▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 130: الملك وآرشيدوقاته
…
"المكان الذي ستذهبان إليه ليس بعيدًا من هنا، لكن… الأوضاع لم تكن هادئة في مدينة سحب التنين مؤخرًا"، قال الحزام الجلدي الكبير بشفاهٍ منقبضة، وهزّ رأسه وهو يخاطب كوهين وميراندا، "تعلمان أنّ الأمير موريا اختفى شهرًا كاملًا، ثم فجأة وصلت أخبار موته من الكوكبة. انتشرت الشائعات في كل مكان، وتحفز الرجال للالتحاق بالجند استعدادًا للزحف جنوبًا لقتال الإمبراطورية."
"ثم فجأة، لا حرب."
"واليوم، قبل قليل فحسب، وصل أمير الكوكبة ليُصلح الأمور. سمعنا أيضًا أنّ ملك الكوكبة أقسم أنّه إن مُسّ ابنه بأذى فلن يكون هناك سلام بين المملكتين حتى تسقط إحداهما."
تبادل كوهين وميراندا النظرات. امتلأت عينا الأول بالقلق، أمّا الثانية فغاصت في تفكيرٍ عميق.
"لكن، بحق الملك، أهو مزاح؟ أليس عليه أن يكون سلميًا؟ لقد جاء ليعتذر في النهاية! أظنّه يعتقد أن الشماليين قومٌ يُهدَّدون بسهولة!"
"لو كنتُ أنا جلالته، لقطعت الهراء وشنقت ذاك الأمير. بعدها كنتُ سأستدعي جنود البلاد كافة ونقتحم مدينة النجم الأبدي. لنرى عندها ما ستقوله الإمبراطورية!" تمتم الحزام الجلدي الكبير وهو يضرب الطاولة بقبضته.
"هناك مشكلة واحدة فقط…" تمتم كوهين بحذر. "الأمير يبلغ سبعة أعوام فقط، ويكمل عامه الثامن بعد رأس السنة."
"سبعة؟" حكّ الحزام الجلدي الكبير رأسه، وبدت عليه قلّة الاطلاع. "حسنًا إذن…"
"على أيّ حال، أصدر الزعماء أوامرهم لرجالهم بأن يكونوا على أهبة الاستعداد خلال الأيام المقبلة. والذين لديهم صِلات سمعوا شائعات تقول إن الملك نوڤين غاضبٌ أشدّ الغضب، وإنّ ذاك الأمير الصغير سيكون… كما تعلم."
تجهّمت ميراندا.
(من الذي ينشر هذه الأباطيل؟)
(أهي مؤامرة ضد سموّه؟ أم محاولة لإثارة الخلاف بين الملك نوڤين والأمير؟)
"ولا ننسى أنّ جلالته فقد وريثه الوحيد، ولا أحد يعلم ما الذي يشعر به الآن." تنهد الحزام الجلدي الكبير. "دعك من مسألة آرشيدوق سحب التنين المقبل ومن سيكون الملك التالي… من يدري ما الذي سيحدث لو انفجر غضب جلالته."
"انتظر، قلتَ ’الزعماء’. أتقصد زعماء العصابات المحلية؟" سأل كوهين. "كاسلان أخبرني أنّ له صِلات مع كل النافذين في المدينة."
"نعم، كاسلان صنع لنفسه اسمًا كبيرًا. امتلك الجرأة لاصطدامه بجلالته أمام الوزراء والحرس، وطُرد من حرّاس النصل الأبيض بسبب ذلك." قهقه الحزام الجلدي الكبير. "ومع ذلك، الكثير من الناس—من موظفي قصر الروح البطولية إلى زعماء العصابات—يُجلّونه… فكل أولئك التابعين السابقين له الذين ازدهروا أو تقاعدوا اليوم، كانوا قد تلقّوا مساعدته وإرشاده."
"ولهذا وجّهكما إليّ،" تابع وهو يومئ إليهما. "أنا على اتصال دائم بالعصابات المحلية، لذلك عرف أنني قادر على المساعدة."
"قبل أن نغادر، أخبرنا عنهم،" قال كوهين بملامح صارمة. "من الضروري أن نعرف."
نظر الحزام الجلدي الكبير إلى ميراندا، فهزّت رأسها علامة على الموافقة.
"حسنًا"— فتح ذراعيه— "لنبدأ حيًا حيًا…"
"سنبدأ من حيث نقف الآن—حيّ الدرع وحيّ المطرقة، وهذان يقطنهما أهل مدينة سحب التنين الأصليون؛ وهما أفقر الأحياء. لكنهما منطقة نفوذ غليوارد ورجاله. ولن تودّا إغضابهم."
