التجسّد كمخمّر: ضد رغبتي الفصل 142 — التجهيز للشتاء

اقرأ التجسّد كمخمّر: ضد رغبتي الفصل 142 — التجهيز للشتاء باللغة العربية على مانجا تايم.

جلس أليك إلى الطاولة في غرفة الاجتماعات الرئيسة، وتوسّط سيرين وفيل. اشتعلت النّار في المدفأة، واكْتَنَفَتِ الجميع بحرارة تذكّرهم بأنّ الشّتاء قادم وأنّ الحطب يزداد غلاءً. أمسك فيل وسيرين بالورق، في حين خلا مكان أليك منه؛ فقد امتنع فيل عن إعطائه الورق منذ الاجتماع الثالث، حين استغلّ الهوامش لرسم أشكال غريبة ومكلفة. استند أليك إلى الوراء، لكنّه توقّف فجأة حين أصدر الكرسي صوتاً مزعجاً.

ضمّ المقرّ كراسي عديدة الآن. بعضها كان جيّداً، وبعضها الآخر كراسي حانات عتيقة نجت من السُّكارى، والموسيقى الهابطة، وسنوات من دفع أشخاص لا يبالون بالأثاث قدر مبالاتهم بمشروبهم التالي. كانت تلك الكراسي على وشك اكتساب شخصيّة فريدة لو امتلأت بالندوب. انفتح الباب الأمامي. تسلل البرد أولاً، وتلاه ثمانية رجال دلفوا معاً. دكّ كلّ واحد منهم حذاءه وتازّوا في طريقهم. تعرّف أليك إلى مِلْف وبورسين.

بدا الاثنان أمتن من ذي قبل، وأقلّ خشونة ممّا كانا عليه حين التقى بهما أليك للمرّة الأولى. وينطبق الأمر ذاته على البقية. لاحظ أليك أنّ الحمّالين يؤدّون معظم أعمالهم مجتمعين متى ظنّوا الأمر مهمّاً، كما بدا أنّهم يمقتون القادة، غير أنّ بورسين كان ينطق غالباً باسم الجماعة. حافظوا على الهيئة ذاتها. أكتاف عريضة مستقيمة، وقامة منحنية نتيجة الانحناء لِساعات وكراهية الثقل لِكسب العيش.

أيادٍ ندبتها المشقّة والحبال. وقف الجميع بوقفة واسعة. لكنّهم بدا بحال أفضل، وهذا ما التقطه أليك، فغمرته سعادة غامرة. معاطف أجود بحياكة متقنة. أحذية صُنعت لصاحبها، أو اشتريت على الأقلّ قبل أن يدركهم اليأس. لفّ أرجل أحدهم وشاحٌ جديد بطريقة سيئة، واستقرّ لونه الأزرق على صدره بدفء شيء اشترته زوجة أو أخت أو حبيبة أبدت اهتماماً، أو ربّما حملت ازدراءً خاصّاً للرقاب الباردة.

انتفخ بطن بورسين. إن كان الجسد معبداً، فقد اختار بورسين افتتاح مطعم خفيف في الردهة.

قال بورسين بإيماءة وابتسامة: "كيف حالك يا سيّدي؟".

أجاب أليك بابتسامة وهو يشير إلى المقاعد: "صباح الخير يا بورسين. ويا للجميع. ادخلوا. اجلسوا".

رمق الحمّالون الطاولة ثم الكراسي. جرّوا المقاعد نحوهم. خدش الخشب الأرض. انكمش فيل ألماً، بينما لم تتغيّر ملامح سيرين، ممّا يعني أنّها سمعت الخشخشة أيضاً واختارت النضج. أعجب أليك بذلك؛ فقد شهدت هذه الأرضيّة ما هو أسوأ في رأيه. استقرّ الجميع في مجالسهم، فانحنى بورسين إلى الأمام سانداً مرفقيه على ركبتيه.

قال وهو يومئ برأسه ويلتفت نحو رفاقه الحمّالين: "إذن.. صرنا نقابة حقيقيّة".

ابتسم أليك وهو يرجع بظهره: "أحقّاً؟".

