▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 161: التصريح الصوفي الأول
…
نظر تاليس مبهوتًا إلى "الدعوة" التي بين يديه، وقد تشتّتت أفكاره على نحوٍ بالغ.
(هذا غير ممكن.)
(أهو حقيقي أم زائف؟)
رمش بعينيه في ذهول ليتأكد إن كان ما أمامه واقعًا.
(أهي كاميرا خفية؟)
مرّت ثوانٍ قليلة قبل أن يضع الدعوة جانبًا ويأخذ نفسًا عميقًا.
حاول أن يستوعب الموقف.
(أولًا، أليس من المفترض أنه… على يد يودل؟)
(ثم إنّ آيدا في الغرفة المجاورة.)
(وايا ورالف يتناوبان على حراسة الباب.)
(هناك الجنود وأفراد البعثة الدبلوماسية، والحرس الذين لا يُحصَون في كامل قصر الروح البطولية، بل وحتى أولئك ذوو المظهر البارد المسمَّون حرس النصل الأبيض، فكيف له أن…)
(يا لذلك الوغد…)
فجأةً اندفع خفقٌ شديد في صدر تاليس.
وتوقف عن التنفّس.
أدرك تاليس أنّ ثمة خطبًا ما.
استدار، وشعر بقشعريرة تعبر فروة رأسه.
وجّه بصره نحو النافذة.
وفي تلك اللحظة، خفق قلب الأمير خفقةً عنيفة.
كان "صديقه الذي لم يره منذ زمن طويل"، آسدا ساكيرن، واقفًا عند النافذة ويداه خلف ظهره. حدّق تاليس فيه وفي بؤبؤيه الهادئين كأنهما لا يباليان بشيء.
وكما في لقائهما الأول، كان الصوفي يرتدي رداءً أزرق رقيقًا مُفصّلًا بعناية. قامته مستقيمة، وابتسامة واثقة غامضة ترتسم على وجهه الوسيم.
(رشيق كما عهدته، ثابت كما كان.)
في تلك اللحظة خلى ذهن تاليس تمامًا.
(وماذا عن… الخمس عشرة دقيقة المتفق عليها؟)
"كيف حالك، يا صديقي الذكي، الناضج، والمشاغب في الوقت ذاته؟" نطق الصوفي الهوائي بنبرة لطيفة وهو يومئ إلى تاليس.
فتح تاليس فمه وأخذ نفسًا عميقًا.
"بدءًا من الآن، لن يخرج أي صوتٍ بيننا إلى ما بعد قدمٍ واحدة." بدا أن آسدا يعلم ما يدور في رأسه، فرفع إصبعه السبّابة ببطء ولوّح به. "لن يزعجنا أحد."
ما إن سمع ذلك حتى خارت قواه كالبالون يفرغ من هوائه—وأطلق النفس الذي كان يحتفظ به.
ثم صرف النظر عن فكرة طلب المساعدة.
ابتسامة آسدا كانت دافئة كعادتها، لكنها في عيني تاليس لم تجلب سوى قلق بالغ.
(مهلًا.)
لم يكن تاليس والصوفي وحدهما في الغرفة.
اضطرب قلب تاليس.
وبتَتبُّع نظراته، ألقى الصوفي نظرة سريعة إلى "الشقية الصغيرة"، الغارقة في النوم على السرير. "وبالطبع، خادمتك الصغيرة اللطيفة لن تستيقظ."
في عالم الأحلام، تحرّك فم الصغيرة قليلًا، لكن تاليس لم يسمع أيًا من همهمتها أو أنفاسها.
تنفّس تاليس بخفوت وهو يستدير. رفع شفته بابتسامة شاحبة. "أنت كما كنت دائمًا—مراعٍ ومهتم."
أومأ آسدا بأدب.
أجبر تاليس نفسه على استحضار كل ما لديه من معلومات عن هذا الصوفي.
لكن أول ما قفز إلى ذاكرته كان غرفة الشطرنج في قلب سوق الشارع الأحمر… حين انضغط ثلاثة أشخاص معًا حتى صاروا أشبه بكرة.
