كنت أجلس في منتصف غرفة تحيط بها أشكال مقنعة. مئات الشموع المرتجفة. كانت تتمتم بكلام غير مفهوم بصوت عميق. كنت خائفة. خائفة جداً. لكنَّ أحداً كان يطلب مني ألا أكون كذلك. أحدهم داخل رأسي؟ لا. كانت تجلس بجانبي — ظلٌّ لا تطفئه نور الشموع. بعد أن رمشت، وجدْتُ نفسي داخل قفص، وأصابعي الصغرى تقبض على القضبان. في الخارج، رأيت ثوراً هائلاً بأفواه وقرون تغطي جسده كله. تلفّظ بكلمات لم تصل إلى أذني تماماً.
بل كنتُ أرفض سماعها. كنت خائفة حقاً، أكثر من المرة السابقة. التهم الثور رجلاً. أخبرتني صديقتي الجالسة بجانبي ألا أنظر. غطّت عيني وعانقتني. اليوم، كنت في قفص مجدداً. أصغر حجماً. وكنت جائعة جداً. وضع رجل طعاماً على الطاولة، وأخبرني أنَّ عقابي يمنعني من تناوله. استطعت شمَّ رائحة الخبز. استطعت رؤية ألوان الفواكه الزاهية. طلبت مني صديقتي أن أمدَّ يدي. لكن الطاولة كانت بعيدة جداً.
مددت يدي على أي حال، وصارت قطعة خبز في كفي. كنت في غرفة مختلفة. أشخاص بلا وجوه أخبروني أنهم أمي وأبي، وأنَّ علينا الاستماع إليهم. علينا. كانت أختي هناك أيضاً. حمَتني من الأشخاص بلا وجوه. لم يكونوا أُمّاً وأباً. همست صديقتي الظليلة في أذني لأحطمهم. لم أعلُ. كننا داخل سيارة — أنا، وأختي، والأشخاص بلا وجوه الذين يدّعون أنهم والداي. وأيضاً، صديقتي. طلبت مني تحطيم الأشخاص بلا وجوه.
كان عليّ فعل ذلك هذه المرة. مددت يدي وصرت أعصر. صرخات. كنت أصرخ أيضاً. هوت سيارتنا فوق الجرف. أكنا نموت؟ لم تكن صديقتي لتدعنا — حسبك! دفعتُ المتطفلة المزعجة خارج عقلي. فتحْتُ عينيّ ووجدت نفسي على ركبة واحدة. عدت إلى قبو أوفردرايف بإضاءته الزرقاء المبهرجة والدماء في كل مكان. أمسكت أدومبرا كيلسي برأسها بكلتا يديها وهي تتراجع مترنحة. أتوصلت عقولنا للتو؟ أكانت تلك ذكريات كيلسي؟
كيف كان ذلك ممكناً؟ حتى الأدومبرا لم تعرف الإجابة.
"ماذا فعلت أيها الشاذ المقرف؟"
طالبت وهي تزمجر، بينما كانت عيناها وحراشفها تومضان بالبنفسجي والأحمر.
"مجرد انعكاس..."
"أنت من فعل شيئاً ما."
كنتُ شبه غائبة الوعي، لكنني أجبرت نفسي على التركيز. حان وقت القتال بعد أن فشلت خيارات حواري كلها. قذفت بندقيتي في الهواء، ثم نزعت قناع وجهي بينما حنيت رأسي. ارتديت قناع بلانشيت، وصار وجهي. غمرني طيف من المعلومات الحسية بمجرد أن تحولت، من الروائح المختلفة في الغرفة، إلى أصوات الحركة، وأكثر من ذلك بكثير. التقطت البندقية بيدي حين سقطت، ووجهتها نحو كيلسي. كان إدخال مخلبي في الزناد صعباً بعض الشيء.
"سألتهمك أولاً!"
صرخت. أطلقت النار من البندقية. تلاشى انفجار صغير في منتصف الهواء إلى لا شيء. لقد اصطدمت بحاجز غير مرئي. وبعدها، صرعني الحاجز غير المرئي، مسقطاً البندقية من يدي. اصطدمت بالأبواب وألقي بي خارج الغرفة، مصطدمة بالجدار. كان الألم زهيداً، لكنه ظل ضربة. ستدفعين ثمن ذلك! غضبتُ في داخلي. بدأت أشعر بالجوع تجاه أدومبرا كيلسي. امتلأ فمي باللعاب بينما استطالت أنيابي. حكت أطراف أصابعبي بينما اندفعت مخالبي للخارج.
كانت حزم العضلات مستعدة لضرب فريستي وقتلها. ارتكبت هذه العاهرة الغبية خطأ ضربي — كانت تجعلني أقوى.
