سليل المملكة الفصل 163 — سليل المملكة 163

اقرأ سليل المملكة الفصل 163 — سليل المملكة 163 باللغة العربية على مانجا تايم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

الفصل 163: وحشٌ ووحش

…

"ردّة فعلك ليست صحيحة تمامًا." وبينما يدلك أصابعه الطويلة النحيلة بكسل، راقب آسدا ردّ فعل تاليس. "ضغط الهواء داخل جسدك يتغيّر بسرعة…"

"جيزا ستريلمان"، أعاد الصوفي الهوائي قوله بنبرة خافتة. "لماذا، هل يوقظ هذا الاسم بعض الذكريات؟"

(جيزا. الصوفية الدموية.)

تقلّبت تعابير تاليس فيما استعاد تجربته الغريبة في غابة شجر البتولا؛ كانت مزيجًا من القلق والخوف والرعب والاشمئزاز والاختلال والجنون.

وكان أيضًا ما قالته تلك المرأة غير المعقولة قبل أن تتلاشى في الظلام.

("لن أدعك تتألّم قطعًا.")

شاحب الوجه، انتُزع أمير الكوكبة من ماضيه. رفع رأسه، ونظر إلى آسدا وهو يزفر ويومئ.

"لم يمض وقت طويل منذ أن خضت حديثًا وديًّا ومسترخيًا مع الآنسة جيزا العزيزة عليك، والتي يُشاع على نطاق واسع أنها أحد زعماء عصابة قوارير الدم"، قال تاليس بفتور.

ضيّق آسدا عينيه قليلًا. وراحت أفكار مؤلّفة من طاقة الصوفي تتدافع ببطء داخل جسده.

(جيزا؟)

(إذًا، لقد باتت في مأمن من تهديد مدفع الريح الملتهبة؛ لم تعد ضعيفة أو غارقة في نوم عميق. وقد استعادت وعيها من جديد.)

(وربما استرجعت حتى قدرتها على الأكل.)

اضطربت أفكار آسدا قليلًا.

(منذ أن استعدت جسدي المادي، سافرت مسافة طويلة بحثًا عن هذا الصبي، متتبعًا نَفَسه الغريب.)

(لم أكترث قطّ لشؤون عصابة قوارير الدم.)

(مقارَنة بهذا الصبي، تُعدّ عصابة قوارير الدم قطعة شطرنج عديمة القيمة.)

(ولكن، بما أنّ جيزا قد عادت…)

(فربما آن الوقت لأتحدّث معها بعد غياب طويل.)

(فبسبب ظهور هذا الصبي، قد يتعيّن تأجيل خطّة عصابة قوارير الدم…)

لكنّ ما قاله تاليس بعدها استعاد انتباه الصوفي.

"عندما رأت صوفيًا آخر، أظهرت السيدة جيزا فرحًا لا يُسيطر عليه." وبينما يراقب تعابير آسدا، أخذ تاليس نفسًا عميقًا وزفره بقوّة.

"ثم قررت قتلي… احتفالًا بلقائنا الأول."

وفور قوله ذلك، لاحظ تاليس أنّ آسدا يقطّب حاجبيه. وكان ذلك مشهدًا نادرًا.

استند الصوفي الهوائي، الذي كان دائمًا لامباليًا وثابتًا، بيده اليمنى على ذراعه اليسرى، وقرص ذقنه، غارقًا في التفكير لبرهة.

رفع تاليس يديه وشكّل علامتَي تنصيص بأصابعه. رفع حاجبيه ساخرًا: "مقتبسًا كلماتها الأصلية: ’هذا لأجل مصلحتك’."

غدت ملامح آسدا جادّة.

"أتعني…"

"أن جيزا علمت بأنك صوفيّ مستقبلي، ومع ذلك حاولت قتلك؟" التقط الصوفي الهوائي لبّ المسألة بخبث.

ناظرًا في عيني آسدا، أومأ الأمير الثاني قليلًا.