ابتلع الأمير الثاني ريقه وأطلق ضحكتين متكلّفتين. حاول أن يتخيّل شيئًا ألطف.
(ما رأيك أن أقارنه بـ"جيزا" الظريفة؟)
"حسنًا." هزّ كتفيه بتصنّع اللامبالاة. لوّح بالدعوة قليلًا، وبذل جهدًا ليجعل صوته عابرًا كأنه لا يهتم قط: "ظننت أنك ستأتي بعد خمس عشرة دقيقة."
"كما تعلم"—كشف آسدا عن أسنانه البيضاء—"أنا أحب أن أكون مبكرًا."
حاول تاليس كبح أفكاره، وابتلع الشتيمة التي كادت تفلت من طرف لسانه.
"بصراحة… لم أظن أنك ستظهر بهذه السرعة." غيّر جلسته وابتسم بخجل. "هم… الجميع قال إنك أردت أن تختفي لفترة."
حدّق آسدا فيه مباشرة. كانت نظرته هادئة كصفحة الماء، لكنها أثارت قشعريرة في قلب تاليس.
"السلاح الذي استخدمه صديقك ذاك المقنّع لم يكن مكتملًا، بوضوح." قال الصوفي الهوائي. "وإلا، فالمعدّات الأسطورية المضادة للصوفيين حين تكون في أفضل حالاتها، مطلقةً قوتها، يفترض بها أن تختم صوفيًا…"
ظلّ آسدا محتفظًا بنبرة باردة، لكن كلماته التالية صدمت تاليس.
"إلى الأبد."
(المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيين…يمكنها ختم…صوفي…إلى الأبد.)
"ومع ذلك، فذلك السلاح الناقص كان قادرًا على إبقائي مختومًا لعقود على الأقل." ابتسم آسدا بخفة. "لكنني تلقيت قليلًا من المساعدة، ولهذا تمّت ‘إعادتي من السجن’ بهذه السرعة."
وربما كان ذلك بدافع الفضول الموروث من شظايا ذاكرته السابقة، أو طبيعةٍ فيه، أو انشغاله بهويته ذاتها، لكن في تلك اللحظة، اشتاقت نفس تاليس إلى معرفة ما يفيض به هذا الصوفي. كبح خوفه من هوية هذه الكارثة—ورغب في المزيد من العلم.
"أولًا، سأهنئك." رفع آسدا يديه، وبابتسامته الودّية، المقلقة في آن، تقدّم نحو تاليس. "تاليس… يا صاحب السمو؟ رغم أنّ أدائك دلّ على أنك لست عاديًا مطلقًا، لا أنكر أنّ هويتك هذه فاجأتني."
نظر تاليس إلى آسدا يقترب. تسارع نبضه تدريجيًا، بالكاد استطاع رفع كتفيه. "أذكر أن في الغرفة كرسيًا لاستقبال الضيوف. يمكننا أن نجلس و—"
"لا داعي لذلك." هزّ آسدا رأسه بلا مبالاة.
وفي اللحظة التالية، شعر تاليس بقشعريرة في جلده وهو يرى آسدا يتقدّم نحوه، يثني ركبتيه، ثم "يجلس" في الهواء.
أشرق آسدا بابتسامة وهو يستقرّ على "كرسيه" الشفاف. "أحضرت كرسِي بنفسي."
راقب الأمير هذا المشهد الغريب، وحاول بكل عزمه أن يمنع عضلات وجهه من التقلص والانقباض.
"فلنتحدّث عن مستقبلك، يا صاحب السمو." بدا أن آسدا توقع ردّة فعله.
وعلم تاليس في قرارة نفسه أنه رغم استعماله لقب "صاحب السمو"، فإن الرجل أمامه لا يقيم وزنًا لمكانته. وأثار هذا إحساسًا غريبًا في قلب تاليس الذي اعتاد نظرات الحكم منذ صار أميرًا.
تنفّس تاليس بعمق، وفرض على نفسه الهدوء ليتعرّف الموقف ويحمي نفسه—حتى لو كان مَن أمامه كارثة لا يمكن النجاة منها بطرق مألوفة.
