كان آلاتان بشريتان أمامي. مم، ما الآلة البشرية؟ مخلوقات معدنية. أطعام في جوفها؟ ليس تماماً. طعام ضئيل، بالكاد لقمة. لم تكن فريسة قوية. كان وعيي يطفو ويهبط بين ثنايا الصورة، بينما تطغى الغرائز الحيوانية والتفكير البسيط. كل ما عرفته أن عليَّ أن آكل. طعام، لا معدن. أجد فريسة قوية لـ— أطلقت المخلوقات المعدنية شعاع ضوء عليَّ. كهرباء! تيبست عضلاتي. اهتز جسدي بأسره إذ كفَّ عن الإصغاء لي.
غدا التفكير عسيراً. لكن الغضب بقي في عقلي. تباً لتلك المخلوقات المعدنية! كيف تجرأت! زادتني رائحة الشعر واللحم المحترقين هياجاً. شعري ولحمي أنا! شددت جسدي كله، مستعيداً السيطرة بإرادة محضة. عويت، معصراً آخر قطرة هواء من رئتيّ. تفجرت طاقة غامضة في داخلي فطردت الشلل. زأرت في وجه المخلوقات المعدنية الضخمة، مطلقةً هبّة ريح قوية بالقدر الكافي لدفع الصناديق التي خلفها إلى الوراء.
لكن المخلوقات المعدنية احتملت زئيري. اقتربت بأقدامها المعدنية العريضة، بينما كانت الأصابع الثلاثة لكل قدم ترسخ في الأرض مع كل خطوة. بدأت أشياء طويلة مدببة مثبتة فوق أجسامها الضخمة تتوهج بالأزرق وهي تصدر أزيزاً. أتعيد تلك اللعنة مجدداً؟ انحنيت، غارزاً مخالبي في الأرض، طاعناً في الإسمنت. نبشت ألواحاً وألقيتها على المخلوقات المعدنية. راحت الألواح تدور في الهواء قاطعة الأشياء المتوهجة تماماً لحظة إطلاقها.
تكللت المخلوقات المعدنية بانفجارات صغيرة وشرر راقص. غير أن المخلوقات المعدنية امتلكت شيئاً آخر تشغلني به. نفخت البراميل الموجودة على جانبيها توتّرات متفجرة، مطلقةً أكثر من اثنتي عشرة طلقة في الثانية. استطعت رؤية الرصاصات المفردة وهي تتجه نحوي. ابتسمت مبرزاً أنيابي، مستمتاً بهذا الهجوم المثير للشفقة. انقضيت على المخلوقات المعدنية بينما كان الرصاص يرتطم بفروي. مجرد دغدغة.
تراجعت المخلوقات المعدنية بسرعة، محركة أقدامها التي أخرجت عجلات سمحت لها بالاندفاع إلى الخلف. بدا الأمر مضحكاً. فاجأني. لكنها لم تكن تتحرك بالسرعة الكافية لتسبقني. وأدركت المخلوقات المعدنية ذلك، فأطلقت أشياء نارية طويلة من أنابيب إضافية. اصطدم انفجاران مزدوجان بصديري، ممبطين من سرعتي لحظةً. ومع أن فروي احترق، امتصت عضلاتي القوة، وثبت قفصي الصدري بقوة. أعدت تجديد إصابتي بسرعة، إذ التأم اللحم تلقاء نفسه، وغطى الجلد العضلات، وانبعث الفرو نافراً من جلدي.
كأنه جديد تماماً. لحقت بالمخلوقات المعدنية بسهولة. رفعت واحداً وألقيت به على الآخر، ثم وثبت فوقهما. توسعت كرة برق نحو الخارج، لكنني لم أبه. ضغطت يدي المرتجفة على صدر المخلوق المعدني لأهشمه إلى الداخل. تسرّب الدم عبر شقوق جلده المعدني. كان المخلوق الأصغر في الداخل طرياً أكثر من اللازم. ما كان له أن يجترئ على مهاجمتي. ليست فريسة قوية لأكلها. كان شقيقه المخلوق المعدني يحاول النهوض.
