▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 133: المطاردة والصيد
…
داس كوهين وميراندا على الأرض الموحلة المغمورة بالثلج الذائب.
على النقيض من البنية العمرانية المتقنة والرصينة في مدينة النجم الأبدي، بدت شوارع مدينة سحب التنين في الشتاء فوضويّة وغير مخطّطة—بأحجام غير متناسقة للطرقات، وبيوتٍ على جانبي الشارع تكاد تتراكم فوق بعضها بعضًا. وتدلّت تحت الأفاريز مسامير حادّة من الجليد، فيما تراكمت كُتَل الثلج حول لافتات الدكاكين. ومع ذلك، كان كوهين يرى أنّ ذلك الاتقان الهندسي لمدينة النجم الأبدي يشعّ برودةً كئيبة، بينما تحمل مدينة سحب التنين مسحة من النظام وسط ما يبدو عليها من الفوضى.
وتأكّد حدسه حين رأى أبناء الشمال يجوبون الشوارع والأزقة، يمضون في شؤونهم اليومية بألفة ويسر—وكان هذا واضحًا خصوصًا في المسالك الملتوية العديدة لأحياء المدينة.
وكان حيّ الدرع واحدًا من تلك الأمثلة.
تردّدت في الهواء البارد أصوات شمالية جهيرة، تصحبها ضحكات صاخبة وشتائم. رجال الشمال، المتلفّعون بملابس شتوية سميكة، يهرولون ذهابًا وإيابًا يحملون البضائع. والنساء—بسلال معلّقة على أذرعهن أو بين أيديهن—يتوقّفن أحيانًا لتبادل الحديث مع مختلف الناس، ويساومن على الأسعار بشراسة لا تقل عن الرجال، فيما يركض الصبية جماعاتٍ صغيرة عبر الطريق.
هذه الفوضى الظاهرة التي يختصّ بها الشمال ذكّرت كوهين بالصحراء الكبرى، على الجبهة الغربية، في معسكر الكثبان ذات الأنياب—مكان بغيض منفلت يجتمع فيه الجنود واللصوص والسفلة والشبيحة والهاربون والمرتزقة والمغامرون. غير أنّ الكآبة المفعمة بعداء وعنف، التي تخيّم على ذلك المعسكر، كانت غائبة عن أراضي الشمال؛ فبدلًا منها كانت هنا أنوار، وإحساس بالأمان، وصخب السوق، وانسجامٌ تام.
أما ميراندا آروند، التي اعتادت جلال برج الإبادة ونظام الكوكبة الصارم، فلم تستطع سوى التجهّم. عادات الشماليين وأسلوب حياتهم بثّا في نفسها شعورًا عارمًا بعدم الارتياح.
وكانت جماعة من الجنود تعبر الطريق في اتجاههما، يتقدّمهم قائد يحيّي المدنيين.
همس كوهين: "ذلك ضابط انضباط. لا يكثر الزوّار في حيّ الدرع، وسيقع نظرهم علينا حتمًا. لنبحث عن مكان نختبئ فيه."
أومأت ميراندا، استدارت على عقبها، وانسلّا الاثنان إلى زقاق ضيّق بين بيتين. ثم بدآ يبحثان عن هدفهما وسط المساحات الضيقة.
وقد منحت الفترة القصيرة التي قضاها كوهين ضابطًا في الشرطة بعض الخبرة في الدوريات والبحث داخل المدن. فراح يتتبع الجدران، يفتّش عن موضع يصلح للاختباء.
حدّقت ميراندا في الزقاق الخالي، تنصت لصخب الشارع البعيد. "أين المكان الذي أخبرنا به غو؟" تمتمت وهي تعبس.
قال كوهين وهو يتحسّس الجدار: "لابد أنه قريب. ما ينبغي فعله الآن هو تحديد أي هذه البيوت…"
وفجأة، تجمّد الاثنان في مكانهما.
التفتا معًا.
كان ثَمّ رجلٌ في الزقاق—يتهادى نحوهما.
بدا على كوهين شيء من الحيرة، بينما بدا القلق على ميراندا.
كان الرجل شابًا شماليًا أسمر البشرة، عابس الملامح، يرتدي عباءة رثّة قذرة.