"من الواضح أنها لم ترحّب بهويتي كصوفي." هزّ تاليس كتفيه وتكلّم بلهجة ساخرة، سواء كان يقصد ذلك أم لا. "أحسب أنّ المنافسة شديدة في مجال الصوفيين لدرجة أنّها احتاجت إلى قتل مبتدئ؟"

واصل آسدا تمتمته وتاليس يشعر أنه يغوص في تفكير عميق.

"كنت محظوظًا في ذلك اليوم." هزّ تاليس رأسه. "أكاد أتصوّر لقائي القادم معها…"

بعد وقت، رفع الصوفي الهوائي رأسه بجدّية.

"همم، هذه مشكلة." برد صوته مرّة أخرى، وجاءت عيناه لامعتين واخزتين. "بصفتي شريكها، سأتحدّث معها، كما اعتدنا في الماضي."

وهو يراقب تعابير آسدا، ظنّ تاليس أنّ حديثهما شارف النهاية.

على الأقل، بدأ العداء بينهما يتبدّد.

(حان وقت مناقشة خططي المستقبلية معه.)

(مع أنّ الأمر مغرٍ، فأن أصبح صوفيًا وأحوز قوة عظيمة… مخاطرة كبيرة جدًّا. الأفضل أن أراقب قليلًا…)

"حسنًا."

عند هذه اللحظة، نهض الصوفي الهوائي من "كرسيه" غير الموجود، وقاطع تاليس من شروده دون أي تعبير.

"لنذهب."

تغيّر وجه تاليس على الفور.

"نذهب؟" تذبذب بصره واشتدّ تنفّسه. "إلى أين؟"

"سآخذك بعيدًا عن هذا المكان، بالطبع." رفع الصوفي الهوائي يده ونفخ نافذة غرفة النوم، فانفتحت كاشفةً الظلام بالخارج. تسرّب الهواء البارد إلى الغرفة بلا توقّف.

كانت الشقية الصغيرة، النائمة قرب السرير، تتكور بلا وعي وتلحس شفتيها، مشدّدة الغطاء حول جسدها.

"الآن؟" ارتجف تاليس. قبض على قبضتيه وحدّق في آسدا بعدم تصديق. "أليس ذلك مفاجئًا قليلًا؟"

"هناك الآن سلاحان أسطوريان كاملان وقويّان مضادّان للصوفيين في مدينة سحب التنين." قال آسدا ببطء. "هما في هذا القصر."

تجمّد تاليس ونظر خارج الباب.

تنهد الصوفي الهوائي. "بالطبع لم تظنّ أنّني خاطرت بالمجيء إليك…"

"لأجلس وأتبادل أطراف الحديث فقط؟"

قطّب تاليس جبينه واشتدّ تنفّسه بلا توقّف.

لقد تحققت أسوأ مخاوفه.

"استعد لتبدأ حياتك الجديدة." أومأ آسدا بلا مبالاة وقال: "بوصفك صوفيًا، فإن رحلتك بدأت للتو، وما يزال الطريق طويلًا."

يحكّ تاليس رأسه، محاولًا يائسًا إيجاد ذرائع لشراء الوقت. "انتظر، لكن لديّ الكثير من الأسئلة—مثل العلاقة بين السحرة والصوفيين، وما الذي أفعله لأصبح صوفيًا، وما قالته جيزا عن فصائل الصوفيين. آه، نعم، هناك أيضًا المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيين…"

رأى الصوفي القصد في محاولاته، فهزّ رأسه بقسوة. "يا صغيري، كلانا يعلم أنّ المماطلة لا جدوى منها. حتى لو لاحظ أعوانك وجود خطب ما وجاؤوا لإنقاذك…"

"فلن يجلب ذلك إلا الحظ السيّئ عليهم، حتى على تلك الجنية من الفئة الفائقة، التي يمكن سماع تنفّسها المتزن الهادئ." قال الصوفي ببرود."

"لقد أثبتنا منذ ألف عام أن حتى التجسدات لا تستطيع فعل شيء حيالنا."

تجمّد تاليس.

نظر إلى النافذة المفتوحة وشعر بالهواء البارد يلامس بشرته.

(اللعنة.)