اتسعت ابتسامة بورسين ببطء: "حتى الأسماء دُوّنت".

أومأ أحد الآخرين: "والقوانين أيضاً".

أردف آخر بسرعة ناظراً إلى المتحدث عن القوانين: "ليست كثيرة".

قال بورسين بسلطة رجل اكتشف حديثاً أنّ القوانين تكون أكثر نفعاً إن أمكن توجيهها نحو شخص آخر: "بقدر ما يكفي. لدينا اشتراكات، وصندوق، وكاتب".

رفع فيل بصره.

أشار إليه بورسين: "يشبه ما لديك يا سيّدي. لكنّ صندوقنا أكبر".

أشاح أليك بوجهه فوراً، والتفتت سيرين معه. لبرهة، رمق اثناهما المدفأة بنظرات حادّة لا مبرّر لها. عبس فيل. وتناقل الحمّالون النظرات فيما بينهم.

تحوّلت ابتسامة بورسين إلى ارتباك: "ماذا؟".

قال أليك بسرعة زائدة وهو يكاد يبتلع ضحكته: "لا شيء".

تحرّكت كتفا سيرين مرّة واحدة.

استقام فيل وعدّل معطفه: "أختار ألا أسمع في هذا إهانة".

قال بورسين دون أن يستوعب الأمر تماماً، لكنّه سرّ لحدوث شيء ما: "أيّة إهانة يا سيّدي. كاتبنا شابّ ضخم هذا كلّ ما في الأمر. اعتاد جرّ الحجارة قبل أن يصاب ركبه. يكتب ببطء، لكنّه يكتب. ولا يدع الناس ينسون الاشتراكات أبداً".

قال فيل بشيء من الجمود: "هذا مفيد في الكاتب".

أومأ بورسين باتجاه فيل: "نعم. رجل مرعب بلوحة كتابة".

فرك أليك وجهه، واحتاج إلى لحظة ليستردّ هدوءه: "جيّد. هذا جيّد. تهانينا على النقابة".

أومأ الحمّالون بفخر حقيقي حينها. ظنّ أليك أنّ ذلك النوع من الفخر قادر على رفع الرايات إن سنحت الفرصة. أدرك أليك قيمة ذلك أكثر ممّا يحب.

قال بورسين وقد خفض بصره قليلاً: "قبل أن يشتدّ شتاء، نودّ الحديث عن الربيع أيضاً. ليس اليوم، وليس بكلّ تفاصيله. فقط ليكون معلوماً".

أومأ أليك ومال برأسه منصتاً باهتمام: "تفضل".

أردف بورسين مستدركاً ومطلقاً نظرة سريعة نحو أليك: "نظنّ أنّنا سنحتاج ثوراناً في الربيع، لا الآن. ليس في الشتاء. لا تشترِ الدوابّ في الشتاء إلا إن كنت تحب إطعام المال واستعادة العظام. لكن في الربيع.. بضعة ثيران للمرتفعات".

همهم أحد الحمّالين: "بعض الشوارع تقاوم".

وأضاف آخر: "وبعضها ينتصر"، فوافقه كثيرون على هذه الحكمة.

أومأ بورسين معهم: "وربّما عربة تجرّها الخيول لاحقاً. عربة حقيقيّة. ذكرتَ أنك تريد البيرة في الأحياء الأقر, الأحياء الفقيرة وما شابهها. ستفي اليدويّات بالغرض لكنّ المسافة طويلة".

رمق أليك سيرين بنظرة. فأومأت ودوّنت ملاحظة.

قال أليك مسروراً بتجاوب الحمّالين: "اجتماع الربيع إذن".

ابتسم بورسين وقال: "اجتماع الربيع. الشتاء أولاً".

وافق أليك: "الشتاء أولاً".

انحنى أليك إلى الأمام: "ما الذي يمكنكم فعله حقّاً حين تبدأ الشوارع بالتجمد؟".