مجرّد متسول عادي من أهل المدينة.
كان الشاب، كأنما صُدم أو أثقله الحزن، يمشي شاردًا، لا يلقي لهما بالًا.
تبادل كوهين وميراندا نظرة، وتنحّيا جانبًا ليُفسحا له الطريق.
مرّ بينهما، يتهادى بخطواته.
غير أنّ ميراندا استدارت ونادته، مما أثار استغراب كوهين.
"أيها الرجل!"
توقّف الشاب، واستدار نحوهما، وعليه ملامح حيرة.
قالت ميراندا ببطء: "ما الذي تفعله متسللًا هنا؟ أتخطط لقتل أحد؟"
"ماذا؟" قال الشاب مذهولًا. "قتل ماذا؟"
قطّب كوهين حاجبيه.
لم يسبق لميراندا أن تصرّفت بطيش.
تلألأت حدّة في عينيها، ورفعت ذقنها وحدّدت حاجبيها. "إن لم يكن هذا قصدك، فلم تخفي تلك السيف عند خصرك تحت العباءة…"
"وتصطنع طريقة مشيك؟"
تجمّد وجه الشاب.
وسكت كوهين لحظة وهو يحبس أنفاسه.
ألقى نظرة على خصر الرجل، ولم يرَ أي بروز يدل على سلاح مخفي.
قال الشاب محتجًا، وقد ازدادت حيرته: "لا أفهم. وما علاقة سيفي بكما—"
قاطعته ميراندا.
"انتهى التمثيل." وضعت يدها على مقبض سيفها، واسودّ وجهها. "في المكان الذي كنت فيه طيلة ثلاثة أعوام، تعاملتُ مع عشرات الجواسيس والكشّافين والمهرّبين الذين يتسللون عبر الحدود كل يوم."
بدأت عينا الشاب الفارغتان تستعيدان حدّتهما.
وحين أدرك كوهين الأمر، تحرّك إلى الطرف الآخر من الزقاق، يسدّ طريق الرجل من الخلف.
أُغلق الممرّ الضيّق من الجانبين، ولم يعد للرجل مهرب.
قالت ابنة آل آروند وهي تهزّ رأسها ساخرةًّ: "أتدري ما القاسم المشترك بينكم جميعًا؟ الجواب هو: كلكم تظنون أنكم بارعون في التخفي."
استقام الشاب ببطء، واشتدّت ملامحه.
تنهدت ميراندا. "كانوا يظنون أيضًا أن لا أحد يرى حقيقتهم طالما حافظوا على هدوئهم."
ضحك كوهين خفيفًا.
(يا للسماء… براعة ميراندا في الملاحظة—ستصبح شرطية أفضل مني. ومع قليل من الجهد، قد تدخل جهاز الاستخبارات الملكي…)
وبمجرد أن خطرت تلك الفكرة، غص قلبه وهو يتذكّر الجهاز ورافاييل.
قال كوهين بتحذير وهو يمدّ يده نحو سيفه: "اهدأ، أيها السيد. نريد فقط أن نتبيّن حقيقة ما—كما أنه من السوء دائمًا أن تبدأ شجارًا في زقاق ضيق كهذا."
قال الشاب بأسف: "يا للأسف… لو نلت ثانية واحدة إضافية فقط لأصل إلى الموضع المناسب…"
ثم… اندلع القتال.
بلمحة، اندفع الشاب بمرفقه الأيمن إلى الخلف كالسهم، يستهدف قمة رأس كوهين!
هجمته الخاطفة باغتت كوهين.
غير أن كوهين تماسَك وردّ بهجوم مضاد—ارتفع ساعده الأيسر، وصَدّ ضربة المرفق بضربة جانبية.
طق!
هوت الضربتان كأنما تصطدمان بالحديد.
ارتجفت عظام الساعدين في جسديهما.
لم يتزحزح الضابط الأشقر، مدّ يده اليمنى ليقبض على ذراع خصمه.
وفي اللحظة التالية، ضرب الشاب جانب ذراع كوهين اليسرى بيمينه، ثم دفع بقوة، مستفيدًا من ثقل خصمه ليندفع مبتعدًا!