ويبوء بالفشل. شققت صدره لأنتزع الرجل الضئيل بداخله. كان يصرخ بصوت عالٍ، مزعجاً أذنيَّ. شيئاً عن إخلاء سبيله. كانت حركته المضطربة هلعاً في قبضتي مسلية لثانية. لم تعد كذلك. استجابت لرغبته فخليت سبيله، قاذفاً به في الهواء. لم أسمع شكراً. صراخاً متواصلاً فحسب. إلى أن توقف. كانت مخلوقات ضئيلة أخرى تطلق النار عليَّ. شجاعة منها. ظننتها بعيدة عني على الأرجح. لم تكن كذلك. بل استطعت سماع محادثاتها.
«بخاخات البازلاء اللعنة التي نملكها لا تفعل شيئاً!»
«لقد لاحظنا، اللعنة. ما كان لنا أن نطلق النار على كرة الفرو العملاقة.»
«تحرك، اللعنة، تحرك! نحن نغادر هذه اللعنة —آآه!»
واثباً على أربعي، بلغت المخلوقات الصغيرة المختبئة خلف بناء واطئ في غضون ثوانٍ معدودات. حطمت كومة عيدان الأسنان وسحقت المخلوقات الصغيرة على الجانب الآخر. تدحرجت جثثها المكسرة بينما واصلت طريقي، باحثاً عن طعام حقيقي. زأرت وأنا أغني: تحطيم. تحطيم! لتخرج الفريسة القوية! لم تمثل المخلوقات التيهاجمتني أي تحدٍّ. لكن لا بد من وجود طعام هنا وهناك. كان ثمة شيء آخر ينبغي لي فعله في هذا المكان سوى الأكل.
شيئاً… صوت ضئيل مدفون في قاع عقلي يحثني على… ماذا؟ ربما أتذكر بعد الأكل والمزيد من التحطيم. انتصبت بكامل طولي، ناظراً إلى المخلوقات الواهنة الهاربة. لم أفرغ من النمو بعد. سردت في رأسي لأنه أمر ممتع. يا له من أذنين كبيرتين أملك… كنت أتطاول فوق كل شيء. كل ما صغر في الأسفل. لكن أذنيَّ الكبيرتين استطاعتا السماع. أصواتاً. آلات. طلقات نار. حتى خدش حصاة لأخرى. لم أهتم بأي صوت. كانت كلها ضجيجاً.
لا سيما الصراعات. كثيرون… يصدرون ضجيجاً. أصواتاً تافهة. يا له من عينين كبيرتين أملك… أستطيع رؤية كل شيء بها. سهل للغاية. خصلة شعر ملطخة بالدماء على تلك الجثة. طلاء يتقشر عن مركبة مبتعدة. العيون الكبيرة تجعل كل شيء واضحاً. رأيت مخلوقات عديدة. واهنة. عديمة الأهمية. ماذا كانت تفعل المخلوقات؟ فرّ كثيرون. وغيرهم يهاجموني؟ أغبياء. كانوا أضعف من أن يذكروا. يا له من أسنان كبيرة أملك…
أمزق بأسناني الكبيرة. طويلة وحادة. أستطيع أكل كل شيء بأسنان كبيرة. أين الطعام؟ مخلوقات تحاول جاهدة إيذائي وتبوء بالفشل. أكانت طعاماً؟ ليست طعاماً. عجزت عن إيذائي. احصل على الشاحنة! الشاحنة الصغيرة! عاد الصوت الضئيل مجدداً، محاولاً فرض نفسه. افترض أن هذا مهم. عجزت عن التركيز على ماهيته فحسب. أغراض تسوقي، أيها الأحمق! أزعجني هذا الصوت الضئيل وأنا أمضغ شيئاً مقرمشاً. مخلوق بدرع صلب —انكسر درعه تحت أنيابي.
يصرخ في فمي. ليس لذيذاً بالضرورة. ما شأن أغراض التسوق تلك؟ شيئاً ينبغي لي أكله. نعم. طعام. طعام أفضل من هذه الحشرة متعددة الأطراف ذات الشفرات التي قبضت عليها.
«نحن الاثنان أدومبراي! دعني أحيَ!»
توسلت وهي تحاول طعن ذراعي. لم تكن صادقة للغاية. سحق. وماتت الحشرة. احتفظت بفكرة غامضة عن الوجهة. الشاحنة الصغيرة تحوي طعاماً. سآكلها فحسب. عارض ذلك شعور خفيف بالحثّ. لمَ يا ترى؟ السبب الوحيد لتوجهي إلى الشاحنة هو احتواؤها على طعام، وهذا ما كان. ينبغي للطعام أن يكون في فمي. أنا شديد الذكاء. ليس هناك ما هو أفضل لفعله. التفت للبحث عن الشاحنة. والطعام. ينبغي أن يكون بالقرب من الماء.
