دخل جيمين إلى الشرفة فوجد هيون وو واقفاً قرب الدرابزين. هبت نسمة عليلة داعبت أوراق الأشجار القريبة.
قال جيمين: "هنا لتستنشق بعض الهواء النظيف؟"
لكن هيون وو لم يلتفت فورا.
أجاب بصوت خافت: "أجل… إنه أمر متعب. التواجد حول هذا العدد من البشر."
ثم التفت أخيرا لينظر إلى جيمين بابتسامة صغيرة ومتعبة.
"وأنت؟ أهنا للسبب ذاته؟"
قال جيمين وهو يقترب ليقف إلى جواره: "أ… أجل… أنا كذلك."
أسند مرفقيه إلى الدرابزين ورمق الأفق بصمت للحظة. خيم السوداء بينهما.
قال جيمين أخيرًا: "في الحقيقة… هناك ما أردت سؤالك عنه."
التفت إليه هيون وو.
"ماذا؟"
تردد جيمين ثوان معدودات قبل أن ينطق أخيرا.
قال ببطء: "أعلم أننا كنا مشغولين منذ استيقاظي… لكن… لماذا ابتعدت فجأة بعد ذلك؟"
لم تبد على هيون وو أي ردة فعل لوهلة طويلة بل طفق يحدق في جيمين بتركيز.
قال بابتسامة متكلفة: "عن ماذا تتحدث؟ تلك هي طبيعتي فحسب."
هز جيمين رأسه معترضا.
"أظنني أعرفك أفضل من معظم الناس. لم تكن تلك طبيعتك."
تلاشى ابتسام هيون وو تدريجيا. لم يجب مرة أخرى بل حافظ على صمت ثقيل والتفت مجددا ليواجه الدرابزين.
حينئذ قال مفرغا تنهيدة مهزومة: "ليس هناك الكثير يقال… الأمر وما فيه… علمت أن تعرضك للتنمر ساء أكثر بعد تخرجي."
خفت صوته أكثر.
"خصوصا حين كانوا يضايقونك لكوني صديقك… أنت تفهم أليس كذلك؟"
بقي جيمين صامتا.
تابع هيون وو وهو يعصر الدرابزين: "ثم حدث يوم استيقاظك… أدركت أن الأمور ستزداد سوءا بعد ذلك. بذلت قصارى جهدي طالما كنت في المدرسه. لكن في تلك النقطة… شعرت وكأنني صرت أحد الأسباب الكامنة وراء ذلك… ولم يكن بوسعي فعل أي شيء حيال الأمر."
خفض رأسه قليلا.
"أنا فقط… لم أستطيع النظر في ع عينيك بعد الآن… أنا آسف."
ظل جيمين منصتا بصمت حتى النهاية. وأخيرا تجمعت النقاط ببعضها. في المدرسة لم يتردد هيون وو قط في التدخل كلما تجاوز أحدهم الحد. كانت الشجارات بين الطلاب مألوفة. ولم يلتفت أحد إلى المناوشات بين الصبية. لكن مقاتل صدوع مرخصا يضرب طالبا مدرسيا كانت مسألة مختلفة تماما. فهم جيمين وجهة نظره تماما. ولهذا بالضبط لم يشعر بأي ضغينة تجاه صديقه. بل إنه شعر بخيبة أمل حيال كمية الذنب التي حملها هيون وو بمفرده.
تمتم: "يا لك من فتى أبله…"
تمتم هيون وو ملقيا نظرة عليه: "مم؟"
قال جيمين بابتسامة رقيقة: "لقد تصالحت مع وضعي منذ زمن طويل. لم يكن عليك تعذيب نفسك لأجل ذلك."
علق الكلام بهدوء في الهواء. تشكلت لحظة عميقة من الصمت بينهما وتبخر التوتر العالق في الجو أخيرا. فجأة أطلق هيون وو ضحكة خفيضة وهو يهز رأسه بينما غمرت الراحة ملامحه.
قال بصوت عادت إليه الألفة القديمة: "لقد فزت."
بادله جيمين الابتسام. وبدأ الجدار الفاصل بينهما بالذوبان أخيرا.
تابع هيون وو: "على أي حال، كان المدرب ريو يوافيني بالأخبار بين حين وآخر."
نظر إلى جيمين بابتسامة مسلية.
"سمعت أنك تؤدي بلاء حسنا حقا. في الواقع… بشكل جيد أكثر من اللازم."
أطلق جيمين ضحكة متواضعة ومحرجة.