"غليوارد… إذن هو زعيم عصابة؟ ويحكم هذين الحيين؟" سأل الضابط كوهين وفق الأصول. "أليس للموظفين والحرس سلطة عليه؟"
"لا، ليس الأمر كذلك. أعني، هو ليس سيدًا إقطاعيًا ولا يعمل لدى الحكومة، لذا ليست له سلطة رسمية على المكان. وفوق ذلك، غليوارد لا يتعمّد تحدّي سلطة النبلاء أو الحكومة." لوّح الحزام الجلدي الكبير بيده. "لكن غليوارد كان جنديًا مكرّمًا قبل تقاعده، وهذا أكسبه مكانته اليوم. يحصل ما تتوقعه دائمًا: خداع الغرباء، شجارات الجيران، أيّ النبلاء يطمع في ابنة من، أو البيوت الجائعة في الشتاء… في كل ذلك، رجاله يتولّون الأمر."
"ودائمًا يقف مع الناس. لذلك يثق به سكان تلك الأحياء. حتى رجال الانضباط اعترفوا علنًا بفضله على أفقر منطقتين، وأقرّوا بنفوذه—وأظن أن السبب أنّه خدم سابقًا في الجيش كسيافٍ ثقيل. الكثير من رفاقه أصبحوا اليوم من أصحاب المناصب العليا. بعضهم يعمل داخل المدينة، وبعضهم في قصر الروح البطولية."
"غليوارد ليس لديه عصابة بالمعنى الفعلي، ولا أتباع دائمون، لكن إن وقف في الشارع صباحًا وقال ’أعينوني’، أؤكد لك أن عشرات الرجال سيتركون أعمالهم ويسارعون إليه. وبعد ساعة، ستأتي مجموعة أخرى من خارج المدينة، وبحلول الظهيرة سيملك حشدًا كبيرًا—وخذ بالحسبان أنّ نصف هؤلاء المتطوعين خدموا في الجيش. إنهم أقوياء وصلبون، وعلى استعداد لفعل أي شيء."
تقلّص حاجبا ميراندا ضيقًا، بينما كان الضابط كوهين يومئ، مستوعبًا تركيبة القوى المحلية. كانت مختلفة تمامًا عمّا في مدينة النجم الأبدي.
"أما حيّ السيف، وحيّ القوس، وحيّ الدرع، فهذه مناطق تجارية. ذات كثافة عالية وقادرة ماليًا. والأمور هناك أعقد قليلًا."
"تجار سوق حيّ السيف، مثلًا، هم من خارج المدينة أو من أماكن بعيدة. حتى تُجّار الكوكبة يعملون هناك. والرجل المسؤول هناك هو فلاد. لديه ضابط انضباط، ويتولّى أسواق المدينة. ولديه مجموعة للعمليات الخفية، لكنها صغيرة وقوتها أقل بكثير من رجال غليوارد." هزّ الحزام الجلدي الكبير رأسه مجددًا. "وتقول الشائعات إنه على صلة بالأخوية في الكوكبة، ويعمل ضمن منطقة رمادية قانونية. ويكسب من الرشاوى في عمليات التهريب بين المملكتين—نادرًا ما يتدخل بنفسه، لكن الناس يخشونه."
"الأخوية؟" اشتعل فضول كوهين. "أوصلوا أعمالهم إلى إكستيدت؟"
"نعم. لم يكن أحد يسمع بهذا الاسم قبل بضع سنوات. في ذلك الوقت، كانت عصابة قوارير الدم هي المرجع في أي شأن يخصّ الجنوبيين." رفع الحزام الجلدي الكبير كتفيه بإرهاق. "لكن فجأة ظهرت الأخوية من العدم. دخلوا المدينة وتحدّثوا إلى فلاد وغليوارد. ظنناهم رجال الجنوب، أبناء الإمبراطورية، جاؤوا لأخذ أراضينا أو لافتعال حرب."
"لكن في النهاية، لم يقل أيّ زعيم شيئًا. ولم تفتح الأخوية مقرًا هنا أصلًا. الشيء الوحيد الذي تغيّر أنّهم أصبحوا لاحقًا إحدى سلاسل الإمداد للأعمال المحلية."
"وإن سألتني—صحيح أن أعمالهم توسعت سريعًا وعلى نطاق واسع، لكنّها ليست آمنة تمامًا. لا فلاد ولا غليوارد يثقون بهم—ومثال ذلك: حين انتشرت شائعة الحرب، قطع فلاد فورًا عمليات التهريب الخاصة بهم. والآن اختفت الأخوية والتجار العاملون معهم."