كانت ضربة المرفق مجرد تحويلٍ للانتباه—وأدرك كوهين حين ضاق بعينيه أنّ الهدف الحقيقي كان ميراندا.
انقضّ الشاب نحوها.
ومدّ برجله اليمنى ليكيل ركلة خاطفة نحو السيّافة سوداء الشعر!
تجنّبتها ميراندا، مستندة بظهرها إلى الحائط.
وبذلك أفلتت من الهجمة.
رفعت ساقها اليسرى وتقدّمت خطوة على أطراف أصابعها—حركة بدت عابرةً لا غرض منها…
لكنها كانت تستهدف ساق المهاجم اليمنى!
ذُهل الشاب واختلّ توازنه.
تعمّد الإمساك بالجدار بذراعه اليسرى ليثبّت نفسه، وفي تلك اللحظة هوت قبضة كوهين الحديدية على ظهره كالصاعقة.
ارتجّ كل عصب وكل عضلة في جسم الشاب. استدار يعضّ على أسنانه.
*دَوِيّ!*
تصادمت قبضتاهما في الهواء!
ومع ذلك، كان كوهين—بحكم اندفاعه—الأعلى كعبًا. فاضطر الشاب، وهو يصدّ الضربة، إلى الترنّح للخلف.
وفي الأثناء، تقدّمت ميراندا بيدها نحو عنقه.
لكن الشاب استدار، فكشف عن مقبض سيف ذي قبيعة نحاسية مخفي عند خصره تحت العباءة.
وقد اندفع بقوة كأنها آتية من أعماقه، فامتلك ما يكفي من العزم ليتفادى ضربة ميراندا الخاطفة!
ثم سحب سيفه الطويل—سيف اليد ونصف اليد—وانقضّ على كوهين بضربة هابطة.
كان ضيق الزقاق يجعل سيف كوهين الطويل عائقًا، فلم يستطع سوى أن يصدّ الهجمة بعد أن جرّد نصف سيفه من غمده.
*طَنين الحديد!*
ظهر على وجه كوهين تعبير لا يصدّق.
اندفع من سيف خصمه نحو كوهين موجٌ من القوة شعر بأنه مألوف لديه.
وبدافع الغريزة، استدعى كوهين قوة الإبادة.
تألّق "مجد النجوم" من داخله، وبدأ يطرد تلك القوة الدنِسة.
وفي الأثناء، ازدادت قوة ذراعه، ومع رجفة واحدة من سيفه، ارتجّ سيف اليد ونصف اليد واندفع بعيدًا.
ورغم ذهول الشاب الظاهر أمام ثبات كوهين وحسمه في لحظة حرجة كهذه، لم يكن يستطيع التردد بعد أن أخفق هجومه—فخطوات ميراندا كانت تقترب من خلفه.
قفز في الهواء، ثم وطأ الجدارين على جانبيه، وانقلب فوق رأس كوهين، وهبط بعيدًا خلفه، واندفع خارج الزقاق.
(إنه يفرّ!)
شد كوهين أسنانه، ولوّح بذراعه اليمنى، هازًا عنها خدرُ القوة السوداء ووخزها.
وانطلق يعدو خلف الرجل.
صاحت ميراندا وهي تلحق به: "أهو هو؟!"
استدار الشاب فجأة إلى زقاق آخر، متوغّلًا أعمق في قلب الحيّ.
قال كوهين، وقد جرفه اندفاعه وهو ينعطف بعنف: "أقسم بحياتي!" واصطدم بالحائط.
لكنه واصل مطاردته بأقصى سرعته، وهو يهتف: "تلك قوة الإبادة!"
قالت ميراندا، بنبرة باردة من بعيد: "لا تنسَ مهمّتنا!" قفزت نحو نافذة عند زاوية الزقاق، وتمسكت بحافتها بيدها اليمنى، وتابعت الانعطاف بحركة تأرجح.
هبطت، وتدحرجت، واعتدلت واقفة، ثم اندفعت خلال ثوانٍ، قائلة: "جئنا للتحقيق، لا لافتعال قتال! ضابط الانضباط ما يزال في دوريته!"
وفي الزقاق، بعيدًا أمام الشاب، ظهر جدارٌ ترابي بارتفاع رجلين.
