▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 162: انقضاءُ شبهة
…
(التصريح الأول؟ ألا وهو عدمُ التحقيق… في شؤون بعضنا؟)
ظهر على وجه تاليس مزيجٌ من الحيرة والارتياب.
"الطاقة الصوفية هي أساس وجودنا. وهي السبب في أننا نُدعى بالصوفيين."
لا تسأل أبدًا—أبدًا، أبدًا—صوفيا آخر عن فهمه للطاقة الصوفية. ولا تكشف فهمك أنت لأي صوفي." نظر آسدا ببرود، مؤكِّدًا موقفه بثلاثة (أبدًا) متتالية.
"وهذا هو معنى: ’ألا نحقق في شؤون بعضنا’."
"طاقة صوفية؟ وفهم الطاقة الصوفية؟" رفع تاليس حاجبيه. "إذًا، فهذه هي نقطة ضعف الصوفي. فإذا كُشف ’أساسه وأصوله’ هاجمه صوفي آخر؟"
لكن آسدا لم يُجِب، بل ثبت بصره البارد على تاليس.
استمر التحديق لثوانٍ طويلة.
"ما الأمر؟" وفي ظل تلك النظرة الجليدية، أحسّ تاليس بشيء من الخوف يتسلَّل إليه.
"سواء أكان فهم الطاقة الصوفية ضعفًا أو أساسًا أو حجرَ زاوية—فما تفعله الآن هو محاولة مباشرة لاكتشاف فهمي للطاقة الصوفية." تمتم آسدا أخيرًا، وكلماته أذهلت مستمعه حتى شحب وجهه. "وبين الصوفيين، يُعَدّ هذا إعلانَ حرب."
قفز تاليس من الصدمة وتراجع دون وعي.
(يُعَدّ هذا… إعلان حرب؟)
تذكّر تاليس على الفور كلمات الصوفية الدموية من قبل: الحربُ الأهلية للصوفيين.
"حسنًا، حسنًا، لن أسأل أكثر." رفع الأمير الثاني كتفيه بتوتّر. "إذًا، الصوفيين لا يتناقشون في الطاقة الصوفية؟ هل تفاعلكم اليومي يقتصر على ’مرحبًا، وداعًا، هل تناولت طعامك؟’ ثم لا تعامل ولا حديث بعدها—"
"هذا ليس مضحكًا." قاطعه آسدا ببرود.
"إنّ التصريحات العُظمى الثلاثة للصوفيين صيغت عبر تجارب لا تُحصى. ومهما كان أيٌّ منها، فإنّ خرقه يجلب عواقب وخيمة، رهيبة، ولا يمكن التنبؤ بها." لمع بريق في عيني صوفي الهواء، فارتعش ظهر تاليس.
تجمّد تاليس. ولم يملك إلا أن يقول مذهولًا: "ستكون هناك… أيُّ عواقب؟"
"ستعرف لاحقًا." هزّ آسدا رأسه. "حاليًا، عليك فقط أن تحفظ التصريح الأول، وألا تخالفه."
تنفّس تاليس بعمق. "وماذا عن التصريحين الآخرين؟"
"أنت بعيدٌ كثيرًا عن مستوى استيعابهما." هزّ آسدا رأسه بأسلوبٍ غامض. "حين تصبح صوفيًا وتجد ’اسمك الأصل، سأخبرك—ولا تسألني ما ’اسم الأصل'، فستعرف في حينه."
استعد تاليس للكلام، لكنه لم يجد ما يقوله إلا أن يخفض رأسه بخيبة.
"حسنًا، إذًا على الأقل… ساعدني في إزالة شبهة؟—"
أومأ آسدا قليلًا، وبدا أن ملامحه قد لانت بعض الشيء.
"كلما استخدمتُ—ما تسمّيه ’الطاقة الصوفية’—تختلف آثارها في كل مرة. لكني أشعر بألم شديد في معظم الأحيان بعد انتهائها. فضلًا عن أنّ بعض المواقف الأخيرة قد كادت تودي بحياتي." بدا القلق على تاليس.
وبينما يتكلم، تتابعت في ذهنه مشاهد مقلقة.
(في زنزانات قصر الكرمة، القيود على جسد رالف.