"بالطبع." تذكّر حديثه مع رامون. تمتم قائلًا: "طوال هذا الوقت، فكرت بكل طريقة ممكنة للتحقيق في أمور تتعلق بـ… همم، الصوفيون والسحر."
في هذا الحوار غير المتكافئ، كان عليه أن يمسك بزمام المبادرة أولًا.
"جيد جدًا، هذا سيوفّر علينا الكثير من الوقت." وكما توقع، تلألأت عينا آسدا. "ماذا وجدت؟"
"ليس قليلًا، وليس كثيرًا." انتقى تاليس كلماته بحذر. "مثلًا، علمت ما هو السحر تحديدًا، وأن هناك أبراج السحر الثلاثة الكبرى. كما التقيت بشخصٍ شديد الشغف بدراسة السحر."
ظهر الاهتمام في ملامح آسدا.
وبعد أن سرد تاليس باحتياط ملخّصًا لكلام رامون، لم يملك آسدا إلا أن يعلّق قائلًا: "لقد مرّت آلاف السنين منذ انهيار برج السحر. وحتى بعد ذلك، ومع الحظر الذي دام ستة قرون، لا يزال هناك من يؤمن بالسحر. هذا حقًا فاق توقّعاتي."
راقب تاليس ملامح آسدا، وفي الوقت ذاته كان يفكّر بيأس في خطط الهرب.
(الطرف الآخر صوفي—الأساليب العنيفة مستحيلة.)
(كسب الوقت خيارٌ وارد. لو تمكنت من تأخير الأمور حتى تصل المساعدة… ولكن هل ستكون المساعدة ذات جدوى أصلًا؟)
وربما كان الطرف الآخر يأمل أن يجعله واحدًا منهم—من أولئك الصوفيين الملعونين.
أفضل ما لديه هو محاولة التعامل معه بنديّة، وانتزاع نتائج عبر المداراة والتنازل…
"إذًا، السحر موجود كما وصفه؟ نوعٌ من الإحساس، نوعٌ من الإيمان؟" ومع تزايد فضوله، سأل بحذر: "أم ماذا ترى أنت؟"
لكن الصوفي الهوائي لم يجب فورًا.
ظلّ آسدا يخفض بصره بلا حركة.
وتحت نظرات تاليس المتسائلة، شبك ذراعيه وظلّ صامتًا طويلًا.
"لا."
"السحر… ليس كذلك، ليس فقط كذلك، وليس بالضرورة كذلك." أخيرًا، هزّ آسدا رأسه ببطء، وقال بتمهّل: "لكل شخصٍ فهمه الخاص للسحر. وفي الوقت نفسه، كلٌّ يعتقد بصواب فهمه."
صُدم تاليس بهذه الكلمات.
رفع آسدا يده اليسرى وحدّق في راحته. بدا على وجهه تعبير معقّد.
ولوهلة، بدا تاليس أن آسدا أمامه لم يعد كارثةً مخيفة…
بل بشرًا عاديًا.
"السحر خيار." حدّق آسدا في راحته وهو يقبض أصابعه ببطء. "والخيارات ليست فردية ولا حصرية، ولا تتفاضل فيما بينها—وهذا يتوافق مع الفلسفات الأساسية لـ‘ميثاق كلّ السحر’ في برج الروح."
باغت تاليس خاطرٌ سريع.
(مهلًا.)
لقد سمع كلمة فريدة.
"وهي أيضًا إحدى فلسفات السحر التي أوافق عليها وأقرّ بها." قال آسدا ببساطة.
رفع تاليس يده لا إراديًا—عادةٌ خلّفتها شظايا ذاكرته السابقة.
أدرك سريعًا أنّ هذا ليس من حياته السابقة، وأنهما وحدهما فقط. وبينما بدأ يسحب يده في حرج…
مدّ آسدا كفّه بعادةٍ راسخة وطبيعية، مما باغت تاليس. مال بها نحوه وأومأ.
(الإذن بالسؤال.)
بدا الأمر كما لو كان تمرينًا تكرّر مئات آلاف المرات من قبل.
