدره، فيما يجرّ سيفه خلفه. والمسافة بين ساقيه…
بدأ تاليس يستعيد ذكرى.
(هذه الحركة… مألوفة جدًا.)
استخدم تاليس رؤيته الخاصة لمعاينة المشهد من جديد.
وكما توقّع، بدا آسدا في عينيه شعاعًا أزرق لامعًا.
لكن الغريب أنّ السيف الأسود بدا كما هو بلا أيّ تغيّر.
غير أنّ تاليس لم يملك ترف التفكير الطويل.
واقفًا بلا حراك، راقب آسدا اقتراب السيف الأسود ثم نَقَر بأصابعه نقرةً خفيفة.
طَقّ
شعر تاليس بموجةٍ من الذعر.
هسّ!
في اللحظة التالية، قُذِف الثلج المتراكم على الأرض بين آسدا والسيف الأسود عاليًا.
تناثر كل الثلج، كاشفًا عن طبقة صخرية رمادية سوداء.
ومن خلال رؤيته الخاصة، رأى تاليس تدفّقًا من طاقةٍ مزرقة يتصاعد فجأة، مندفعًا نحو الرجل المهاجم من نقطةٍ بينهما!
انكمشت حدقتا تاليس، وأدرك فورًا أنّ هذا التدفق لم يكن سوى تيارٍ هوائيّ—أشدّ تيار هواء مضطرب على الإطلاق.
كان ارتفاعه يزيد عن عشرة أمتار، وعرضه عشرات الأمتار. طبقاتٌ متراكبة، كجدارٍ يتحرك. وكان قائمًا بين آسدا والسيف الأسود، يغطي جزءًا من القمّة بأكملها.
جرف كمياتٍ هائلة من الثلج المتراكم، ودحرجه بعنف نحو السيف الأسود.
فوووش!
كان أشبه بمضربٍ ضخم يهوِي ليلطّخ ذبابةً صغيرة.
(اللعنة.)
قطّب تاليس جبينه بقلق. (السيف الأسود لا يرى سوى الثلج المتطاير. لا يمكنه رؤية التيار الهوائي الخفي.)
(ومهما حاول، يستحيل عليه تفادي هذه الضربة الكاملة. إلا إذا… ذهب تحت الأرض.)
ومع اتّضاح الموقف، صرخ تاليس: "انتبه! أمامك… جدار من ريحٍ عاتية! ابتعد بسرعة!"
تحرّك آسدا قليلًا، وألقى نظرةً إلى الخلف نحو تاليس.
كانت نظرةً متأملة.
أمّا السيف الأسود…
فلم يبدُ واعيًا بالأمر. واصل اندفاعه.
عضّ تاليس على أسنانه.
(لا يسمعني بسبب التيار الهوائي؟)
(سيجرفه التيار.)
(سيُقذَف عن الحافة…)
(ويسقط من أعلى قمّة في مدينة سحب التنّين.)
ساد الإحباط قلبه. (السيف الأسود ربما يكون فرصتي الوحيدة للهرب من آسدا. وإن نجا، فربما… يعود حاملاً الخبر.)
لكنه لم يستطع سوى أن يراقب السيف الأسود يندفع مباشرةً نحو الجدار غير المرئي.
نحو موته.
وأخيرًا، دخل السيف الأسود في التيار الهوائي المضطرب. تناثرت خصل شعره إلى الخلف، واهتزّت ثيابه. بدا وكأنّ التيار سيجرفه بعيدًا.
لكن تاليس فتح فاه دهشةً في اللحظة التالية.
لم يُجرف السيف الأسود.
يتمايل داخل التيار، ممسكًا سيفه بكلتا يديه، مُشهرًا إيّاه إلى الأمام.
ثم انحرف بجسده فجأة إلى الجانب، وبدأ يتحرك حركةً غريبة. لم يعد يندفع بخطّ مستقيم، بل صار يتقدّم متعرّجًا—وفق الاتجاه الذي يشير إليه طرف سيفه!
