الرند الفصل 66

اقرأ الرند الفصل 66 باللغة العربية على مانجا تايم.

[ملاحظة: يبدأ هذا الفصل بعد أن غادر أريند دين مبكراً لقتال السيد أوغر.]

أمبر دين ليسكا

كابحت أمبر دين هلعها واستعانت بقوتها الغريزية لتلكم الجدار الوردي. صفّت ذهها وركّزت على تسديد أقوى ضربة ممكنة. لا داعي للخوف من الإصابة فستتجدد على أي حال. تجنّلت التفكير في غرابة لكم جدار يبدو وكأنه يبطئ الزمن. وتجاهلت تماماً هدير الرصاص والانفجار القادم من الطرف الآخر للمستودع. ستتكفل بلانيت بحمايتهم. عجزت دين عن تفسير سبب ثقتها ببلانيت لكنها ثقت بها حقاً. تلاشى الوخز الحارق في كتفيها رغم خطورة وضعهم الحالي.

فقد حوصرا مع وحش واكتنفهم الأعداء من كل جانب. ركّزي على اللكم. ادخلي في حالة اندماج مثل إريند. لكمات متتالية. والمزيد من اللكمات.

صاح ريو وهو يحول ركلاته إلى الجدار الوردي: "هل يجدي هذا نفعاً حقاً؟ لا يبدو كذلك..."

فقالت دين بحدة وقد أزعجها انقطاع تركيزها وتفلّتت أفكارها: "لا أعرف!"

راح شعور بالذنب ينهش قلبها لدفعها بلانيت لمواجهة ذلك الكائن المجهول بينما تعالت أصوات المعركة هناك. كانت هذه المرة الثالثة التي تنقذها فيها بلانيت وما زالت تفعل. جاء الأمر بإشراك بلانيت في مواجهة الخطر من غايب تقنياً. لكن دين استطاعت الرفض أو مرافقتها. لو بقيت بالقرب منها لدفع ذلك غايب لمساعدتها أيضاً. بقيت دين رغم شعورها بالذنب لأنها خائفة. عرض عليها غايب ومضات لعملاق مرعب قادر على سحقها لو تجرأت على مرافقة بلانيت.

حذرت دين هذا الشكل المتطور لملاكها الحارس. كان يختبرها ويتبين السبل الفضلى لدفعها نحو تنفيذ أوامره. اعتاد غايب إخبارها بما تفعله عبر جمل قصيرة وموجزة. واقتصر مبرر طاعته على الثقة بأنه سيحفظها آمنة. غير أن دين استطاع فعل العكس لتحقيق أهدافها الخاصة كمساعدة الآخرين. وكان غايب يتأقلم مع ذلك. يعرض عليها الغايب الحالي نهايات سيئة فهل كانت حقيقية؟ ربما. وربما لا. لكن هذه الرؤى أدت دورها ببراعة في بث الرعب بقلب دين ودفعها لإطاعة غايب.

أعاد ذلك إلى ذهنها أبويها وشقيقتها الكبرى وهم يخبرونها بمعرفتهم بما يصب في مصلحتها. وأمطروها بوابل من عواقب عصيان توجيهاتهم. ألا تسخر مني هذه القدرة الخارقة؟ قدرة نافعة للغاية لكن دين تمنت الحصول على شيء آخر.

تراجع إيفرت خطوات إلى الوراء وحدق في السطح الوردي المتموج وهتف: "سأحاول إحراق هذا الجدار اللعين!"

ردت دين وقد امتنت لأن إيفرت قطع دوامة اكتئابها الفكري: "امض قدماً. يا أوبيرون جرب مع بلابر أيضاً."

أدى التحية العسكرية وقال: "أمرك سيدتي!"

لم يعد يشكك في صدور تعليماتها عن غايب. لكن ذلك لا يعني ثقته بها. فالأرجح افتراضه بأن صمت غايب يعني موافقة ضمنية. فبدت أقوال دين وأفعاله صحيحة لديه تلقائياً.

ركع على الأرض وقال: "بلابر يا فتاي المدلل سيسحق هذا الجدار السخيف!"

كانت دين في قمة جاهزيتها لإصدار الأوامر للآخرين. بدا ذلك استبدادياً أكثر من اللازم. ماذا عن إخبار الناس بما ينبغي فعله؟ يحمل المعنى ذاته لكنه أقل تسلطاً. لكنها تمتلك فعلاً مقومات القيادة. درّبها والداها على إدارة شؤونهما وسمحا لها بتسيير بعض المكاتب للتدريب. كذبت على إريند بشأن انعدام خبرتها العملية رغبة منها في ألا يراها مديرة متغطرسة. ويكفي كونها ابنة ذوات عادية.

