▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 131: السيّاف الغريب
…
تبع تاليس ميرك وهما يتجوّلان في أرجاء قصر الروح البطولية ذي البنية المهيبة، وإنْ كانت متكرّرة التصميم.
ولكي يتجنّبا آذان الآرشيدوقات الخمسة، بلغا أخيرًا منصة مراقبة مفتوحة. وهناك رأى تاليس الشخصين اللذين جعلاه يعضّ على أسنانه كمدًا.
"مظهرٌ هادئٌ كهذا—يبدو أنك تأقلمت جيّدًا أيها الأمير الصغير."
كان رئيس حرس النصل الأبيض، نيكولاس، قد نزع ردائه ووشاحه، ووقف مستندًا إلى المشهد الممتدّ خلف منصة المراقبة، وعلى وجهه سكينة باردة، بينما كان يحدّق في أمير الكوكبة وقد ارتسم على محيّاه استنكارٌ صريح لأفعاله.
"إن كنتَ تقصد حقيقة أنّني كدتُ أُجبَر على استعمال سيفٍ لا أقدر حتى على رفعه لأذبح نفسي أمام ستّة عجائز…" نفث تاليس زفرة طويلة وقال بضغينة، "ف نعم، أنا أتدبّر أمري على نحوٍ جيّد."
"عجائز؟ أذكر أنّ آرشيدوق مدينة المنارة المُضيئة، بوفريت، لا يزال شابًا. لا يمكن اعتباره عجوزًا." ضحك نيكولاس بخفة، كمن يسخر منه، فزاد ذلك ريبة تاليس ونقمته.
"بدأتُ أرتاب قليلًا… هل كان ما نقلتماه لي حقًا رغبة الملك نوڤين؟" حدّق تاليس فيهما بعينين ملؤهما غضبٌ وعداء. "لعلّ ’حياتي’ لم تكن ضمن حساباته أصلًا!"
ظهر شيء من الحرج على وجه المركيز شيليس. "بشأن هذا، لقد حذّرتُك من قبل بأنّ موقف الملك نوڤين قد يكون… صعبًا وقاسيًا بعض الشيء…"
استدار تاليس نحوه فجأة، نظرةٌ واحدة كانت كافية لإسكاته.
"حسنًا، جلالته ليس صعبًا فحسب، بل هو قليل من…" حكّ شيليس عصاه وابتسم ابتسامة متوتّرة. وبعد لحظة تفكير وجد كلمتين أنسب، فرفّ جفناه وقال: "منفلتٌ ومفتون بالقسوة؟"
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وكبح بصعوبة رغبةً جامحة في الصراخ بوجهه.
"إن واجهنا شيئًا كهذا مستقبلاً، فقبل أن تدفعاني إلى فخٍ قاتل، قولا لي بلغة واضحة، خالية من لهجات الشمال والغرب، وبلسانٍ مباشر…" حدّق فيهما ببرود وتلفّظ بكل كلمة كما لو كان يطرقها طرقًا: "أهكذا تعاملان شريككما وحليفكما؟ ثم…"
"إجبار طفلٍ في السابعة على ذبح نفسه… أفي ذلك مجد؟"
تبادل نيكولاس وشيليس النظرات. لم يتبدّل وجه الأوّل، وإن كان الثاني قد انحنى قليلًا بتوقير وهو يتكئ على عصاه.
"إجبار؟ مجد؟ لعلّك أسأت الفهم." تنهّد المركيز شيليس، وبدت الجديّة على محيّاه. "منذ البداية وحتى النهاية، لم يناقش الآرشيدوقات إلا قتلك، ومزايا هذا الفعل وعواقبه. أما الوسيلة، وما إنْ كانت تخالف مفهوم المجد لديهم، فكانت بمنزلة طريقة طاهٍ في تقديم أطباقه؛ شيء لا قيمة له."
قبض تاليس حاجبيه بقوة. "إذًا أنت كنتَ على علمٍ بما سأواجهه منذ البداية؟"
اكتفى نيكولاس برفع كتفيه.
"أما بالنسبة لكونك طفلًا في السابعة…" قال شيليس بجديّة قاتمة، "فأحسب أنّك على دراية بأنّ…"
"بسبب سمعتك وأدائك، لم يعُد أحد يتجرأ على معاملتك كطفلٍ عادي في السابعة. بل أكثر من ذلك…"
"أنت في إكستيدت. وفي أعين الكثيرين… أنت رمز—’وريث الكوكبة’." أخذ مركيز كاموس نفسًا عميقًا، وحدّق في بلاط القصر كما لو كان يستحضر تاريخًا بعيدًا. "وذلك أهم من عمرك، ومن جوهرك الداخلي، ومن سمعتك… بل أهم من وجودك نفسه."
