▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 129: المبارزة
…
مدينة سحب التنين، شارع ويست-إكسبريس.
"أنا… أنا هنا!" اندفع شابٌ إلى داخل متجر الجزّار. أسند ظهره إلى الحائط وهو يلهث بشدّة. "أمير الكوكبة في المدينة، لذا ذهبتُ—"
"ذهبتَ لتبحث عن فتاتك مجددًا؟" قاطعه الجزّار كاشفًا كذبته. "ألهذا السبب تأخّرت مرة أخرى؟"
"مهلًا! ما الذي تقوله… لقد كنتُ فقط أُرسل لها بعض الهدايا." احمرّ وجه الشاب. "وسيسيليا ليست فتاتي… ليس بعد…"
"أنت نصف أحمق، يا كيفن." وبنبرة من يتحدّث عن خبرة، رمقه الجزّار بنظرة ازدراء. "أن ترسل لها بين حين وآخر بعض الأشياء هنا وهناك لا يكفي. عليك أن تُصرّح بحبّك. تُصرّح. بالحب. أتدري ما معنى ذلك؟!"
عند سماع هذا، بدأ كيفن يحكّ رأسه في ضيق. "ألا تعلم أن لها أبًا مخيفًا بلقبٍ غريب، شيء مثل الحزام الجلدي الكبير أو أيًّا كان… سمعتُ أنّه كان في حرس الجليد. لن يسمح أبدًا لابنته أن تتزوّج… أن تتزوّج…"
"صبِيّ توصيل معدم من اتحاد العوام؟" شطر الجزّار عظم ساق خروف إلى نصفين.
صفّق كيفن بيديه وقد شحب وجهه. "أجل، هذا هو السبب!"
"إذًا، تصرّف كرجل. اذهب لمقابلته بنفسك، وتحدّث إلى والدها وجهًا لوجه!" عبس الجزّار وضرب ساطوره بلوح التقطيع.
ارتجف كيفن. فتح فمه وبدأ يتمتم.
لكن في النهاية، وبنظرة مهزومة، ابتلع الكلمات التي كان ينوي قولها. (أنا خائف).
"همف، جبان." تمتم الجزّار في خيبة. "انسَ الأمر إذًا… على أيّ حال، كيف سارت مهمتك؟"
"ها هو." وبوجه عابس، ناوله كيفن ورقة مجعّدة. "ردّ الرئيس غليوارد، كما يُفترض."
أخذ الجزّار الملاحظة وشاهد الشاب يغادر وهو ما يزال غاضبًا.
"يا لك من صاحب حياة خالية من الهموم." دوّى صوتٌ مفعم بالمرح من مؤخرة الغرفة. "تذبح اللحوم، وتُدير تجارتك، وتقدّم نصائح العلاقات لذاك الفتى الأحمق."
تصلّبت ملامح الجزّار قليلًا.
استدار وأغلق الباب بحركة سريعة.
"زيارتك لي في وقت كهذا." قال "غو"، الجزّار القادم من أقصى الشرق، وهو يدير ظهره للباب. "ألا تخشى أن يكون السيف الأسود قد عاد؟" قال موجّهًا كلامه إلى هيئة تقف في الزاوية المظلمة خلفه.
"فالمعلومات المزيّفة كانت فكرتك في النهاية."
تقدّم شابٌ بثياب بيضاء—رافاييل ليندبيرغ—خارجًا من الظلال بابتسامةٍ ترتسم على محيّاه.
وكذئبٍ في السهوب، استنفر غو على الفور. انخفضت عيناه بحدّة.
(دخل إلى هنا بهذه الثقة المطلقة… يبدو أنّه حقًا يعرف كيف يُخفي أثره، بطريقة تُضلّل حتى حواس السيف الأسود المرهِبة، ذاك الذي يستطيع التقاط أدقّ الحركات—حتى تلك الخاصة بالحشرات والكائنات الصغيرة—من مئات الأمتار.)
ضيّق غو عينيه.
لم يُجب رافاييل على جملته السابقة، بل قال بسخرية خفيفة: "ما الأمر؟ هل كنتَ مستشار علاقات قبل أن تخون حرّاس الغراب؟ لا بدّ أنك راكمتَ الكثير من الخبرة، أليس كذلك؟"
"حُرّاس الغراب". اثرت هاتان الكلمتان بغو تأثيرًا مباشرًا.