"رهاور!"
ألقيت رأسي إلى الخلف وصركت بفكّي القويين في الهواء. اهتزت جمجمتي بينما تصادمت أنيابي. كان هذا أفضل شعور!
"أيمكنك التخلص من هيئتك الواهية والعودة للتحول؟"
تمتمت أدومبرا كيلسي لنفسها من داخل الغرفة. لكن بحواسي المعززة، استطعت سماعها وكأنها تقف بجانبي مباشرة.
"هذا سبب إضافي لأكلك."
يجب أن تكون هذه جملتي! كنت على وشك الزئير عندما لطم حاجز غير مرئي جسدي كله، مسطحاً إيَّاى ضد جدار الممر. أم الدهليز؟ الدهليز أم الممر؟ كان شطوط عقلي دليلاً على أنني لم أكن قلقة بشأن الخسارة، حتى عندما تعرضت للضرب المتكرر بقوة كيلسي. كان الأمر أشبه بالتعرض للدهس بواسطة شاحنة ضخمة كل نصف ثانية. كان هجوماً لا يلين! صارت قوة الحاجز غير المرئي أشد. تكسرت ضد الجدار بقوة جعلته يبدأ بالتصدع.
نصف بوصة. وبوصة. تدريجياً، كان جسدي ينغرس في الخرسانة. ثقب آخر على شكل جسدي. ذكرني هذا بالعين الوهمية وهي تدقني في الأرض في وقت سابق من هذا اليوم. ديجا فو ملعون. أبقَتني أدومبرا كيلسي على مسافة؛ لم تكن تعرف ما هي قواي. بعد أن تعجزني، سترى أنه من الآمن تماماً أكلُي. أكان ذلك هدفها طوال الوقت؟ السخرية عائدة إليها؛ لم تجعلني وابل الهجمات هذا سوى أقوى. لكن ذلك لمغنِ أنه لم يكن مؤلماً.
صار مقدم جسدي بأكمله مخدراً من الألم المستمر، وكل ضربة ترسل موجات صدمية عبر عظامي. انضغط جسدي بقوة جعلت لحمي يقاوم جلدي، الذي بدأ يتمزق في أماكن عدة. حتى ثديي انضغطا مسطحين ضد ضلوعي. كانت هذه سيئة الثديين الكبيرين. تكسرت بعض عظامي الأضعف، وخلعت اثنتان من أنيابي بينما دُفع نصف وجهي داخل الجدار. لكن عقلي احتمل العذاب، فاشتعل الغضب الملتهب بقوة أكبر. قاومت قدرتي على التجدد، مصلحة إصاباتائي حتى مع تسبب الضربة التالية في تدفق الدماء مني في كل مكان كأنني برتقالة معصورة.
بدأ الألم ينحسر. لم تكن كيلسي لتخفف من هجماتها. اهتز القبو بأكمله مع كل ضربة، وتساقط الغبار من الشقوق الممتدة في السقف. استطاعت عيني اليسرى، التي كانت تنفجر وتتجدد باستمرار، رؤيتها داخل الغرفة، وهي تلوح بذراعيها مثل منشد مجنون. احتملي. احتملي حتى أستطيع أكلها. كررت قول مراراً لنفسي بينما أجز على أسواني وأشد عضلاتي. عانيت من ألم شديد منذ أن طُعِنت أثناء هجوم الأدومبرا على القطارات.
اعتدت على هذا الهراء. أغضبني اختلاط رائحة دمي بالغبار. تاقت نفسي لغرس أنيابي في أدومبرا كيلسي. ربما قد أقتلها وحسب وأمضي قدماً. تستطيع ميرا البحث عن أختها المفقودة للأبد. لم تستحق أدومبرا الضعيفة هذه العيش بعد هجماتها الوقحة. لقد تجرأت حتى على التفكير في أكلِي! بعد دقيقتين أخرتين، صار جسدي صلب لدرجة عجزت معها كيلسي عن إيذائي. صمدت عظامي، وبقي لحمي سليماً رغم محاولات كيلسي لتطرِيَتي.
ساعدتني الفوهة الصغيرة التي طُرِقْتُ فيها على تقليل قوة الضربات. تشنج في هذه الحفرة بينما بدأ جسدي في التضخم. استغرق الأمر وقتاً أطول حتى توقفت كيلسي أخيراً عن هجماتها. كانت متأكدة إلى أقصى حد من أنني تعرضت للضرب بوحشية تكفي لتستغرق وقتاً طولاً لأتجدد وأقاتل مجدداً. تلك كانت حكمة. ويا للأسف لعدم نجاحها معها. لم يتحرك داخل الحفرة، مسترخية بجسدي. تطلب الأمر كل ذرة تحكم ذاتي لمنع نفسي من القفز والهجوم بجنون على كيلسي.
