كان الصوت خافتاً، لكنني كنت واثقة من أنني أسمع خطوات أقدام. انعطفت يميناً عند الزاوية. واصلت الأصوات ارتفاعها. كان أحدهم يتبعني. أيكون هذا هو المهاجم المنتظر بفارغ الصبر؟ انعطفت يساراً إلى زقاق مظلم لأشجع هذا الأحمق. مجرد إتاحة فرصة ليس إلا. تظاهرت بالعبث بهاتفي قبل أن أشغل المصباح اليدوي. استدرت وسلطت الضوء على... رجل عادي المظهر. يرتدي قميص عمل وسراويل قماشية. بلا وشوم ظاهرة.
قصة شعر نظيفة وجه باهت. يمكن أن يمر كواحد من آلاف العبيد المؤسسيين الذين يعملون في وسط المدينة. كان غريباً تماماً عن هذا المكان. فلماذا هو هنا إذن؟
"من أنت؟"
سألتُ، مضيفة بحة في نهاية صوتي خنقها قناعي.
"ماذا تريد؟"
"لاشيء، أيتها الآنسة."
رفع عبد المؤسسة يديه.
"رأيتك تتحدثين إلى تفلون والآخرين. هل أنت صديقة لهم؟ أنا صديقهم أيضاً. يمكنك أن تناديني ديلون."
"لا... لست كذلك بحذر."
رددتُ بحذر. كان تفلون هو صاحب الأكمام الموشومة، أليس كذلك؟ وجدت صعوبة في تذكر الألقاب التي لم أطلقها بنفسي.
"لا أعرف أياً منهم. تحدثنا فقط في أمور عشوائية ثم غادرت. لا شيء سوى ذلك."
"أهكذا إذن؟"
اقترب عبد المؤسسة مني بابتسامة صفراء على وجهه.
"ربما يمكننا أن نصبح أصدقاء إذن؟"
أجل! كان على وشك ارتكاب جريمة. ما من شخص عليّة ببرء نوايا يستخدم هذه الجملة في هذا المكان. أبداً.
"لد-لدي أص-أصدقاء يكفونني."
تراجعت حتى الصقْتُ ظهري بالحائط - طريق مسدود. مكان مثالي لمسرح جريمة.
"ما رأيك بواحد آخر؟"
بلغت حقارته مداها. بدا مهدداً بضوء هاتفي. في فيلم ما، سينتهي الأمر بالرجل عادي المظهر ليكون الشرير.
"تعالي نتعرف على بعضنا هنا."
جملة مكررة أخرى. كان ينبغي لأحدهم إعادة كتابة هذا النص. لكنني سأكتفي بهذا.
"ديلون! ماذا تفعل هناك؟"
أولاً، من اللعين الذي يقاطع هذا المشهد؟ ثانياً، اسم هذا الرجل هو ديلون حقاً؟ بدا مصطنعاً جداً. كان ينبغي عليهم محو هذا الاسم من التاريخ. تفاجأت بدخول الغصن النحيل إلى الزقاق.
"كان تفلون محقاً حين قال إنه يجب أن أتعقبك."
نظر الغصن النحيل إليّ ثم إلى عبد المؤسسة.
"أيها الرجل. أعرف ما تدور في ذهنك بشأن هذه الفتاة هنا. أنت مخطئ. سأقولها لك بصراحة — لا ناقة لها ولا جمل في هذا القرف. في القرف الدائر بيننا. قرفنا نحن."
"تحاول التغطية على صديقك، أأنت فاعل؟"
قال عبد المؤسسة ضاحكاً بتهكم.
"أعتقد أنها تستطيع تغطية جزء من ديونك."
رفع الغصن النحيل يديه ليظهر أنه أعزل بينما اقترب ببطء.
"الأمر ليس هكذا أبداً يا رجل. كنا نتحدث معها فحسب. المرة الأولى التي نقابلها فيها. أما ما في ذمتنا لك، فسندفعه لك الأسبوع القادم مقابل—"
"قلت لي ذلك الأسبوع الماضي!"
انفجر عبد المؤسسة.
"أين دفعتك الآن أيها الكذاب المفلس العقيم؟ لا نقود حتى الآن؟"
أخرج مسدساً كان يخفيه خلفه.
"إن لم تستطع الدفع، فاضرب رأسك بالجدار. سأقضي وقتاً ممتعاً مع الآنسة ذات الرداء الأحمر هنا."
"لا تفعل هذا يا رجل."