وهكذا، وبسيفه بين يديه، واصل السيف الأسود تقدّمه نحو آسدا وسط التيار، الذي كان قادرًا على جرف صخورٍ ضخمة. ورغم تغييره المستمرّ للاتجاه، لم تتباطأ سرعته قط.
كان كوتدٍ انغرس في التيار، يشقّ طريقه أعمق فأعمق.
راقبه تاليس غير مصدّق.
(هذا… كيف يكون هذا ممكنًا؟
لماذا لا تؤثّر عليه رياح آسدا؟)
ضيّق عينيه مركّزًا على التموجات داخل جسده ليزداد وضوح رؤيته.
وسرعان ما أدرك السبب.
فمن خلال رؤيته الخاصة، رأى أنّ السيف الأسود لم يكن يترنّح بلا هدف. وسط التيار المضيء بالزرقة، كان يتحرك نحو نقاطٍ معيّنة—دائمًا تقريبًا نحو أندر البقع وأخفتها ضياءً.
بأسلوبٍ مجهول، كان السيف الأسود قد فهم التيار الهوائي تمامًا. عثر على أندر المواضع في التيار غير المتساوي الذي يتحكم به آسدا—وتسلّل خلاله.
لم يستطع تاليس منع نفسه من التساؤل. (البشر العاديون لا يرون التيار الهوائي أصلًا، فضلًا عن رؤيته من الداخل. كيف يفعل ذلك؟)
وبصفته خصمًا للسيف الأسود، لم يُبدِ آسدا أيّ دهشة. حرّك أصابعه قليلًا فحسب.
وفي رؤية تاليس، لمع التيار الهوائي فجأة، واشتدّ بلمح البصر.
اشتدّ التيار بضعفٍ مضاعف، وتوقف السيف الأسود فجأة عن التقدّم.
بدا وكأنه سيُجرف.
وفي الوقت ذاته، حرّك السيف الأسود سيفه الغريب الطويل.
رسم بالسيف قوسًا في قلب التيار المضطرب!
اتّسعت عينا تاليس. فبظهر سيفه الأسود، ضرب السيف الأسود بقعةً خافتة وسط الضوء الأزرق الساطع—وقد بدأ يختلط عليه أمر (السيف الأسود) و(سيف أسود)!
تغيّرت ملامح آسدا قليلًا.
فقد التيار الهوائي زخمه بسبب الضربة.
ورأى تاليس بوضوح أنّ الرجل في تلك اللحظة… شقّ بسيفه فتحة في التيار الهوائي.
في طرفة عين، قفز السيف الأسود من الأرض وخرج من التيار الهوائي عبر تلك الفتحة الصغيرة غير المستقرة! كان كأنّ أسطورةً قد عادت إلى الحياة فجأة.
في لحظة خاطفة، أصبح السيف الأسود تقريبًا أمام آسدا مباشرة.
من دون أن يتوقّف، رمق آسدا بنظرة باردة.
في تلك اللحظة، رفع آسدا يديه على نحوٍ مفاجئ.
ولسببٍ مجهول، استطاع تاليس أن يشعر بأنّ حركة آسدا كانت… تحمل شيئًا من الذعر؟
في اللحظة التالية، بدا وكأنّ الهواء المحيط بآسدا قد انفجر.
بووم!
اندفع مقدارٌ هائل من الهواء إلى الخارج، وآسدا في مركزه.
لم يرَ تاليس إلا نورًا أزرق ينتشر في كرةٍ حول آسدا.
وفي تلك اللحظة، خطرت لتاليس مقارنة طريفة. بدا آسدا كقنفذ وقد استشاط غضبًا، يقذف شوكه في وجه السيف الأسود الهاجم.
ضغطت قوّةٌ هوائية تاليس إلى الأرض، فعاد وعيه الحاضر إليه.
عرف تاليس أنّ ذلك بفعل آسدا نفسه؛ لحمايته من الهواء المنفجر. عضّ أسنانه ورفع رأسه ليرى المعركة بوضوح.
كانت الثلوج تتلاطم في الهواء.