كان يجب أن يُغطى كل شيء بدمائي اللعينة ولحمي المهروس، كي لا تلاحظ أنني تحجولت وكنت بخير حقاً. كان عليها الاقتراب لـ — أوه؟ شعرت بنفسي أُحفر خارج الحفرة. أكانت هذه أصابع عملاقة غير مرئية؟ كان الأمر أشبه بالطيران أثناء الوقوع في قبضة إسقاط كيلسي. شددت قبضتها. تظاهرت بالتشنج والأنين من الألم. تساءلت عما إذا كان عليّ محاولة التحرر عندما تغير المنظور الذي استطعت رؤيته عبر عينيّ المفتوحتين بالكاد فجأة.
ضوء أزرق. عدت إلى داخل غرفة أوفردرايف في لمح البصر. كانت هذه قدرة كيلسي على نقل الأشياء إلى يدها. لكنني لم انتهِ في يدها الفعليّة. كنت لا أزال محتجزة بقوة غير مرئية، تبقيني طافية. تطورت قواها من مجرد أشياء مزعجة للالتقاط. عرفت أن كيلسي تقف على مسافة تقل عن قدم خلفي لأنني استطعت سماع تنفسها ونبضات قلبها السريعة. استطعت شمها أيضاً، رائحة معدنية ممزوجة برائحة طرائد غريبة.
مجرد تلميحات من رائحة بشرية. تمنيت أن يكون تحت حراشفها لحم طري ليجعل أكلها ممتعاً. كان هذا جانبي التافه والحاقد متداخلة مع غرائز مفترسة لبلانشيت. سأعتذر لميرا بهوية مجهولة لاحقاً لكوني أكلت أختها. أكانت أخت ولاحقاً تتشابهان في القافية؟
"لا زلت حية"، قالت كيلسي، مديرة إياي لأواجهها.
"كنت متأكدة من أنني قتلتك. لا بأس. ستموتين بالطريقة ذاتها، وستساعدينني في بناء جسري. يجدر بك معرفة ذلك."
ما اللعنة التي كانت تتحدث عنها؟ كان لدي الكثير لأُسأله ليريند المخيف في المرة القادمة التي سنلتقي فيها. لم تكن أدومبرا كيلسي لتهذي طويلاً لأنني سأتجدد من إصاباتاتي، لذا تظاهرت بالعجز لأمنحها شعوراً زائفاً بالأمان. أبقيت عيني مغلقتين لتظن أنني أنزلق نحو فقدان الوعي. وإلا، فلن تكلف نفسها عناء المونولوج. سحبت ذراعي وقدمي إلى الخلف محاولة إخفاء نموي طولاً. كان يجب أن نكون بنفس الطول تقريباً بحلول الآن، ناقص قرنيها.
"كائن غريب أنت."
قصدت كيلسي نوعاً مختلفاً من الغرابة، لا مظهري الجسدي. لم تحصل على نظرة جيدة عندما تحولت، وإلا لعرفت أنني مختلفة تماماً الآن. وتابعت.
"تملكين واحدة من تلك... الأشياء المقرفة داخلك. مثل أختي، لقد اندمجتِ مع انعكاس الكيان الذي يسمونه النواة الأم."
إنها تعرف أنني أملك النواة الاصطناعية. ملاحظة عقلية بأن الأدومبرا تستطيع استشعارها. الحقيقية منها، وليست المزيفة التي صنعها 2M. يجب أن يكون هذا سبب وضع العين الوهمية لنا فوراً في سجن عقلي لحظة استيقاظها. سيجعل هذا تكوين صداقات مع الأدومبرا أمراً صعباً.
"أتدخلت نواتك في إجراءات المجلس ضد الأدومبرا؟"
تفكرت كيلسي. تباطأ نبض قلبها. لم تعد تراني تهديداً.
"وهذا هو سبب قمع ذاتك الحقيقية. أرى من خلال أكاذيبك أن حقيقتك سمحت لك، أنت الانعكاس، بالسيطرة على هذا الجسد."
كنت أقول الحقيقة، أيتها العاهرة الغبية. إحدى المرات النادرة التي اخترت فيها عدم الكذب، ولم تصدقني أدومبرا كيلسي. يعني هذا أن عليّ الكذب طوال الوقت. رغم أن كيلسي طرحت نقطة جيدة حول آلات المجلس المضادة للأدومبرا. ربما كانت نواتي هي ما ساعدني على احتمال آثارها.
"لكن كيف يعقل هذا؟"
سألت كيلسي، مقربة إيَّاي منها. استطعت شعور أنفاسها على جلدي وفروي.