رغم سنوات من التدريب على ضبط الانفعالات والتحكّم في ردود الفعل الجسدية، لم يستطع منع قلبه من أن يتجمّد قليلًا، ودمه من أن يندفع أسرع.
رفع رأسه نحو رافاييل، وتلاقت نظراتهما.
كانت النظرات هادئة كصفحة ماء، لكنهما كانا يعلمان العداء المستتر تحت هذا الهدوء.
"ألا تُظهر أوراقك. بل تواصل كشف نقاط ضعف عدوّك باستخدام الإلهاء والمناورة، باغتنام الفرص، وبإثارة عين العاصفة—هذه هي التكتيكات الموروثة من القوات السرّية، والتي تستخدمها استخبارات المملكة."
"منذ اتحاد سلالة الفجر والظلام مع الكوكبة، ونحن والاستخبارات نتشابك سرًا خلف الأبواب المغلقة. كل طرف يعرف حيل خصمه وأساليبه."
"لكن السؤال هو: من أين نبدأ؟"
مع تدفّق كلمات معلّمه في أذنه، ازداد غو تيقظًا.
"إنه لأمر مثير، رؤية الناس يمضون في حياتهم." رمق غو واجهة متجره الخالية بكسل وهو ينظّف الطاولة ببطء. كان معظم الناس قد خرجوا لرؤية أمير الكوكبة، في خضمّ ذلك الصخب.
"تعلم…" قال بمعنى خفي، "بعد عمرٍ كامل تقريبًا من العيش في اليأس والظلمات، يشتاق المرء إلى رؤية ضوء الأمل."
"ظننتُ أن شخصًا بماضيك معتاد على الأشياء (المثيرة)." ارتسمت ابتسامة على زاوية شفتي رافاييل.
"معتاد؟"
"كيفن هو التجسيد الحقيقي لحياة الأحياء الفقراء." قال غو وهو يطلق ضحكة بلا بهجة مع نظرة فضول. "الثروة، والخلفية، والمكانة—لا يملك منها شيئًا."
"الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب؛ محبوبته. لطالما رسمها في خياله باعتبارها أبهى، وأثمن، وأطهر ما في العالم."
"يفكّر فيها بابتسامة، بسعادة، بأمل."
"وقبل كل شيء، مُنح الحقّ في السعي نحو السعادة والهدف رغم الصعاب." ثبّت غو نظره في رافاييل الذي بدا عليه الارتباك قليلًا. "ذاك الفتى يحيا حياة حقيقية."
تسلّلت خيوط الشمس إلى واجهة المتجر وسقطت على غو.
كانت عيناه هادئتين وصوته ساكنًا: "مقارنةً بنا نحن الذين نعيش كدودٍ في ظلال الأسرار، فهو سليم وغير مكسور."
"ألا تجد ذلك أمرًا مثيرًا؟"
ظلّ رافاييل واقفًا في الظلام يصغي بصبر.
"لكن ما إن يستسلم المرء للفرح، حتى يستسلم للضعف." قال مبتسمًا، "تمامًا مثل الأشياء التي جعلتك هشًّا. فكّر في الأمر، أيها الملك ياو—"
"لستُ بحاجة إلى أن أكون قويًّا." قاطعه غو بصوت خالٍ من النبرة.
"أحتاج فقط إلى إنهاء هذه الصفقة معكم." قال بحزم.
(بعكس أسلافك، الذين يزدهر كلٌ منهم بمهارته المتقنة أو دهائه الرفيع، فأنت خنجر في ظلمة أبدية، يظل مختفيًا. لن تُرى قوّتك إلا في تلك الضربة حين تُسدّد، لذا عليك تجنّب الصراعات غير الضرورية بكل وسعك. بل تهيّئ نفسك لأقوى، وأمضى، وآخر ضربة.)
تذكّر غو كلمات معلّمه فاسودّ وجهه.
(خنجر في الظلمة. مختفٍ إلى الأبد. ينتظر الضربة. يا للأسف.)
تنفّس غو بعمق حتى غدت ملامحه بلا أي تعبير.
كان رافاييل يراقبه كالصقر طيلة الوقت. ضحك بخفوت.
"أطمئنك أنّ معلوماتنا دقيقة دائمًا." قال رافاييل بمرح. "محاولة اغتيال صاحب السمو في الحصن هي أسلوبهم الأكثر استخدامًا… ستعثر بالتأكيد على ما تبحث عنه."
بقي غو صامتًا وهو يومئ.