صمت الحمّالون. كان صمتاً جيّداً. صمت عمل. ليس صمت رجال ينتظرون متحدثاً مهمّاً، بل رجال يفرزون أموراً عرفوها في عظامهم ويقررون كم منها يمكن صياغته في كلمات لشخص لم يقضِ حياته خلف عربة.

قال بورسين أخيراً: "حسب الشارع".

قال أليك متوقعاً المزيد: "ظننت ذلك".

هزّ بورسين رأسه ناظراً إلى الطاولة: "لا يا سيّدي. حسب الشارع".

وأومأ الباقون تأكيداً.

قال أليك وهو يرجع إلى الخلف قليلاً ويميل برأسه: "لكنّ الشارع الرئيسي يظلّ مفتوحاً".

أومأ بورسين: "غالباً. طريق القصر، وممرات الجسور، والشارع الرئيسي. سيقومون بكسح الثلج هناك على نحو مناسب. وسوق الصفّ أيضاً. هناك نقود كثيرة، وكلّ تلك البسطات. وصراخ كثير إن تجمّد ذلك المكان تماماً".

وانخفض بصره قليلاً أثناء حديثه.

قال صاحب الوشاح الأزرق: "درب الخبّازين".

رمقه أليك بنظرة.

قال الرجل كأنّه يقرر قانوناً من قوانين الطبيعة: "الخبّازون ينالون شوارع نظيفة. الخبز يتحرّك دائماً. يغفر الناس الكثير في الشتاء. إلّا انقطاع الخبز".

كرّرت سيرين وهي تدون: "درب الخبّازين".

أشار بورسين عبر الطاولة، لا إلى أيّ خريطة، بل إلى المدينة الماثلة في رأسه: "الزاوية الجنوبية بعد الدباغة القديمة تبدو نظيفة لكنّها تصبح زلقة. مجرى الصرف غير مضبوط. تتجمّد طبقته رقيقة أولاً، ثم تشتدّ بحلول الصباح. يقف المرء هناك بثبات ثم يفقد عربته حين تنزلق".

أضاف آخر موالياً بورسين: "لا تستخدموا شارع البئر بعد التجمد القاسي الأول. يبدو جيّداً، لكنّه ليس كذلك. ظلّ كثير".

التفت صاحب الوشاح الأزرق إلى المتحدث السابق: "الساحة قرب المزار القديم أفضل. الرياح شديدة، لكنّ الأرض متماسكة".

قال بورسين وهو يتراجع إلى الوراء ويعقد ساعديه: "الرياح أسوأ قرب مقصّ الدباغين. تخترق العظم".

صارت الغرفة ملكاً لهم. أدرك أليك ذلك بعد لحظة، فأصمّ فمه بحكمة. تجادل الحمّالون بشأن الشوارع دون تكهنات. عرفوا الانحدار، والحجارة، والظلّ، والمصارف، والزوايا، والجدران، وأماكن تجمع المياه، ومواضع انزلاق الخيول رغم عدم امتلاكهم لخيول، وأين يمكن للرجل تثبيت قدميه وأين يتعذر ذلك. لقد عرفوا المدينة. ولهذا السبب جلسوا إلى الطاولة.

قال أليك ما إن بدأت الموجة الأولى من أسماء الشوارع بالدوران حول نفسها: "حسناً. لا يمكنني اختيار المسار، عليكم فعل ذلك. الشارع الرئيسي، وسوق الصفّ، ودرب الخبّازين، وأيّ مكان آخر تعرفون أنّه آمن بما يكفي".

رمقه الحمّالون بنظراتهم.

قال أليك محاولاً شمولهم جميعاً بنظراته: "ما أُريده.. هو نقاط تجميع أو ما يقرب منها".

أومأ بورسين ببطء مستمراً في جلسته المرتخية: "هذا قد ينجح".

"لا نريد الخدمة من باب إلى باب للجميع. ليس في الشتاء. تحدّدون نقاطاً تستطيع الحانات والنزُل القدوم إليها لجمع البراميل. وإن أرادوا نقل شيء أبعد، يدفعون أكثر لكنّهم لا يخاطرون لأجل بضع عملات نحاسيّة".