عاد آسدا إلى وعيه وابتسم. "جيد جدًا، يبدو أنه لن تكون هناك حاجة لأن أعلّمك آداب الصف وعادات تلميذ الساحر بعد الآن."
أفلت تاليس يده وسأل على عجل: "برج الروح؟ أعرف عنه. لكن، أيُّ برجٍ سحريّ هو؟ وماذا عن أصوله؟"
لم يُدرك تاليس أنه نسي تمامًا أنّ آسدا الذي أمامه كائن شديد الخطورة، غيرُ بشري.
بل نسي حتى نواياه الأصلية.
في تلك اللحظة، غلب شغفه بكلّ المعارف التي لم يتعلمها بعد على رُشده.
"برج الروح؟" ضيّق آسدا عينيه وابتسم ابتسامة غامضة كأنه كان يتوقع سؤال تاليس. "وماذا تعرف عنه؟"
(برج الروح…)
خفض تاليس رأسه محاولًا استذكار كلمات رامون بيأس. "أمّم، أذكر أن له رمزًا خاصًا… وأنه يثير اختلاف الآراء والتردد في نفوس الناس العاديين؟ أيضًا، يبدو أنه لا ينسجم مع البرجين السحريين الآخرين؟"
لم يُعلّق آسدا. واكتفى بأن ترك بصره معلّقًا على تاليس أطول وقت.
تحت نظرة الطرف الآخر الفاحصة، ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة باهتة.
"جيد جدًا. فضولٌ متدفّق، وإرادةٌ للبحث، صفات تستحق التشجيع فعلًا…" تمتم الصوفيّ الهوائي ببطء.
لم يُحسن تاليس سوى أن يبادله الابتسامة.
"وأيضًا، إليك بعض المعارف المسبقة التي ينبغي لك أن تعلمها." كان آسدا جامد الملامح، غير أن عينيه تلألأتا. "أصغي جيدًا."
جلس تاليس منتصبًا بلا وعي.
وهذه المرة، لم يُبقه الصوفي في حالة ترقّب، بل أجاب مباشرة: "العام 618، سجلات الملوك. بعد انتهاء معركة البقاء بين البشر والعشائر الثلاث، غادر الساحر ييري كريسنت، «المروج» الذي عاد من ساحة القتال، برج الزهد ومعه خمسة طلاب. وكان ذلك بسبب خلافٍ في الفلسفة."
"وفي الطريق، أعلنوا فلسفتهم، ونشروا طريقتهم، وجمعوا عددًا كبيرًا من السحرة الذين نفتهم الحرب. ازداد عدد جماعتهم، وتمايزت فلسفاتهم وطرائقهم أكثر فأكثر."
هنا توقّف آسدا وحدّق وهو يضيّق عينيه ليرقب تعبيرات تاليس.
قطّب تاليس جبينه. "ثم؟"
(لا تتوقف في منتصف الطريق!)
حدّق فيه آسدا بنظرة عميقة ذات معنى، ثم ابتسم وتابع.
"وأخيرًا، وصل الساحر ييري—الذي أكرمناه لاحقًا بلقب المعلّم—ومعه واحد وعشرون حكيمًا إلى «شبه جزيرة سفح الجبل» عند الشاطئ. فبنوا برجين توأمين ليقيموا فيهما إقامة دائمة ويدرسوا السحر."
توقّف آسدا مرة أخرى بضع ثوانٍ. اخترق بصره تاليس كأنه ينظر إلى ماضيه.
لكن تاليس لم يعد يعبأ بنظراته؛ فقد بات مفتونًا بالإنصات.
أدار آسدا بصره عن حيرته وهزّ رأسه متابعًا: "استقطب برج السحر الوليد عددًا كبيرًا من الزائرين من السحرة. وكان جوّ الحداثة والحرية والمساواة في دراسة السحر بالغ الشعبية. تلك البقعة من الأرض، التي اتخذت البرجين التوأمين مركزًا، صارت بسرعة «ملتقى السحرة».