ضيّق كوهين عينيه. "إن توسعوا بهذه السرعة، فقد يكون تطوير الأعمال ليس غايتهم. ربما لم يكن مقصدهم التجارة ولا القتال على الأراضي أصلًا؟"
"مستحيل." ابتسم الحزام الجلدي الكبير بتشكك. "أيّ عصابة تلك التي لا تهتم بالأرض ولا الربح ولا التجارة؟"
"نعود إلى موضوعنا—ساحة أجنحة التنين في حيّ السيف هي ملتقى تجار القوافل القادمين من كاموس وبعض الشماليين الأذكياء. يتعامل هؤلاء مع كل أنواع الزبائن—من النبلاء إلى الهاربين. وبضائعهم تلقى إعجاب السكان، لذا أصبحت الساحة مركزًا مزدهرًا، مليئًا بالمحالّ التي تقدم… خدماتٍ معينة، كما تعرفون" ابتسم الحزام الجلدي الكبير ابتسامة ماكرة وهو يلوّح بيديه في الهواء.
"طرية وعَصِيّة، رطبة وتسيل…"
ضحك كوهين مجارياً تلك الملاحظة البذيئة، بينما زفرت ميراندا بازدراء.
"ما أقصده هو أنّ هناك غرفة تجارة كوّنها تجّار كاموس وبعض الأهالي المحليين، مقرّها ساحة أجنحة التنين. أمّا حيّ القوس، خصوصًا شارع ويست-إكسبريس، فله وضع مختلف. باختصار، حيّ القوس مزيج من بقيّة الأحياء، مكتظّ بورش صغيرة ومتاجر شتّى. وينطبق الشيء نفسه على حيّ الدرع. إنهما منطقتان في فوضى دائمة، ويصعب تحديد ما إذا كانت هناك عصابة محلية مسيطرة. وإذا حدث أمر خطير، فالناس هناك غالبًا ما يلجؤون إلى رجل من الشرق الأقصى."
"رجل من الشرق الأقصى؟" تبادل كوهين وميراندا نظرة فضولية موجّهة إلى الحزام الجلدي الكبير.
"نعم، رجل شرقي بعيد. جزّار اسمه غو. استقرّ هنا منذ أكثر من عشر سنوات." هزّ الحزام الجلدي الكبير كتفيه. "لا يبدو ذا نفوذ كبير، لكن لديه ما يكفي من العلاقات. تواصل مع تجّار كاموس، وشماليّين، بل وحتى أبناء الكوكبة—وهو أول من يعرف إن وقع أمرٌ غير معتاد. ولهذا فهو وسيط يبيع المعلومات لكسب رزقه."
"أمّا حيّ السهم، وحيّ الرمح، وحيّ الفأس، فهي مناطق بعيدة نوعًا ما. سكانها ذوو نفوذ وقوّة، وغالبًا ما يرافقهم حرّاس في حياتهم اليومية. الناس البسطاء مثلنا، سواء كنّا على صلة بعصابات أم لا، مضطرّون لدخول تلك الأحياء بحذر شديد."
"المكان الذي ذكره كاسلان، وجهتكم… إنه محلّ الجزّار الشرقي ذاك في حيّ الدرع،" قال الحزام الجلدي الكبير. "بعض معارفي أخبروني أن هناك زوّارًا جدداً في الأيام الأخيرة. أظنّ أنهم قد يكونون الأشخاص الذين تبحثون عنهم."
(ذلك هو المكان الذي تعرّضت فيه كروش لكمين خلال تحقيقها.) لامست ميراندا مقبض السيف عند خصرها.
"هل هناك أي شيء مريب حول ذلك الموقع؟" سأل كوهين بقلق شديد. "شجارات، مثلًا؟ بين فرقٍ من السّيّافين في منتصف الليل؟ وربما… حتى سَيّافو الإبادة؟"
"شجار؟ سيّافون… إبادة؟" تمتم الحزام الجلدي الكبير. "لم أسمع شيئًا كهذا. فالأمر ليس ضمن مناطقنا أصلًا. معلوماتنا هناك ضئيلة." تنهد قليلًا. "أنصحكما بالاستعانة بغو. فهو صاحب الأرض هناك. لا يفوته شيء—لكن بالطبع، ستدفعان له مقابل المعلومات."
"جيّد." أومأت ميراندا بصرامة. "سننطلق الآن."
غادرت ميراندا وكوهين المنزل مع دعوات الحزام الجلدي الكبير.
"بنية القوى المحليّة في مدينة سحب التنّين فوضويّة جدًا. ليست مثل القسمة الواضحة بين العصابتين الكبيرتين في مدينة النجم الأبدي، ولا عدوانيّة الأخوية ولا عصابة قوارير الدم،" قال كوهين بقلق وهو يدلّك ذقنه، يمشي في الشارع، يراقب الناس وهم يتحدّثون عن وصول أمير الكوكبة.