"لا أحد يهتم لكونك طفلًا."
ارتعشت عضلات وجه تاليس ثم ضحك بمرارة.
(اللعنة… هؤلاء الساسة.)
"كفّ عن التصرّف كفتاةٍ مجروحة، أيها الأمير الصغير." تقاطع ذراعا نيكولاس وازدراؤه بادٍ. "الشجاعة والبأس هما الخصلتان اللتان يجلّهما أبناء الشمال. وإن لم تستطع اجتياز المرحلة الأولى…"
"تعلم أنّ ليس كل أحد مؤهلًا ليكون حليفًا للملك."
ضغط تاليس على أسنانه.
ثم قهقه بسخرية: "يا لها من طريقة فريدة لاختبار أهلية أحدهم للتحالف."
"كما ينبغي أن تكون." انحنى نيكولاس ناظرًا إليه من علٍ وعيناه تلمعان ببريق غريب. "مرحبًا بك في الشمال."
ساد بينهم صمتٌ لبضع ثوانٍ.
"إذن، هل وجد نوڤين عدوه؟ ذلك المتآمر ومَن لفّق التهمة للامبارد؟" حاول تاليس تهدئة نفسه.
"هو عدوّك أيضًا." ابتسم شيليس بهدوء. "والآن وقد لقيت الملك للمرة الأولى، وتمّت المرحلة الأولى من الفخّ، فخطّتنا اللاحقة—"
"لن تكون هناك أي خطة لاحقة." قالها تاليس بصوت منخفض.
تفاجأ الرجلان.
رفع تاليس رأسه، وقد انقلب الغضب في عينيه إلى صلابة لا تُكسر.
(لا يمكنني أن أسير وفق قواعدهم… وإلا…)
ومضت أمام عينيه صورة سيرينا كورليوني، ثم تشابمان لامبارد.
(… سيُقضى عليّ دون أن أشعر.)
"تنتهي خطة نوڤين عند هذا الحد." خرجت الكلمات من بين شفتيه مثقلة بالكبت، "لستُ لعبةً بين يدي ذلك العجوز يتلاعب بي كما يشاء."
بانت ابتسامة عابسة على وجه شيليس، لا تُبشّر بخير.
"ماذا تعني؟" تضييق نيكولاس لعينيه لم يكن بطيئًا.
"إن أراد نوڤين مساعدتي، فليحترم إرادتي وحياتي." قال تاليس بحزم، ثابتًا في مكانه رغم نظرة نيكولاس الحادّة. "أما الأمر التالي… فسيجري كما أقول."
أغلق قائد حرس النصل الأبيض فمه وزفر بقوة من أنفه.
"ليس الوقت مناسبًا لتتصرف بعناد، أيها الأمير الصغير." تلوّى صوت نيكولاس ببرودة غريبة. "لا تنسَ أنك في مدينة سحب التنين، بعيدٌ عن والدك الملك، وليس إلى جوارك خَدَمُك."
"وفوق ذلك، قصر الروح البطولية خطر للغاية. كم من القصص تتحدّث عن ميتاتٍ غامضة وقعت هنا." وكانت نظراته المبحلقة تُنذر بالشرّ الخالص.
"لا أستطيع فعل شيء حيال ذلك. فأنا—كما تعلم—طفل في السابعة." قال تاليس متحديًا، مُصرًّا على انتزاع المبادرة. "وإن حدث أن فقدت حياتي هنا سهوًا، حينها أنتم—"
قاطعه نيكولاس ببرود: "لدينا طرقٌ كثيرة لإصلاح حال طفلٍ عاق دون أن نمسّ حياته."
"ثم تذكّر…" مال قليلًا ليُظهر مقبض سيفه الغريب الشكل. "أنا بارع جدًا في التعامل مع مَن يحملون لقب ’جيدستار’… وبالأخص ’الأمير الثاني’."
قبض تاليس على أسنانه بصمت.
"ألِهذا الحد أنت فخور بأنك قتلت ’سيف الضوء المعكوس’ قبل اثني عشر عامًا؟" بدا كلام تاليس، كما في عيني شيليس، كصفعةٍ على وجهه. "لقد رأيتُ ساحة القتال، وأعلم أنه انهار تحت إحدى عشرة طعنة. كنتَ واحدًا من مئات حاصروه، واتفاقًا فقط وجهتَ الضربة الأخيرة."