اتّسعت ابتسامة رافاييل وانحنى قليلًا برأسه.
"الأمير ومرافقوه دخلوا المدينة. هم الآن في قصر الروح البطولية." ثم انتقل إلى الموضوع المقصود. "ماذا لديك؟"
ثبّت غو نظره عليه، وفتح الملاحظة التي جلبها كيفن. وفي الوقت ذاته، مرّر بصره على النص.
"بحسب اتحاد المنطقة، فإن موقع الوحش مؤكد." وضع غو الملاحظة. "مع أننا لا نزال نجهل ما تخطّطون لفعله…" تمتم بصوت منخفض.
ضحك رافاييل وهزّ رأسه.
"أوه، لا تقلق," قال بنبرة غريبة، "فنحن نقاتل من أجل العدالة، أليس كذلك؟"
"تنقية مدننا من الكارثة، وتكريس أنفسنا لأمن الجنس البشري."
بنفخة استهجان، استدار غو ومضى بخطوات متثاقلة.
"هراء."
غير متأثر، هزّ رافاييل رأسه وضحك بخفوت.
حوّل بصره نحو النافذة، وما وراءها—قصر الروح البطولية على الجبل.
شُدّ للحظة إلى شرودٍ عابر.
لم يستطع إلا أن يتذكّر ما قاله غو عن كيفن المعدم.
(الشيء الوحيد الذي يملكه هو الحب—محبوبته.)
(كان يرسمها دائمًا في خياله باعتبارها الأجمل، والأثمن، والأقدس في الدنيا.)
(يفكّر فيها بابتسامة، بسعادة، بأمل.)
أظلمت عيناه وهو يُغمضهما ببطء.
…
حدّق تاليس في السيف الطويل على الأرض وعرقٌ بارد يبلّل جبينه.
(ما شأن هذا الوضع؟)
(أشقّ حنجرتي بنفسي؟)
ظهرت في ذهنه وجوه نيكولاس وشيليس. لكن الآن، بدا وجههما ساخرًا على نحوٍ يثير الغيظ.
("لأجل صاحب السمو ومصلحة الملك نوڤين، يستحثّك جلالته أن تتعاون معه في تنفيذ مخطّطه للثأر. الصيّاد قد أحدَّ سكّينه. الفخاخ والكمائن قد وُضعت. مصير الفريسة قد حُسم.")
رفع الأمير رأسه ونظر إلى الشيخ الذي يُفترض أنه حليفه، بنظرة عدم تصديق.
كان حدّ نظرة الملك نوڤين الفولاذية مُثبّتة عليه.
(من هو الفريسة حقًا، ومن هو الصيّاد؟)
تذكّر بوضوح شرحه لتحالفه مع الملك نوڤين للكونت غيلبرت في قاعة مينديس.
(والآن يبدو الأمر مجرّد نكتة.)
"تابع." حثّه نوڤين السابع بصوتٍ خاوٍ من الروح. "أرِنا بأسك وفخرك كوريثٍ لعائلة جيدستار…"
"العين بالعين!"
تثبّتت عينا تاليس على السيف. تسارعت أنفاسه ودار رأسه.
ألقى نظرة أخرى على الملك نوڤين، لكن البرودة والبغضاء في نظرات الرجل العجوز بقيتا على حالهما.
(ما الذي يجب أن أفعله؟)
(لا وقت للشكّ أو للتمحيص.)
تجعد حاجبا تاليس في اضطراب لا إرادي.
(ما الذي يجب أن أفعله؟)
كان الملك نوڤين يريد حياته.
أغمض تاليس عينيه بإحكام، قابضًا قبضتيه.
(ما الذي يجب أن أفعله؟)
"ماذا الآن؟" برز صوت غريب بين الآرشيدوقات الخمسة. "كوريث لجيدستار وخليفة صائن القسم، أما لديك الجرأة للتضحية بنفسك كفّارة؟"
"لماذا أنت هنا أصلًا؟ في جولة؟!"
الشخص الذي تكلّم انحنى إلى الأمام، وتمكّن تاليس أخيرًا من رؤية أوّل الآرشيدوقات.
كان يجلس إلى يسار نوڤين السابع رجلٌ ملتحٍ، ضخم الجسم، خشن الهيئة، في الأربعين من عمره. كان يرتدي ثيابًا فظةً بسيطة، وفوقها دبّوس مثلث تتوسّطه دائرة. كان الرجل يحدّق في تاليس باحتقارٍ مطلق وعداءٍ لا يمكن كبته.