مد الغصن النحيل يده نحو ذراع عبد المؤسسة.
"اتركها وشأنها. إنها مصابة بالسرطان وأمور من هذا القبيل. دعنا نتناقش ون—"
"سرطان؟ كيف بحق الجحيم عرفت شيئاً كهذا؟ إذن هي صديقتك حقاً!"
ليس لدي أي فكرة عما يجري. أين النص؟ تعثرت ودخلت في فيلم مختلف. حاول الغصن النحيل الإمساك بالمسدّس.
"أقول لك مراراً وتكراراً — ووه!"
ابتعد عبد المؤسسة عن الغصن النحيل ووجه مسدّسه نحوه.
"إياك ولمسي يا فيندر يا رفيقي."
تراجع الغصن النحيل خطوتين للوراء. لوح عبد المؤسسة بمسدّسه مشيراً إلى الشارع خلف الغصن النحيل.
"امضِ في طريقك. اتركنا. لا تريد أن تؤذى، أليس كذلك؟"
"ما-ماذا ستفعل بها؟"
سأل الغصن النحيل.
"سأقضي وقتاً ممتعاً مع صديقتنا اللطيفة هنا. ربما تجعلني أنسى دينك... لبضعة أيام. وبعد ذلك، سأبحث عنك وعن أصدقائك مرة أخرى."
"لا-لا يمكنك فعل ذلك!"
أكان يجب أن أقول شيئاً هنا؟ إنه لأمر سيء ألا أمتلك أي حوارات. من المفترض أن أكون فتاة خائفة، لذا يجدر بي أن أُصمِت نفسي. كان هناك مسدّس أيضاً. مزعج، لكن كان علي الالتزام بدوري.
"أستطيع وسأفعل"
قال عبد المؤسسة.
"ابقَ وتفرج إن شئت يا فيندر. لن أصدر أحكاماً عليك. لكن إياك ومحاولة إفساد متعتي. يمكنك الحصول عليها بعد أن أفرغ منها."
نظر الغصن النحيل إليّ بتعبير ممزق. أظنه لم يكن من خامة الأبطال. هذه فرصتي لإعادة تركيز الكاميرا عليّ.
"فيندر!"
صرختُ. بدا الأمر أكثر يأساً مع القناع.
"ساعدني!"
لم أستطيع مقاومة العبث معهم. منحه نداء باسمه بعض الشجاعة فتقدم خطوة للأمام. لكنه تراجع فجأة عندما وجه عبد المؤسسة مسدّسه نحوه. استدرت إلى عبد المؤسسة.
"أنا... أنا ذاهبة إلى... ستعتقلك الشرطة!"
"لا شرطة هنا أيتها الآنسة ذات الرداء الأحمر"
قال عبد المؤسسة بابتسامة سخرية.
"لقد استقالوا من هذا المكان. أولئك الذين يمتلكون الأسلحة هم القانون. وأنظر إلى ذلك، معي مسدّس. والآن، اخلعي ملابسك."
انحنيت واحتضنت جسدي متظاهرة بأنني مشلولة من الخوف.
"ارجوك... لا..."
لم أستطيع القيام بنحيب حقيقي لكنني كنت متحمسة للغاية لتجربة شيء ما. ولا، لم أكن بصدد ركله في خصيتيه، رغم أن الفكرة خطرت ببالي. بيض مخفوق... هيهيهي — لا تضحكي!
"لماذا يجب أن أقيم كل شيء بنفسي؟"
اقترب مني عبد المؤسسة ناكراً بلسانه بضجر. أجل! هذه هي الفرصة التي كنت أنتظرها. حان وقت اختبار ركلات الكنس وإختلال توازن الأعداء. جعل الانحناء الكنس أكثر سهولة؛ لست متأكدة من قدرتي على تنفيذ كنسة قدم واقفة بشكل صحيح دون أي ممارسة. أمسك عبد المؤسسة بشعري.
"استمعي إليّ أيتها ال—"
شامبو يزعم تقوية شعري، أثبت جدارتك. مددت ساقي اليمنى مستهدفة قدم عبد المؤسسة اليمنى، راكلة بكل سرعة وقوة استطعتهاما. تشبثت بساقه الأمامية وكنست الساق الخلفية أيضاً.
"اللعنة؟ آآه!"