شرح أليك استراتيجيّة التوصيل الشتوية ببساطة. أومأ بورسين، وتبعه صدى من الإيماءات من البقية.

أضاف أليك ملاحظاً إيّاهم جميعاً: "في مرحلة ما.. سيصفكم أحدهم بالكسل لأنّكم لا تجرّون البيرة في شارع لن يمشوا فيه وهم سكارى".

ابتسم صاحب الوشاح الأزرق.

حك بورسين فكّه: "سيشتكون يا سيّدي".

"بالتأكيد سيشتكون. أصحاب الحانات يشتكون عند وصول البيرة لأنّهم سيضطرون لبيعها. واشتكوا حين بعتُ البيرة إلى الحلبة بعدما باعوا هم النّبيذ إليها".

قال أليك موافقاً إيّاهم الإيماء. أثار ذلك بضع ضحكات. وخفضت سيرين بصرها نحو الشاي.

تابع أليك: "لكن إن تعذّر عليكم بلوغ نقطة تجميع بسبب انسداد الطرق أو تجمدها أو خطورتها، فلن يستطيع زباينهم بلوغها أيضاً. الشتاء لا ينحاز لأحد. دعوهم يشتكون. فلن يغير ذلك شيئاً في الطريق".

راقب ردّ فعل صاحب الوشاح الأزرق، كأنّه يختبر مستوى تحمّل الإجهاد.

كرّر أحد الحمّالين العبارة بصوت خافت: "لن يغيّر الطريق".

قال بورسين: "هذا يناسبنا"، وبدت العبارة وكأنّها استقرت بينهم ووجدت مسكناً لها.

ساد صمت بينما تفكّر الحمّالون في مزيد من الأسئلة.

سأل بورسين محولاً تركيزه بالكامل نحو أليك مجدداً: "كم مرة؟".

ردّ أليك مراقباً إيّاهم باهتمام: "وددت لو قلت كل أسبوعين، لكنّ الطقس لا يطاوع".

تبادل الحمّالون النظرات.

قال أليك وهو يهزّ رأسه ويحرك يده رافضاً: "ليس كلّ يوم. ولا حتى ما يقاربه. تضعون جدولاً زمنيّاً. تعلم النُّزل والحانات أين تجمع ومتى. إن احتجت بيرة أسبوعين، أخذت بيرة أسبوعين. وإن احتجت أكثر، خططت لذلك. وإن فشلتم في التخطيط، فهذه ليست طوارئ تخصّكم".

ارتدّ بورسين إلى الوراء، وصرّ المقعد تحته. لم يكن أسبوعان أمراً هيّناً. أدرك أليك ذلك. فهذا يعني طلبيّات أضخم، وأياماً أثقل، ومزيداً من التخطيط، ومزيداً من البراميل الراسخة حيث تفضل الحانات ألا تتواجد، لكنّه يعني أيضاً قلّة من الرجال في الطقس السيء، وأيدي أقل تجمدًا، وعربات أقل تعثراً في منتصف الطريق بينما يصرخ أحدهم في وجه السماء.

قال بورسين وهو يمصّ شفتيه كأنّه يتذوق الفكرة: "نقاط تجميع. سنحددها بشكل مناسب، سنفعل. الشارع الرئيسي لأغلبها. وسوق الصفّ لمن يقطنون قرب التجارة. ودرب الخبّازين للجانب الشرقي. وربّما ساحة المزار القديم إن لم تكن الرياح قاتلة".

سأل أليك متبيّناً وقوفهم في نقاط التجميع: "هل تحتاجون إلى نيران؟".

انتعش الحمّالون.

أضاف أليك فوراً ملاحظاً حماسهم: "نيران صغيرة. مواقد إن تمكنا من تدبيرها. لا شيء قرب الحبال أو القشّ أو الخشب أو ما شابه".

دوّن فيل ملاحظة: "سنحتاج للتحقق من قوانين المدينة بشأن النيران العامة، لا يمكننا ضمان ذلك لكنّنا سنبحث الأمر".

أضافت سيرين: "هو محق".