"أجل…"
قال هيون وو وعيناه تنطقان بالصدق: "أنا سعيد من أجلك."
أومأ جيمين بابتسامة صادقة.
"وأنا سعيد من أجلك أيضا."
لم ينطق أي منهما بشيء لفترة. وقفا معا ببساطة ناظرين إلى البعيد بينما اجتاحت نسيم المساء المنعش الشرفة. وهكذا تماما اختفت المسافة العالقة التي ظلت بينهما بصمت لفترة أخيرا تاركة رابطتهما أقوى من أي وقت مضى. بعد ذلك وقفا يتبادلان أطراف الحديث ببساطة وكأنهما يحاولان تعويض الكلمات التي فاتتهما طوال الأشهر الماضية.
في لحظة ما طرح جيمين السؤال الكبير: "إذا متى ستتقدم بطلبك إلى الأفق الشرقي؟"
تردد هيون وو وهو يحك قفا رقظته: "حسن بخصوص ذلك… إنه سر في الوقت الحالي. لذا لا يمكنك إخبار أحد… على الأقل قبل أن يبدأ يوم التقديم الرسمي اتفقنا؟"
ضيق جيمين عينيه محرضا إياه على البوح بالأمر فوراً.
اعترف هيون وو: "لقد تلقيت بالفعل عرض منحة دراسية من الأفق الشرقي."
تردد صدى صوت جيمين في الشرفة الهادئة وسقط فكه حائراً: "ماذا!"
شرع هيون وو يشرح له كل شيء ببطء.
حين انتهى تمتم جيمين: "هذا جنون…"
هز هيون وو كتفيه.
مد جيمين ذراعه بابتسامة: "حسن إذن تهانينا."
تقبلها هيون وو بابتسامة عريضة: "شكرا لك."
لكن عينيه لمعتا فجأة بشرارة تنافسية.
قال هيون وو مباغتة: "بالمناسبة… الأمور التي أخبرني بها المدرب ريو تبدو مثيرة للاهتمام للغاية. مثل كيف أنك تتحسن بوتيرة سخيفة."
تقوس حاجبا جيمين.
ابتسم هيون وو بخبث: "هذا يجعلني أود قتالك… ربما علينا خوض مبارزة في مرحلة ما."
شرع جيمين يضحك بحرج. لكن تحت طيات المزاح شعور غريب تسلل بصهد هادئ إلى داخله. طوال ما يمكنه تذكره ظل هيون وو دائما الشخص الذي يلاحقه من الخلف. الموهوب. الشخص الذي يعجب به الجميع. في أعماق روحه كان هناك دائما مركب نقص صغير مدفون في قلبه. لكن الأمور تغيرت جذريا في الأشهر الثلاثة الماضية. فلأول مرة في حياته لم يشعر أنه دون هيون وو بعد الآن. شعر بأنه ند له. لأنه أصبح أقوى أخيرا.
وبعد مشاهدة هيون وو يقاتل في الحلبة استقرت رغبة طفيفة بهدوء في صدره. رغبة في معرفة إلى أي مدى وصل. شعر بأنه يستطيع مواجهته وجها لوجه. وربما حتى تجاوزه قريبا.
قاطعت أفكاره نبرة هيون وو: "لكن ليس الآن."
طرف جيمين بعينيه: "مم؟"
أضاف هيون وو: "لننتظر حتى تنضم إلى أكاديمية أنت أيضاً."
فكر جيمين في الأمر برهة مهدئا حماسته المتصاعدة. ثمة فجوة هائلة بالفعل في المستوى والإحصائيات بيننا في هذه المرحلة. في الواقع لدي فرصة أفضل بكثير إن تقاتلنا في وقت لاحق. حين أكون قد قلصت الفجوة إلى حد ما.
وافق جيمين مجارياً نظرة هيون وو الواثقة: "حسن إذن… لقد عقدنا عهداً."
ابتسما الاثنان موثقين الاتفاق بمصافحة حازمة.
ثم مد جيمين كتفيه: "حسن يجب أن أنزل إلى الأسفل الآن… لقد تركت يونا وحدها هناك."
قال هيون وو: "حسن امض. سأبقى هنا لبضع دقائق أخرى."
أومأ جيمين وتوجه نحو باب الشرفة. في تلك اللحظة بالذات... بانغ! انفتح الباب فجأة بعنف وتعثرت يونا إلى داخل المكان.
كانت تتنفس بصعوبة بالغة: "هاث… هاث…"
وكأنها ركضت ماراثوناً هرباً من زعيم صدع.