"إن لم تكن لديك الجرأة لفعلها…"
"فاركع أمامنا وتوسّل."
"يا ابن الكوكبة الحقير." تفل الرجل الملتحي.
ازداد انطباق أسنان تاليس.
(اللعنة.)
(هؤلاء الشماليون الملعونون.)
وفي الأثناء، انحنى أرشيدوق آخر إلى الأمام. أضاء وهج النار وجهه ولاحته الدائرية.
كان رجلاً ضخمًا، أيضًا في الأربعين، لكنه بدا أصغر قليلًا من الملتحي. كانت ملامحه حادّةً، وذقنه مدبّبًا. وخيطت على ثيابه رسوم لامعة لسيوفٍ ونصال.
"ربما أولئك المتعجرفون من الكوكبة ظنّوا أن…" قال الرجل ذو اللاحة الدائرية ببرود، "إرسال طفلٍ في السابعة، من سلالة النبلاء، إلى أراضينا الريفية سيكون أعظم شرفٍ يُمنح لنا، نحن رجال الشمال المتوحّشين."
"وربما ذاك كيسل كان يفكّر: 'ألم يكن مجرد أمير قتلناه؟'" أطلق الرجل قصير الشعر ابتسامة باردة، مُشعلًا النار عمدًا. "'لكن انظروا، ها هو ابني يتولّى أمركم، يا ايها الشماليين الحمقى!'"
اشتدّ التوتر.
تسارعت أنفاس تاليس وهو يرفع رأسه دفعة واحدة. غدت نظراته الموجّهة إلى الآرشيدوقات أكثر توهجًا وإرهابًا.
"أوه، أأنت غاضب؟" انحنى الأرشيدوق الثالث نحو ضوء النار. كان سيّدًا هرِمًا في الخمسين أو الستين من عمره، متجهّم الوجه، أصلع الرأس تقريبًا، ولم يبقَ من شعره إلا خصلتان قرب الأذنين. كان يعتمر طوقًا نحاسيًا على جبينه، ويرتدي عباءة مطرّزة بقطعة من سلسلة.
"قل لي، هل ستستجمع رجولتك وتأخذ ذاك السيف، أم لا؟" قال السيّد الأصلع بحدة. "ومهما أردت أن تفعل به—تشقّ به جوفك أو تهجم علينا…"
"فكلاهما أجدى بكثير من التحديق بنا، أليس كذلك؟"
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو يمسح بعينيه الرجل الملتحي، وذو القصّة الدائرية، والسيّد الأصلع.
في هذه الأثناء، ظلّ نوڤين السابع جامدًا لا يتحرك.
كان الرجال الستة الجالسين في القاعة الحجرية يرمقون الفتى والسيف الملقى أمامه بنظراتٍ لافحة.
وبينما يسيطر على غضبه، شعر تاليس بشرارة حارقة تتفجّر في صدره.
(أهذا ما خطّطوا له منذ البداية؟)
خانوه، وتحولت حيرته تدريجيًا إلى سخطٍ وكراهية.
(ما الذي يجب أن أفعله؟)
(أحتاج إلى خطّة.)
(دينُ الدماء.)
(ثأر.)
(ملوك.)
(الآرشيدوقات.)
انقدحت فكرةٌ خشنة فجأةً في مؤخرة ذهن تاليس.
ورفع رأسه دفعةً واحدة.
"حسنًا جدًا." اشتدّ لهاث تاليس. وكان في كلماته رفضٌ للخضوع، واستياء، واستنكاف. "دمٌ مقابل دم… ذاك أمرٌ عادل فعلًا…"
وتحت أنظارهم جميعًا، المتأمّلة أو الساخرة أو اللامبالية، انحنى تاليس ببطء.
التقط السيف عن الأرض.
(مرة أخرى أواجه مثل هذا الوضع.)
(ومرة أخرى أواجه مثل هذا الخيار.)
(لقد سئمت حقًا.)
(يا لهذه الشراذم.)
تصلّبت نظراته تدريجيًا.
(ومع ذلك… لن أموت هنا.)
(لن أموت.)
بانفجار قوة في ذراعيه، رفع تاليس السيف.
(انتظر… هذا السيف!) ارتجف في دهشة.