"على خلاف مرارة الزاهدين ويقظتهم، أو تطرّف الخيميائيين وتدميرهم، غدت هذه الإقامة ببطء طليعة الدراسة النظرية في العالم السحري. وبعد طرح شتى النظريات والفرضيات السحرية التي لم تُرَ من قبل، أُجريت تحسينات تقدّمية عبر مناظرات لا تنتهي. وتأسست فروعٌ سحرية كانت غير معترف بها من البرجين العظيمين، واحدًا بعد الآخر، مُشكِّلةً النظام السحري لبرج الروح الذي نعرفه اليوم."
"وهكذا، بنى الحكماء معًا الفرع الثالث إلى جانب برج الزهد وبرج الخيمياء. وكان الأصغر سنًّا، والأكثر تميّزًا، وحماسةً، وازدهارًا، وتأثيرًا بين مذاهب السحرة في العالم."
وبينما قال ذلك، طأطأ آسدا رأسه وزفر زفرة لا يعلم سرّها سواه.
"بعد وفاة ييري كريسنت، عُلِّق صندوق رماده في الهواء وسط البرجين التوأمين. وعلى سطح الصندوق نُقشت بالحديد الكلمات الآتية: «لعلّ كلّ ساحرٍ يملك روحًا مستقلّة حرّة»."
"وهكذا اكتسب برج الروح اسمه."
أطبق آسدا فمه برفق.
تماسك تاليس وزفر نفسًا طويلًا.
(سجلات الملوك.
معركة البقاء.
«المروج»، الساحر ييري.
أصغر مذاهب السحرة.
أصول برج الروح.)
كانت تلك كلّها معارف محرّمة، لا يمكنه العثور عليها بسهولة في الكتب. خفق قلب تاليس بسرعة.
كأن عالمًا غير مسبوق انفتح أمامه.
(لو كان رامون هنا، هل كان ليجثو ويجهش بالبكاء من الانفعال؟) تحدّث تاليس في نفسه.
رفع يده بإلحاح. "وماذا عن «ميثاق كل السحر»؟ ما هي؟"
"ميثاق كل السحر." بدا وكأن آسدا لم يلحظ ملامح تاليس المندهشة. ومضى يتحدث بثبات، صوته الرقيق الرنان يتردّد في الحيّز الصغير وهو يسرد أكثر المعارف المحرّمة والضائعة في العالم.
"إنها فرعٌ مهم من فروع الدراسة في برج الروح."
"نشأت خلال الاضطرابات الداخلية الأولى في الإمبراطورية. تأسست رسميًا في العام 373 من تقويم الإمبراطورية، وازدهرت من القرن الخامس إلى السابع. وفي ذروتها، كان نصف سحرة برج الروح على الأقل من «ميثاق كل السحر». وكلما عُقدت اتفاقية، جاء المتدرّبون وسحرة برج الخيمياء وبرج الزهد للمشاركة والاستماع والتعليق، ندًا بند."
توقف آسدا. وأومأ برضا حين رأى ملامح تاليس المفعمة بالفضول والرغبة في المعرفة.
خفق قلب تاليس. فقد أدرك أن زمام الحديث عاد إلى آسدا مرة أخرى.
(ولكن…)
كان يريد أن يعرف.
نظر الأمير الثاني إلى آسدا وهو يشعر بصراعٍ في قلبه.
واصل الصوفي حديثه بابتسامة.
"لا أستطيع أن ألخّص هذا الفرع بكلمات بسيطة. فتلخيص خصائصه سيكون استخفافًا بالطالب. لكنني أستطيع أن أقدّم لك قائمة كتب تضمّ نحو اثنتي عشرة من أهم المؤلفات. بل لا، بدقّة أكبر، ثلاثةً وعشرين كتابًا مهمًا، إن شئت فهمًا أعمق لميثاق كل السحر."
تسارعت دقات قلب تاليس بعد هذا الحديث القصير. ومالت رغبة غامضة إلى عقله.
لكن التمعّن أعاده إلى سؤالٍ آخر.
"السيد آسدا، قبل أن تصبح كارثة، كنتَ ساحرًا، أليس كذلك؟" نظر تاليس إليه بدهشة.