وبدا أن الرجل يعرف تضاريس الأزقة تمامًا؛ فعندما بقي بضع أقدام فقط، اندفع قافزًا، وطأ الجدار عن يساره، ثم عن يمينه.
وبذلك اجتاز الحاجز كالعنكبوت.
وبرغم طول قامة كوهين، إلا أنّ خفته كانت تضاهي أمهر الكشّافين. قفز إلى الأمام، وأمسك الحائط بذراعيه.
واحمرّ وجهه وهو يسحب نفسه بقوة ساعديه الهائلة، كقردٍ جبّار أسود الرأس. ثم انقلب فوق الجدار، وهبط على قدميه، واستأنف المطاردة!
صرخت ميراندا: "انتبه! إنه فخ!" وانحرفت نحو الجدار الأيمن، يغلي في داخلها تدفّقٌ نابض من القوة. "إنه ينتظر على الجانب الآخر!"
وعلى خلاف الشاب الذي اعتمد على الجدارين لتسريع اندفاعه، اكتفت ميراندا بالجدار الأيمن، ومالت بجسدها. وبعد ست خطوات خفيفة، ارتقت في الهواء، وانزلقت فوق الجدار بسهولة مذهلة!
زمجر كوهين وهو يجرّ أنفاسه: "فخ أم لا، علينا الإمساك به!" وأضاف بأسنان مشدودة: "كل ما علينا اعتراض طريقه!"
"اضرب مؤخرة جمجمته! ضربة آمنة وخفيّة وفعّالة!"
أسرع الشاب فوق ثلاث درجات من السلالم، كتفاه منحنية، متجاوزًا شماليين مذهولين، ثم انعطف إلى زقاق.
وتبعه كوهين بخطوات واسعة، متسلقًا السلالم. تمتم باعتذار وهو يشق طريقه بين الشماليين، ثم دخل الزقاق.
(اللعنة، هذا الوغد يجيد الهرب!)
قال وهو يلهث: "سأبقي عيني عليه! اعترضي طريقه!"
لم تُجب ميراندا، لكنها لم تتبعهما.
وحين بلغت أعلى السلالم، انفجرت فيها قدرة "موسيقى بيغاسوس"، فارتفعت في الهواء.
(حان وقت الاختصار.)
راح الشماليان يحدّقان بدهشة بينما ميراندا تحوم فوقهما، تتشبث بقضيب تجفيف، وتندفع إلى الأعلى، ثم تمسك بحافة نافذة بارتفاع ثلاثة طوابق. وبقليل من الدفع بقدميها، انقلبت فوق السطح!
ومن دون أن تلتقط أنفاسها، انطلقت فوق الأسطح، قافزة من واحد إلى آخر، متجهة نحو الرجلين اللذين كانا يعبران الأزقة المتعرجة كالسهام!
وبينما يطارده كوهين، ترك الشاب الأزقة الخلفية واندفع إلى فسحة مفتوحة بين ثلاثة بيوت.
وهناك، ارتفعت ميراندا في السماء.
قبضت على مقبض سيفها، عازمة على أن تهبط في الفسحة، على بعد مترين أمام الشاب.
لكن… أتت المفاجأة.
في اللحظة التي قفزت فيها من السطح، أحست ببرودة تسري من رأسها إلى قدميها.
واجتاحها هاجس خطرٍ وشيك.
بدافع الحدس، سحبت سيفها. التفت نصف جسدها، وامتدت ذراعها، وطعنت السطح خلفها!
غاص طرف السيف في السقف وأوقف اندفاعها.
وفي تلك اللحظة، اختفى الشاب وكوهين داخل زقاق آخر.
تدلّت ميراندا من السيف، تمسكه بيد واحدة. ارتفعت ساقاها بفعل القصور، ثم لاح برقُ سيفٍ عند طرف عينيها!
لم يكن يفصل النصل عن حذائها سوى بضع بوصات.
انهمر العرق البارد عليها.
(لحسن الحظّ… لو لم أتوقف في الوقت المناسب… لكان…)
حدّقت في لمعان السيف، الذي هبط صاحبه إلى الفسحة.
كان صاحبه رجلاً في منتصف العمر، قصير الشعر.