(لِمَ هو ثقيلٌ إلى هذا الحد؟)
انزلق السيف من يديه في اللحظة التي تشتت فيها انتباهه قليلًا، لأنه لم يكن مستعدًا.
*طان!*
ارتطم السيف الطويل بالأرض بقوة، وظل صدى الارتطام يتردّد طويلًا في الهواء.
وحين رأوا ذلك، انفجر الآرشيدوقات الخمسة ضاحكين.
وكأنهم يشاهدون قردًا يرقص في الشوارع.
"اهدأ يا فتى!" قال السيّد الأصلع بنبرة عميقة، "انظر جيدًا. هذه هو ثِقلُ السيوف في الشمال."
أغمض تاليس عينيه وأخذ نفسين ثقيلين.
(إنه ثقيل جدًا.)
(مقارنةً بالسيف الخشبي الثقيل الذي كنت أتدرّب به مع جينيس في قاعة مينديس، فهذا سيف السيّد أثقل قليلًا.)
متجاهلًا نظرات السخرية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وأمسك مقبض السيف مرةً أخرى بعزمٍ صارم.
وهذه المرة، استخدم كلتا يديه، وفقط عندها لم يسقط السيف من قبضته.
رفع تاليس السيف الطويل بمشقّة عظيمة.
*سرييييخ…*
أصدر رأس النصل صريرًا مزعجًا وهو ينجرّ فوق بلاط الأرض.
"هيا، ابذل جهدًا أكبر…" سخر الرجل ذو التسريحة الدائرية. "عما قريب ستقدر على رفعه حتى عنقك!"
وارتفعت ضحكات الآرشيدوقات سخريةً.
أما الملك نوڤين، فظلّ وجهه باردًا متبلّدًا كما هو.
وكأنه ينتظر تاليس.
قبض الأمير الثاني على أسنانه، وبكلتا يديه راح يجرّ السيف بثقل، إلى أن تمكّن أخيرًا، بعد عناء، من رفع السيف أمامه.
لهث بقوة وهو يمسك السيف الثقيل، رافعًا رأسه لينظر إلى الخمسة.
"تذكّر هذا جيدًا يا فتى. لا تُهدّد شماليًا بالقوى التي تقف خلفك،" تفل الرجل الملتحي بحدّة. "فنحن لا نخشى شيئًا. هذه هي شريعتنا في الشمال.
ولا نخشى ذاك الأب الجبان الذي لك، ولا تلك البلاد الواهنة التي تقف خلفك."
شدّ تاليس قبضته على السيف، وانعقد حاجباه بشدّة. وبدأ يزيد قوّة قبضته تدريجيًا.
وعلى الرغم من أنه لا يوجد ما يُقلِق منه، إلا أن الرجل ذا التسريحة الدائرية الذي كان يسخر منه طوال الوقت قال بنبرةٍ مذعورة: "لا تقلق يا صاحب السمو. سنوقفك حتمًا قبل أن تذبح عنقك بنفسك. فنحن هنا في إكستيدت، بلدٌ صغير متخلّف. كيف لنا أن نجرؤ على أن ندع وريث الإمبراطورية العظمى وقائد الكوكبة المستقبلي ينزف هنا؟ هههههه… نحن—"
"كم أنك مزعج!"—قاطع تاليس كلامه ببرود—"يا صاحب التسريحة الدائرية!"
لم يستطع الأرشيدوق الجالس بجانبه أن يمنع ضحكة قصيرة من الإفلات.
وابتلع الرجل كلامه في حلقه، وأطبق فمه وهو يرمق تاليس بنظرة نارية.
"ألم ترغبوا في أن تُزهَق روحي تعويضًا عن الأمير موريا؟" سأل أمير الكوكبة بصوت خافت. "هذا أمر يسير للغاية."
"فماذا تنتظر إذن؟" قال السيّد الأصلع بصوت منخفض. "أتنتظرنا لنمنعك؟"
"أتريدون موتي بهذه الصورة؟" بصق تاليس وهو يتحمّل نظرات الجمع الغريبة. "ذاك أمرٌ أحمق وضعيف للغاية. ثم إنه لا ذرة شرف فيه."
لقد سمعت أن الفرسان القدماء كانوا يقسمون الولاء لملوكهم، ومنذئذٍ يطيعون معتقداتهم، ويحفظون مجدهم، ويدافعون عن شرفهم." رفع تاليس رأسه ونظر إلى الأرشيدوق الأصلع وذا التسريحة الدائرية. "وكان موتهم نفسه موتًا مشرفًا."
