▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 134: الشقية وأليكس (الجزء الأول)
…
جلس تاليس على الأرض وقد اعترته الحيرة، يحدّق في تلك الفتاة ذات الوجه المغبرّ، والنظّارات التي ترتديها، وهي تحدّق فيه بالمثل.
"أنا… أنا كنت فقط أبحث عمّن أسأله عن الطريق إلى قاعة الأبطال، أنا…" توقّف للحظة، وقرّر ألا يذكر هويته. افتعل ابتسامة. "لقد عدت إلى قصر الروح البطولية اليوم وحسب."
"أوه." ارتجفت الفتاة المستلقية على بطنها، وهمهمت بخجل. رفعت نظّارتها الدائريّة السوداء المغطاة بالغبار على أنفها. "ظننتُ أنّه لن يكون هنا أحد…"
كانت النظّارات الكبيرة تلك أثقل بكثير من أن تلائمها، بالكاد تستقرّ فوق أذنيها الصغيرتين، فتبدو مُضحكة على وجهها المتّسخ الضئيل.
"إذن… هل لي أن أعرف من تكونين؟" نهض تاليس وهو ينفض الغبار عن ملابسه، ثمّ ابتسم لها بودّ.
"أنا-أنا أعمل هنا…" تمتمت الصغيرة بتردّد وارتباك واضحين. نظرت إليه نظرة حذرة، والفزع مرتسم في ملامحها. كانت كأنها سنجاب صغير يتفادى صقرًا ويحتمي بجوف شجرة، مرتعشةً من الخوف.
"لقد سمعت… من العاملات في المطبخ… أنّ الكثير من الناس سيزورون قصر الروح البطولية هذه الأيام."
قطّب تاليس حاجبيه.
(تعمل هنا؟
المطبخ؟
أتكون…؟)
خطر ببال تاليس خاطر سريع.
فبحسب ما قالته له تلك الفتاة المهووسة سابقًا: إن كان طفلٌ صغير يظهر فجأة في قصر غريب، ويتجوّل في منطقة خالية من الحراسة—مهما كانت ثيابه رثّة، أو كان سلوكه غريبًا (نظر تاليس إلى الفتاة ذات الشعر البلاتيني)—فإنّ هويّته ليست صعبة التخمين.
"أنتِ من أسرة نبيلة؟" ضيّق تاليس عينيه وهو يحدّق في الفتاة النحيلة التي كانت تحاول الوقوف.
ارتعبت الفتاة عند سماعه.
(ممتاز… هذا التطور المعتاد تمامًا…)
لكن التالية كانت مفاجِئة: فقد خفّضت رأسها وهزّت رأسها بقوّة.
(هاه؟)
عاد تاليس ينفض ما تبقّى من غبار على ذراعيه، عابسًا.
(أليس هذا ما يحدث عادة؟ أميرٌ يتسكّع في قصر الروح البطولية، يضيع، فيلتقي بأميرة غريبة… ثم سلسلة من الأحداث العجيبة واللمسات الرومانسية… لحظة.)
نظر تاليس إلى الكتب المبعثرة على الأرض، ثم إلى نظّارتها.
هذه الفتاة تعرف القراءة، بل وتقرأ اللغة القديمة للإمبراطورية.
وإن لم تكن من الدماء الملكية، لما حظيت بهذه الموادّ، ولا بهذه المعرفة—ولا كانت لتصاب بقصر نظرٍ شديد يجعلها تتجوّل هكذا داخل قصر الروح البطولية.
ابتسم تاليس مجددًا. "هل أنتِ من آل والتون؟ حفيدة الملك نوڤين؟ أو قريبة له؟"
لكن الفتاة انتفضت رعبًا ولوّحت بيديها. "لا، لا، أنا، أنا فقط… خادمة! أُمرت… أن أبحث عن شيء هنا!"
تعمّق عبوس تاليس.
(لا؟)
وفيما كانت تهزّ رأسها، انزلقت النظّارات الضخمة ووقعت من أنفها! فصرخت مذعورة، وبدأت تُلوّح بيديها محاولةً القبض عليها، لكن ضعف بصرها جعلها تتخبّط، فارتطمت يديها بالنظّارات ودفعتها نحو تاليس.