لم يتركها والداها وشأنها إلا خلال دراستها للحقوق بحجة وجوب تركيزها على التحصيل. امتنت لذلك لكنها استاءت لفقدان الاهتمام. على أي حال توقع منها أهلها وشقيقتها الانضمام لمجلس اتحاد الطلبة مع حلول سنتها الثانية.

فكرت دين بابتسامة عابسة: "لست متأكدة حتى من نجاحي في بلوغ السنة الثانية من الحقوق."

وتابعت لكم الجدار الوردي. هل توهمت ذلك أم أن تأثير الحركة البطيئة تراجع الآن؟ هل أثمرت هجماتهم؟ تألق جزء من الجدار بحدة لليمين على بعد أقدام ليصبح شديد البياض تقريباً. كانت تلك البقعة التي ركّز إيفرت طاقته عليها مع عجز دين عن استشعار أي حرارة من اتجاهه. راح بلابر فوقهم يهوي على الجدار مراراً ككرة حمراء غاضبة متحركاً بسرعة جعلته يبدو كشريط ضبابي. تصدع الجدار عند نقاط اصطدامه.

التفتت دين لتشجيع البقية على مواصلة ضرب الجدار وقالت: "سنخرج من هنا!"

لم تكن متأكدة من ذلك حقاً. أخبرها غايب بضرورة فعل هذا دون أن ترى مستقبلاً يتحطم فيه الجدار. من جهة أخرى لم تر أيضاً مستقبل الرجلين اللذين قتلتهما للتو. كانا بشريين عاديين بحوزتهما أسلحة صعق كهربائي وردت دين بقوة مفرطة. صفّى غايب المتطور رؤى المستقبل هذه. لا فائدة من الغضب من غايب. فالأجدر بها توجيه جهودها لإيجاد مخرج من هذا الفخ. وكل ما يمكنها فعله هو الأمل بانتصار بلانيت في معركتها.

ثم سيغادرون جميعاً وتلك هي الكرّة. وإذا وفت بهذا الوعد فستعني أنها لم تتخذ بلانيت طُعماً. ظهر شيء صاخب وضخم بعد دقيقة تقريباً. لم تتوقف دين عن اللكم رغم اهتزاز الأرض باقتراب ذلك الكائن الجبار.

سأل ريو: "ما هذا؟ أمبريل؟"

أجابت دين: "إنه ميرج."

لم يخبرها غايب بذلك بل خمنته فحسب. وثقت دين تماماً بأن بلانيت لن تسمح باقتراب الخطر منهم. وإن لم يكن عدواً فلا يمكن لمخلوق بهذا الحجم في الجوار سوى ميرا. وصدقت حدسها. ظهرت ميرا بطول عشرة أقدام كتمثال متحرك من معادن وحجارة شتى.

هتف ريو ضاحكاً: "قد تكون هذه المرة الوحيدة التي أسر فيها برؤيتك. يا رجل أنت أضخم من..."

قاطعتهم ميرا بسرعة قائلة: "ساعدتني إحدى أدومبرا. امرأة طويلة بفم ذئب. ألتقيتم بها أليس كذلك؟ ألم تأت إلى هنا؟"

أومأت دين برأسها: "لقد أنقذتنا."

لكم ريو راحة يده وهتف: "تلك الفتاة الوحشية المثيرة! تبّاً ما كنت أظنني سأعجب بنمط جديد أثناء مهاجمة قاعدة العدو."

قال إيفرت: "لقد حررتني من تلك العاهرة الأدومبرا التي سيطرت على جسدي."

أضافت دين: "أعظ أن اسمها بلانيت."

قطّبت ميرا حاجبيها وقالت: "هاه؟ وكيف أخبرتك باسمها بفم مثل..."

شرحت دين: "أمرني غايب بمناداتها هكذا. واستجابت له. لست واثقة إن كان اسمها الحقيقي أو اسم شخص يعز عليها. جل ما عرفته أنها أصبحت أكثر ودية عندما ناديتها بلانيت. وعموماً ما الذي يجري هناك؟"

سأل ريو: "ذلك الصندوق المعدني بحجم منزل كان يحوي وحشاً أليس كذلك؟"

أومأت ميرا برأسها.

فأشار ريو وبلابر نحوهما قائلين: "انظروا إلى غريزتي اللعينة!"