وسمعت أيضًا أن إكستيدت ورثت تقاليد الفرسان القدماء المجيدة. وأظنكم تعظّمون المجد والشرف أكثر من حياتكم وسلامتكم."
"لقد تفوّهت بالكثير… أأنت تخشى الموت؟" زفر الرجل الملتحي باحتقار. "وماذا الآن؟ أتريدنا أن نعفو عنك حمايةً لهذا ’الشرف’ الذي تزعم؟"
"لا." تنفّس تاليس ببطء. "منذ وطئتُ هذه البلاد، لم أتوقّع أن أعود حيًّا."
وقبل أن يتمكّن الآرشيدوقات من استيعاب منطقه، قبض تاليس على أسنانه واستقام واقفًا.
وبدت نظرة غريبة في عينيه. ووجّه بصره إلى آخر الطاولة الطويلة، محدقًا في الملك نوڤين مباشرةً بلا أدنى تراجع.
وبينما ينظر إليه، تغيّرت نظرة نوڤين السابع قليلًا. وومض ضوء آخر في عينيه الخضراوين.
"وبدلًا من أن أُنهي حياتي بخسّةٍ بلا شرف ولا فخر، أودّ أن أطلب من إكستيدت، المتمسّكة بتقليد السعي للمجد، أن تمنحني أكرم موت،" نطق أمير الكوكبة بوضوح وبطء.
"يا ملك إكستيدت المُنتخَب شعبيًا، الملك نوڤين والتون السابع…"
وفي اللحظة التالية، غرس الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار، السيف الثقيل قائمًا على الأرض، مسندًا إياه بيدٍ واحدة. ثم رفع يده اليمنى بحسم، وشكّل خطًا مستقيمًا أمامه ليشير به نحو الملك العجوز في البعيد.
ونطق بوضوح لا لبس فيه: "تفضّل… وخذ حياتي بيديك."
(ماذا؟)
صُدم الآرشيدوقات الخمسة بالتساوي.
صرخ تاليس بكل قوته: "أفضل أن أموت على يد رجلٍ آخر كمحارب! أفضل أن أقف وجهًا لوجه معك، وأراك تغرس سيفك في قلبي."
تردّد صوته في أرجاء القاعة الحجرية.
ثم حلّ الصمت فجأة.
وفي هذا الصمت المهول، وقف تاليس في مواجهة الرجال الستة أمامه.
ضيّق الرجل الأصلع عينيه وهو ينظر إلى تاليس وكأنه يريد أن يثقب جسده ببصره.
أما الرجل الملتحي، فاسودّ وجهه وهو يُقلّب نظره بين الملك نوڤين وتاليس.
وشرع الرجل ذو القصّة الدائرية يفرك يديه، ولا يُعلم بمَ يفكّر.
"إن كان قتل طفلٍ بيدك يُزعجك، فلا مانع لدي أن اغير كلماتي."
وبينما يقرأ في وجوه الآرشيدوقات، ابتسم تاليس بسخرية ولاهثًا. "لقد سمعتُ بطقس وراثةٍ قديم في الشمال. يُمارَس في كل شيء من وراثة لقب نبيل إلى اختيار الآرشيدوقات لملكهم."
وبعد ثانيتين، تلاشت أصداء كلام تاليس من القاعة الحجرية.
(طقس قديم؟)
(وراثة لقبٍ نبيل؟)
(الآرشيدوقات يختارون ملكهم؟)
عبس الآرشيدوقات الخمسة على التوالي.
لكن نظراتهم إلى تاليس تغيّرت بالفعل.
وتناوبت وجوههم بين الدهشة والحيرة.
أما نوڤين السابع، فظلّ كما هو. لم يتغيّر، لا يزال يطفح بالبرودة واللامبالاة، وكأنه لم يبرأ بعد من جرح فقدان ابنه.
سحب تاليس يده اليمنى، ووضعها على مقبض السيف. وظلّت عيناه مصوّبتين إلى الملك نوڤين.
"الملك نوڤين، إن كنتَ حقًا تريد الانتقام…" قالها بنبرة مستوية، "فلنحتكم إلى مبارزة لحلّ هذه المسألة."
"أنا وأنت."
دام الصمت لعدّة ثوانٍ.
وبعد تلك الثواني القصيرة، كان السيد ذي التسريحة الدائرية أول من انفجر ضاحكًا.