(ماذا أفعل الآن؟)

"انتظر…" رفع تاليس رأسه. كان القلق والاضطراب يكسوان وجهه.

(أن أصبح صوفيًا أمر، لكن أن أتخلى عن كل شيء وأرحل مع آسدا… أمر آخر تمامًا.)

كان عليه أن يجد طريقة ليبقى.

"ظروف الصوفيين في هذا العالم مروّعة، أليس كذلك؟" حدّق تاليس بالصوفي الهوائي وزفر. "من تدمير الإمبراطورية القديمة إلى معركة الإبادة وانقسام شبه الجزر… لعلّ مغادرة هذا المكان معك ليست فكرة جيّدة؟ ربما عليّ أن أبقى هنا. يمكننا أن نلتقي بانتظام…"

على غير المتوقّع، رمقه آسدا من فوق بنظرة يصعب فكّ شفرتها.

شعر تاليس بانقباض في قلبه من وقفته تلك. وابتلع بقية كلماته بلا إرادة.

تكلّم آسدا ببطء، بنبرة متذبذبة، غير أن كلماته بثّت قشعريرة في عمود تاليس الفقري.

"لقد اختار العالم التحكّم في أعدادنا بنسيان السحر والماضي. ولهذا، لا يعرف معظم الناس مَن نكون، مثل أولئك الحمقى الذين يعملون تحت إمرتي في العصابة."

"حتى معركة الإبادة، التي يُفترض أن يعرفها الجميع جيدًا، تحوّلت إلى أسطورة تقول إن البشر قاتلوا كوارث مجهولة."

ضمّ الصوفي يديه خلف ظهره. "ومع ذلك، فإن ذوي المكانة والقوة ما يزالون يقظين حيالنا، وينظرون إلينا بوصفنا التهديد الأعظم."

إن السحر والطاقة الصوفية كلاهما موضع كراهية عميقة." ضيّق آسدا عينيه قليلًا. "ولكن لهذا السبب تحديدًا يجب أن تأتي معي."

حدّق تاليس في آسدا، وقد تجمّد دمه.

اشتدّت نظرة آسدا. "ما إن تُكشف هويتك، فلن يكترثوا لكونك أميرًا. سيعاملونك أسوأ من أولئك الأورك الذين سقطوا في قبضة البشر."

مصدومًا قليلًا، حدّق تاليس في آسدا.

شاحذًا شفتيه، استعاد مسرحية معركة الإبادة التي عُرضت في قاعة الليل المظلم؛ ما قاله غيلبرت عن الكوارث؛ النبي الأسود رامون الذي ظل بعيدًا عن الأعين؛ وقناع يودل.

(لكن…)

مرّ أكثر من عشر ثوان.

"لا، لا يمكنني أن أغادر هكذا…" قال تاليس وهو يجزّ على أسنانه ويهز رأسه.

"أنا—أنا أميرهم. لديّ مسؤوليات، وأعرف الكثير من الناس… هناك أمور لا يمكن التخلّي عنها بسهولة. هناك صراع بين إكستيدت والكوكبة. لو اختفيت، فالحرب… الحرب سوف—"

غير أنه قوطع مجددًا من الصوفي.

ابتسم آسدا ابتسامة باهتة، بينما كانت نظرته تنضح سخرية. "أترفض أن تصبح صوفيًا لأنك قلق على سلامتك…"

أم لأنك لا تودّ التخلّي عن حياتك المرموقة بوصفك أمير الكوكبة؟"

تجمّد تاليس لحظة عند سماع ذلك.

أطلق الصوفي الهوائي شخيرًا بارداً. "مع أنّك قبل شهرين فقط…"

كنت مجرد طفل متسوّل وضيع."

في تلك اللحظة، اضطرب تاليس بحق.

(متردد في الرحيل… أمير الكوكبة… حياة مرموقة…)

تذكّر تلك الليلة التي وصل فيها أول مرة إلى قاعة مينديس، حين أعلن ذلك الجسد الضخم أنه الوريث الوحيد المتبقي لعرش الكوكبة.

وكيف جثا غيلبرت ويودل على ركبة واحدة أمامه…

وكيف تعهّد وایا بحياته ويده على صدره…

ورالف يومئ بتخبّط، "كما ترغب."