"هنا نجد نصير الفقراء، وضابطًا متورطًا في التهريب، ومجموعة تجّار جشعين، وسمسار معلومات… للأسف، وجود الأمير تاليس زاد من توتّر المدينة؛ والقادة المحليّون سيصبحون أكثر يقظة من المعتاد، وخصوصًا تجاه الغرباء. سيصعب علينا استخلاص المعلومات منهم."
"يمكننا سؤال الشرقي،" قالت ميراندا، مُغيّرة مجرى الحديث. "هل قابلتَ أميرنا الثاني من قبل؟"
"طبعًا!" احمرّ كوهين حماسًا. "شهدتُ بنفسي كيف واجه أولئك الدوقات الستّة في قاعة النجوم…" توقف فجأة، متذكّرًا العلاقة بين ميراندا آروند و… والدها.
"آه…" حكّ رأسه. "على أي حال، إنه فتى طيّب. من حسن حظ العائلة الملكية أنّهم وجدوا وريثًا."
"صحيح." أومأت ميراندا، تبدو غير مكترثة وهي تمرّ قرب محلّ خياطة بائس. "ذلك الطفل ترك أثرًا واضحًا، تمامًا كما فعل يوم حصن التنين المحطم."
تجلّت صورة تاليس جيدستار، الشعر الداكن، أمام ذهنها.
(هو الآن، على الأرجح، في قصر الروح البطولية، يتفاوض مع حاكم إكستيدت.)
(يومًا ما، سيكون ملكنا.)
قطّبت ميراندا حاجبيها، ضاغطةً بإبهامها وسبّابتها.
(حاملةً عبء حكم الإقليم الشمالي.)
كان كوهين يعرف ميراندا منذ كانوا في الدفعة نفسها، وفهمها جيّدًا. ولما رأى اضطرابها، تنهد.
"كانت الأيام الماضية مجنونة، ولم تتح لنا الفرصة لنسألك…" قال بخفوت، "هل أنت بخير؟"
رفعت ميراندا رأسها وحدقت فيه بحدة.
تفحّص كوهين ما حوله، ثم سحبها خلف لافتة ضخمة لحانة، مترددًا وهو يتلعثم: "سمعت من العجوز بشأن والدك… أنه وبعض الإكستيدتيين…"
"لا شيء يدعو للنقاش. عليه أن يدفع ثمن ما فعل." قاطعته ميراندا بصرامة، حاجباها منقبضان. "لم نكُن نرى بعضنا أصلًا طوال تلك السنوات. بالكاد أتذكر عنه شيئًا، فلا أرى كيف سيؤثر هذا الأمر فيّ."
لم ينبس كوهين بكلمة، يراقبها بصمت.
(حقًا؟)
تذكّر ما قاله رافاييل عن ماضي ميراندا خلال السنوات الدموية.
لقد أرسلها والدها طفلةً إلى برج الإبادة.
(والآن…)
"إذًا…" بدأ كوهين، يدلك رأسه بخجل وقد قرر دفع الحديث قُدمًا، "ما الذي سيحدث لاحقًا…؟ أعني، أعلم أن لديك أقارب يحملون الاسم نفسه. إن تمّ تجريد والدك من لقبه—"
"ليست المملكة غريبة عن وجود دوقة أو ملكة." اشتعلت عينا ميراندا. "أنا آروند حقيقية، الوريثة الشرعية الوحيدة لدوقية الإقليم الشمالي، كما الأمير تاليس—حتى الملك كيسل لا يمكنه إنكار ذلك."
(عبء اسم عائلتها…) كبس كوهين شفتيه، وقد امتلأت عيناه بالقلق. "ميراندا، يجب أن تعرفي أنّك لستِ وحدك."
"أنا صديقك الوفي أولًا. كروش وميزادون شماليّان، نعم، لكن ذلك لا يغيّر صداقتنا. لديك المعلمة شارتير أيضًا، ولا تنسي السيدة سونيا في الحصن. وفوق كل ذلك… هناك رافاييل…"
توقّف صوته فجأة. أدرك أنه قال ما لا ينبغي قوله… مجددًا.
"على كل حال، أعلم أنكِ قوية، وسيفك ممتاز وكل شيء…" تمتم مرتبكًا. "لكن لا ينبغي أن تواجهي كل هذا وحدك…"
رمقته ميراندا بنظرة حادة.
"كل هذا الوقت تتجنب ذكر اسم رافاييل—حتى الآن." ضيّقت ميراندا عينيها.
جفل كوهين. خفق قلبه بسرعة.
(هذه الفتاة مرعبة الإدراك.)