وبضع خطوات أمام آسدا، كان السيف الأسود أول من تلقّى وطأة الانفجار الهائل.
ثم فعل السيف الأسود شيئًا مفاجئًا مرة أخرى.
كان من الواضح أنه يدرك تمامًا ما يواجهه. فبينما اندفع، بدأ… بالدوران؟
مذهولًا، ثبّت تاليس نظره على السيف الأسود.
تَمزّق… تَمزّق…
كان جسده يصدر صوتًا حادًا صاخبًا وهو يمرّ بمحاذاة الهواء المضغوط بشدّة.
واصل الدوران كراقصٍ غريب، متقدّمًا وسط الهواء المنفجر.
وفي الوقت نفسه، خفّف ببراعة الضغط المواجه له إلى أدنى حدّ.
دار السيف الأسود بجسده دورتين. متوازنًا تمامًا، كانت كلّ دورة تقرّبه خطوةً من آسدا.
لم يؤثّر ضغط الهواء على سرعته مطلقًا.
وسط دويّ الانفجار ونظرات آسدا الجادّة، اقترب السيف الأسود منه.
وفي تلك اللحظة، التقت عينا الصوفي الهوائي وعيني السيف الأسود.
ثم…
بوجه متجهّم، رفع آسدا يده اليمنى وقبض كفّه!
وفي المقابل، اندفع السيف الأسود بطعنة من سيفه الغريب!
بدأ تغيّر عجيب يحدث في الهواء المحيط بهما.
رسم السيف الأسود قوسًا غريبًا بسيفه الطويل.
شَقّ!
سمع صوت احتكاك نصلٍ بلحم.
غير أنّ آسدا قبض بكفّه في اللحظة ذاتها التي لوّح فيها السيف الأسود بسيفه، فأصبح الهواء المحيط بهما فجأة كثيفًا، ثقيلًا، عجينيًّا!
ذكّر هذا تاليس باللحظة التي اختنق فيها على يد آسدا. فارتعد جسده.
هَوَى!
سقطت ذراع آسدا اليمنى—التي قبض بها كفّه—وانفصلت عن جسده وارتطمت بالأرض.
بووم!
جثا السيف الأسود على ركبة واحدة بفعل القوّة الشديدة في الهواء المحيط به.
وبيده اليسرى المستندة إلى الأرض، اندفع السيف الأسود بخلفيةٍ سريعة من دون أن ينتظر ردّ خصمه. وبالتزامن مع ذلك، لوّح بسيفه الطويل ومزّق الطبقة الكثيفة من الهواء حولهما.
وبضعة أمتارٍ إلى الخلف، خارج نطاق ضغط آسدا الهوائي، وقف السيف الأسود رافعًا سيفه أمام صدره. يلهث، مترقبًا آسدا بحذر.
وفي المقابل، كان الصوفي الهوائي يحدّق في ذراعه الساقطة بدهشة.
لقد انتهت الجولة الدرامية من المبارزة مؤقتًا.
نهض تاليس من الأرض. كان مستغرقًا إلى درجة أنه نسي أن يتنفّس.
قدرة آسدا على التحكم بالهواء كما يشاء كانت مذهلة بما فيه الكفاية—التيار الهوائي الجارف، والهواء المنفجر العنيف. ثم كيف تحول الهواء فجأةً إلى كتلةٍ عجينية كثيفة؟ أيّ شخصٍ آخر كان ليفرّ هلعًا أمام ما واجهه.
ومع ذلك، استطاع السيف الأسود خلال وقتٍ قصير كشف ثغرات آسدا في تلك القدرات الغريبة. اجتاز كلّ حاجز، وبلغ الصوفي.
بل وقطع ذراع الصوفي.
خلافًا لجيزا التي "نزفت كثيرًا"، لم يكن هنالك قطرة دمٍ واحدة على جرح آسدا. تمامًا كما في سوق الشارع الأحمر، كان الجرح يشعّ بضوءٍ أزرق خافت.
ظلّ الصوفي الهوائي مذهولًا لأكثر من عشر ثوان.