البحر. المحيط؟ طاخ! ضربت قوة جبارة جانب رأسي. امتص فروي الكثيف، وعضلاتي الغليظة، وجمجمتي الثقيلة تلك الضربة. لا ضرر حقيقي. مع ذلك، كانت أقوى ضربة أزعجتني حتى الآن. بالكاد لمحْت الإنسان قبل أن يندفع إلى مؤخرة رأسي ويفسح عن ناظري. إنسان طائر؟ ليس إنساناً. فريسة قوية قادرة على تقديم تحدٍ. حتى لو لزم هذه الآفة الطائر ظهري، استطعت شمها. سماع دقات قلبها. كانت سريعة جداً. طاخ!! ضربة أخرى، استهدفت ظهري هذه المرة.
زأرت، مستديراً للقبض على البعوضة. أصدرت ذراعيّ صوت صفير عالٍ وهما تقطعان الهواء. ناورت الآفة عبر مخالبي، فضربت خاصرتي، وانطلقت عالياً. صاحت بأشياء في وجهي ربما كانت استهزاءات. لكن كلمات الآفة لم تعنِ شيئاً للمفترس. كانت الآفة تتحدث أيضاً إلى شخص ما عبر الراديو. عجزت عن تذكر ماهية الراديو حقاً. خطر ببالي ذلك اللفظ فحسب. بدا مضحكاً. راديو.
«الكلب الأبله يتبعني! هل الحاجز جاهز؟»
بعض التشويش.
«بضع دقائق أخر.»
«اللعنة؟ أتستهزئ بي؟ لا يمكنني لفت انتباهه طوال كل هذا الوقت!»
«استدر به حول المستودع الرئيسي.»
كان هذا الصوت الآخر هادئاً.
«سأخبرك متى تدخل.»
«أستصل الإمدادات في الوقت المناسب؟ لقد فر هذا الكلب الأبله من قبل بالفعل!»
«قم بعملك، وسنقوم بعملنا.»
لكأن تلك الكلمات كانت طلاسم. بلغ اهتمامي أدنى مستوياته على الإطلاق. شعور في الأحشاء يضايقني—كان عليَّ الاهتمام بوجهتي. لكن لمَ؟ عجز أي من هذه المخلوقات الضئيلة عن إيذائي. وابتغيت الشاحنة الصغيرة بما تحمله من طعام. أقصى ما استطاعته هذه الآفات التافهة هو إزعاجي. مثل هذه البعوضة التي تطعنني هنا وهناك. أبطأت وقتي، محجماً سرعتي متظاهراً بمحاولة الإمساك بها. أردت للآفة الاعتياد على حركتي.
ضربة أخرى لمؤخرة رأسي. ارتكبت خطأ عدم الطيران صعوداً، متجهة بدلاً من ذلك صوب المستودع الكبير، الكبير جداً. اتبعت الآفة، زارئاً وأنا أهوي بضربة قاطعة. وكما هو متوقع، تفادت الآفة الضربة جانباً. كبحت حركة مخالبي السفلية، لافتاً إياهما إلى الجانب بسرعة خاطفة للقبض على الآفة. اتصلت مخالبي بها. تمزقت الآفة. تناثرت قطع من جسدها في الهواء. أذرع. سيقان. أجنحة. رفعت مخالبي. ارتقى عليها مشنوقاً جذع أكبر مرتين من كفي.
كانت الآفة لا تزال حية. بشكل ما. صاحت بأشياء في وجهي.
«كلني، أتحداك! نحن ذاهبون إلى—»
وضعتها في فمي، مضغتها، وبصقت بقاياها الممزقة. مقزز! معدن يختلط بقليل من اللحم. لم أكن متأكدة حتى مما إذا كانت الأجزاء الطرية المضغة التي أكلتها لحماً بالأساس. لن يمنحني المعدن غذاءً. لم يشبعني أكل الآفة البتة. استجبت لطلبيها، وهكذا كافأتني؟ يا له من إهدار للوقت. كان عليَّ إيجاد تلك الشاحنة الصغيرة بحثاً عن طعام أفضل. في مكان ما إلى اليسار. أقرب إلى الماء. على طرف عيني، رأيت مركبة متحركة.