كان الحمّالون يتشاورون بالفعل، هذه المرة حول الجدران الحامية من الرياح، والأسطح المبرزة، والزوايا التي يكون فيها الدخان مزعجاً، وأيّ الخبّازين قد يسمح بوضع موقد قرب جداره إن دُفع له بالبيرة. تناقشوا بشأن المدينة كأنّها قريب مسنّ ثقيل الظلّ. مزعجة، مألوفة، قاسية أحيانًا، لكنّها مفهومة أكثر ممن قضوا سنوات في التعامل مع تقلباتها. بحلول الوقت الذي وقفوا فيه للمغادرة، كان فيل قد ملأ ورقتين كاملتين ومعه بوادر صداع وشيك.

مد بورسين يده. فصافحه أليك.

قال بورسين: "اجتماع الربيع بعد الذوبان. ثيران، وعربات، وأحياء فقيرة".

وافق أليك بابتسامة: "بعد الذوبان".

أومأ بورسين ونظر إلى البقية: "حسناً أيّها الفتيان. لنذهب للجدال في مكان أدفأ".

قال أليك: "يمكنكم الجدال هنا".

هز بورسين رأسه مستوعباً الأمر: "لا يا سيّدي. هذا دفؤكم".

غادروا برفقة البرد، وارتفعت أصواتهم في الخارج بينما أصرّ أحدهم على وجوب وجود نقطتين في سوق الصفّ ونعته الآخر بالأبله أحمق التفكير لظنّه أنّ أحداً سيمشي كلّ تلك المسافة حاملًا برميلاً. تابعه أليك من خلال النافذة.

قال بهدوء وبابتسامة خبيثة: "يبدون بحال أفضل".

التفتت سيرين نحوه.

قال مشعراً بنظرتها: "الحمّالون. يبدون بحال أفضل".

قالت بابتسامة طفيفة ارتسمت على شفتيها: "نعم. يجنون أموالاً أكثر الآن".

أضاف فيل وهو يجمع أوراقه: "ويأكلون أكثر أيضاً. أظنّ بورسين يثق بأزراره أكثر من عربته".

ضحك أليك رغم أنفه. واستمرّت الضحكة وقتاً كافياً لتعيد إلى الغرفة طابعها البشري.

لاحقاً، وصل مارا، وهال، وهيستا. حمل الاجتماع الثاني رائحة خفيفة من الشعت قبل أن يجلس أحد. أخذ ألتريك نفساً عميقاً من تلك الرائحة. كانت مشاعره تجاه المصنع معقدة، لكن منذ التفتيش مع القائد، عاد إليه حبّه له. دخلت هيستا أخيرًا، وهي تمسح يدها بقطعة قماش، رغم أنها كانت ترتدي قفازات.

قال ألتريك وهو يشير إلى الكراسي: "اجلسوا".

جلس مارا. جلس هال بجانبه. أخذت هيستا الكرسي المقابل لفايل، ونظرت إلى الأوراق بريبة فورية.

أوضح ألتريك وهو يتفحصهم جميعاً: "علينا البدء بالتحرك نحو الجعة المبردة".

عبس مارا أولاً. نظر هال إليه، ثم إلى ألتريك. تحولت ريبة هيستا إلى انتباه.

رفع ألتريك يده في حركة عالمية لبطء الحركة، وقال: "ليس دفعة واحدة. ما زلنا بحاجة إلى الجعة العادية. سأجهّز البراميل المزبدة للجعة المبردة. لن أقطع أي شيء بشكل حاد. لكن الشتاء آتٍ، والبرد يمنحنا فرصة لصنع الجعة التي تطلب البرد".

سالت هيستا ورأسها مائل: "لقد سمعت عن جعة الشتاء، أهو الأوان؟".

لهذا كان يحب هيستا. كانت تتخطى الدهشة مباشرة وتصل إلى الجزء الذي يمكن أن يفسد الجداول الزمنية.

قال ألتريك وهو يراقبها بحذر: "نعم، هذه تتخمر ببطء. من أسبوعين إلى ثمانية أسابيع، في المثالي".