قالت لاهثة: "كان ذلك مرعباً… أحتاج إلى بعض الهواء النقي."
لكن عندئذ صاح جيمين: "هيي! كدت تفقديني وعيي."
هناك لاحظت يونا وقوف جيمين مباشرة خلف الباب وانفجرت على الفور صارخة في المقابل: "إذن كنت هنا؟! ولماذا تركت-"
تجمدت في منتصف جملتها عندما تجولت عيناها متجاوزة كتف جيمين لتلاحظ هيون وو واقفاً مجدداً بالقرب من الدرابزين. وحين تلقت عيناهما ببعضهما أصيب عقلها بما يشبه الماس كهربائي من شدة الإحراج. إذ لم تكن تريه يراها على تلك الحال. وهكذا غادرت روحها للبحث عن بعض الكعك.
صاح جيمين محاولاً إخراجها من غيبوبتها: "يونا!"
بينما وقف هيون وو مكانه بملامح حيرة. بعد قليل عاد الثلاثة إلى الأسفل معاً أخيراً. سارت بقية الحفلة بشكل جيد نسبياً. باستثناء التفاصيل البسيطة المتمثلة في أن المدرب سيونغ هو أصبح أكثر صراحة بكثير كلما ازداد سكراً ناثراً حكمة محاربين غير منقحة على أي شخص ضمن نطاق ذراعه. وطبعاً ظلت والدة هيون وو تبتسم متبادلة نظرات مسلية نحو يونا المحرجة بشدة بين الحين والآخر.
في نقطة ما اكتفى جيمين بالنظر إلى يونا بابتسامة قلقة: "أصلّي لأجل روحك يا يونا."
اختتمت الحفلة أخيراً في تمام الساعة الثامنة. حان وقت المغادرة. لذا رافق هيون وو جيمين ويونا حتى البوابة الأمامية.
قال فجأة: "أوه صحيح أنا متفرغ غداً في الواقع."
التفتا ناظرين إليه.
تابع بابتسامة: "لذا سأمر بالمدرسة قبل أن تغادروا متوجهين إلى الصدع. لا بد أن يتمنى أحدهم حظاً سعيدا لصانعي الصدوع المستقبلين."
ابتسمت يونا.
ضحك جيمين بخفة: "أتحاول تقمص دور كبير السن بالفعل؟"
"أنا أكبر منك سناً."
"بالمشقة."
ثم ختم هيون وو حديثه أخيراً: "على أي حال… حظاً موفقاً للغد."
لبرهة وجيزة تباادل الثلاثة الابتسامات.
قالا معاً بتوافق: "شكرا لك. سنبذل قصارى جهدنا."
وبهذا غادر جيمين ويونا عائدين إلى منزليهما. بعد الوصول إلى الملجأ أنهى جيمين روتينه المعتاد. ونجح في كسب إحصائية أخيرة قبل يومه الكبير.
[+1 تركيز ذهني]
رسمت ابتسامة صغيرة على محياه. ممتاز. بعدها بقليل خلد إلى فراشه. ورغم أن الحماسة والقلق لليوم التمادي لم يسمحا له بالنوم بسهولة إلا أن جيمين أغلق عينيه أخيراً. مع الفجر كان جيمين ما زال في فراشه. لأنه قرر أخذ الأمور بروية في أول الصباح. لذا تخطى التدريب نظراً لكونه يوماً عظيماً. يا له من ترف حقاً الاستلقاء بيقظة تحت غطاء دافئ دون فعل أي شيء على الإطلاق. ظهرت ابتسامة رضا على وجهه وهو يدفن نفسه أكثر فأكثر تحت الغطاء لفترة أطول قليلاً مستغرقاً في النوم.
في النهاية أقنعه ضوء الشمس المتسلل عبر النافذة بالنهوض. في وقت لاحق خرج جيمين من الملجأ بكامل عتاده.
وقف الأطفال والسيدة هان عند الباب ملوحين بحماسة وصارخين: "حظاً موفقاً أخي جيمين!"
"عُد سالماً!"
ابتسمت السيدة هان بحرارة: "لا تضغط على نفسك بقوة."
نظر جيمين إليهم جميعاً.
فدفء قلبه: "سأعود برخصتي."
قالها بابتسامة واثقة. ممحياً للمرة الأخيرة التفت نحو الطريق. شعر بأن هواء الصباح منعش على وجهه.
تمتم: "حسناً…"
وبسطت ابتسامة عريضة طريقها ببطء على وجهه. حان وقت الحصول على رخصتي. لا شيء يمكنه إيقافي.