ألصقت ميراندا جسدها بالسقف، وانتزعت سيفها، ثم قفزت لتهبط أمامه.
حدّقت فيه بوجه متجهّم، لتجد نفسها أمام نخبة من الفئة العليا—وربما أعلى.
اعتدلت ميراندا وهي تلتقط أنفاسها. قالت: "يا سيف الكارثة، نلتقي مجددًا."
لم يقل الرجل شيئًا.
بل اكتفى بالتحديق فيها. عيناه فارغتان كعيني جثة.
قالت وهي تُمعن النظر فيه، تبحث عن أي علامة أو معلومة: "إذن هذا هو الفخ الذي نصبتموه؟ ولكن… لِم لا يوجد إلا اثنان منكم؟"
"لا بد أن ثقتكم بأنفسكم عظيمة."
هزّ الرجل رأسه في هدوء.
قال بصوت أجش: "سيف الكارثة؟ ليست هذه أول مرة أسمع هذا اللقب… لكن أن يُنادى به المرء… يا لها من سخرية."
ثم استدار، وأخرج سيفًا غريبًا.
كان يفترض أن يكون سيفًا طويلًا عاديًا، لولا أن حدّه الأوسط مُجوّف. يمتد التجويف من منتصف النصل إلى بضع بوصات قبل طرفه، يشكّل ثلث طوله تقريبًا.
ضيّقت ميراندا عينيها: من المعتاد أن تُنقَر على النصل قناة بارزة أو ما يُسمّى "مجاري الدم"—وهي، رغم اسمها، ليست لصرف الدم، بل لتخفيف وزن السيف. وعادةً تمتد من قاعدته حتى منتصفه.
لكن ثمة غرابة في سيف الرجل: أوّلها أنّ حدّه المجوّف بالكامل سيخفّف الوزن نعم، لكنه سيُضعف جودة النصل؛ وثانيها أن التجويف يقع بين منتصف النصل وطرفه—كما لو كانت "مجاري دم" حقيقية تصنع لتصريف دم الضحية.
إن مهارة الحدّاد الذي صاغ هذا السيف كانت فائقة—واستنتجت ميراندا أنه لا يوجد سوى قلّة في برج الإبادة من الحدّادين، أو في مجتمع الجان أو الأقزام، قادرون على صنع سلاح كهذا.
قال الرجل: "لست سيئة." بصوت خشن. "قطعتِ شوطًا بعيدًا عن الكوكبة."
"تقدّم كبير لبرج الإبادة فيما يبدو."
(يعلمون أننا من الكوكبة؟)
شعرت ميراندا بوخزة قلق.
(كيف انكشفنا؟ لعلّ ما قاله كاسلان صحيح… ففي عيون الخبير، لا يخفى شيء؟)
"إذن، ما السبب الذي يدفعك للعمل لصالح أحد آرشيدوقات إكستيدت؟" لم ترى ميراندا حاجة لرفع سلاحها الآن، بل حاولت جمع المزيد من المعلومات—كما تُمليه عليها "زهرة الحصن"، أقدس مبادئ عملهم: اعرف نفسك… واعرف عدوّك.
"أتذهب إلى حدّ اغتيال أمير الكوكبة من أجلهم؟ ما الذي تجنيه من هذا؟" سألت ثانية. "ما الفائدة بعد السيطرة على برج الإبادة؟ عرش إكستيدت؟ أم عرش الكوكبة؟ أم لعلّكم تريدون إشعال الحرب بينهما؟"
"غايتُنا؟" بدا الرجل غير مكترث. "العرُوش؟ حرب؟"
انبثقت من صوته البارد رائحةُ ازدراء مطلقة. "خطط قصيرة النظر كهذه لا تخطر لنا على بال."
"وبرج الإبادة لم يكن قطّ جزءًا من خطتنا الأصلية—لقد حدث ذلك مصادفة."
قطّبت ميراندا جبينها.
(إن لم يكن من أجل العروش أو الحرب… فماذا إذن؟)
(ما الذي دفعهم للتسلل في إقليم الرمال السوداء ومحاولة اغتيال الأمير بقوّة بندقية صوفية؟)
(إذن فالأمر… ليس عدلًا!)