لم يُبالِ أصلًا إن كان سؤاله ينتهك محرّمات الطرف الآخر.
"ساحر؟"
"ذاك لقب يُمنَح لمن حقق إنجازات معترفًا بها في مجالٍ سحري معيّن—على الأقل، هكذا كان الأمر في برج الروح." شبك آسدا ذراعيه وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وهزّ رأسه هامسًا: "كنتُ مجرد متدرّب صغير آنذاك."
ارتجف قلب تاليس. "آه، إذن بالفعل، كنتَ…"
أومأ آسدا، ومرّ بريق من الألوان في عينيه. "نعم، متدرّبًا في برج الروح."
تجهّم تاليس. "لكن… ألم تقل للتو إن سقوط برج السحر مرّ عليه آلاف السنين؟"
(آلاف السنين منذ انهياره…
إذًا…)
"أعلم ما تريد أن تسأل عنه." نظر آسدا إليه وابتسم. "1190—هذا هو عمري هذا العام."
تجمّد تاليس.
(ألف ومئة وتسعون؟
هذا يعني…
أن هذا الرجل…)
حدّق تاليس في آسدا ساكيرن—شاب، وسيم، لم يتغير منذ اليوم الأول الذي التقاه فيه.
كان الأمر لا يُصدق؛ فهو أكبر بأكثر من خمسمئة عام من تورموند جيدستار، ملك النهضة، والبطل رايكارو إكستيدت قبل ستمئة عام!
انفتح فم تاليس ذهولًا.
"لا داعي للدهشة. كلّ صوفيّ خالدٌ لا يُدمَّر." قال آسدا بلامبالاة، راصدًا تعابير تاليس. "هذا عمر طبيعي جداً—فأقدم الصوفيين عاش أكثر من ألف وثلاثمئة عام."
مدّ تاليس يده يبحث عن دفتر، لكن آسدا منعه بذراعيه.
"لا عجلة." رفع آسدا رأسه وحدّق فيه بعينين مشعتين. "لدينا الكثير من الوقت معًا. ثم إنني أملك ما يكفي من الصبر. سأدرّسك من البداية، من الأساسيات… من السحر إلى برج السحر، ومن الطاقة الصوفية إلى كل ما يخص الصوفيين."
"من الفلسفة إلى الطاقة، ستُكشف لك أسرار العالم السحري منذ نشأته," قال آسدا بنبرة آسرة. "ثم تُمنح أسرار الصوفيين وطاقةُ الصوفيين الرفيعة…"
"حتى تُصبح صوفيًا حقًا."
في تلك اللحظة، بدا لتاليس أنه انتُزع من عالمٍ وهمي إلى الواقع.
(أن أصبح صوفيًا.)
ابتلع ريقه.
تذكّر موقف غيلبرت من «الكوارث»، وتذكّر مأساة معركة الإبادة في قاعة الليل المظلم.
ثم تلك الصوفيّة الدمويّة المجنونة.
(الصوفيون الملعونون؟)
مرّ مشهد جذور جيزا المقززة وأذرعها في خياله، فشعر بالارتباك والنفور.
ومع ذلك، همس صوت في قلبه: (لكن… أنا شديد الفضول…)
(أريد أن أعرف أكثر، وأتعلّم أكثر، وأفهم أكثر.)
أدرك تاليس أنّ المعرفة التي قدّمها آسدا أشعلت شغفه ورغبته في التعلّم.
وفوق ذلك، كان جسده غير طبيعي—ولا بدّ أن يفهم وضعه أكثر.
قطّب تاليس حاجبيه بمرارة وسأل: "في هذا الشأن… إن، أمم، لو أخذنا الأمر ببطء…"
"في موضوع أن أصبح صوفيًا، لِمَ لا نعيد النقاش لاحقًا…"
لم ينطق الصوفيّ الهوائي.
لكن الأمير شعر بأن الجوّ يزداد ثِقَلًا حولهما.
حاول تاليس التحكم بتنفسه، وانتظر الرد بقلق.