"لم أتجنب… فقط خشيت أن تنزعجي. فأنتم نشأتم وتدرّبتم معًا، ثم… غادر دون كلمة…"
وقبل أن يختلق عذرًا آخر، قاطعته ميراندا: "هل عاد؟ هل رآك؟"
"قطعًا لا. لو عاد لذهب إليك أولًا، بما أنكما… ثنائي…" مرّر كوهين يدًا في شعره وضحك. "وبالمناسبة، أشعر أنني دونجوان مؤخرًا! سأخبرك… التقيت بفتاة مذهلة في العاصمة. كانت كالسهم مع شفرتيها—"
[دونجوان: رجل ماهر في اغواء النساء]
"أنت مثل المعلّم زيدي." تنهدت ميراندا. "تحك رأسك حين تتوتر."
تجمّد كوهين ويده فوق رأسه.
"ثمّ تهذي بكلام فارغ لتغيير الموضوع." قالت.
خفض رأسه بأسى.
"كوهين كارابيان، بعد أن ننهي مهمّتنا، سنتحدّث بخصوص رافاييل… وكل ما تخفيه عني." قالت بصرامة، طاعنة كتفه بمقبض سيفها.
صفع كوهين جبينه.
(أهذا ما قصده المعلّم شاو بـ "الوقوع في شرنقة ينسجها المرء بيديه"؟)
"لنركّز الآن على مهمّتنا. ألا ترى الأمر غريبًا يا كوهين؟" قالت ميراندا. "أولًا ظهر سيف الكارثة، ثمّ الملك نوڤين. ولو نظرت إلى شائعات المدينة، ومحاولة اغتيال أمير الكوكبة… فهناك شيء غير طبيعي."
"هاه؟" رفع كوهين رأسه، مشوّشًا، لا يزال مثقلًا بحديثهما السابق.
ربّتت ميراندا على مقبض سيفها، تفكّر بعمق.
"أمير الكوكبة خرج صوب إكستيدت، وتعرّض لمحاولة اغتيال قرب الحصن. هذا مرتبط بسيف الكارثة." قالت. "لذا، أرسل إلينا كاسلان—قائد النصل الأبيض السابق، ومعلم المعلّم شاو—رسالة. ولهذا أُمرنا بالمجيء إلى هنا."
"وفي الوقت نفسه، الأمير الآن في قصر الروح البطولية، يتحدث إلى الملك نوڤين، الذي كان كاسلان يخدمه."
"وبالتوازي تقريبًا، وجد كاسلان آثارًا لنشاط سيف الكارثة في المدينة."
"يا لها من صدفة." قالت ميراندا بنبرة قاتمة. "كل شيء يتراكم فوق بعضه."
كان الأمر فوضويًا حقًا. لكن بدا أنّ خيطًا رفيعًا يجمع تلك المصادفات والقرائن جميعًا.
كان كوهين يحدّق في ميراندا، عاجزًا عن متابعة استنتاجاتها.
"ما رأيك؟" سألت فجأة.
بعد تأخر لحظة، أجاب بارتباك: "أوه! نعم!" سعل مصطنعًا وفكّر: (كلام ميراندا منطقي… فقط يجب أن أؤيدها…)
"أشعر بالشيء نفسه. لا بدّ أن أمورًا خفيّة تجري!" قال. "لقد لمستُ غرابةً في كل ما يحدث." ثم أخذ نفسًا عميقًا وحدّق بريبة، يصفق راحتيه مع كل كلمة: "إنها… مؤامرة!"
حدّقت فيه ميراندا بحسرة. أطرقت برأسها وهزّته بخفوت.
(يا له من أبله.)
(لا يمكنه أن يفهم.)
…
كان الآرشيدوق ذو اللحية يجزّ أسنانه، يرمق تاليس بعدم تصديق.
الآرشيدوق ذو التسريحة الدائرية تطلّع حائرًا إلى الملك نوڤين، ثم إلى الأمير الشاب.
تبادل الآرشيدوقان الأصلع وذو الشعر الطويل نظرة قلقة، وارتسم العبوس على وجهيهما.
أمّا الآرشيدوق الأسمر فكان يحدّق في تاليس بنظرات غريبة، مترددًا بالكلام.
(هذا هو.) تنفّس تاليس الصعداء.
لم يكن متأكدًا من اتجاه الأمور، ولم يستطع الجزم بما يفكر به الملك نوڤين حيالَه، ولا بطباع هؤلاء الآرشيدوقات الخمسة…
لكن…
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه تاليس وهو يرفع ذقنه، يحدّق فيهم واحدًا واحدًا.
لم يجرؤ أيٌّ منهم على تلويث يديه بدم الأمير الصغير.
فيمين الملك كيسل، الذي يحمي تاليس كدرع لا ينكسر، لا يزال قائمًا لا يتزعزع.
منذ لحظات فقط، حين أمره الملك نوڤين بأن يقتل نفسه، بدا الآرشيدوقات متحمسين، بل جائعين للمشهد.