وأخيرًا، الحشد المتدفّق تحت قاعة النجوم وهتافاته الصاخبة.

لا إراديًا، شدّ تاليس قبضتيه.

"لو ظهرتُ أمامك يوم كنتَ متسوّلًا طفلًا… هل كنتَ ستتصرّف بهذه الطريقة؟" ورغم أن آسدا لم يكن يتحدث بسرعة أو بحدّة، شعر تاليس بضغط غريب.

أخذ نفسًا عميقًا.

تذكّر الأطفال المتسوّلين المرتجفين في المنزل السادس…

كيف ناضل وسط البرد والجوع كل عام…

كلب موريس المتوحّش…

تجهم كوايد القبيح، وابتسامة ريك الغامضة.

"أن تضيع في حياتك بصفة أمير، أو أن تكابد حياة بائسة كمتسوّل صغير…" حدّق آسدا فيه ببرود. "وأنت تخطو بين ألم الوجودين ولذّتهما… هل فكّرت يومًا في ما تكونه حقًا؟”

"عندما تُنزَع عنك كل التعريفات التي منحك إياها الآخرون، وتغادر كل الظروف التي باتت غايتك في الوجود، ماذا يبقى منك أنت؟"

"أأنتَ أمير يُحترم بسبب دمائه؟ أم طفل متسوّل وضيع ومسكين؟ أم طفل نابغة نضج مبكرًا؟ أم شخص شقي يحاول جاهدًا تغيير مصيره؟" خفّض آسدا رأسه يتأمّل تعابير تاليس.

اشتدّ تنفّس تاليس أكثر فأكثر.

(أمير يُجلّ.)

(متسوّل وضيع.)

(القصر الفخم حيث عشت مرتاحًا آمنًا من الجوع والعري، محاطًا بخدَم…)

(والمنزل المهجور البالي، أيّام البرد والجوع، والشبيحة الشاتمون الذين كانوا يضربوننا دائمًا.)

(الفرق بينهما كالسّماء والأرض.)

"أنا…" فتح فمه بلا وعي ليردّ.

لكنّه أدرك أنّه غير قادر على قول شيء.

حدّق تاليس في الأرض مذهولًا.

(أهذا حقًا ما أفكّر فيه؟)

(غير قادرٍ على الرحيل، لأنني متردّد في مغادرة الحياة الممجّدة لكوني أميرًا؟)

"يا بُني، عليك أن تدرك أنه كي تصبح صوفيًا… ينبغي لك أن تلوّح مودّعًا لماضيك، مهما كان باهرًا أو لا يُنسى، ومهما بلغ مقدار تردّدك."

"لا تدع ماضيك يقيّدك. فبالحسم وحده، وبتركه خلفك، ستغدو قادرًا على العلوّ."

"وحين تصبح صوفيًا، ستفهم كل ما أقوله لك الآن…"

وألقى تاليس يده على صدره دون وعي.

كان موضع الحرق الذي خلّفته عملة مينديس الفضية يؤلمه بوجع خافت من جديد.

وانطبعت على ذهنه الكتابة المنقوشة على العملة: (الملك لا ينال الاحترام بفضل سلالته).

"كونك صوفيًا ليس مهنة ولا لقبًا." قال آسدا بحزم. "بل إن معناه يفوق كل ما قد يخطر لك. إنّه نقطة التحوّل التي تكتشف فيها ذاتك، وتفهمها، وتعيد تشكيلها."

"لديك الآن الفرصة لتختار بنفسك." اقترب الصوفي من تاليس ومدّ يده نحو وجه الأخير. "يمكنك أن تختار العودة إلى حياتك الأصلية، تلك التي تبدو واقعية وجدّية، لكنها في الحقيقة بلا اختيار، ولا حرية، ولا هدف، ولا وجهة…"

وتوقفت يد آسدا أمام أنف تاليس مباشرة. قلب كفّه، فانطلقت منه ومضة ضوء أزرق، دارت بلا توقف حول راحة الصوفي. وفي النهاية، تَشَكَّلَت كرة ضوء زرقاء داكنة.