أخفى آسدا ابتسامته وحدّق في تاليس بصرامة. ثم همس بجدية: "تاليس، أن تصبح صوفيًا هو قَدَرك. لا يمكنك الفرار منه."
"لا خيارَ آخر."
شهق تاليس قليلًا.
(يبدو أن الوضع يزداد سوءًا.)
"في هذا الخصوص، لماذا لا تخبرني أولًا." عادت الرهبة تضغط على قلبه. فابتسم ابتسامة متكلفة وسأل بحذر: "الصوفيون—ما أنتم… ما نحن تحديدًا؟"
ثبت آسدا نظراته الخالية من التعابير عليه طويلاً، طويلًا جداً.
وتحت ضغط العينين الخاليتين من العواطف، تسرّب الحرج والعجز إلى ملامح تاليس.
حتى قال آسدا بثبات: "لا أستطيع أن أجيبك عن هذا السؤال، لأنك لم تصبح صوفيًا بعد." وظلّت عيناه معلّقتين عليه، غير أن صوته وكلماته أصبحت باردة وغامضة، كأنهما يعودان به إلى تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر. "فقط حين تصبح صوفيًا، ستفهم؛ عندها وحدك ستعرف ما الصوفيّ حقًا."
قطّب تاليس قليلًا.
(لا يريد أن يخبرني؟)
"لكن قبل ذلك، ألا ينبغي أن تشرح لي الأساسيات؟" حكّ تاليس رأسه، مفكّرًا في خطة للهروب وهو يقول: "على الأقل، أخبرني بفهمك أنت؛ ما الصوفيّ في نظرك—"
لكن قبل أن يتم كلامه، تغيّر وجه آسدا. وتحدث فجأة، مقاطعًا إياه بصرامة غير مسبوقة!
"غيرُ ممكن." قال آسدا بثقل، وقد تجمّد وجهه وأضاف بوقار: "غيرُ ممكن إطلاقًا."
"ليس مسموحًا لك أن تطرح هذا السؤال مجددًا."
كان ذلك أسوأ ما قد يواجهه شخص.
صُعق تاليس بالتوتر المفاجئ الذي بثّه آسدا.
هل طرح السؤال الخطأ؟
راقب تاليس آسدا بحذر، حتى تأكد أن جلده لن يُنتزع إن نطق ثانية. ثم سأل بخوف: "لم-لماذا؟"
ضيّق آسدا عينيه، غير أن ملامحه بقيت جديّة.
"لأنه واحد من «التصريحات الثلاثة العظمى»." همس الصوفي.
تجمّد تاليس.
(ثلاثة… ماذا؟)
"تذكّر هذا: ما سأخبرك به الآن سرٌّ خطير. لا يعلمه سوى الصوفيين." قال آسدا وهو يضمّ حاجبيه، وقد ارتسم على عينيه صقيع ثقيل لا مثيل له.
وتحت نظرات تاليس القلقة، قال: "كشف أحدها يُعدّ خيانةً لكلّ الصوفيين في العالم—وأقسم أنك لن يعجبك ذلك المصير."
وما إن انتهى كلامه حتى ألقى آسدا على تاليس نظرة باردة.
ارتجف تاليس.
(سرّ… لا يعرفه إلا الصوفيون أنفسهم؟)
في تلك اللحظة، بدا وكأن الهواء حولهما تجمّد.
لم يشعر تاليس إلا ودقات قلبه تتسارع بلا نهاية.
ولم يستطع إلا أن يلوّح بابتسامة متكلّفة، قبل أن يومئ بصعوبة.
لما رأى آسدا إيماءته، أومأ ببطء.
"هناك ثلاث قواعد يجب على الصوفي الالتزام بها. وتُسمّى هذه القواعد «التصريحات الثلاثة العظمى»."
قطّب تاليس قليلًا.
"أولُ هذه التصريحات هو ألّا يحقّق الصوفيّ في أمر صوفيّ آخر." قال الشاب ذو القميص الأزرق بوجهٍ صارم، وبصرٍ حادّ كالسيف.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اذا وجدت اخطاء اذكرها رجاءًا فهذا يساعد المترجم على تحسين الترجمة