أما السيف الأسود، فاستغلّ ذلك الوقت لتنظيم أنفاسه.
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: "منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ."
لقد قطعتَ ذراعي أيضًا." هزّ آسدا رأسه وحرّك ذراعه المبتورة. "سواءٌ في سرعة ردّ الفعل، أو الخصائص البدنية، أو الحدس، لا بد أن أعترف… أنك تتحسّن."
"أسترجع ما قلتُه عن كونك (صرصارًا أسود)،" قال آسدا بسخرية. "أنت الآن عقربٌ أسود سام."
حدّق السيف الأسود في الصوفي ولم يُجب.
(وفوق ذلك، فمنذ لقائنا الأول قبل اثنتي عشرة سنة، تتصاعد قدرته بسرعة، كأن لا عوائق ولا عتبات تقف في طريقه)، فكّر آسدا.
(حينها، كان لا يُذكر. أمّا الآن…)
تجمّد دم تاليس وهو يرى ذراع آسدا المبتورة تتحوّل إلى نورٍ أزرق وتختفي. ورغم أنّ الأمر لم يكن جديدًا عليه، وتوقع حدوثه، إلا أنه وجد المشهد غريبًا بعض الشيء.
وفي الوقت نفسه، أضاء نورٌ أزرق في الموضع الذي بُتِرت منه ذراع آسدا، واجتمع ليشكّل ذراعًا جديدة. شمل ذلك حتى كمّ ثوبه.
"فانٍ قادر على مقاتلة صوفيٍّ وجهًا لوجه دون أن يُقهَر…" لمس آسدا ذراعه المتجددة وتنهد. "السيف الأسود، لعلّك أول من يفعل هذا في التاريخ."
وتذكّر آسدا حياته الممتدة ألف سنة، فلم يملك إلا أن يتنهّد. (أفي التاريخ كلّه، هل وُجدت فئة فائقة قادرة على ما يفعله؟)
وبسماعه هذا، حدّق تاليس في السيف الأسود مذهولًا.
نهض الأخير ببطء، ونفض الثلج المتساقط عن سيفه الطويل.
"يشرفني هذا." كان صوت السيف الأسود لا يزال رتيبًا. "لكنني شعرت بأنك كنتَ تحبس قوتك عمدًا."
رفع السيف الأسود رأسه وحدّق في تمثال رايكارو. قطّب جبينه قليلًا. "في السابق، كنتَ لتنسف القمّة بأكملها."
ضاقَت عينا آسدا.
"لِماذا؟" التفت السيف الأسود ونظر مباشرةً في عيني الصوفي. "هل هنالك ما تهابه… في هذه المدينة؟"
قطّب تاليس جبينه. (بالطبع. لقد قال آسدا إن في مدينة سحب التنّين على الأقل اثنين من المعدات الاسطورية المضادة للصوفيين.)
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي آسدا.
"فهذه على كلّ حال عاصمة مملكة. ويجب أن يكون فيها نظام." هزّ الصوفي الهوائي كتفيه وقال بلا اكتراث: "لا أنوي التسبب في مذبحة تجتاح المدينة… لا أحب ذلك."
"عاصمة؟ نظام؟" أخذ السيف الأسود نفسًا عميقًا. في تلك اللحظة، صار وجهه مرعبًا للغاية. "لِمَ لَمْ يكن لديك هذا الاعتبار قبل اثنتي عشرة سنة، حين كنتَ تذبح الجميع في قصر النهضة، أيها الوحش؟"
ارتعد تاليس!
لكن ما قاله آسدا بعد ذلك كان لا يقلّ صدمةً بالنسبة له.
"تسك… تسك. أليس هذا كلامًا ساخرًا يصدر منك؟" حدّق آسدا في السيف الأسود وهزّ رأسه، وابتسامة صغيرة تتراقص على شفتيه، يلمع في عينيه بريق أزرق.
"إن لم تخنّي الذاكرة، أَلست أنت من اغتال وليَّ العهد؟"
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