ولحق به بقية الآرشيدوقات، يقهقهون عاليًا.
وحده الملك نوڤين لم يتغيّر.
أشار الرجل ذو التسريحة الدائرية إلى تاليس، وكانت التجاعيد تنفرج على وجهه بينما يضحك. "هل سمعتم؟ صبيّ في السابعة، ههههه… يقول إنه يريد المبارزة…"
غير أنّ ضحكته لم تدم طويلًا.
رفع نوڤين والتون، الملك المُنتخَب لإكستيدت، يده ببطء، وأوقف سخريّات الآرشيدوقات.
تجمّد ذو التسريحة الدائرية لحظة.
وبصوته العجوز العميق، تكلّم الملك ببطءٍ متمهِّل:
"أوه؟ تريد أن تُبارزني؟"
التقى بصرُه ببصر تاليس المُعلّق في الهواء، فتجمّد قلب الأخير لحظةً خوفًا.
"بأيّ حق؟"
أخذ أمير الكوكبة نفسًا عميقًا.
(هيا…)
جرّ تاليس السيف الثقيل، وخطا خطوة للأمام وهو يجيب الملك نوڤين بصوتٍ عالٍ: "باسم الحقد والعدالة!"
تردّد صوته اليافع في أرجاء القاعة الحجرية.
بدأ الأرشيدوقان المختبئان في الظلال يتهامسان.
أما الثلاثة الآخرون فحدّقوا في تاليس بنظراتٍ معادية.
"ألم تقتل الكوكبة ابنك الوحيد الباقي؟" عضّ تاليس على أسنانه، محافظًا على ثبات ركبتيه. "أليس من أعدل وأحقّ ما يفعله أبٌ مثلك أن ينتقم بنفسه؟"
أطلق الأرشيدوق الملتحي نفخة ضجر.
وبملامح غاضبة، قال: "صبيّ في السابعة يريد تحدّي الملك المُنتخَب لإكستيدت؟ ألا يزعجك أنّ الفارق بينكما هائل؟"
أنزل الملك نوڤين ذراعه بهدوء وشبك يديه، يراقب تاليس بصمت.
لسببٍ ما، شعر تاليس أن جزءًا كبيرًا من عدائيته تلاشى في تلك اللحظة.
(هل كان ذلك مجرّد وهم؟)
(لا يهم… عليّ أن أفعل ما يجب أن أفعله…)
"لا!"
رفع تاليس جيدستار رأسه، محاولًا تقليد الوقفة التي كان يتخذها موريس من الأخوية حين يراقب الشوارع. ثم حاول أن يستحضر نفس الهالة المتعالية.
"أنا ملك الكوكبة المقبل. وهو ملك إكستيدت الحالي. مكانتنا متساوية.
"دم تورموند وميدير يجري في عروقي، بينما ورث الملك نوڤين دم رايكارو وشارا. خلفيتنا متساوية."
ارتسمت على شفتي نوڤين ابتسامة ساخرة، باردة.
"و…"—واجه تاليس نظرات الآرشيدوقات المختلفة دون أن يلين—"أنا في السابعة. شاب، ضعيف الجسد، يدَيّ صغيرتان ورجلَيّ قصيرتان." قالها تاليس بغضبٍ يختنق بين أسنانه. "وأنت، أيها الملك نوڤين…"
"شارفت السبعين. شيخٌ كبير، واهن القوة، ضعيف البصر."
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة مزدرية. "نحن متكافئان في القوة، وفرص كلٍّ منّا بالفوز قريبة."
"أؤمن أنّها ستكون مبارزة خطيرة… ومثيرة، لا تختلف كثيرًا عن مؤتمر اختيار الملوك."
"ما رأيك؟"
"يا ملك إكستيدت المولود للعرش؟"
بمجرد أن قال ذلك، عبس بعض الآرشيدوقات، وبعضهم نقر بلسانه، بينما تغيّرت تعابير الجميع.
ازدادت غرابة نظرة الملك نوڤين، وبدأت ابتسامته تختفي.
وفي تلك اللحظة، شقّ ضحكٌ جهوريّ جوّ التوتّر.
"هاهاهاها!" ضحك الأرشيدوق الرابع عاليًا، ثم ظهر تحت الضوء. "أتجرؤ فعلًا على قول هذا، يا فتى؟ شيخٌ ضعيف؟ متكافئان في القوة؟ هاها، يا جلالة الملك… هذا ممتع للغاية!"