شعرت بشد طفيف في فروة رأسي. ترك عبد المؤسسة شعري بينما أدى نصف دورة هوائية. ارتفعت قدماه في الهواء وتدلى رأسه للأسفل وتخبطت ذراعاه. بدا كشخصية كرتونية تنزلق على قشر موز. اصطدم رأسه بالأرض مما أوقف دورانه. تلا ذلك صوت طحن مقزز بينما تكوم باقي جسده في كومة. تحدقنا أنا والغصن النحيل في الجسد الساكن. لم أقصد فعل ذلك. قوة مفرطة للغاية. شعور غريب بديجا فو ربت عليّ.
"أيها الرجل؟"
سلط الغصن النحيل ضوء هاتفه على عبد المؤسسة. كان هناك جرح هائل على جبنة عبد المؤسسة. انثنى عنقه على شكل حرف إل. بركة داكنة مما ظننته دماً كانت تنتشر ببطء. لقد فعلت أكثر بكثير من مجرد إخلال توازنه.
"أن-أنا آس... آسفة"
صرخت مقرونة بحركة تغطية الفم المعتادة في الرعب الشديد. كان البشر العاديون أكياس لحم طرية. سهلة الانفجار كالبثور. نادراً ما كانت لدي بثور.
"أهو... ميت؟ يا للجحيم!"
أمسك الغصن النحيل رأسه والتفت حوله. حقاً. حان وقت البكاء المزيف. كان هذا صعباً بالنسبة لي في الواقع. لم أستطيع التركيز على ذكرى حزينة واستيعاب الشعور كتمثيل ممثل في مشهد فيلم. لم أكن أشعر بالحزن بالمعنى العادي. لم أكن أهتم بما يكفي لأي شيء يستحق البكاء لأجله. المرة الأخيرة التي بكيت فيها حقاً كانت على الأرجح عندما كنت طفلة. أجبرت نفسي على التثاؤب لكنني أبقيت فمي مغلقاً مما جعل عيني تدمعان.
تطلب هذه الخطوة الأولية الكثير من الممارسة لإتقانها. ثم ضغطت لساني ضد سقف فمي وشققت حلقي تماماً كما يفعل أحدهم حين يبكي. راكمت كل الأمور الجسدية الأخرى مثل تسارع التنفس والشفاه المرتجفة وصوت الأنين. بدأ دماغي في التفكير بأنني أبكي، لذا ينبغي أن أبكي.
تدفقت الدموع على وجهي بينما كنت أكرر: "أنا آسفة جداً..."
أفيق الغصن النحيل من صدمته وهرع إلى جانب عبد المؤسسة.
"هذا سيء يا رجل. سيء لعين حقاً. انتهى أمرنا إن كان ميتاً."
"هو... كان سيهاجميني!"
هرعت إلى الج
قال: "وهكذا ان انتهينا"، دفعت الجثّتين المربوطتين بغطاء منفذ تصريف فوق الجسر.
هوتا معاً في المياه المظلمة بالأسفل. بحثت عن موقع لإلقاء الجثث قبل أن أجيء إلى هنا. كان هذا نهراً عميقاً يحيط بنحو ثلثي شارع مارش. لم يكن عثور على مكان صالح لإخفاء الجثث صعباً. احتجت إلى ما يثقلهما فحسب. يا لحسظ العاثر لمن سيقع في منفذ التصريف المكشوف. استمتعت بنسخ الهواء العليل. خفضت قناعي وتنفّست بعمق. المكان منتن. التفتّ يساراً. ومضت نار صغيرة في الأفق، حجبتها جزئياً المباني القصير.
كانت تلك هي الثياب الملطخة بالدماء التي أحرقتها. كان حريّاً بي أن أغسلها بمادة مبيضّة أو ما شابه لأزيل الدم قبل إحراقها. يا للحسرة إذ لم أتذكّر إلا الآن ما شاهدته من وثائقيات الجرائم الحقيقية رفقة أمي.
تمتمت: "ثلاثة قتلى في يوم واحد".
يفترض أن هذا القدر من المتعة يكفي الآن. لست قاتلاً متسلسلاً يتلهف للدماء. لا ينبغي لي التهور، فتلك هي حبل المشلي الذي يوقع معظم المجرمين. عليّ التركيز على حياتي العادية. تذكّر أن التغيير بغيض. إن انكشفت أمري فستتغير حياتي جذرياً. ربما اضطررت يوماً إلى الفرار نحو شارع مارش لأختبئ. مكان أشبه بمكب نفايات مقيت.
قلت: "العودة إلى طالب القانون أريند غداً. التزم الحدود".