"وإن قورنت أفعالك تلك بإجبار طفلٍ في السابعة على ذبح نفسه، فلن يكون مجدك العسكري ذا شأن."
حدّق نيكولاس فيه طويلاً، وراح يخفّض ذراعيه ببطء. وتحول وجهه من الوعيد… إلى نية قتل صريحة.
"حسنًا، حسنًا." هرع شيليس بينهما ليفصل، مبتسمًا بتوتّر. "نحن حلفاء، ولا ينبغي لنا أن نمزّق العهود قبل بلوغ غايتنا… هذه ليست طريقة جيدة لصنع صفقة."
"ربما يجدر بالملك نوڤين أن يجد حليفًا آخر." قال تاليس ببرود. "واحدًا مستعدًا لبذل حياته لأجله في أي لحظة."
"هذه ليست الكوكبة، حيث يمكنك أن تتصرف كطاغٍ على الناس يا صبيّ الإمبراطورية." سخر نيكولاس. "عليك أن تفهم هذا جيدًا."
"يجب أن تفعل بدقة كما نقول—"
"ما رأيك بهذا!" قاطعه تاليس.
وقبل أن يشتدّ غضب نيكولاس، انفرجت شفتا تاليس بابتسامة، لكنها انطفأت فورًا حين تجمّد وجهه. "سأذهب إلى الآرشيدوقات الخمسة… وأتحدّث إليهم بصراحة تامة."
قطّب شيليس حاجبيه.
"تخيّلا هذا: الملك نوڤين يبحث عن قاتل ابنه الذي يعمل من خلف الستار، وأنتم جميعًا ضمن دائرة الشك…"
بدأت ملامح الرجلين تتغيّر رويدًا.
وفيما يتبدّل وجه نيكولاس إلى جمودٍ دموي، ويتجعد جبين شيليس، تمتم تاليس بتهديد خفيف:
"مهما يكن مَن سيحدده نوڤين قاتلًا، فسوف يسلخه حيًّا."
"وماذا ستكون النتيجة؟ نعم، سيزداد القاتل الحقيقي حذرًا، وسيفشل ثأر نوڤين—إلا إن أراد تصفية الآرشيدوقات الخمسة دفعة واحدة."
"وفي اليوم التالي، سيعود المجرم إلى أرضه، يواصل حياته، وقد ازداد حقدًا."
"إذن بعد ثماني أو عشر سنوات، فانتظروا رحيل نوڤين، وانتظروا انعقاد مؤتمر اختيار الملك، وانتظروا تتويج الملك المُنتخَب الجديد…"
ضيّق تاليس عينيه. "أتمنّى حقًا لأسرة والتون حظًا وافرًا. وأنا أتطلّع كثيرًا إلى أن أُمثّل الكوكبة في المستقبل، وأُقيم علاقات دبلوماسية طيبة مع الملك الجديد، وأن أمدّه ومعه الآرشيدوقات بالدعم في تدبير الشؤون الداخليّة لإكستيدت."
"مثل منح مدينة سحب التنين—التي لا وريث لها—إلى أسرة حاكمة أخرى."
ازداد وجها نيكولاس وشيليس اسودادًا.
"لذا، من الأفضل لكم أن تحترموا ملك الكوكبة الأعلى المستقبلي، أيها الشماليون." زمجر تاليس. "وبحسب كلماتكم أنتم… ’افعل كما أقول بحذر’…"
بدت السكينة على تاليس وهو يرفع سبّابته اليمنى في حركة فظة مشيرة إلى أعلى؛ ثم نطق بكلمات جعلت رأس قائد حرس النصل الأبيض يشحب: "ثم لا تنادوني بمواطن الإمبراطورية. فكلما ذكّرتموني بذلك، خُيّل إليّ أنّي لست في إكستيدت، بل في…"
"مقاطعة الشمال التابعة للإمبراطورية الكبرى."
تجاهل أمير الكوكبة الرجلين وتعابيرهما "المثيرة"، واستدار منصرفًا.
…
"ما الذي تنظر إليه؟"
في أحد شوارع حيّ الدرع، استدارت ميراندا وسألت كوهين.
"لا شيء." حوّل كوهين بصره بعيدًا عن الزقاق وتمتم: "رأيت رجلاً غريبًا في الزقاق، وكان عند خصره سيفان…"
"سيوف؟" بدت ميراندا جادّة. "هل هو هدفنا؟ ما ملامحه؟"
"يشبه… لم أنتبه جيدًا آنفًا." حكّ كوهين رأسه بيأس وقطّب حاجبيه. "لا أتذكّر وجهه…"
تنهدت ميراندا. "كن أكثر يقظة. الحزام الجلدي الكبير قال إنّ وجوهًا جديدة ظهرت هنا مؤخرًا."