لكن الشعور يتغيّر تمامًا حين يقع شرف قتل الأمير على عاتق أحدهم…
تخيّل جماعة من المتآمرين، لا يريدون تحمل العاقبة. لذا عليهم أن يكونوا خفيّين، وأن ينفخوا في النار بينما يتحمل غيرهم اللوم.
لكن لا أحد منهم يجرؤ على فعلها منفردًا… وتحت أنظار الجميع.
"يا ابن جيدستار اللعين." ومضت شرارة خبيثة في عيني الآرشيدوق الملتحي، المتقدتين بكره لا يوصف تجاه تاليس. "سمعنا عنك كثيرًا: ماكر، مخادع، تفكّر كبالغ، لا كطفل. والآن أرى أن كل ما يُقال عنك… صحيح."
"كفى. لقد فرغنا من اختبار الصبي ذي الأعوام السبعة," قال الآرشيدوق ذو التسريحة الدائرية، وعلى وجهه مسحةُ تندّر. "سيغدو هذا الغلام شوكةً في الخاصرة يومًا ما؛ أُراهن على المقاطعات الست كلّها في إقليم برج الإصلاح على ذلك—"
(اختبار؟) قطّب تاليس حاجبيه.
"لا."
قُوطِع الرجل ذو التسريحة قبل أن يُكمل.
"أنا، من جهتي، أجدها فكرةً مثيرة للاهتمام," قطع الملك نوڤين الصمت، مثيرًا ذهول الآرشيدوقات. لمع في عينيه بريقٌ بارد. "فكرة المبارزة…"
"من أين أتيت بها؟"
بدأ تاليس يستعيد بعض الطمأنينة والأمان. ضبط أنفاسه، وقال للملك نوڤين: "سمعتُ بمجلس اختيار الملك لديكم، وبمبارزة وراثة العرش في إقليم الرمال السوداء."
"همف، إقليم الرمال السوداء!" تفجّر ازدراءٌ مكبوت على وجه نوڤين السابع. "لامبارد، ذاك اللقيط، تجرّأ أن يطلب حصصًا من التموين ومكانًا لمعسكر مَن رافقوك."
تبادل الآرشيدوقات النظرات سريعًا، مما أعاد إلى ذهن تاليس شريك آرشيدوق إقليم الرمال السوداء.
"ذلك الحقير ذو الوجهين," قال الملك نوڤين بظلمة. "أما يدرك أنه مسؤول جزئيًا عمّا حدث؟"
لم يتحرّك الآرشيدوقات الخمسة.
هوى الملك الكالح الوجه بكفّه على الطاولة، واصطدم خاتمه بخشبها في رنينٍ حاد.
طاخ!
ارتجّ من في القاعة.
"مبارزة، ولمَ لا؟" التفت الملك إلى الآرشيدوقات الذين شحبَت وجوههم. "أيُّكم يرغب بالقتال نيابةً عني ليُثبت ولاءه للوطن؟ لوّثوا أيديكم بدمه، وبذلك تبدّدون كل هواجسكم وتُظهرون إخلاصكم لمدينة سحب التنين."
عضّ تاليس على أسنانه.
بدأ يستوعب مرامي الملك نوڤين.
اشتدّت قتامة وجوه الآرشيدوقات.
لكن الملك لم يترك لهم فرصة للرد.
"ريبيان أولسيوس، آرشيدوق أوركيد المرموقة المخلص." التفت إلى الملتحي الذي كان أكثرهم عداءً لتاليس، وقال بنبرة هادئة: "اذهب، وانتصِر في النزال، واثأر لملكك."
(أوركيد المرموقة…) تذكّر تاليس المكان.
(هناك وقعت معركة الفجر قبل ثلاثمئة عام.)
نظر اللورد أولسيوس إلى الملك، ثم إلى تاليس.
راقب تاليس ملامح وجهه وهي تجثم.
"ظننتُ أنك تجرّبه فحسب… يا نوڤين." تجهّم اللورد أولسيوس. "لقد تباحثنا الأمر. الجميع يرغب بالتهام دم ولحم المملكة الجنوبية، لكن لا أحد يريد حربًا لا تنتهي… أتراك حقًا تريد قتله الآن، وهنا؟"
تنفّس تاليس الصعداء.
اختبار…
لقد كانوا يختبرونه فعلًا.
لقد نجا… مرة أخرى.
لكن ما أعقب الارتياح كان لمسةً من الحيرة.
وفقًا لقول الآرشيدوق… هل كان هؤلاء الستّة يناقشون شنّ حربٍ على الجنوب؟
"وما المانع؟ لقد أرسلتُ حتى نيكولاس ليُقيده ويطوف به المدينة!" ارتسمت على وجه نوڤين ابتسامةٌ وحشية. "ستسقط والتون بعد أن فقدت وريثي الشرعي. ألا تُسدي خدمةً أخيرة لإكستيدت؟"
شحبت وجوه الآرشيدوقات الخمسة.