"يبدو أنكم هنا منذ وقت طويل." أحسّت ميراندا ببعض الخيبة، لكنها غيّرت أسلوبها في الاستجواب. "فقد تمكنتم من التغلغل في سوق الأسلحة السوداء في مدينة سحب التنين، وفي وحدة البنادق الصوفية في إقليم الرمال السوداء."
"والآن وقد انكشفتم… لمَ لا تجرّبونه علينا؟"
"بندقة صوفية؟" رفع الرجل سيفه بخفة، غير معنيّ بكلام ميراندا. "بالنسبة لسيّاف… من الأفضل أن يركّز على سلاحه الأساسي… مهما بلغت البنادق من قوة."
زفرت ميراندا.
(اللعنة. شفاهه مختومة بإحكام.)
"لننهِ هذا. جذورنا واحدة… لكن مصيرنا الفناء المتبادل." قال الرجل ببرود. "لدينا خمس دقائق قبل وصول ضابط الإنضباط وجنوده."
(لا فائدة… لن أستدرجه للكلام.)
تنفّست ميراندا بعمق وهي تدير معصمها. ثم انخفضت قليلًا واتخذت وضعيتها.
(إلّا إذا… قبضتُ عليه حيًّا. أو…قتلتُه.)
اقترب الاثنان ببطء من بعضهما. سرّحت ميراندا حواسّها، فانطلقت "موسيقى بيغاسوس".
أبقت نفسها على وعي كامل بإيقاع أسلوب خصمها القتالي، كما فعلت في لا يحصى من مبارزاتها السابقة.
لكنّ الذي أتى بعدها… كان بريق سيف!
وامتلأت ميراندا بالذعر والهلع.
(ما هذا!)
لم يكن في حركته إيقاع… لا شيء يمكن أن تستشعره.
لأن…
سيف الرجل—لخيبة ميراندا—كان قد تقدّم خمسة أقدام عن موضعه الأصلي.
وقبل أن تستوعب ما حدث… كان يخترق الجانب الأيسر من صدرها.
…
ظلّ كوهين، وهو ما يزال يطارد العدو، يراقب الشاب الذي توقف عن الركض بعد انعطافة أخرى في الزقاق.
ضرب الأرض بقدميه مرارًا وتوقف.
أمسك بسيفه، ينظّم أنفاسه.
"كما يبدو"—ابتسم الشاب بسخرية—"سيّافو برج الإبادة مبالغٌ في تقديرهم…"
لم تلحق بهم ميراندا.
عندها شعر كوهين بانقباض في قلبه من الفزع.
(هل اعترض طريقها أحد؟)
تنفّس بعمق، وأجبر نفسه على الهدوء.
(يبدو أنهم خططوا لفصلنا.)
"أرى." زمجر كوهين وهو يحدّق في الشاب المسترخي. "كنتم تتوقعون قدومنا؟"
(نخبوي من الفئة العليا…وما يزيد الطين بلة… أنه شاب للغاية.)
"بالطبع." ضحك الشاب وهزّ رأسه. "هل ظننت أنك ستعثر علينا وحدك؟
"نحن أردنا أن ’تجدونا’."
عقد كوهين حاجبيه.
مدّ يده نحو السيف عند خصره. "ذلك الشرقيّ، غو… باعنا؟"
(اللعنة على هذا الزقاق الضيق…
يكاد يجعل سحب السيف مستحيلًا.)
"لا، قطعًا. نحن دفعنا له سلفًا." الشاب أخرج سيفه ونصف السيف ببطء. "كان بيننا اتفاق: إن جاء أحد يسأله عنّا…"
ثم رفع كتفيه في نظرة "حتى تكون في الصورة".
"حقًا؟" راقب كوهين كل حركته. "نحن دفعنا له كذلك." قالها بنبرة مكبوتة.
"أهكذا؟ إذًا فلا بدّ أن البقشيش الذي قدّمتموه…" ابتسم الشاب بخبث وتقدّم خطوة، رافعًا سيفه. "لم يكن كافيًا."
ضحك كوهين ضحكة خالية من البهجة وهو يستعد للمواجهة.
(المكان ضيّق جدًا… الضربات الواسعة كضربة اليسار إلى اليمين أو الضربات القطرية ستكون صعبة.)