(مثلنا تمامًا.)
اجتاز الاثنان زاوية الطريق، ووصلا إلى محل جزارة مهجور.
"أوه… هل أنت المالك هنا؟" قرع كوهين نافذة الخشب الكبيرة وسأل الرجل الشرقيّ المنشأ المشغول في الداخل: "السيد… غو؟"
رفع الرجل الشرقيّ رأسه ببطء وهو يهوّي بالساطور.
(جسد متوسط، حاجبان ناعمان، شعر مستقيم، وعينان سوداوان. لا يختلف عن أبناء الشرق في الكوكبة.) فكّر كوهين.
ألقى الرجل الشرقيّ نظرة عليهما، ثم عاد إلى قطع اللحم.
تجمّد كوهين لحظة، ثم أردف: "مهلًا—"
غير أنّ الرجل الشرقيّ قاطعه مباشرة، ووأد الكلمات في حلقه.
"قطعة فضية للمدينة الداخليّة، قطعتان للمحيط الخارجي، قطعة إضافية للأحياء الثلاثة العليا، وأخرى إضافية إن كان الأمر يشمل النبلاء والموظفين." قال صاحب محل الجزارة—غو—وهو يشق عظمًا كبيرًا ببراعة: "أضف قطعتين فضيتين إضافيتين للكونتات فما فوق. أما الآرشيدوقات والملك والقاعة، فالسعر يبدأ من قطعتين ذهبيتين."
"ماذا؟" ارتسمت الدهشة على وجه كوهين.
بينما كانت ميراندا تتأمّل لوح التقطيع.
"هذا ثمن المعلومة." قال غو دون أن يرفع رأسه وهو ينطق بلغة الشمال بلكنته الشرقية. "ولا مفاوضة."
"هاه؟" قطّب كوهين. "قطعة فضية؟"
"وإن جلبتم لي مشكلة تحتاج إلى تسوية…" تابع غو عمله وهو يعلّق اللحم على الخطّاف: "فذلك يعتمد على من أغضبتم. تسع قطع فضية للعامة، قطعة ذهبية لغيلوارد، قطعتان لفيلاد، خمس للتجّار في ساحة أجنحة التنين، قطعتان للجنود، وثلاث للنبلاء أو المسؤولين. أما الكونت فما فوق، فلا شأن لي بهم."
مسح غو يديه وحدّق إليهما بعينين باهتتين. "وإن أغضبتم القاعة أو الملك، فارحلا فورًا. لا تجلبا لي النحس."
امتلأ وجه كوهين بالحيرة. "لماذا خمسة ذهبية للتجّار؟ لماذا سعرهم أعلى من النبلاء؟ فبعد كل—"
رفع غو يده اليمنى، مقاطعًا إياه.
ثم مدّ يده اليسرى بهدوء، باسطًا راحته إلى أعلى.
ازدادت حيرة كوهين.
لكن قبل أن ينطق، مدت ميراندا يدها وسحبت محفظة كوهين من خصره.
"نريد أن نسأل عن حادث وقع مؤخرًا في هذا الحيّ. مجموعتان من السيّافين اشتبكتا هنا…" قالت ميراندا بنبرة ثابتة وهي تُخرج قطعة ذهبية شماليّة—قرصًا صغيرًا من المعدن منقوشًا عليه رايكارو وتنين.
(هذا المال الذي بدّلته مع كاسلان…) دحرج كوهين عينيه.
أفلتت ميراندا القطعة الذهبية فسقطت في كفّ غو.
"يبدو أنكما زبونان كريمان." ضيّق غو عينيه وهو يرفع القطعة الذهبية. نقر حافّتها وصفّر. "وإن كان هذا فقط لأجل المعلومة… فلتعلما أنّي لا أردّ الباقي."
"اعتبره بقشيشًا." قالت ميراندا بثبات، ونظرتها حادّة. "ما دام يستحق الثمن."
(بقشيش؟!)
حدّق كوهين في القطعة ثم في ميراندا بدهشة بالغة.
(هل تعرفين العدّ أصلًا يا سيدتي؟!)
ضحك غو بخفوت، لكن كلماته التالية فاجأتهما: "لا."
تخطّفت الدهشة ملامح ميراندا. "ماذا تعني؟"
"المعلومة التي تريدانها. الشجار بين السيّافين؛ لم أسمع به." هز غو رأسه.
"لكن من أجل الذهب، يمكنكما تغيير السؤال."
استدارت ميراندا تفكّر.