تمامًا مثل تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر.

"أو يمكن أن تختار الإصغاء لصوتك الداخلي." وواصل الصوفي كلامه. "وتختار أن ترى… إلى أي حدّ يمكنك الذهاب، وما الذي قد تقدر على بلوغه."

"وتكتشف من تكون حقًا."

وبينما كان يحدّق في كرة الضوء القائمة على كفّ آسدا، عقد تاليس حاجبيه بقوة.

(إلى أي حدّ يمكنني الذهاب…)

(ما الذي يمكنني أن أحققه…)

(من أنا حقًا…)

قبض آسدا كفّه بهدوء، فانطفأت كرة الضوء فيه.

وهبّت دفقة هواء عبر وجنتي تاليس.

وتغيّرت نظرة الصوفي. "هذا بالضبط ما قاله لي مرشدي قبل ألف عام حين قادني إلى درب الصوفيين. كنت ضائعًا حينها."

استمع تاليس لكلمات آسدا بانقباض. غاصت أظافره أعمق فأعمق في راحتيه.

"وها أنا، بعد ألف سنة، بصفتي مرشدك، سأقودك لتصبح أبهى مخلوق في هذا العالم." أومأ آسدا قليلًا. "صدّقني، الحياة الأبدية والقوة اللامتناهية ليستا سوى مزايا إضافية لما تناله إذا صرت صوفيًا.”

رفع ذراعيه ببطء، وجاء صوت صوفيّ الهواء بعيدًا وغامضًا. "العالم الذي نراه، والرؤية التي نحملها، وما نشعر به… أعظم بكثير مما قد تتخيّله المخلوقات الأخرى. أمام ذلك، يخبو مجد التجسدات، ويتلاشى كبرياء الكهنة، ويصغر شرف الملوك."

وانحنى تاليس التعيس برأسه.

(أأرحل معه هكذا؟)

(حقًا… الآن، رغم أنني ذو مكانة مرموقة، فإن الطريق أمامي مليء بالأخطار. وحتى إن بقيت في الكوكبة، فإن كوني صوفيًا سيظل خطرًا مستترًا…)

(لِمَ لا أفعل…؟)

في تلك اللحظة، خفق قلب تاليس، ومرت وجوه كثيرة في ذهنه.

نظرة غيلبرت المفعمة بالأمل.

نظرة جينيس المتضاربة.

الحارس المقنّع وهو يقبض على كتفيه بقوة.

وجه جالا اللامبالي.

و…

تذكّر تاليس تلك الليلة، وكل ما جرى، وكيف أن الآلاف في الكوكبة كما في إكستيدت استطاعوا أن ينعموا بالسلام والأمان من ويلات الحرب بسببه.

تنهد تاليس.

وأنزل آسدا ذراعيه وحدّق بتاليس. وبنظرة حازمة، أومأ ببطء.

"ينبغي أن نرحل الآن."

أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ورفع رأسه ليلتقي بعيني آسدا.

"أحتاج إلى وقت." قالها بجدّية. "لا يمكنك الظهور فجأة هكذا وتطلب مني أن أرحل معك؛ أن أترك كل شيء، وأن أقذف بحياتي جانبًا لأصبح… مخلوقًا غير بشري يكرهه الجميع."

ضيّق آسدا عينيه.

"وأنت حتى لم تخبرني ما الصوفيون وما هي الطاقة الصوفية أصلًا… مهما كانت أسبابك غامضة ومقنعة، فهي لم تكفي لتجعلني أرمي كل شيء خلفي وأحتضن مستقبلًا مجهولًا."

شدّ تاليس قبضتيه وعضّ على أسنانه بخفوت. "على الأقل… ليس بهذه الطريقة.”

"عليك أن تمنحني وقتًا كافيًا للتفكير قبل اتخاذ القرار."

"أو… يمكننا اتخاذ الأمر خطوةً تلو أخرى. كأن تبقى في الظلال وتعلّمني ما يلزمني من المعرفة… بدلًا من الرحيل بعيدًا…"

لم ينطق الصوفي بكلمة لعشرة ثوانٍ كاملة.