أمام قصر النهضة، ذلك القاتل النفسي الشاب وقلبه… النابض الحار.)
(في إقليم الرمال السوداء، أمام البندقية الصوفية، الأشعة الحمراء المتناثرة، وقوس آراكا الساكن.)
قبض تاليس كفه بصمت. "ما الذي يحدث؟"
ولوّح بخياله المشهد تلك الليلة. فإذا به يتفاجأ بتجهم آسدا وهو يسمع كلماته. وبما أنّ الصوفي كان دائم اللامبالاة، فقد بدا هذا التغيّر في ملامحه غير مألوف.
"’تستخدم’؟" بعد لحظات، أغمض آسدا عينيه قليلًا وهز رأسه بازدراء. بدا كمن لا يصدّق كلام تاليس.
"لم تلمس حتى باب التصوف، فكيف ’تستخدم’ الطاقة الصوفية؟"
تجمّد تاليس.
"أتذكر تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر؟ حين ضغطتَ عليّ…" حكّ تاليس يديه خجلًا وهو يراقب وجه آسدا، وقرّر ألا يروي تفاصيل تلك الليلة. "على أي حال، نسفنا بيتًا، وقد اكتشفتَ أنت أن لديّ هيئة صوفي أو شيئًا… وكان ذلك الشعور ذاته…
ثم اكتشفت لاحقًا أنّه ما دمتُ أنزف، يمكنني ’استخدام’ تلك الطاقة. والشعور نفسه…"
تغيّرت ملامح آسدا مرة أخرى.
خيم الصمت لثوانٍ. حدّق الصوفي في الأرض، وكأن أفكارًا عميقة تدور في رأسه.
وبعد حين، رفع صوفي الهواء رأسه وقال بجديّة: "كلا، ذلك الأداء في تلك الليلة، نحن نسميه عادة…"
"’فقدان السيطرة’."
ضمّ آسدا شفتيه.
"صحيح! فقدان السيطرة!" صفق تاليس بيديه وقد تذكّر. "لقد قلتَ ذلك تلك الليلة…"
’فقدان السيطرة…’
لكن ما إن نطق الكلمة حتى شحب لون وجهه.
أدرك فجأة ما الذي يعنيه الصوفي.
’فقدان السيطرة…’
"فقدان السيطرة." همس تاليس في ذهول. "فقدان السيطرة؟"
راقبه آسدا صامتًا، وظلال غير مفهومة في عينيه.
"تقصد أنّ هذه القوة… هذه الطاقة الصوفية… لا يمكن التحكّم بها؟" عقد تاليس حاجبيه واشتدّ نَفَسه.
"لا يمكنني ’استخدامها’ بإرادتي؟"
ضاق آسدا عينيه قليلًا، وكأنه تفاجأ بسرعة استيعابه.
"لا يمكنك، على الأقل ليس في مستواك الحالي." هزّ آسدا رأسه مؤكِّدًا استنتاجه.
حدّق تاليس فيه بشك.
"مستحيل. أستطيع استخدامها كلما نزفت." رفع تاليس يده إلى رأسه بانزعاج. "الشعور تمامًا كالاستيقاظ من حلم مضطرب…"
وفي تلك اللحظة تغيّر وجه آسدا فجأة.
رفع سبابته.
وفي اللحظة التالية انقطع صوت تاليس إذ شعر بالهواء من حوله يتجمّد.
وتوقّف عن التنفّس!
توسّعت عينا تاليس رعبًا وحدّق في آسدا الذي رفع إصبعه!
لكن الصوفي اكتفى بالنظر إليه ببرود، دون كلمة.
(كيف؟)
قبض تاليس على عنقه، وفتح فمه جاهدًا—ولم يدخل الهواء.
كأن الجزيئات نفسها توقّفت عن الحركة.
(أتراه يريد خنقي؟!)
فتح فمه عبثًا، ملامحه تحمرّ بفعل الاختناق.
وما إن همّ تاليس بمدّ يده إلى خنجره، حتى خفض آسدا إصبعه.
عاد الهواء فجأة.
"هُو…" التقط تاليس شهيقًا عميقًا، وانهار على الكرسي يلهث.
"لماذا؟!" قال تاليس، الذي استعاد تنفّسه، بنبرة غضب واستياء.
