الرند الفصل 38 — اعشق جوهرك

اقرأ الرند الفصل 38 — اعشق جوهرك باللغة العربية على مانجا تايم.

⟦1﹞ "أتحلق...؟"

لم أكن أرى شيئاً. ألم يكن هذا المشهد المعتاد حين توشك روح أحدهم على مفادرة جسده؟ كانوا ليهلوسوا بنور سماويّ أو بملاك يجيء ليأخذهم. لم أكن أؤمن بجنة أو جحيم. كل ما أثار قلقي هو ألا تموت دين بين يدي. كان الوقت جوف الليل. أردت النوم لا الاتصال بالإسعاف أو مشرحة الأموات. أتراك رجل المشرحة —أعتقد أنهم يدعون متعهدي دفن الأموات أيضاً؛ مصطلح رائع حقاً— ليعرف أن ثمة خطباً ما بردين؟

حقاً، النواة. أكان بإمكاني دفن دين في الفناء الخلفي؟ أم كان بممكن تقطيعها وإذابتها في الأسيد—قد رأيت ذلك في إحدى حلقات الجرائم الحقيقية. أوه، انتظر، لم يكن بمقدور دين الاختفاء. لتسألني اختها الكبرى أسئلة. لم أكن أرغب في محادثتها. يا له من عناء.

"دين، لا تذهبي نحو النور!"

هززتها.

"ليس هذا وقتك بعد. لا تتركيني."

"ماذا...؟ أنا لا أموت،"

قالت بضعف بينما سال خيط من الدم على جانب شبيها.

"ألا ترين... ترين هذا الكلوخ؟"

أشارت إلى شيء خفيّ بدا وكأنّه يحوم على ارتفاع قدمين فوق صدرها.

"إنه يخبرني ألا ألمسه."

زاغت عيناها؛ كانت تحوم على حافة الوعي.

"إذاً فلا تلمسيه،"

قلت وأنا أنزل ذراعها.

"فقط استريحي ودعي قدرتك على الاستشفاء—"

أطلقت شهقة صغيرة.

"ماذا؟"

سألت.

"لقد لامسته."

"أنا؟ أنا... بخير. على ما أعظب."

أمعنت النظر في الفراغ. لم يكن هناك شيء حقاً. لكنني كنت أدرك أفضل من أن أفترض أن دين قد جُنّت—تلك كانت دائماً غلطة الشخصيات الثانوية حين يدعي البطل وجود شبح أو وحش خفيّ. وبما أن الأفلام قد ثقّفتني، فقد ساعدت دين على النهوض وأبعدتها عن الشيء الخفيّ.

"ألا يزال هناك؟"

سألت وأنا أسند دين إلى جانب سريرها الضخم. ربما كانت هذه القوة ممنوحة من نواتها. أو أن هذا البيت كان مسكوناً—مع أنه بدا أحدث من أن يُمسكون، إذن فالنواة هي السبب.

"نَع... نعم... لقد تتبعنا."

حاولت مدّ يدها إليه مجدداً.

"لا."

صفعت يدها. كانت دين التائهة تشبه طفلاً فضولياً.

"أهو شبح؟"

سألت.

"روح شخص تعرفينه؟"

بالنظر إلى ما حدث معي خلال الأسبوع المنصرم، فلن أفاجأ حقاً باكتشاف أن الأشباح حقيقة. تمنيت لو امتلكت القدرة على رؤية الأشباح. لكان حديثي مع روح شخص قتلته لتوه ممتعاً للغاية.

"لـ... لا... ليس شبحاً،"

قالت دين.

"إنه دائري الشكل، بهذا الحجم تقريباً."

مثّلت بيديه جسماً أكبر قليلاً من كرة السلة.

"يشبه تمثال غارغول، لكنه بيضويّ الشكل. ليس مخيفاً وتلك التماثيل الموجودة على الكاتدرائيات في أوروبا."

"وماذا أيضاً؟"

سألت محاولاً تخيله في عقلي.

"جسده يلمع ببياض ساطع، وكأنه مصنوع من العاج. ثمة كتابات ذهبية باهتة تعلو جسده بأسره. لست متأكدة مما تكون... أوه، وله أجنحة ريشية. أجنحة صغيرة تعانق جانب جسده كقشور الفستق."

فستق؟ أكان بإمكان دين تشبيهه بحبة جوز عادية. كان لزاماً عليها ذكر واحدة باهظة الثمن.

"له منقار صغير،"

تابع دين كلامه.

"مع الأجنحة، يشبه البومة قليلاً. وله تلك العينان الواسعتان أيضاً... سوداوان حالكان كالفراغ. يمكنني التحديق بهما إلى الأبد و—"

مررت بيدي بسرعة أمام بصر دين لأخرجها من تلك الحالة.