نظر مارا باتجاه السقف لفترة وجيزة، كما لو أن المبنى قد ينتج براميل إضافية إن عومل بحزم كافٍ.

قال ألتريك وهو يتكئ إلى الوراء مجدداً: "ثمانية أسابيع ستكون أفضل. أربعة أسابيع هي غالباً ما يمكننا دفعه في أقصى الحد، لعدم وجود البراميل، أو المساحة، أو الصبر".

قال مارا ونظراته تتوجه نحو فايل الذي صنع معجزات بالبراميل في الماضي: "لا تهتم الجعة ببراميلنا".

ابتسم ألتريك وقال: "لا. الجعة غالباً ما تكون فظة هكذا".

ولاحظ أن فايل بدأ يشعر عدم الارتياح. نقرَت هيستا بإصبع واحد على الطاولة.

وسألت ورأسها مائل نحو ألتريك: "ما الذي يتغير؟".

توقف ألتريك، وفكر في كيفية صياغة هذا: "بعض العملية. تتخمر ببرد وببطء أكثر. طعم أنظف إن تم إتقانها. يجب أن تكون ممتازة في الشتاء إن أدرناها جيداً".

نظر هال إلى هيستا بعبوس وقال: "إن".

قال ألتريك وهو يومئ لهال: "نعم. إن".

كان هناك راحة في قول الأمور بوضوح.

كلمة «إن»

هي الكلمة الصادقة في التخمير. كل ما عدا ذلك كان وقوفاً قريباً جداً من الغلاية.

شبكت هيستا ذراعيها: "ألن تتجمد؟".

أومأ ألتريك لها: "نعم، إن صار البرد شديداً".

أومأت هيستا، راضية بإجابة مباشرة، حسب ظن ألتريك.

تابع ألتريك الشرح: "الجعة تريد البرد. لا تريد أن تصبح ثلج جعة".

وقام بسلسلة معقدة من حركات اليدين بالقبضات والأكف التي لم يفهمها أحد.

"برداً، لا تجمداً. لذا يجب مراقبة مبنى التخمير بشكل صحيح. قد نضع غلاية هناك، تعمل بالماء، وندع البخار يبعد أسوأ البرد".

تقبلت هيستا ذلك بإيماءة صغيرة.

تابع ألتريك، وهو يصنع حركة إنبات بيده يمكن أن تعني بخاراً أو نباتاً: "إن كانت الغلاية كثيرة، سنستخدم حجارة التدفئة. توضع حول المكان. وتُراقَب بحرص. ننقل البراميل بناءً على ما تفعله الغرفة".

أومأت هيستا ببطء وهي تستوعب. لاحظ ألتريك أن تلك الإيماءة كانت مهمة، لم تكن موافقة بعد. بل كانت إيماءة شخص يبني العمل في رأسه ويجد أين ستختبئ المشاكل.

قال ألتريك وهو يراقب هيستا: "سنحتاج إلى فحوصات. صباحاً. ظهراً. مساءً. وربما متأخراً إن كان الصقيع قارساً".

مالت هيستا إلى الأمام: "كيف نعرف أنها تعمل؟".

توقف ألتريك. كان ذلك الجزء الصعب. استطيع التحدث عن النكهة، والتخمير، ودرجة الحرارة، والوقت، والصفاء، والملامح النظيفة، ودزينة أمور أخرى تخص عالماً فيه موازين حرارة، ومقاييس كثافة، دفاتر مليئة بالأرقام. هنا، لديهم حواس، وخبرة، وحجارة تدفئة، وأشخاص يتعلمون أسرع بكثير مما يحق له توقعه.

هز كتفيه وقال في النهاية: "نتعلم. تُراقب الدفعات الأولى عن قرب. الرائحة، الصوت، الزبد، الطعم. إن كان البرد في برميل خاطئ، نعلّمه. وإن أعطت منطقة ما من الغرفة جعة أفضل، نعلّم تلك أيضاً. لن ننال الصواب في البداية، ثم يشتد البرد ونغير كل شيء مجدداً".

ورسم دوائر بأصابعه على الطاولة وهو يتحدث.