تمتمت ميرا: "أهذا ما تقوله لصديقتك؟"

رد ريو وهو يضرب صدره: "لا أحتاج لقوة دين لأعلم وجود قذارة خطرة بالجوار. عليكم تعلم الوثوق بي أكثر. إذن ما الذي في الصندوق؟ يبدو كشخص لطيف وودود."

هز المستودع انفجار مدو مع إتمامه الجملة. وبما أن دين لم تتفاعل ظل بقية الفريق هادئين. خشيت دين من تنميتها شعوراً مزيفاً بالأمان بفضل غايب خصوصاً فيما يتعلق بنفسها.

قالت ميرا: "إنه جبل القاذورات هذا."

وأوضحت سريعاً خروج عملاق ذي جلد شديد الثخنة عجزت عن جرحه من الصندوق الشاهق. كان أقوى منها بكثير ومزوداً برشاشات على ذراعيه تطلق رصاصاً غريباً يمحو درعها عند الاصطدام.

وأردفت: "عجزت عن مواجهة ذلكغ اللعين فأتيت إلى هنا."

حبست دين كلمات عتاب على لسانها قائلة: "أتخترت بلانيت؟"

غير أن نبرتها فضحتها.

لوت ميرا ذراعها وقالت: "بإمكانها التعامل مع جبل القاذورات لفترة. كانت تلك... بلانيت تتحول إلى مخلوق مستذئب من نوع ما. لعلها قدرتها. تزداد ضخامة وسرعة وشراسة. ولا جدوى مني هناك."

أشار ريو إلى الجدار وقال: "ساعدونا في إسطاح حلوى القطن الصلبة هذه!"

رفضت ميرا بحزم: "لا. جئت لاصطحابكم لمساعدة بلانيت. لا يمكنني اقتحام الاشتباك القريب ولن أخاطر بإلقاء أشياء في صراعهم الممات. لكن بإمكان إيفرت توجيه رؤيته الحرارية وربما تكون هي الحل لجلد جبل القاذورات اللعين. ويمكن لريو مرافقتنا للتشجيع أو استخدام بلابر."

ابتسم ريو: "سأستخدم بلابر وأشجعكم."

وختمت ميرا قولها وهي تحدق في دين بغضب: "فلنذهب! لن نتخلى عن بلانيت."

ترددت دين. وما كان لها أن تشك في ميرا. فلربما كانت دين تسقط مخاوفها عليها. ففي النهاية كانت هي من استخدمت بلانيت كطعم لا ميرا. قادت دين الطريق نحو بلانيت والعملاق الأدومبرا الذي تحاربه بتوجيه من غايب. عرض غايب عدة نهايات سيئة يتجاهل فيها وحش العدو بلانيت لمهاجمتهم أو يصابون عرضياً بمئات الرصاصات المتبادلة في الأجواء. واقترب فريقهم تدريجياً من العملاقين المتحاربين وتوقفت طلقات النار والانفجارات.

حفر المشهد التالي في ذاكرة دين لتوقن بأنه سيورثها كوابيس لأليال طويلة. كانت بلانيت أو المستذئب العملاق ذي الفرو الضارب للحتمرة الذي ظنته دين بلانيت تلتهم عملاقاً شبيهاً بالتنانين. وأحكمت بلانيت سيطرتها على خصمها الأكبر حجماً والمكافح لتمزق قطع اللحم بفكيها. رأت دين أسبق أسداً يلتهم غزالاً في برنامج علمي وبدا مقززاً لكنه لم يؤثر فيها. في المقابل فإن طريقة بلانيت الوحشية في مضغ وحش العدو وإرجاع رأسها للخوار لتمزيق لحمه أثارت رغبتها في الفرار رغم خلو تحذيرات غايب من أي خطر.

لم تكن القاذورات أمامها كالدم الأخضر المتدفق لنافورات والأحشاء الأرجوانية المندفعة مع تحول بلانيت لتلتهم معدة خصمها والعضلات المكشوفة التي تتجدد لتقتلع مجدداً وقطع اللحم المتطايرة في خضم الولائم سوى هامش بسيط مقارنة بالرعب القابض على قلبها. كانت بلانيت منقذتها لكن هذا وحش حقيقي... قبضت دين على أسنانها وقبضتيها لكبح ارتعاشها.

قال ريو: "بطريقة عضها... تظنها تقضم دبابة بهذا العنف. يذكرني بكلب مالينوا البلجيكي. تلك المخلوقات النشطة تطبق فكيها بضجيج عال. رسمياً لم تعد الآنسة بلانيت من نوعي المفضل."

علّق إيفرت: "لا أظنها بحاجة لمساعدتنا."