"لا تحدقي في عيوني الهاوية لمخلوق لا يراه غيرك."

التفتت دين نحوي.

"أتصُدّقني، أليس كذلك؟ أفتظن أنني... مجنونة؟"

"أنا أصدقك تماماً. وليس لمجرد أننا صديقان مقربان. هناك سبب حقيقي."

أشرت إلى النواة الماثلة على صدرها. كان ضوئها قد خبا الآن، لكن بدا أنها نمت قليلاً. أزررت قميصها المفتوح من الأعلى، بادياً في الظاهر كص صديق مهتم. في الحقيقة، كان من المشتت رؤية وسائد هوائية بينما كنا نحاول فهم هذا المخلوق الخفي.

"قوة ريو هي استدعاء أولئك الجنيات. ربما تكون قوتك شبيهة بذلك أيضاً. مع ألا أعتقد أن ريو يستطيع محادثة جنياته، رغم ذلك."

"سأحاول طرح بعض الأسئلة عليه،"

قالت دين.

"ما اسمك؟"

بلا إجابة.

"ما... أنت؟"

أصرّت دين.

"ما هي قدراتك؟"

ولا شيء حتى الآن.

"أأجابك بكلمات لا يسمعها سواك؟"

سألت دين. هزت رأسها نفياً.

"أي رد فعل على الإطلاق؟ مثلاً، تحريك أجنحته ربما؟"

"إنه يحوم فحسب،"

قالت دين وهي تمسح الدم عن فمها.

"إذا لمسته، فربما نحظى برد فعل آخر."

"الكلمات الوحيدة التي نطق بها حتى الآن هي ألا أفعل ذلك. أقترح بشدة الإصغاء إليه."

لمَ كانت شديدة الهوس بلمس هذا الشيء؟ أكانت النواة الاصطناعية تؤثر على عقلها؟

"ماذا سنفعل إذاً؟ إن كنت الوحيدة القادرة على رؤيته، وأنت لا تستطيع حتى استشعاره، إذن... ربما أتعرض لهلوسة."

"يمكننا اختبار ذلك الشيء. لدي بعض الأفكار. لكن أولاً، اغسلي الدم عنك. ثم لنذهب إلى المطبخ. سأعد شراب الشوكولاتة. السكر ليوقظني ويغذي عقلي. أتريدين شوكولاتة ساخنة أنتِ الأخرى؟"

"سأكتفي بالقهوة السوداء."

زفرتُ بضجر. كان رد فعل حقيقياً. لم أستطع تصديق وجود من يرفض الشوكولاتة. بعد عشر دقائق، كنا جالسين بجانب منضدة الجزيرة. وحدها أضواء المطبخ كانت مضاءة؛ وباقي المنزل غارق في الظلام. واجهت دين بعض الصعوبة في تنظيف الدم العالق بشعرها. استسلمت في النهاية وقررت الاستحمام لاحقاً. كانت متشوقة لمعرفة فكرتي.

"بشكل غريب، إنه يحوم بقربي فحسب،"

قالت دين قبل أن ترتشفت قهوتها. راقبت الفراغ إلى يمينها.

"لما يكن الأمر سيئاً لولا أنه يحدق بي طوال الوقت."

"يقال إن القدرات مرتبطة بالشصخ..."

وجهت إصبع اتّهام نحو دين.

"أراهن أنك متلصصة خفية. رغباتك تجسدت في هذا الشيء الخفيّ الذي ينظرك. انتظر قط. المتلصص هو من يشاهد، أليس كذلك؟ لابد أنك متخفية—!"

"أنا لست متخفية، إريند. على أي حال، أترى شيئاً على كاميرات المراقبة؟"

هززت رأسها نفياً. كنت أُمسك بهاتف دين؛ وكان نظام مراقبة المنزل متصلاً به. إحدى الكاميرات كانت في المطبخ. كان مفترضاً بشبح دين الأليف أن يظهر في مجال رؤية الكاميرا، لكنه لم يفعل. غير أن دين، حين تنظر إلى الشاشة، تستطيع رؤيته. اختبرت كاميرات كل هاتف آخر وجدناه داخل المنزل، ولم يظهر هذا الشيء الغريب لي. وحدها دين استطاعت رؤيته، حتى لو نظر كلينا إلى الشاشة في الوقت ذاته.

لم يكن له أي انعكاس في المرآة. ولم تفعل نظارتي المزيفة شيئاً عند التحديق به.

"ربما يفيد شيء مثل كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء،"

قلت.

"لنحاول استخدام معدات صيد الأشباح عليه. متأكد من أننا نستطيع شراء بعضها عبر الإنترنت."