"إذن… هل هناك سيّافون جدد وغريبو الأطوار يتجولون في الجوار؟" تذكّر كوهين ما رآه، وتمتم: "صحيح، أظنني رأيت سيّافًا يحمل سيفين…"
تجمّد بصر غو.
(سيفان. سيّاف غريب.)
تنهد في سرّه.
(أيعقل أنّهما يبحثان عنك… يا صاحب السيف الأسود؟)
"أيضًا لا." قال غو وهو يخفي القطعة الذهبية ويعود إلى عمله. "لقد استنفدتم حصتكم. ارحلا الآن."
تجمّد الاثنان معًا.
تبادل الشرطي والفتاة نظرات حائرة.
كانت عينا ميراندا مفعمتين بالغضب، بينما رفع كوهين يديه ساخرًا.
(تكافؤ القيمة… يبدو أنّ هذا المبدأ لا يُتّبع في كل مكان.)
"أنت—" همّت ميراندا بالكلام، لكن كوهين جذبها ومنعها.
نفخ الشرطي الأشقر الهواء من فمه وضحك.
وفي اللحظة التالية، هوى بقبضته على إطار نافذة الدكّان.
*طن!*
رفع غو رأسه وحدّق فيه بعداء.
"أعلم. في معظم الأماكن المشحونة بالتوتر، هناك قاعدة واحدة. سواء في ساحة القتال، أو الحانات، أو المتاجر." ارتسمت ابتسامة على محيا كوهين، وإن بدا صادقًا. "يسمونها ’الدرس الأول’، أليس كذلك؟"
لم يرد غو، وإنما اكتفى بالتحديق به.
"الوافدون والجدد يتعرّضون للخداع في المرة الأولى. يخسرون بعض المال، ويتعلمون." نقر كوهين على إطار النافذة.
"وفي الوقت نفسه، تتعرف أنت على خلفية الزائر. الأقوياء ومن لهم سند قوي يتغاضون، أما الضعفاء فيصمتون ويعودون أكثر تهذيبًا."
أمال كوهين رأسه، وأسند نفسه إلى النافذة، وابتسم.
ثم صفّر كما فعل غو قبل قليل.
"لذا، من يتولّى هذه المهنة عادةً…
حاذق في الحكم."
"ولا يستطيع ارتكاب خطأ."
راقبت ميراندا كوهين كأنه أحد الشبيحة، فاختلجت ضحكة في قلبها.
(هذا الأحمق… لقد تعلّم الكثير من الجبهة الغربية.)
"أوه؟" ضيّق غو عينيه وابتسم. "إذن، هل تملكان قوة هائلة، أم سندًا قويًا؟"
"ربما نملك كليهما؟" تنهد كوهين وأبرز السيف عند خصره. "ومادمت قد قبضت الثمن…"
سخر غو وهز رأسه. "لقد أجبتُكما بالفعل."
"لكنها إجابة لا تُرضينا. أنت تماطل." قالت ميراندا ببرود. "ولا نريد استعمال القوة."
رفع غو حاجبيه.
كان يدرك من حركتهما أنهما شخصان خطران.
(الرجل: محارب، يجيد الهجوم المباشر وفنون الميدان.
(أما المرأة…
غريبة، لا يسهل قراءتها.)
(أهل الشوارع ليسوا عميانًا. مع ذلك، لا يجرؤ اللصوص ولا المتسوّلون ولا المحتالون على الاقتراب منهما.)
(لكن…)
"سأعيد كلامي. نحن نبحث عن مجموعة من السيّافين الغريبين من مستوى الفئة العليا." قال كوهين مبتسمًا. "لهم علاقة بسوق السلاح الأسود، وهم شديدو القسوة. مقارنة بالسيّاف العادي… فهم أقوى قليلًا."
أخذ غو نفسًا عميقًا، وزفر ببطء.
(مجموعة من السيّافين الغرباء.)
(بصراحة…)
(كدتُ أظن أنّهما جاءا بحثًا عنك…)
(يا صاحب السيف الأسود.)
وفي اللحظة التالية، ارتسمت على وجه الرجل الشرقي ابتسامة متعبة.
"فيما يخص صفقات السوق السوداء، ففيلاد أعلم مني. أما أولئك الذين تبحثون عنهم…"
"حسنًا." ضحك غو ورفع ساطور العظم.
"هناك بالفعل قلة من الغرباء هنا… سيئو الطبع، ويتجنبون الناس…
"من النوع الذي يحمل سيوفًا ويستخدم قوة الإبادة…"
تبادل كوهين وميراندا نظرات ثقيلة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