تجمّد تاليس لحظة، ثم حدّق في الأرشيدوق.
كان هذا الأرشيدوق ذا شعر منسدل على كتفيه، في الأربعينات من عمره، وعلى ردائه شارة ملفّ. له وجه حازم وضحكة صادحة، وقد ذكّره كثيرًا بذلك الدوق الشمالي في الكوكبة، ذاك الشماليّ الأصل.
وبينما كان يضحك ملء حنجرته، تجاهل الآخرين تمامًا، حتى إنه ضرب الطاولة بكفّه. "لديك جرأة، أيها الفتى!"
ثم جاء الصوت الأخير، صوت الأرشيدوق الخامس، بنبرة لطيفة رقيقة. امتد صوته نحو تاليس: "حسنًا… لعلّ علينا التباحث أكثر… لا داعي لأن نمزّق بعضنا الآن…"
سقط ضوء النار على صاحب الصوت.
"يا صاحب الجلالة"، كان آخر من تكلّم أصغرهم سنًا، شابًا في الثلاثينات، ذو شعرٍ كستنائي ووجه نظيف. وكانت على كتفه حدوةٌ دامية. تابع بلطف: "أقترح أن تزن الأمور مرّة أخرى…"
"كونكراي بوڤريت." لم يتغيّر وجه الملك نوڤين. لم يزد على أن حرّك رأسه قليلًا موجّهًا نظره نحو الأرشيدوق الشاب. "هل أبدو وكأنني أمزح؟"
اختنق صوت الأرشيدوق الشاب، كونكراي بوڤريت.
أما الآرشيدوقات الأربعة الباقون فتبادلوا النظرات، يعدّلون جلستهم.
لقد بدا عليهم القدر نفسه من المفاجأة من هذا التطوّر المفاجئ. وكانوا ينتظرون قرار ملكهم.
أعاد نوڤين السابع بصره نحو تاليس، ولا يزال جالسًا على عرشه. حدّق فيه صامتًا ستّ ثوانٍ كاملة.
وتوقفت رجلا تاليس أخيرًا عن الارتجاف.
وفي تلك اللحظة، خطرت بباله كلمات تقييم كاسلان الأخيرة عن نوڤين السابع.
(نوڤين بشر أيضًا. يشيخ، ويخدع بالدسائس والنساء، ويومًا ما سيسيطر عليه الهوى والاندفاع.)
ابتسم تاليس في قلبه ابتسامة خفيفة.
"طبعًا، أيها الملك نوڤين"، قال تاليس بخفوت، جاذبًا الأنظار مجددًا. "أكنّ لك احترامًا كبيرًا، فسنّك قريب من سنّ جدي."
"ولذلك يبدو من غير الملائم، من ناحية البروتوكول، أن أطلب منك المبارزة."
ارتسمت علامات الحيرة على وجوه الآرشيدوقات جميعًا.
"إذًا بعد كلّ هذا، لم تكن سوى جعجعة فارغة؟" قال الملتحي بسخرية. "وهذا لأنك لا تزال لا تجرؤ—"
"لا!" قاطعه تاليس.
"المبارزة ستستمر!"
"ولكن إن كنّا سنُنهي كل شيء اليوم حقًا…" جال تاليس ببصره على الآرشيدوقات الخمسة—الملتحي، ذو التسريحة الدائرية، الأصلع، ذو الشعر الطويل، والشاب كستنائي الشعر.
ثم قال بدون اي تردد: "أؤمن أنّ الآرشيدوقات الخمسة جميعًا رجالٌ أوفياء. ولن يتوانى أحدكم عن القتال نيابة عن جلالته!"
بمجرد قوله ذلك، كان طويل الشعر أول من قبض كفه.
وتوقّف الآرشيدوقات عن التنفّس.
"ما رأيكم، يا أصحاب السموّ؟ ألن يقاتل أحدكم من أجل ملككم؟"
عضّ تاليس على أسنانه، رافعًا صوته: "أتساءل أيّكم سيحظى بشرف المبارزة!"
"شرف اختراق قلبي بنصل الانتقام!"
"اقتلوا أمير الكوكبة، وانتقموا لإكستيدت!"
كان تاليس يلهث بشدة وهو ينطق كلماته.
وحين رفع رأسه بعد لحظة…
الآرشيدوقات الخمسة شحبَت وجوههم جميعًا، مما بعث في صدره غبطة مباغتة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