كنت منغمساً جداً في اكتشاف ما يكون هذا المخلوق. تخيلت نفسي عالماً في قناة الحيوانات، أوثق نوعاً مكتشفاً حديثاً.

"حسناً، الفكرة التالية. لمسه بأشياء."

"أشك في أن ذلك سينجح،"

قالت دين.

"حين انتقلت إلى الحمام، عبر بكل بساطة من خلال الجدار والباب وحتى ستارة الدوش."

"بإمكان إحدى جنيات ريو جعل نفسها خفية،"

قلت مذكراً إياها بقصته عن كيف تعقب شاحنة "امين".

"لكن الجنية تظل قابلة لللمس. علينا فقط معرفة ما ينجح مع مستدعِيكِ."

بالتأكيد ليس صلصة الصويا، ولا زيت الطهي، ولا خل التفاح. رششت عليه الفلفل، والبابريكا، والقرفة. كل ما أمكنني إيجاده في المطبخ. كل ما حققته هو إحداث فوضى على سطح المنضدة.

"أتحاول طبخ مستدعيّ؟"

سألت دين بضحكة خفيفة.

"أقسم أنني سأنظف هذا كله،"

قلت.

"والان، لنختبره بهذا."

حرّكت ملعقة مسطحة في المنطقة التي كان من المفترض أن يتواجد فيها. والسكاكين لم تنفع أيضاً.

"سأحاول لمسه بيدي. أَيقول شيئاً؟"

هزت دين رأسها. قبضت على الفراغ بيدها.

"يدك بداخله،"

قالت دين.

"إنه لا يقول شيئاً ولا يفعل شيئاً."

"لا أحس بشيء أيضاً."

كانت هذه قوة خارقة عديمة الفائدة. ومزعجة كذلك. لن أرغب في مخالقة مخلوق يتبعني طوال الوقت.

"دعني ألمس—"

"لقد أخبرك ألا تفعلي."

نظرت حول المطبخ متسائلاً عما يمكن فعله أيضاً. تنهدت دين.

"ماذا لو كانت تلك هي قدرته؟ إخباري بعدم فعل أشياء معينة لا غير. سيكون الأمر تماماً مثل عائلتي. تلك هي الصلة بحياتي التي تبحث عنها."

قلبت عيني مللاً. لم تستطع دين منع نفسها من إقحام مشاكل عائلتها في أي شيء. لن أسمح لها بإفساد متعتي. أشعلت الموقد.

"ماذا لو أحرقناه؟ أيمكنك تحريكه إلى هنا؟"

"لا أعتقد أنني قادرة على أمره بفعل ذلك. إن أردت تجربة النار، فاستخدم مشعلاً. لدينا واحد في الـ—"

اتسعت عيناه دين فجأة بينما التفت رأسها بخفة نحو صديقها الخفي. لا بد أنه كان يفعل شيئاً.

"إريند، أعتقد أن علينا تنظيف المكان هنا والذهاب إلى الطابق العلوي."

"هاه؟ لمَ؟"

"المخلوق يأمرني بذلك،"

انتزعت دين المناشف الورقية عن اللفافة وأخذت تفرك سطح المنضدة.

"ساعدني. نبرته—إنها مصرّة، ولست متأكدة من أنني أريد إغضاب هذا الشيء."

بعد دقائق معدودة، عدنا إلى غرفة دين.

لم نُشعل الأنوار، ظناً منا أن "امين"

كانا على وشك الهجوم. أردناهما أن يظنانا نائمين. أم أن أليف دين كان يمزح معنا؟ ناقشنا الأمر أنا ودين بصوت خفيض حين تسلل النوار عبر شقوق ستائرها النوافذ. كانت أضواء الحديقة الأمامية قد اشتعلت. فحّصت دين كاميرا الدوائر التلفزيونية المغلقة على هاتفها لنرى ما كان يحدث. كانت أختها تقترب من المنزل. أوصلها أحدهم، غالباً أحد عشاقها الكثيرين، إن صدقنا دين. مشت حافية القدمين وهي تمسك بحذائها ذي الكعب العالي، مترنحة بوضوح في خطواتها.

"سكرانة،"

تمتمت دين.

"من حسن الحظ أننا تجنبناها."

أشعلت مصباحاً ليلياً.

"لقد توصلنا أخيراً إلى معرفة قدرتي. أعتقد أن هذا المخلوق—"

أشارت إلى الفراغ "—يستطيع استشعار الخطر؟ ثم يحذرني منه."

"هذه قوة قوية بجنون إن عملت بتلك الطريقة،"

قلت. وهذا سبب إضافي يجعلني أبقي دين إلى جانبي.

"آه، أيمكنك الإصغاء عند الباب لنرى إن كانت أختك تصعد؟ لا نريدها أن تتنصت علينا."