ثم هزّ رأسه ببطء وهو يحدّق بتاليس.

"يا للأسف. لقد كنت صبورًا معك بما يكفي." تنهد. "لكنّ صبري قد انتهى الآن."

وقبل أن يتمكّن تاليس من الرد، أدرك أنه يطفو في الهواء!

شحب وجهه رعبًا، وهمّ بفتح فمه، لكنه أحسّ بدوخة طاحنة!

ورأى أن المشهد يتقلّب أمام عينيه، يتغير بسرعة خاطفة!

(لا! انتظر! لم أَفْـ…)

ومع حفيف الرياح، تسرّب البرد إلى بشرته المكشوفة، ودلف الهواء القارس إلى فمه وأنفه.

وأراد تاليس أن ينطق، لكنه عجز عن ذلك. وشعر بجسده يبدأ بالدوران، حتى إنه لم يعد قادرًا على تمييز السماء من الأرض.

وبينما هو على هذه الحال، حمله آسدا خارج النافذة.

وعاليًا في السماء، عضّ تاليس على أسنانه من الألم. ومن غرفة صغيرة، تحوّل المنظر أمامه إلى بياض ثلجٍ ضبابي تحت ضوء القمر وجبال شامخة.

وصار قصر الروح البطولية أصغر فأصغر في عينيه.

…..

أما قاتل النجوم نيكولاس، فكان قائمًا في قاعة الأبطال بتعبٍ ظاهر على وجهه.

وثبتت عيناه على رمحٍ كريه المنظر على رفّ الحائط.

إنه رمح قاتل الأرواح.

بزّ، بزّ…

صوت اهتزاز منخفض وسريع.

وبجوار نيكولاس، حملق بعض من حرّاس النصل الأبيض في الرمح بدهشة.

(رمح قاتل الأرواح الأسطوري… يهتز؟)

وأضاق نيكولاس عينيه، وتقدّم ووضع كفه على الرمح.

وشعر القائد بنبضٍ تحت كفّه.

ثم زفر زفرة قوية.

"فعّلوا الإنذار في قصر الروح البطولية حالًا." رفع نيكولاس رأسه فجأة. كانت ملامحه صارمة وجادة. "الأمر من أعلى درجة!”

"لقد وقعنا في ورطة كبيرة."

وبجانبه، قطّب أحد تابعيه حاجبيه.

(أعلى درجة؟)

ومع ذلك، انحنى باحترام وغادر.

"أغلقوا بوابة القصر المؤدية إلى حيّ الفأس وحيّ الرمح. أحصوا جميع الرجال على الدوريات، سواء كانوا حرس القصر أو من حرّاس النصل الأبيض." استدار نيكولاس وسحب من ظهره سكينًا ذات مقبض أبيض.

كانت سكينًا فريدة.

جسمها فضّي لامع، وطرفها رمادي، بينما كان ظهرها قاتمًا بلون النُحاس.

وانحنت حدّة نصلها بانحناءين، يبرز بينهما شوكة صغيرة.

"أريد تقريرًا من الجميع كل خمس دقائق. وإن اختفى أحد، أريد موقع آخر نقطة شوهد فيها خلال خمس دقائق." وبيده السكين، بدا وجه نيكولاس باردًا كالثلج. وأعطى أوامره وهو يمضي بخطى سريعة، "سنذهب إلى غرفة جلالته فورًا."

انطلق الحرّاس المنوط بهم نقل الأوامر. وسرعان ما تناهت صفارات الطوارئ من كل مكان.

"ما الذي يحدث، يا رئيسي؟" سأل مساعده وهو يقف بجانبه بقلق. "رمح قاتل الأرواح…"

"الأمور ليست بخير." أسرع قاتل النجوم بخطاه. ولمعت حمرة خفيفة على وجهه الشاحب. "ذلك الرمح لا يطلق إنذارًا هكذا عبثًا."

"ووفقًا لسجلات (أسطورة حرّاس النصل الأبيض)، آخر مرة اهتزّ فيها كانت قبل أكثر من ستمائة عام."