حاول تاليس أن يتخيّل موقفهم.
قبل زمنٍ طويل، عانت الكوكبة المصير ذاته حين غاب الوريث. لم يكن أحد يعرف من سيصعد إلى العرش.
"أولسيوس، ذاك سيفك الذي يُمسكه," قال الملك نوڤين. "أوَنسيت أنّه قبل ستمئة سنة، كان تورموند جيدستار وجيشه هم من طردوا عائلتك من الإقليم الشوفيني العتيق نحو الشمال، وبنوا مدينة النجم الأبدي على أرض أجدادكم؟ قتلُ الأمير قد يُعدّ شرفًا لأسرتك."
قهقه أولسيوس بسخرية. "مولاي، إن أعلنتَ حربًا على أهل الجنوب، فاوركيد المرموقة ستقف مع مدينة سحب التنين ونُقسم على الولاء لراية رمح التنين." مرّر يده على لحيته وهزّ رأسه. "لكن الآن، أن تطلب منّا أن… لا تستطيع أن تُرغمني على هذا العمل الدموي."
"همف، اللورد أولسيوس ذو المنزلة الرفيعة يأبى تلويث يديه؟" أطلق تاليس ابتسامة جليدية. "ألم تكن أعذارك التي رميتنا بها لتبرّر جبنك؟"
تلعثم أولسيوس، واشتدّت نظراته الحاقدة على تاليس.
قهقه الملك نوڤين، ثم التفت إلى الآرشيدوق ذي التسريحة الدائرية الذي كان أكثرهم سخرية من تاليس: "ماذا عنك يا آرشيدوق برج الإصلاح، بورفيوس ترينتيدا؟ اقتل الغلام، ونصبح واحدًا."
(برج الإصلاح…) تذكّر تاليس حكاية لامبارد.
"أرفض," جاء جواب اللورد ترينتيدا سريعًا. "لا يمكنك أن تطلب ذلك مني." هزّ رأسه بحذر. "أسرة ترينتيدا توافق على خوض الحرب ضد الكوكبة لسببٍ واحد—أن تستفيد من الحرب. لكن قتل هذا الغلام وتعريض أنفسنا لحنق العدو؟ هذه صفقة خاسرة."
"إن اندلعت الحرب بسبب هذا، لكان لامبارد نجى بفعلته، بينما أتلقى أنا الضربة." لوّح بيده وضحك. "ربحٌ وفير. مخاطرة ضئيلة. تحت هذه الشروط فقط نرسل قواتنا. وإلا، فلماذا نتورّط في هذا الكابوس؟"
"أنت أصرح رجل رأيته، يا ترينتيدا," تنهد الآرشيدوق الأصلع. ثم تابع قبل أن يرد الملك: "ما قلتَه أنانيٌّ مخزٍ، لكنه الحق. ولا أقدر على ردّه."
"وأنا، روجرز ليكو من مدينة الحصن، أشعر بالمثل…" أبرق رأسه الأصلع وهو يلتفت. "خوض حرب أو قتل طفل بلا داعٍ؟ افعلوا ما تشاؤون. أما أنا، فلا أريد دَين دمٍ لآل جيدستار."
راقب تاليس هؤلاء الرجال بازدراء، وهم يتجادلون أمام ملكهم وأمام غريب… كما النساء اللواتي كان يراهنّ في حياته السابقة، يتجمّعن للثرثرة عند التقاءهم مصادفة.
قطّب تاليس. (هذا المشهد… لماذا يبدو مألوفًا؟)
"حسنًا، لقد شهدتُ بأمّ عيني معنى كرامة أهل الشمال," قال تاليس مخاطبًا الآرشيدوق ليكو بازدراء ظاهر، ثم حوّل نظره إلى أولسيوس. "ومستوى الشمال كذلك."
لم يردّ الاثنان، واكتفيا بصرف وجهيهما.
"همف، لو لم يكن هذا الفتى هنا ليعتذر، لما وقعنا في هذا الموقف المحرج، أليس كذلك؟" ضحك الملك نوڤين ضحكةً خالية من الفرح. "هل كنتم عندئذ سترسلون قواتكم جنوبًا باسم ابني الراحل؟"
ظلّ الآرشيدوقات صامتين.
لكن تاليس عرف الجواب.
"كولجون روكني؟" حدّق الملك بنظرة ثابتة في الآرشيدوق ذي الشعر الطويل. "اقتُل الفتى، وستتعهد مدينة سحب التنين أن تمنح أسرة روكني كلّ ما قد تجنيه من الحرب."