رفع تاليس يديه بحدسٍ سريع وأمسك بالنظّارات قبل أن ترتطم به.
(هه… يبدو أنّ ردات فعلي بدأت تتحسن.)
"النظّارات!" ركعت الفتاة، تضيق عيناها حتى صارتا خطّين وهي تتحسّس الأرض. "نظّاراتي!"
"اهدئي. إنها معي." قال تاليس وهو يتأمّل النظّارات بفضول.
كان الإطار المعدني الثقيل متضرّرًا، والعدسات السميكة متشققة ومغطاة بالغبار. ولم يكن تاليس واثقًا من مدى تقدّم علم البصريات في هذا العالم.
لم يكن الإطار دائريًا تمامًا، بل مربعًا بحواف مستديرة. وذكّره بشكلٍ ما بشخصٍ شهير…
(لو كان ذلك في مصلحة الوطن…)
سعال، سعال
هزّ تاليس رأسه ليشتّت تلك الفكرة السخيفة.
"لو سمحت…" تمتمت الفتاة وهي تتمدّد على الأرض مُحبطةً، تتحسّس الأرض بيديها متجهةً نحوه.
"لا تتحرّكي." اقترب تاليس من الطفلة المسكينة، وضاق صدره حيال عجزها.
جثا أمامها، ولما لامست يدها ركبته انسحبت بسرعة.
"لا تخافي." قال بلطف. "الأمر بخير."
أزاح شعرها البلاتيني القصير عن أذنها المغبرّة، فارتجفت قليلًا تحت لمسته.
ثمّ وضع النظّارات بعناية على أذنيها الصغيرتين، وضبطهما برفق على أنفها.
وتراجع مبتسمًا، يراقب عينيها وهما تتّسعان خلف العدستين.
حدّقت فيه بذهول.
ومن خلال النظّارات الملطخة بالغبار، لاحظ تاليس كم كانت عيناها الخضراوان صافيتين وبراقتين.
"احترسي." قال مبتسمًا. "ويجب أن تحصلي على نظّارات جديدة. هذه كبيرة عليك."
فجأة، تماسكت الفتاة ونهضت، رفعت نظّارتها ونظرت إليه بذهن شارد، لكن دون خوف هذه المرّة. بل خفّ ذلك النفور الطفولي الذي بدا عليها قبل قليل.
"إذن، أنتِ حقًا مجرد خادمة؟" رفع تاليس حاجبيه، ثمّ هز كتفيه بلا اكتراث.
أطبقت الفتاة شفتيها وهزّت رأسها.
تنهد تاليس. "في هذه الحالة، هل يمكنكِ أن تدلّيني على طريق قاعة الأبطال؟"
رفعت ذراعها. "اخرج من هنا، امشِ مستقيمًا، ثم يمين، ثم يسار، ثم انزل الدرج، ثم يمين…"
انعقد حاجباه وتجمّد.
"توقّفي!" قال تاليس حادًّا. ثم تنفّس بيأس. "لا بأس… سأجد طريقي وحدي…"
أطرقت الفتاة رأسها بأسى. "أنا آسفة…"
"لا، ليس خطأك. أنا فاشل تمامًا في الاتجاهات… لحظة." وبينما كان يتهيأ للرحيل، لمح ما كان تحت جسدها. "أأنتِ… تقرئين؟"
تبدّلت ملامحه فجأة.
"ما هذا الكتاب؟"
ولمّا رأى الصفحة المفتوحة، خفق قلبه.
"آه، هذا؟"
سحبت الفتاة الكتاب الثقيل بحزن وأغلقته، فأظهر غلافه الأمامي.
وساعدها تاليس في حمله.
"إنه ’فجر الأبطال’!"
وفي لحظة، لمع بريق حماسي خلف عدساتها، وصار حديثها سلسًا واثقًا. "إنه يروي قصص قادة البشر خلال حرب الإبادة. كتبه جان اسمه كاهيل يارو!"
حدّق تاليس فيها وقد تبدّدت رهبتها، لتحلّ محلها حماسة جنونية.