ابتسم مارا بخفة: "يبدو ذلك كالشهر الأول مجدداً".

ابتسم ألتريك هو الآخر وقال: "نعم. لكن أبرد وبأوراق عمل أكثر".

وألقى نظرة على فايل حين قال الأخيرة.

قال هال وهو ينظر بدوره إلى فايل: "لا أحد يستحق ذلك".

اختلج فم سيرين.

نظر ألتريك إلى مارا، واستند إلى الوراء ونقر على مسند الكرسي: "أحتاج أيضاً إلى عشرين برميلاً لنفسي".

جذب ذلك انتباه الجميع بطريقة مختلفة.

ارتفع حاجبا مارا: "لنفسك؟".

قال ألتريك وهو يميل برأسه نحو الأسفل ويقوم بحركات تقطيع بيده: "نعم. براميل جيدة. براميل جيدة جداً. نظيفة، محكمة، بلا خل قديم، بلا روائح غريبة، بلا إصلاحات ذكية، وبلا هراء «لا تسرب إلا حين تمتلئ»".

أوحى تعبير وجه هال بأنه يعرف تماماً أي برميل يقصده ألتريك.

قال ألتريك وتلفت نظراته نحو هال: "أريد تخميرها وتخزينها بالشكل اللائق، هنا. وبعضها سيكون هدايا".

فهم مارا أولاً.

اعتدل في جلسته قليلاً: "أي نوع من الهدايا؟".

نظر ألتريك إلى الطاولة، ثم إلى مارا: "يبدو الملك مهتماً بكل ما نفعله، لذا...".

لم يتحدث أحد للحظة. تحركت النار في الموقد، واستقر الخشب بصوت طقطقة خفيف.

قال مارا وهو يبتلع لعابه، وفعل هال مثله: "حسناً".

زفر هال من أنفه: "إذن براميل مملة".

قال ألتريك وهو يشير إليه: "نعم. بالضبط. براميل مملة. لا أريد أي براميل مثيرة بالقرب من هذا".

أراد ألتريك أن يقول برميلاً يشبه فايل لكنه فكر أنه نال ما يكفي من المضايقات اليوم.

قالت هيستا وهي تتكئ إلى الوراء وتشبك ذراعيها: "البراميل المثيرة غالباً براميل سيئة".

قال ألتريك وهو يشير إلى المبنى: "تلك واحدة من أصدق الأشياء التي قيلت في هذا المبنى".

أومأ مارا، وقد ذهب عقله إلى مكان آخر، يفرز المخزون، والأشخاص، والتخزين، والخطر، وكل برميل أزعجه قط: "سأختارها أنا".

قال ألتريك وهو يومئ لها: "شكراً لك".

قال مارا بابتسامة وهو يراقب ألتريك بحذر: "أخذ رجال الملك أنبوب الموانئ أيضاً هذا الصباح".

تجمد ألتريك. لم يقصد ذلك.

جسده سمع عبارة «أنبوب الموانئ»

وقرر ببساطة أن الحركة خلقت للرجال السعداء. بدا تعبير مارا بريئاً بعناية. نظر هال إلى الأسفل. أخذت سيرين رشفة شاي. رفع فايل نظره من ملاحظاته باهتمام أكثر من اللازم. أدار ألتريك رأسه ببطء نحو النافذة، أسموها نافذة لكن لم يكن فيها زجاج. فقط مصاريع مغلقة.

سأل فايل رافعاً نظره: "وصل بأمان؟".

قال مارا وهو يراقب تعبير وجه فايل: "أظن ذلك؟ جاءوا عربة كبيرة لأخذه. أخذ منهم وقتاً لإخراجه من القبو".

قال فايل باختصار: "جيد".

وحول انتباهه مجدداً إلى ملاحظاته.

أضاف مارا والتفت إلى ألتريك بنفس الابتسامة البريئة: "كانت رائحته طيبة، وما زال هناك الآخر".

قال ألتريك وما زال يهمهم ناظراً من النافذة: "واحد يكفي".

في الخارج، دفع الريح مصاريع المقر ولم يجد طريقاً سهلاً للداخل.