توجهت دين نحو الباب وألصقت أذنها به. رفعت ذراعي مستهدفاً مؤخرتها. لوحت بذراعي على مصراعيه كفي. تفدته في اللحظة الأخيرة، قافزة إلى اليمين. حرّكت الهواء.

"إريند! أكنت ستصفع مؤخرتي؟"

"أحتفظ بحق الصمت. واخفض صوتك. قد تسمعنا أختك."

"أكنت ستصفع مؤخرتي؟"

كررت دين بغضب بهامس. خذلها الضوء الأصفر الصادر عن المصباح فكشف عن وجنتيها المحمرتين.

"كنت أختبر قدرتك،"

أوضحت.

"أترجح أن أحاول لكمك؟ وقدرتك تعمل. واو، مع التدريب الكافي، يمكنك أن تصبحي شبه خالدة. ماذا أيضاً يمكن—؟ آه!"

قرصت دين خاصرتي.

"هذا جزاء محاولتك صفعي. وأعلم أيضاً أن ذلك لم يؤلمك. يمكنني الإحساس بذلك—لقد صار جلدك أكثر صلابة. النواة الاصطناعية تفعل فعلها معك. لحسن الحظّ..."

غطت فمها بيدها.

"لـ-لم أكن أعني قول ذلك."

"قول ماذا؟"

لم أكن أصغي إليها. كان عقلي منشغلاً بالتخطيط لكيفية جعل دين تابعة لي. ستكون أهم ورقة رابحة أملكها. كان لديها أصولها الخاصة على أي حال. أمسكت دين بذراعي وأبعدتني عن الباب.

"إريند، أنا مسرورة لكوني لست وحدي في هذا..."

انكسر صوتها. شهقت بمرارة.

"أم, أأنت بخير؟"

أخذت نفساً عميقاً للغاية، مستنشقة كل الهواء في الغرفة. ثم أخرجته ببطء شديد. درامية للغاية.

"أنا... مرتاحة نوعاً ما لأن نواتك الاصطناعية تؤثر على جسدك أنت أيضاً. وليست وحدي. أتمنى ألا تكون غاضباً مني لتفكيري بهذا الشكل."

"ماذا؟ لست غاضباً من—"

"دعني أتمم. لقد شعرت براحة لا تصدق حين طلبت النواة أنت أيضاً. كان بمقدوري الضغط أكثر على داريو، محتجة بأن اكتفائي باختبار النواة وحدي يكفي. لكني لم أفعل."

"أوه، دين،"

قلت وأنا أعانقها بينما هددت كل خليه في جسدي بالتمرد. لم أستطع تصديق أنها كانت تجعل مهمتي في تقييدها بي سهلة إلى هذه اللعين.

"لا تفكري في ذلك. هذا كله بسببي. أنا المخطئ هنا."

"لا! لقد أخبرتك ألا تفتح سير ذلك مجدداً."

"إذن فلا تفتحي هذا الهراء بشأن شعورك بالوحدة مجدداً أنت الأخرى. اتفقنا؟"

هزت دين رأسها بضعف.

"اتفقنا. شكراً لك، إريند."

"رائع. والآن، كنت أقول فلنذهب إلى النوم، لكنني لا أستطيع النوم حقاً. أريد معرفة المزيد عن قدرتك. أترغبين في الاستمرار في اختبارها؟"

الاثنين مجدداً. انقضى أسبوع كامل رسمياً منذ تحوّلي إلى أدومبرا. في ذلك الوقت القصير، حدث الكثير من الهراء، واجتزت ذلك كله. حتى إنني كدتُ أوتى الموت مرتين. استحق الأمر احتفالاً صغيراً، فاشتريت كوب مثلجات في طريقه إلى مخبأنا. كانت دين على وشك كشف قدراتها أمام مدّعي البطولة. انحنت لخلع صندلها الصيفي ذي الكعب العالي وطراز المصارعين.

قالت: "إن لم يكن في الأمر تكلف، أيمكننا خوض معركة وهمية؟ لكن تمهلوا عليَّ أرجوكم. يمكنكم محاولة تخمين ما هي قدرتي".

قال داريو: "بالتأكيد. ألديك أي خبرة في القتال؟"

قالت: "أخذت دروساً في التايكوندو وأنا طفلة لأن أمي أصرت على أن تعرف الفتاة كيف تحمي نفسها. لكن الأمر كان عرضياً فحسب، وكرّهت تلك الدروس، لذا بذلت كل جهد لتخلفها. توقفت تقريباً في المدرسة الثانوية. رداً على سؤالك... أكرر، أرجوكم تمهلوا عليَّ للغاية".

فكرت في نفسي: سيكون هذا مثيراً للاهتمام.