(هذه الصغيرة…)
(لكن… إلى المهم.)
"حرب الإبادة، إذن…؟" تنفّس تاليس بعمق. "الكتب تروي عادةً عن تلك الوحوش المجهولة، والخونة الذين ساعدوهم، وكيف قاتل الناس… وكيف انتصرنا. ما المختلف في هذا الكتاب؟ أهو يكرر نفس قصص العدوّ الذي لا يُقهَر، ووحشية الحرب، وتضحياتنا، ثم النصر غير المتوقع… كالكتب الأخرى؟"
"لقد قرأت ’سجلات حرب الإبادة’؟! سمعت أنه نفد من الأسواق. كتبه مؤرخ من الإمبراطورية! ولا يوجد إلا في أرشيف القارة الجنوبية!" اتّسعت عينا الفتاة، وارتسم على خدّها غمّازة لطيفة. "لكن هذا الكتاب… مليء بأشياء مثيرة جدًا!"
ازداد فضول تاليس.
تابعت الفتاة بعينين تلمعان: "فمثلًا، يذكر أنه في فجر الحرب، كانت الممالك من الشرق إلى الغرب غارقة في صراعات لا نهاية لها، تتآمر على بعضها البعض. ولم ؤستطع دير الشمس المقدسة إيقاف النزاعات، حتى ظهرت ’إرادة تجسيد الشمس’ فأوقفتها."
"ويتحدث عن الأمير تورموند—الذي صار لاحقًا ملك النهضة—الذي اتخذ قرارًا مثيرًا للجدل، إذ ترك العداوات القديمة، واستدعى الأورك، وشعب العظام القاحلة، والحوريات، وغيرهم من الأعراق الخالدة، ليتحالفوا ضد جيوش العدوّ. هذا القرار أثار غضب شعبه، فسُحبت منه سلطة القيادة."
"وهناك قصة القائد فيوي ديرابل من هانبول، الذي أمضى معظم حربه هاربًا لا مقاتلًا. فالذين قاتلوا جيش الصوفيين كانوا الأمير شنغ شوان، وسنجيم. أمّا ديرابل، فقد اختبأ شرقًا ستّ سنوات مع بقايا جيشه، لكنه عبر كمائن متتابعة أعاد بناء جيش قوي."
"وأيضًا، أن سنجيم—ملك الجبال الأسطوري—كان أسير حرب، أًسر في العاصمة. لكن ليلة اندلاع الحرب، اقتحم شخص مجهول السجن وأطلق سراحه وسراح رفاقه."
"ويُقال إنه في أصعب ساعة بالحرب، فتح أحدهم بوّابة الجحيم، وأبرم عهدًا مع الملوك السبعة للجحيم، فتحالف البشر مع الشياطين ضد الكوارث."
تدفّق سيل المعلومات على تاليس، لكنه بقي ثابتًا. ثم قال: "هل يذكر الكتاب من أين جاءت تلك الوحوش… الكوارث؟"
"إنهم أعداء التجسُدات. لا أعرف بالضبط." ربّتت على غلاف الكتاب، وقد احمرّ وجهها. "يقول الكتاب إنه لا شيء يستطيع هزيمتهم."
ازداد فضول تاليس اشتعالًا. "فكيف انتصرنا إذًا؟"
لكن الفتاة واصلت بشغف، كأنها لم تسمع. "يقول الكتاب إنه في بداية الحرب، لم يكن لدينا أي فرصة أمام تلك الوحوش الخالدة—حتى وإن لم يذكر الكتاب طبيعة قوتها. كان الجنود يضحّون بأرواحهم، والعدوّ لا يزال يتقدّم. كانوا يشترون الوقت… إلى أن ظهر السلاح المدمّر…"
تنفّس تاليس ضيقًا.
أشارت الفتاة إلى صفحة أخرى، وعيناها تتلألآن. "ثم… انقلب حليفٌ للعدوّ على أسياده…"
انقبض صدر تاليس.
"كانت مجموعة… بقوة لا تُهزَم…"
"وقد وقفت إلى جانبنا."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
مثير للاهتمام…