فورد ريو: "ذلك الرجل الآخر هو المحتاج للمساعدة. تبّاً يتجدد بالسرعة ذاتها ليلتهم مجدداً. ضمن قائمة أسوأ عشر وفيات."

وافقت دين ريو الرأي. فقد تمتع مخلوق التنين بقوة أحدثت هزات أرضية طفيفة أثناء تخبطه. وتحطمت الأرض لتخبط ساقيه محاولاً ركل بلانيت بعيداً. لكن بلا جدوى. احتفظت بلانيت بقبضتها القوية على فريستها واستمرت في الأكل متجاهلة الضربات تماماً. وراحت بلانيت تنمو لتتجاوز حجم مخلوق التنين. حاول الزحف وحفرت أطراف ذراعيه خنادق في التربة عاجزاً عن الإفلات. واستسلم لأنين عال ربما كان استغاثة.

وامتلأت عيناه بالذعر. لمح دين للحظة. وعجزت عن منع شعورها بالشفقة نحوه. ثم أطبقت فك بلانيت على رأس التنين. وعجزت دين عن مواصلة النظر. فالتفتت نحو رفاقها لتوجيههم تالياً. أخبرتها رؤى المستقبل بانتفاء كون بلانيت على طبيعتها. وأي محاولة للحديث معها بالشكل المعتاد ستنتهي بلا جدوى أو بكارثة. ولمحت مستقبلاً تقترب فيه كثيراً من بلانيت وتسحق في لمح البصر. وبدلاً من ذلك استدرجوا بلانيت نحو حاجز القوة الوردي نوعاً ما.

صاحت ميرا وهي تلوح بذراعها كالعامود: "اتبعوني فحسب!"

نمت ميرا تدريجياً وهي تتراجع للخلف مبينة قلقها من الوجود في مرمى رؤى بلانيت. فكرت دين: أنا أستخدم بلانيت مجدداً. وبررت ذلك بفعل بلانيت المثل لو امتلكت كامل قواها العقلية. ولم يخفف ذلك من إحساسها بالذنب. كما لم تحب شعور الدوام بالحماية. أرادت حماية الآخرين لكنها ضعيفة جداً عن ذلك. ظنت أن الأمور ستختلف في المرة القادمة. ولم تتوقع مجيء المرة القادمة بهذه السرعة. ولم تختلف قط.

اندفعت بلانيت إلى الأمام فجأة.

صرخ إيفرت: "احذري!"

كانت ميرا مستعدة وقفزت من فتحة أحدثتها في الجانب الأيسر لدرعها. اصطدمت بلانيت بهيكل ميرا المتروك وحطمته لتفتيت لتصطدم بالجدار الوردي المقابل. وما إن شرعت بلانيت بمهاجمة الجدار حتى وثبت ميرا فوق حاوية الشحن حيث انتظرت دين والآخرون.

قال ريو: "تحية لك على حسن التدبير."

ردت ميرا: "يسمى هذا امتلاك عقل ولن تفهم."

"سأدعك تفوزين بهذه لتنجاحك في استجداء مستذئب بحجم تمثال الحرية."

"تمثال الحرية أكبر بكثير من..."

قاطعتهم دين: "ميرج، آسفة لعدم إخباري لك بما سيحدث. لم يرني غايب..."

فقالت ميرا: "لا تهتمي. أعلم أن قوتك ترغب بحمايتك وحدك. سيتحطم هذا الحاجز الوردي قريباً."

وسمعوا أصوات تحطم حادة ككسر الجليد عبر مكبر صوت.

"حسن إذن كيف سنساعد بلانيت؟"

صاح ريو: "أي هراء تتفوهين به بحق الجحيم؟ لن أقترب من..."

"إنها تعرف كيف تجد كيلسي!"

"إذن موتي وحدك!"

قالت دين: "ميرج على حق. علينا مساعدة بلانيت. لننزل ونقترب منها."

كانت تكذب. ففي الواقع منحها غايب تعليمات بالتوجه لمكان آخر. لكن دين لم تنو التخلي عن بلانيت هذه المرة. وتعين على غايب التأقلم مع أهدافها فحسب إذ أدى مهمته بنجاح حتى الآن. اصطدام مدو. تحطم الجدار الوردي وخرجت بلانيت بمعدل خمسة عشر قدماً مستجمعة من المستودع. وغلفتها موجة من الضوء الأزرق الساطع. والتفت خيوط البرق حول بلانيت مع تشنجها.

صاح ريو: "مدافع النبض الكهربائي! لديهم بدلات قتالية في الخارج!"