"أنسيْت بهذه السرعة؟" انحنى الصوفي للأمام، ونظر إلى عينيه. وجهه لم يتغيّر، لكن صوته كان قاسيًا. "ماذا قلتُ لك الآن؟"
"ماذا قلتَ لي؟ لقد التقينا للتو…" توقّف تاليس، ثم تذكّر. "آه… لقد…"
"حسنًا، حسنًا." تمتم بنبرة منهزمة.
"التصريح الأول." وهبط وجهه.
"ألا نحقق في شؤون بعضنا."
(اللعنة.)
راقبه آسدا مليًّا ثم أومأ.
"لا تنسَ ثانية."
"وأيضًا، لا تخبرني ثانية بكيف تشعر بقوتك الصوفية."
رمقه الصوفي بنظرة ذات معنى وهو يعود إلى "مقعده".
ظل تاليس يتنفس بعمق، ضيقه لم يخف بعد تلك التجربة.
وفي الوقت ذاته، ارتفع مستوى حذره إلى أقصاه.
(ملعون. هذا الرجل… لا يمكن قط معاملته كإنسان.)
وبينما يلعنه في نفسه، خفَض آسدا رأسه بصمت، دون أن تُقرأ ملامحه.
حلّ صمت غريب بينهما.
وبعد وقت طويل، تكلّم آسدا أخيرًا.
"باستثناء مشاعرك وفهمك للحالات، أخبرني أيضًا بالخلفية والظروف التي ’فقدتَ فيها السيطرة’."
تنفّس تاليس تنهيدة مستسلمة، وسرد كل شيء—من قصر الكرمة إلى حصن التنين المحطم.
وبعد دقائق…
"باستثناء سوق الشارع الأحمر، لا تبدو البقية كحالات فقدان سيطرة.
استخدامك للطاقة الصوفية وأنت ما زلت في طور الحس اللاواعي؟ هذا شديد الندرة." تمتم آسدا.
"هذه أول مرة أرى مثل هذا… أو بالأحرى، لم يُسجَّل مثله في تاريخ الصوفيين.
وفوق ذلك، يرافقه تدهورٌ في الجسد وزيادة العبء؟"
لمع الضوء في عينيه كما لو غرق في تفكير عميق.
في تلك اللحظة، أقسم تاليس أنه رأى وميضًا أزرق يلمع في عيني الصوفي.
أبطأ تاليس تنفّسه، واعتراه توترٌ كمن ينتظر تشخيصًا طبيًا خطيرًا.
وأخيرًا رفع آسدا رأسه وقال بهدوء:
"ومع ذلك، كل صوفي فريدٌ من نوعه. وربما كنت أحد الأكثر فرادة. لا نعلم بعد.
لكن قبل أن نبدأ بالتدرّج… لا تستخدم الطاقة الصوفية مجددًا—لا أريدك جثةً قبل أن تصبح صوفيا."
(أحد الأكثر فرادة؟ ولِمَ؟ ولماذا أنا؟)
تنفّس تاليس بمرارة.
وما إن قال آسدا ذلك حتى خطرت فكرة في ذهن تاليس.
تذكّر أمرًا بالغ الأهمية.
"صحيح، سيد آسدا." تردّد قليلًا. "هل أستطيع أن…"
ضيّق آسدا عينيه ينتظر السؤال.
"لقد عشت طويلًا، فلا بد أنك تعرف أبناء جنسك… أعني، أقرانك." توقف للحظة ثم قال بحزم: "هل تعرف صوفيا آخر؟
اسمها…"
أخذ شهيقًا عميقًا.
"ثيرينجيرانا."
لم تتغيّر ملامح آسدا.
رفع تاليس بصره وحدّق مباشرة في عيني الصوفي المتلألئتين.
"قد تكون أمي. وربّما سبب فرادتي."
أسند آسدا ظهره إلى الفراغ.
وانسكب الصمت ثوانٍ أخرى.
استطاع تاليس سماع نبضه.
ولم يحاول التعجيل، بل انتظر جواب آسدا بقلق.
قد تكون هذه فرصة عظيمة لكشف سرّ جسده وأصله.
فكّر تاليس بصمت: (لا يمكنني إضاعتها.)