لمحة ضئيلة منها بين كومتي حاويات شحن عاليتين. في جزء من الثانية ذاك الذي رأيتها فيه، تعرض عقلي لهزّة بفعل الصوت الضئيل. هذا هو! الشاحنة الصغيرة! طعامي يفر! ما كان له أن يتحرك، أليس كذلك؟ لكنه تحرك! أحدهم سرقه! انحرفت مطارداً إياه، مسبباً سقوط أكوام حاويات ضخمة بينما حطمت طريقي عبرها. هناك! الشاحنة. طعام! اننقضت عليها، بفم مفتوح على أوسع نطاق ممكن. الإسمنت، التراب، الشاحنة—علق كل شيء داخل فمي بينما أغلقته.
قُطعت الشاحنة الصغيرة إلى نصفين. كان الجزء الذي يضم السائق وطعامي في فمي. منتقلاً إلى الوقوف، أجبرت نفسي على مضغ المعدن، حتى لو لم أرغب في ذلك. ينبغي لوجود طعام لذيذ في الداخل. أليس كذلك؟ ليس الرجل السائق. لم يتح له الوقت للصراخ لموته جراء ثقب أنيابي سقف الشاحنة الصغيرة. ينبغي لصندوق مليء بالخيرات أن يتواجد هنا في مكان ما. لكنها لم تكن طازجة. أدمغة الموتى. وبعض الأشياء المهمة أيضاً.
مع ذلك، مضغت المعدن. خير لي أن يملأ هذا جوفي، وإلا فسأغضب. ما أغضبني أكثر هو ذلك الصوت الطنان الصاخب. آلة قادمة أخرى في السماء. بدت أكبر. لم تخلُ من رائحة طعام. ابتلعت أجزاء من الشاحنة الصغيرة. ينبغي لأغراض التسوق أن تكون في فمي. لم أتيقن مما— كابوم! بوم! ضربت انفجارات هائلة ظهري. دُفعت إلى الأسفل حتى كدت أركع. كدت.
«غرروووآآر!»
زأرت بغضب، مرسلاً موجات صدمة إلى الخارج، تموجات من الهواء تدفع الدخان والنيران بعيداً، وتثير سحب الغبار. أصوات صفير. انفجار واحد على كتفي. والآخر على جانب وجهي. ومع انتشار الحرارة الشديدة فوق جسدي العلوي، بينما أحرقت نيران زرقاء غريبة فروي، حادت حواسي وكأنني أستيقظ من سبات. كان هذا ضرراً جسيماً. وكنت على وشك الإتيان بالجسيم. بدأ تجددي بالعمل. نما فروي مجدداً بينما احترق.
شعرت بعضلاتي تنفتل متضخمة أكثر فأكثر، والجلد المتمزق بفعل الانفجارات يكافح لتغطيتها. تمددت عظامي، لتكشف مخالبي وأنيابي عن المزيد من ضراوتها. كانت المنغصات تجعلني أكبر حجماً… وأشد غضباً فحسب. تباطأ العالم إلى زحف مع بلوغ تركيزي ذروته. استطعت استشعار الحصى الدقيقة والشقوق الفردية على الإسمنت تحت قدمي. تقدمت بخطواتي، خارجاً من الدخان المتدحرج. غاصت قدماي بضع بوصات في الأرض، متكسرة بفعل أطنان وزني.
ها هو ذا. آفة حديدية طائر. آفة كبيرة. حوت أشياء دوارة في الأعلى أبقته طافياً. كان عليَّ معرفة اسم ما أدعوه به، لكنني عجزت عن التذكر. أصدر طنيناً وهو يرشني بالرصاص. لست متأكداً مما كان يُفترض لهذا تحقيقه. لم يؤذِني البتة. أطلق تلك الأشياء المتفجرة الأنبوبية، تاركة دخاناً متخططاً في السماء. لم أطرف حتى من الانفجارات. ركّزت عيناي على الشيء المتفجر الأخير. تنحيت جانباً وقبضت عليه.
ثم رميت به مجدداً صوب الآفة الدوارة الطائرة. لم يصبها، لكنه انفجر بالقرب منها. طارت الآفة الدوارة مبتعدة باهتزاز. متابعاً إياها بعيني، لمحَت أبنائى في الأفق. فقدت اهتمامي بالآفة الدوارة. أَتُرى ثمة فريسة ملائمة لي هناك، في تلك الأبنية؟ ينبغي لي التحطيم والتحطيم حتى تأتي فريسة قوية لإيقافي. فكرة جيدة.