تجمّدت ملامح المساعد.

"أكثر من ستمائة عام؟" كرر بدهشة.

ومع انتقال الأوامر وتناقلها، بدأ الجنود في الممرات يردّدونها. وغدا صوتهم أكثر عجلة، وصار الجو مشحونًا بالتوتر.

"نعم، أكثر من ستمائة عام…" قال نيكولاس بثبات وهو يتجه إلى غرفة الملك.

وحين رفع السكين، قال بصرامة: "حين كان الرمح لا يزال في يد الملك رايكارو خلال معركة الإبادة…"

…..

كافح تاليس يائسًا وسط عصف الرياح، محاولًا أن يرى ما حوله بوضوح.

لكن كل ما استطاع رؤيته هو آسدا وثيابه المتموجة.

وبعد ثوانٍ، شعر بأنهما يهبطان بسرعة رهيبة.

وفي تلك اللحظة…

شُوش!

صوت حاد وعنيف اخترق صخب الريح.

هَوْو! — صوت اصطدام ثقيل.

وقبل أن يدرك تاليس ما حدث، تشوّهت رؤيته.

وفي اللحظة التالية، سقط متدحرجًا فوق أرض مكسوّة بالثلج اللين.

وصرخ كتفاه بألم.

(اللعنة.)

يسعل بعنف، ولائمًا حظه في قلبه، نهض من الأرض بشقّ الأنفس.

(حقير! ما الذي حدث؟ لِمَ توقّف فجأة؟)

وارتجف من شدّة البرد.

وبعد قليل، تجمّد أمير الكوكبة في مكانه.

ومدّ عنقه ينظر إلى الأعلى.

وإذ به يرى تمثالًا عملاقًا ينتصب أمامه تحت ضوء القمر.

كان ارتفاعه عدة طوابق.

تمثال محارب بطولي، يحمل رمحًا طويلًا، وملامحه تجمع بين الشجاعة والرأفة.

إنه تمثال رايكارو إكستيدت.

وأدرك تاليس أنهم عند "جرف السماء"، أعلى نقطة في مدينة سحب التنين.

وحين التفت، وجد أن المدينة كلها تحته.

(فهمت. ذلك التمثال يبدو صغيرًا جدًا من الأسفل. أما الآن، وهو أمامي مباشرة—)

وجاء صوت آسدا في تلك اللحظة يهزّ خواطره.

"أظننت أنني لن أراك؟" تنهد آسدا. كان صوته مشوبًا بالاستياء. "سواء في قصر الروح البطولية أو هنا في السماء، تجنّبتك متعمدًا."

وبذهول، التفت تاليس خلفه، فإذا بآسدا قائمًا أسفل التمثال.

وكان يواجه ظلًا قاتمًا على مسافة منه.

وضيّق تاليس عينيه وحدّق بالظل. "من… ذاك؟"

"لست في مزاج للعب معك اليوم… أيها الوحش الذي لا يموت." هزّ آسدا رأسه. كانت نظرته حادّة.

وابتسم الصوفي وهو يضيق عينيه.

"السيف الأسود."

(ماذا؟ السيف…)

وارتعش تاليس بغتة!

(السيف الأسود؟)

وتقدم خطوة، يحدّق في الظل مذهولًا.

فاللقب كان يشير— بحسب ذاكرته —

إلى ذلك الأسطوري…

وخطا الظل خارجًا إلى ضوء القمر ببطء.

ورفع سيفًا طويلاً غريبًا، أسود كلون الليل.

"يا لها من مصادفة." قال الرجل الخالي من التعبير وهو يميل بجسده قليلًا. كان رأسه محنيًا بقدر بسيط، وتحت ضوء القمر لم يظهر من ملامحه سوى ثوبه الأسود.

وفي العتمة، تألق زوج من العينين المتوهجتين وهما تحدّقان في الصوفي.

"ولا أنا في مزاجٍ كذلك…"

"أيها الوحش الذي لا يموت."

نطق الرجل المسمّى بالسيف الأسود كلماته برودٍ جليدي.

“آسدا.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

عراك عراك عراك