"مدّ اليد على طفلٍ في مثل عمره مهانة تمسّ مكانتي," زفر اللورد روكني. "مدينة الصلوات البعيدة بعيدةٌ عن تهديد الكوكبة. ثم إن لأسرتي فضائل لا يجوز أن تُدنّس."
كلّما أصغى تاليس أكثر، ازداد وعيه بنبرة الآرشيدوقات حين يخاطبون الملك…
من خلال الملاحظة المباشرة المتجرّدة، أدرك الفارق الجوهري بين علاقة الملك والتابعين في إكستيدت وتلك في الكوكبة.
فهناك، الآرشيدوقات والملك يقفون على درجة واحدة تقريبًا من الحظوة والسلطة. بعضهم لا يكترث لمراعاة الملك أصلًا، على عكس ما رأى تاليس في قاعة النجوم، حين ركع أتباع العشائر الستّ والعوائل المرموقة الثلاثة عشر ليقبّلوا خاتم كيسل.
لقد بدا له أنّ الآرشيدوقات في إكستيدت يشكّلون سلطةً قائمة بذاتها. وتذكّر قول بيوتراي: (إنهم أقوى… مما نتخيل.)
(هيمنتهم على المملكة تضاهي هيمنة الملك نفسه.)
"كفى!" تنفّس الرجل ذو الشعر البني بعمق. "أنا سيّد مدينة المنارة المُضيئة، كونكراي بوفريت. يا صاحب السمو، يؤسفني أن تشهد هذا كله." ألقى على تاليس ابتسامة اعتذار، ثم قال للملك نوڤين بقلق: "غضبك مفهوم يا مولاي. لكن عليك أن تفكر في مستقبل مملكتنا… فالأمير هنا، وقد فقدنا سببًا مشروعًا لشنّ الحرب. وقتله لن يزيد الحال إلا سوءًا."
لم يقل نوڤين شيئًا.
نظر إلى الآرشيدوقات، ثم إلى تاليس، وقال ببطء: "يا لكم من جبناء. حتى مع موافقتي، ما زلتم تترددون في الحرب، وتخشون تلويث أيديكم بدم طفل."
(إن موافقتك هي ما جعل الأمر كلّه مشبوهًا.) فكّر تاليس.
"أهل الشمال لا يفاخرون بذبح الأطفال," ردّ الآرشيدوق روكني ببرود.
"حسنًا. انتهينا إذن." أنهى الملك نوڤين المجلس بوجهٍ كالح. رمق تاليس بنظرة كراهية لا هوادة فيها. "ألقِ ذاك السيف البائس، يا أمير الكوكبة. لن تحتاجه في حفل الليلة."
"آه؟" اندهش تاليس. "حفل الليلة؟ أيُّ حفل؟"
"وماذا عساه يكون؟" ألقى ملك إكستيدت نظرة صقيعية على الآرشيدوقات. "هؤلاء الجبناء أبوا أن يصنعوا شيئًا. فماذا تبقّى لنا؟"
"استعدّ لحفل استقبالِك، يا تاليس جيدستار." نطق الملك الكلمات بنبرة ممزوجة بالغلّ وغادر عرشه.
تبادل الآرشيدوقات النظرات، ووقفوا من مقاعدهم بوجوهٍ غريبة.
راقبهم تاليس بحيرة.
(هكذا… فقط؟)
"أنت، أيها الصغير." تقدّم آرشيدوق أوركيد المرموقة، أولسيوس، مكفهرًّا، صوب تاليس. "متى تنوي أن تُنزل سيفي؟"
طنّ!
سقط السيف من يد تاليس على الأرض.
كانت كفّاه مُخدّرتين.
حين خرج من القاعة الحجرية ورأى اللورد ميرك في انتظاره، أدرك أنه غارقٌ في عرقٍ بارد رغم البرد القارس.
شعر كأنه أنهى ماراثونًا. بالكاد أحسّ بساقيه. انحنى فجذب الهواء إلى صدره.
(يا لَقَسوة أهل الشمال…)
"تفضل معي يا صاحب السمو," قال اللورد ميرك. "سأقودك إلى غرفتك لتستعدّ لحفل الليلة. سيكون مرافِقوك هناك."
رفع تاليس يده.
"قبل ذلك… هل بوسعك أن تأخذني إلى اللورد نيكولاس والماركيز شيليس؟" ارتسمت على فمه ابتسامة غريبة حيّرت ميرك. "لقد أحسنا إليّ كثيرًا في رحلتي إلى مدينة سحب التنين."
"أوم؟" تمتم ميرك بفضول.
"لأردّ جميلهما." تكدّرت ملامح تاليس وهو يرفع ذقنه بعزم. "يجب أن أعبّر عن خالص امتناني… لأُسرتيهما."
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