"لن يمنح داريو ذلك الجزء الخائن لواحدة منا. ما لم... يكن يعلم؟"
ضحكت كيلسي.
"مسلٍ ورائع. ماذا سيحدث لي إن أكلتك؟ أأنت آمنة للأكل... أيتها الشاذة التي لا تفسير لها؟"
أردت حقاً حقاً الكشف عن أنني كنت واعية تماماً. احتجنا هذا المشهد إلى بعض المزاح، وكانت لدي أسئلة تتوق للجواب. من جهة أخرى، لم استطع التكلم بفم ذئبي. كان على الاكتفاء بكشف درامي، منتظرة اللحظة المناسبة لمفاجأة هذه الفريسة غير المحترمة. واصلت التظاهر بفقدان الوعي، مع تباطؤ تنفسي، وانفراج فمي قليلاً، وتدلّي لساني. أمسكت كيلسي برأسي بيديها الحقيقيتين، وكانت حراشفها خشنة ضد جلدي.
مرر الهواء الدافئ رائحة قوية. كانت أقرب بكثير؛ حتى أنني استطعت استشعار ضخ الدم في عروقها. أكانت تلك رائحة اللعاب؟ بنظرة خاطفة، أكدت أنها فتحت فمها لعضي. أنا أكبر. وكان درعها الواقي معطلاً. فتحت فمي عريضاً بما يكفي لعض النصف الأمامي من وجه كيلسي. متفاجئة، لم تستطع تثبيث رأسي في مكاني بينما مددت عنقي للوصول إليها. في جزء من نانوثانية، استطاعت الانحناء بعيداً قليلاً. أنقذ ذلك حياتها.
قضمت النصف الأسفل من وجهها، وحطمت أنيابي حراشفها لأمزق وجنتيها. طحنت أيضاً عظم فكها الأسفل وحطمت الأسنان. تم سحق كل شيء بواسطة عضتي القوية. تراجعت كيلسي، زاعقة بطريقة تخيلت كيف سيبدو صوت فيل جريح. اختفى النصف الأسفل من وجهها. تدفق من نهاية لسانها الممزق دم بنفسجي كخرطوم إطفاء. كانت عيناها غاضبتين، لكن قلبها المتسارع خان خوفها. بينما ابتلعت قضمتي الأولى من كيلسي — لحماً، وأسنان، وعظاماً، وكل شيء — بذلت جهدي للتححر من اليد غير المرئية.
شعرت بها تستسلم. نشرت ذراعي بزئير قوي، مبددة أي هراء كان ذلك، وساطت على الأرض. لوحت كيلسي بذراعيها نحو الأسفل. استشعر فروي التغيرات الدقيقة في الريح. التقطت الصوت الخافت للحاجز غير المرئي الاندفاع نحوي. دفنت مخالبي قدمي في الأرض. ثم رميت بكلتا يدي إلى الأمام، لكمة الحاجز بتخلٍّ طائش. سبقت قوة وسرعة لكمتي زوبعة مصغرة. عثرت مفاصل أصابعي على الحاجز. سبق دوي هائل الزعزعة التي هزت الغرفة.
وفجأة، لم يكن هناك شيء. كدت أنقلب إلى الأمام بسبب زخم لكمتي، لولا مخالبي المرساة. حطمت الحاجز اللعين بلكمة واحدة! باثنتين، تقنياً. استخدمت قبضتيّ الاثنتين. كانت كيلسي تركض نحو المخرج. سارعت لقطع طريقها. قامت بحركات غريبة مجدداً. شعرت بشيء يقترب من جانبي. أكانت هذه اليد العملاقة؟ مددت ذراعي لمنعها من إحاطتي.
"غراور؟"
وجدت نفسي فجأة في الطرف البعيد من الغرفة، مواجهة للجدار. لما كنت هنا فجأة؟ كيف بحق الجحيم عمل شيئها المتعلق بالنقل الآني؟ مجرد اللمس بواسطة اليد العملاقة؟ كان ذلك غير عادل جداً! استدرت. لم تكن كيلسي في منتصف الغرفة، بجانب الأريكة. التمحت شعرها المتطاير وهي تندفع خارج الباب. طاردتها، وكان أنفي مووجهاً نحو رائحتها. سريعة جداً في الفرار. لم تكن الأدومبرا قلقات بشأن الموت، أكن كذلك؟
كان من المفترض أن نكون مجرد انعكاسات أو أياً كان ما ذكرته. إن لم أكن خائفة من الموت، فهي لن تكون كذلك أيضاً. لكن ماذا عن أكلها من قبل أدومبرا أخرى؟ ربما استطعت تخويف كيلسي بذلك.