«توقف! بلانشيت، توقف! لا يمكنك الاستمرار في فعل هذا!»
ها؟ هذا الصوت. التفت أذناي في اتجاه الصوت. جعلتني التوسلات أتوقف.
«بلانشيت! ارجوك!»
وقع أقدام ضئيل ملح. كان هذا المخلوق، الذي شعرت بوجوب معرفتي له، يقترب من ظهري. ناداني شخص آخر.
«دين! مم، أمبريل، اللعنة. عُد إلى هنا. لست بصدد التحدث إلى ذلك!»
«بلانشيت! بلانشيت! أنا هنا في الأسفل!»
التفت لأرى إنسانة تلوح بجنون نحوي. كان رأسها مغطى بالكامل، لكنني عرفت أنها ذات شعر أشقر. بدت عيناها الرماديتان الناظرتان عبر ثقبي قناعها مألوفتين للغاية. لمَ شعرت وكأنها صديقة؟ أتراها أطعمتني من قبل؟
«توقف عن هذا!»
صاحت.
«علينا الخغور من هنا الآن!»
عما كانت تتحدث؟ بطبيعة الحال، كنت أغادر. كنت متوجهاً إلى الأبنية البعيدة. لأجد طعاماً. لا طعام هنا.
«ينبغي لـ بي آي دي أن تكون في طريقها بالفعل. ربما كوربرينجز أيضاً! اتبعنا!»
بي آي دي. كوربرينجز. أعرف تلك الكلمات. كانت فريسة قوية ومثيرة للتحدي. زمجرت، رافضاً المغادرة. البقاء هنا يعني قدوم الطعام.
«بلانشيت، أعلم أنك يمكنك سماعي في مكان ما في الداخل! أرجوك!»
غمر الدفء قلبي. هذا المخلوق الضئيل… استطعت استشعار مشاعرها. أرادت مني الأمان. مشاعر قوية. تمد يدها نحوي. لم أكن أطيق المشاعر، لكنها شقت طريقها عنوة إلى عقلي. شعور… جسدي. عجزت عن تفسيره. مقرف للغاية! ملأ النوار بصري. لم أعد في الأرصفة البحرية. انتظر، تذكرت مفترض وجودي في الأرصفة البحرية! كان عقلي يصفو. تلك كانت دين. صديقتي المفضلة مانحة المعجنات. كانت تحاول إدخال القليل من العقل في رأسي وتـ…
…أين أنا؟ ظلام. وضوء. ملأ الكثير من الضوء الظلام. عجزت عن التحديق في الضوء—كنت في بعد شبيه بالأحلام أو ما شابه. مكان إروند المخيف؟ لم يكن الضوء ضوءاً فحسب. كانت هناك خيوط، شعيرات متوهجة. التفت حولي. عجزت عن نزعها! تركزت الخيوط على معصميّ، كاحليّ، ورقبتي. التفت والتفت والتفت. ثقيلة! تخنقني. ما اللعنة…؟ كنت أحتجب عن الوعي… إذ استعدت وعيي، كنت على ركبتي. أخرجت لساني، لهاثاً ككلب.
تقاطر اللعاب من لساني، مشكلاً بركة على الأرض. حرائق ودخان حولي. إلى جانبي حمرة حاوية شحن، متفحمة بالسواد في مواضع بفعل النيران. عسر التركيز. كان عقلي ما زال يترنح. ماذا حدث؟ عجزت عن تركيز عيني على… ملابسي الذهبية؟
«غرورغ؟»
أي جحيم؟ واثباً على قدمي، تفحصت نفسي لأجد أنني عدت إلى جسد بلانشيت خاصتي. لكن اختلف شيء ما. اختلف كثيراً! تحول ردائي إلى اللون الذهبي. أُحكمت الأغلال على معصميّ، كاحليّ، ورقبتي، تماماً كما في رؤياي. وأزعجني شعور مختلف. متفقداً ظهري، أدركت امتلاكي الآن ذيلاً طويلاً متموجاً. حركته حوله. يا له من شعور غريب بامتلاك طرف إضافي، بطريقة ما. حسناً… لم تكن لي أدنى فكرة عما يدور.
«الكلب العملاق ينكمش!»
صرخ بعض الحمقى ممن كان وشيك الموت.
«هاجموا الآن!»