وفوق ذلك، كان منذ زمن يشكّ في هوية والدته… وعرقها.
وبينما هامت أفكاره، جاء صوت آسدا.
"ولِمَ تظنّ ذلك؟"
قال الصوفي ببساطة: "لماذا تظنّ أن أمّك صوفية؟"
صُدم تاليس.
"الاحتمال الوحيد أنني ورثتُ هيئة الصوفي منها، أليس كذلك؟" حكّ رأسه وقال بتوتّر: "وفضلاً عن ذلك، كنتُ أفكر… إن كانت هيئة الصوفي موروثة، فهل تكون أمي أيضًا…"
(أيضًا…)
وفورًا، تداعت في ذهنه صورٌ كثيرة:
جسده الخشن سريع التعافي، قدرته العقلية غير الطبيعية، ومشاهد استعادة ذاكرته من حياته السابقة.
وكذلك…
من غموض كيسل، وغيلبرت، وجينيس بشأن أمه، إلى حديث كيسل وسيدة الطقوس ليسيا في مراسم الدم.
ومن كراهية رئيسة الطقوس لوالدته، إلى كلمة يودل في قاعة مينديس: "التشابك مع الصوفيين"…
(كل هذا… ألا يعني—)
"مستحيل." جاء صوتٌ واضحٌ حاسم.
حدّق تاليس في آسدا مذهولًا.
هزّ آسدا رأسه بعزم.
"أولًا: هيئة الصوفي لا تُورّث. لا علاقة لها بسلالة الدم. قد جرّب أحد السحرة ذلك. قسّم خمسة آلاف رجل وامرأة إلى خمس مجموعات… كفاك، لن ترغب في معرفة التفاصيل. المهم: الصوفيين ليسوا ظاهرة وراثية." قال آسدا ذلك بلا مبالاة.
عقد تاليس حاجبيه.
"ثانيًا، الصوفيين ليسوا كائنات عادية—وحين نكتمل كصوفيين، تحدث تغيّرات هائلة لأجسادنا. تختلف من شخص لآخر؛ لكن القاسم المشترك: استحالة إنجاب ذرية مختلطة من أعراق اخرى."
انفتح فم تاليس ذهولًا.
"ثالثًا، باستثنائك، مجموع صوفيي العالم—بمن فيهم المختومون—هم أربعة عشر شخصًا.
رأيتهم كلهم. ولا يحمل أيٌّ منهم ذلك الاسم."
غدا وجه آسدا صارمًا.
حدّق تاليس مذهولًا.
(أربعة عشر فقط. قليلون جدًا. ولا أحدٌ منهم…)
"باختصار… أمك لا يمكن أن تكون صوفية." هزّ آسدا رأسه حاسمًا.
توقف تاليس تمامًا لثوانٍ طويلة.
ثم أومأ أخيرًا وقد اتّضحت له الصورة.
(هكذا إذًا.)
"لا وجود لصوفي يُدعى ثيرينجيرانا." تنفّس تاليس الصعداء وقد زال شيء من صدره.
"ولا يمكن للصوفيين إنجاب ذرية."
ومع انهيار ظنّه، أسند ظهره إلى الكرسي بشعور بالفراغ، وتأمّل لغز أصله.
بعد ثوانٍ، زفر وتبسّم بسخرية ذاتية.
(لعلّ هذا يُعدّ تخلّيًا عن شبهة.)
(شبهة طالما نخرت قلبي.)
لكن في اللحظة نفسها، هزّ آسدا رأسه.
عقد ذراعيه وقال بتفكير: "لكن، إن تحدثنا بدقّة… هناك صوفية واحدة قادرة على خلق حياة—وإن كنت لا أظنّ أن لفظ ’إنجاب’ يليق بذلك."
اجتاح البرد قلب تاليس.
اتسعت حدقتاه. رفع رأسه ببطء. "مَن؟"
فكّ آسدا ذراعيه ورفع رأسه.
"امرأة سيّئة الطباع، وهي أيضًا إحدى شريكاتي." ظهرت ابتسامة مشرقة على شفتيه.
ثم نطق الصوفي اسمًا…
اسمًا بدّل لونَ وجه تاليس دفعة واحدة.
"جيزا ستريلمان." قال آسدا بهدوء،
"الصوفية الدموية."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