(حان وقت استخدام أسلوب السيف الذي تعلمته من أحد أبناء كلودير…)
(آمل أنه ما يزال في ذاكرتي.)
"إذن… هذه أول مواجهة"—همس الشاب مقتربًا—"بين ورثة البرج الداخلي والبرج الخارجي منذ أربعين عامًا؟"
"قطعًا لا." ردّ كوهين بحِدّة، متذكّرًا ذاك القتال، والسيّاف ذو الأحمر والأسود في سوق الشارع الأحمر. "لقد اصطدمت بصديق لك في الكوكبة قبل شهر أو شهرين… نحن الاثنان من ’المحظوظين’ الذين نالوا هذا الشرف."
أظلمت ملامح الشاب. وتوقّف، وتلاشت ابتسامته.
"أنت من قتل غرودون." قال.
"لن أدّعي الشرف كاملًا." تقدّم كوهين بحذر. "لكن… سأأخذ نصفه. وربما… أقل من النصف."
تلاقت نظراتهما.
"هل تعلم؟" قال الشاب بلهجة ذات مغزى، متقدّمًا خطوة نحو اليسار. "برج الإبادة هو الوريث الحقّ لقاعة الفرسان. وفي معركة الإبادة، كان—عدا قلائل من المحاربين—أقوى وأشرف كيان يقاتل من أجل بقاء البشرية. وبعد الحرب، نذر أفراده أنفسهم لصون البشر من الصوفيين، وتكريس حياتهم لاستمرار قوّة الإبادة وتطوّرها."
"أتلقي علي درسًا في التاريخ؟" سخر كوهين. "وهذا… منك، أنتم الخونة؟"
"خونة؟" قهقه الشاب وهزّ رأسه.
"هل تدري كيف هزمنا الصوفيين آنذاك؟" تجمّدت نظراته. "تلك الكائنات الخالدة، التي لا تشيخ ولا تفنى؟"
"صحيح، ربما كانوا خالدين… لكن كان لهم ضعف قاتل—نقطة انهيار." تحرّك كوهين محاولًا تحديد أفضل موقع للهجوم.
"محاربون مزوّدون بمعدّات أسطورية مضادّة للصوفيين، وقوى إبادة مقاومة لمهاراتهم… حاربوا حتى الرمق الأخير." تابع كوهين. "العامة قد لا يعرفون… لكننا نعرف."
"أسطورية؟ مقاومة؟" ضحك الشاب، ثم اسودّ وجهه. "لا… أنتم لا تعلمون شيئًا."
"لقد دُسّت في أفواهكم الأكاذيب—فقوة الإبادة العادية لا تُقارن بطاقة الصوفيين." قال ببرود قاتم. "معدات مضادّة للصوفيين؟ قبل أن تُبتكر تلك، علامَ تظن أننا اعتمدنا لنقاتل هذه الكائنات الخالدة؟"
"هَمف." حادّ كوهين بنظره. لم يعُد يكترث بكلماته، بل بالبحث عن نقاط ضعفه. "آخر ’سيف كارثة’ واجهته… لم يكن ثرثارًا مثلك."
فجأة، انحرف الشاب خطوة… وقذف سيفه ونصف السيف مباشرة نحو كوهين!
انفجرت موجة وحشية من قوّة الإبادة في جسده، ولمع رأس السيف!
لم يستطع كوهين تحديد اتجاه الضربة— فعضّ على أسنانه.
(ما طبيعة قوته؟ تغيير مسار السيف الطائر؟ تشويش الحواس؟ أم زيادة سرعة السلاح؟)
(اللعنة!)
*طَنِين!*
في حافة الخطر، اتبع كوهين غريزته القتالية وصدّ الضربة.
اصطدم السيف بشفرته، ولم تبقَ مسافة بين النصل وحلقه سوى بوصتين.
كانت قوّة خصمه فوق المعدل.
وبالمقارنة مع السيّاف الذي واجهه في سوق الشارع الأحمر، كان هذا الرجل بنفس القدر من الوحشية، لكن مع قدرة إضافية—تخدير مؤلم يتسلّل تدريجيًا.
تسرّب ذاك الألم عبر نصل كوهين وذراعه… مهدّدًا بسحقه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